← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30129

تزكية النفس مفهومها ومراتبها وأسبابها

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (42 стр.). Показаны 36–42 · переход к 41.

стр. 36

الخطرة، فإن دفعها استراح ممَّا بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة؛ فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عالجها وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، واقترن بها الفعل ولابد» (١). فهذه الأمور إذا تنبَّه لها الإنسان أدرك أنَّ تحقيق باب سدِّ الذرائع بغضِّ البصر عن النساء وعن الصور المحرمة، وكذلك تجنب أسباب الفتنة كالأسواق ومجالس العوام الذين لا يُبالون بدينهم، وفي مقابل هذا مجالسة الصالحين وكثرة المكث في المساجد، والاعتزال في البيوت عند وجود الفتنة، وعدم مخالطة أهل الشرِّ، كل هذه من أعظم أسباب الوقاية من الذنوب والمعاصي. ولهذا كان السلف في عصور مضت يرون أنَّ العُزلة قد آن وقتها؛ لكثرة الشر والفتنة، ولكنَّ العُزلة أيضًا لها أحكام

стр. 37

وشروط وقيود ينبغي أن تُفقه، فالذي يعتزل مع العلم والفقه، مع تأديته للواجبات من الصلاة في المساجد وغيرها فهو على خير، وأمَّا من يعتزل مع جهل فلربَّما استحوذ عليه الشيطان ولبَّس عليه في دينه. ٥ - شكر الله على توفيق العبد للطاعات: من أسباب تزكية النفس أيضًا: أنَّ الإنسان إذا وُفِّق للطاعة أن يحمد الله عليها كما قال الله في الحديث القدسي: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» (١). فالإنسان إذا وفقه الله إلى الطاعة عليه أن يعلم أنَّ هذا من توفيق الله له، وأنَّ هذا من مِنَّة الله عليه، فهذا له فوائد كثيرة:

стр. 38

فالعبد إذا أثنى على الله بِمَا منَّ عليه من الطاعة يكون قد أدَّى شكر هذه النعمة، والشكر هو قيد النعم، فإذا شكر ربه على توفيقه للطاعة وقال: اللهم ما وفقتني إليه من العمل فمنك، فأسألك أن تتقبله مني، يكون هذا من أعظم أسباب القبول، ومِمَّا يورثه الاستقامة على هذه الطاعة لأنَّه يُثني على الله بها، ويعلم أنَّها من الله، وأمَّا إذا نسب الطاعة لنفسه وأنه أدَّاها بحوله وقوته؛ فهذا من أسباب الخذلان وعدم التوفيق، ويُخشى على العبد أن يُسلب هذه النعمة. ومن آثار الثناء على الله بالطاعة أنَّ العبد إذا عرف أنَّ طاعته هي من مِنَّة الله عليه، فإنَّ هذا يورثه الذل والخضوع لله، ويكسر في نفسه العُجب فلا تجده مُعجبًا بعمله ولا معجبًا بعبادته، وإنّما هو ذليل خاضع لربِّه، وهذا مِمَّا يزيده رفعة عند الله، ولهذا كان السلف يُفضِّلون العبادة مع الذلِّ والانكسار.

стр. 39

قال مطرف بن عبد الله الشخير: «لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح مُعجبًا» (١). لأن مقام العبودية هو الذلُّ والخضوع والانكسار لله ، ومنزلة المتعالي المتكبر بعبادته ليست من منازل العبودية وإنَّما هي من تلبيس الشيطان، فإذا عرف العبد أنَّ طاعته مِنَّة من الله أثنى على الله بها، كما قلنا في الذنوب يعرف أنَّ ذنبه منه، وأنَّ طاعته بتوفيق الله، وهذه من أفضل المراتب التي تزكو بها النفس، عندما يعلم الإنسان أنَّ ما وُفق له من خير فهذا من توفيق الله له، وما وقع فيه من الذنوب فبسبب ذنوبه وتقصيره. فمن كان على هذه الحال يُرجى له التوفيق والهداية والاستقامة على طاعة الله لحسن ظنِّه بربِّه ومقته لنفسه.

стр. 40

٦ - الاشتغال بأفضل الأعمال: كما أنَّ من أسباب تزكية النفس: الاشتغال بأفضل الأعمال بحسب اختلاف الأحوال والأمكنة والأزمان؛ فيمتثل الإنسان طاعة الله بحسب حاله في ذلك الزمان، فإذا كان المقام مقام دعوة اشتغل بدعوة الناس وإرشادهم، وإذا كان المقام مقام طلب للعلم طلب العلم، وإذا كان المقام مقام إعانة الناس والإنفاق عليهم في حوائجهم وفيما يحتاجون إليه أنفق عليهم. ولهذا فالعبادة تَفْضُل بقدر انتفاع الناس بها، فقد يكون الزمن زمن فقر وحاجة فالإنفاق على المحتاجين وسد حاجتهم أفضل من الاشتغال بالعبادات القاصرة على النفس. وإذا كان المقام مقام فتنة تموج بالناس وتلتبس عليهم الأمور فمقام بيان الحق وإزالة الشبه من أفضل المقامات ولا يعدله مقام.

стр. 41

فإذا كان العبد فقيهًا بهذه المسائل، على عناية بها، فإنه يشتغل بأفضل العمل بحسب الزمان والمكان والحال، وأما إن لم يكن على علم وفقه فلربَّما اشتغل بعمل مفضول يُفوِّت عليه الكثير من الأعمال الفاضلة، وهذا الأمر عدَّه العلماء من تلبيس الشيطان. كما ذكر الإمام ابن القيم في سياق ذكر العقبات التي يلبس بها الشيطان على الإنسان، قال ﵀: «العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له. وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا … فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له» (١).

стр. 42

فإذن هذه مرتبة من مراتب تلبيس الشيطان أن يشغل الإنسان بعبادة مفضولة ليفوِّت عليه عبادة فاضلة أفضل منها. والأمر كلُّه مرجعه إلى توفيق الله مع ما يبذله العبد من الأسباب من دعاء الله والتوكل عليه وغيرها من الأسباب السابقة. فهذا بعض ما أردت التنبيه عليه في هذا الباب العظيم، وهو باب واسع كما سبق التنويه عليه، ولكن هذه إشارات مختصرة؛ أسأل الله أن تكون نافعة ومؤدية للغرض من التنبيه على هذا الباب العظيم الذي أسأل الله أن يوفقنا للعمل له، وأن يُعيننا على أنفسنا، وأن يرزقنا زكاة النفس، والامتثال لطاعة الله . هذا وأسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح، والله أعلم. وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.