Полный текст (40 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة الإصدار الثاني:
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً، أما بعد. فبعد الإصدار الأول في ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٥ هـ لهذا الكتاب وقفتُ على حديثٍ لأبي فراس السلمي ﵁ (الإبانة الكبرى ١/ ٣٣٨ رقم ٢٠٣) والذي كان عمدةً في إثبات حجية قول الصحابي وخصوصاً إذا قال "سنة" وغيره فشرعتُ في مراجعة الإصدار الأول لهذا الكتاب. وقد انتهيت من الإصدار الثاني في ١٤٤٦/ ٦/ ٢٩ الموافق ٣٠/ ١٢/ ٢٠٢٤.
стр. 2
مقدمة الإصدار الأول:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد،
فمع ازدياد في معدلات الطلاق بين المتزوجين شرعت في البحث عن أحكام الطلاق في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة والصحابي والعلماء إلى أن وقفت على فتوى للعلامة الألباني يشترط الإشهاد لوقوع الطلاق (سلسلة الهدى والنور - شريط: ٤٠٢). وقبله الإمام ابن حزم في المحلى بالآثار (١٠/ ١٧).
стр. 3
وفي مراحل وضعي لهذا العمل وجدت من تكلمَ في هذه المسألة لم يستوعب لكافة الأحاديث والآثار في هذا الباب وخصوصاً روايات عمران بن حصين ﵁ وهي العمدة في هذه المسألة والتي لم يُطرق لبعضها في كتب الفقه. وعليه قمت باستيعابها تلك الأثار تخريجاً وحكماً. ومن ثمَ شرعتُ في بيان أدلة من قال إن الإشهاد عند الطلاق مستحباً وأيضاً من قال إنه واجباً وشرطاً. ثم بيان أن الراجح هو اشتراط الإشهاد عند الطلاق والرجعة. سائلاً الله أن يخلص نياتنا ويتقبله وينفع به. هذا والله ولي التوفيق.
стр. 4
أدلة المانعين لوقوع الطلاق بدون إشهاد عند الطلاق:
فأما المانعون فقد استدلوا بنصوص صريحة صحيحة من الكتاب والسنة والصحابة والتي لها حكم المرفوع إلى النبي ﷺ .
١) فمن الكتاب، قوله تعالى "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا * فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا" (الطلاق: ١ - ٢). فالإشهاد في قوله تعالى "وأشهدوا ذوي عدل منكم" يعود على الطلاق والرجعة معاً لأثرٍ حسن لابن عباس ﵁.
٢) أثر ابن عباس ﵁:
قال ابن جرير الطبري: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قال: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي
стр. 5
عدتها أشهد رجلين كما قال الله (وأشهدوا ذوي عدل منكم) عند الطلاق وعند المراجعة" (تفسير الطبري ٢٨/ ٨٨) وهذا حديث حسن، فقد تُكلم في رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه لم يسمع من ابن عباس لكن علي بن أبي طلحة حمل عن مجاهد وعكرمة، قال الطحاوي "احتملنا حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ وإن كان لم يلقه لأنه عند أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد وعن عكرمة" (شرح مشكل الآثار ٦/ ٢٨٢ رقم ٢٤٨٣) وكذلك قال ابن حجر "لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه" (العجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٧) وتُكلم أيضاً في أبي صالح عبد الله بن صالح في حديثه عن الليث إلا أن نسخته عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس جيدة فقد أكثر منها البخاري في صحيحه، قال ابن حجر "لكنهم قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به" (الأمالي المطلقة: صفحة ٦٢). ويعضده ما جاء بسند حسن عن صاحب ابن عباس سعيد بن جبير أنه قال "الطلاق الذي أمر الله به أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر من غير جماع وأن يشهد على طلاقها وعلى
стр. 6
رجعتها إن أراد ذلك فذلك الطلاق الذي أمر الله به" (سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٩٩ رقم ١٠٦٢). ويشهد لأثر ابن عباس هذا أثر الصحابي عمران بن حصين المتفق على صحته الذي سيأتي ذكره وهو العمدة في هذه المسألة.
٣) أثر عمران بن حصين ﵁:
لقد صح "أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد"، أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦) وقال: حدثنا بشر بن هلال أن جعفر بن سليمان حدثهم عن يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين .... الأثر". وإسناده صحيح.
وفي روايات أخرى صريحة صحيحة عن عمران بن حصين مدارها على محمد بن سيرين أو مطرف أن رجلاً سألَ عمران ومرةً سُئل عمران عن رجل طلقَ ولم يشهد وراجعَ ولم يشهد:
أ) فقد أخرجَ الطبراني في المعجم الكبير وقال "حدثنا عبدان بن أحمد ثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري ثنا جعفر بن سليمان عن
стр. 7
يزيد الرشك عن مطرف قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته تطليقة ولم يشهد ثم راجعها ولم يشهد؟ فقال عمران "طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها" (المعجم الكبير ١٨/ ١٣٠ رقم ٢٧١). وهذا الخبر يعضد ما أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن الكريم (٢/ ٣٢٨ رقم ١٨٠٧) وقال: حدثنا يحيى قال حدثنا نعيم قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال حدثنا مطرف عن عمران "فيمن طلق واحدة ثم وقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلق لغير عدة وراجع لغير سنة، ليشهد على طلاقه وعلى رجعتها ولا يعد". وهذا الإسناد رجاله موثقون وإن تُكلم في نعيم بن حماد إلا أنه حسن فالراوي عن نعيم هو يحيى بن معين وهو أعرف الناس بحماد لقول ابن معين " نعيم بن حماد، ثقة صدوق رجل صدق، أنا أعرف الناس به" (تاريخ بغداد رقم ٧٢٣٧) وابن معين لا يروي إلا ثقة وقد سبر ابن عدي أحاديثه المتكلم فيها وقال "وعامة ما أنكر عليه هو هذا الذي ذكرته وارجوا ان يكون باقي حديثه مستقيما" ولم يذكر هذا الحديث (الكامل في ضعفاء الرجال رقم ١٩٥٩).
стр. 8
ب) وصحَ عن عمران أنه قال "طلقتَ في غير عدة وارتجعتَ في غير سنة"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٨) وقال: عن الثوري عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين عن عمران بن الحصين قال: .... الأثر". وإسناده صحيح.
ت) وصحَ عن عمران أنه قال "طلق في غير عدة وارتجع في غير سنة فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) وقال: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: سأل رجل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد" قال: .... الأثر". ورجاله ثقات وإن تكلم في معمر فهو "ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة وعاصم بن أبي النجود شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة" (تقريب التهذيب رقم ٦٨٠٩) وهذا الأثر حدث معمر به في اليمن بعد أن رحل لليمن فلم يرويه عنه إلا عبد الرزاق وعبد الرزاق كان في اليمن وهو أثبت الناس في حديث معمر (تاريخ ابن معين - رواية الدوري رقم ٥٣٨) وقال ابن رجب: قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان
стр. 9
يحدثهم بخطأ بالبصرة" (شرح علل الترمذي: صفحة ١٢١). وأخرج أيضاً عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٦) وقال: قال معمر وحدثني قتادة عن العلاء بن زياد عن عمران بن الحصين بمثل ذلك". وإن كان معمر ضُعف في قتادة وعنعنَ قتادة فيه وهو مدلس إلا أن كل من الإسناديين يعضد الآخر فلا ينزل هذا الأثر عن درجة الحسن.
ث) وصحَ عن عمران أنه قال "بئس ما صنع، طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، ليشهد على ما فعل" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧)، أخرجه عبد الرزاق وقال: عن ابن جريج قال: أخبرني أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين: أن رجلا سأل عمران بن الحصين، فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد قال … الأثر". ويشهد له ما أخرجه الطبراني وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج أنا أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد؟ قال: … الأثر" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤٢١). وإسناده صحيح وإن تُكلم في إسحاق بن إبراهيم الدبري، قال الذهبي "قال ابن عدي: استصغر في عبد الرزاق،
стр. 10
أحضره أبوه عنده وهو صغير جدًا فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، قرأ غيره وحدث عنه بأحاديث منكرة" ثم تعقبه الذهبي فقال "ساق له حديثًا واحدًا من طريق ابن أنعم الإفريقي يحتمل مثله فأين الأحاديث الذي ادعى أنها له مناكير والدبري صدوق محتج به في الصحيح سمع كتبًا فأداها كما سمعها" (تاريخ الإسلام ٦/ ٧١٤). وأخرجه أيضاً الطبراني فقال: وحدثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين بمثله" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤٢٢). وإسناده صحيح.
ج) وصحَ عن عمران أنه قال "إن طلقَ في غير عدة وراجعَ في غير سنة فليشهدْ الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩)، أخرجه البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة ويونس بن عبيد عن الحسن وأيوب عن ابن سيرين عن عمران، ورجاله ثقات وإن تكلم في حماد بن سلمة من جهة اختلاطه فهو ثقة وفي هذا الحديث روى حماد عن قتادة وهو من أصحاب قتادة الثقات وعندما ذكره الدارمي في أصحاب قتادة وسأل الدارمي ابن معين عن حاله فقال "ثقة" (تاريخ ابن معين - رواية الدارمي صفحة ٤٩) وسبر ابن عدي
стр. 11
أحاديث حماد المتكلم فيها في الكامل في ضعفاء الرجال (٤٣١) ولم يذكر هذا الأثر.
ح) وصحَ عن عمران بن حصين أنه قال "طلقَ في غير سنة وراجعَ في غير عدة، ليشهدْ الآن"، أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) وقال: حدثنا أحمد بن محمد الخزاعي الأصبهاني ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو هلال ثنا محمد بن سيرين قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ فقال … الأثر". وإسناده حسن. وإن تكلم في أبي هلال محمد بن سليم الراسبي في مروياته عن قتادة وهو لا ينزل عن درجة حسن الحديث. وقد توبع أبو هلال الراسبي عند ابن المقرئ في معجمه (١٨٥/ ٥٦٨) وقال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن نصير بن إبان ثنا أحمد بن عصام ثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته فلم يعلمها، وراجع فلم يشهد قال: "بئس ما صنع، طلق لغير السنة، وراجع لغير العدة، ليشهد على ما صنع". وهذا إسناد حسن فرجاله موثقون سوى أبي الحسين أحمد بن محمد بن نصير فقد روى عنه أبو بكر ابن المقرئ (معجم ابن المقرئ ١٨٥/ ٥٦٨) والحافظ
стр. 12
محمد بن علي بن عمر بن مهدي الأصبهاني (ثلاثة مجالس من أمالي أبي سعيد النقاش ١/ ٣٥ رقم ٣٤) وأبو بكر بن مردويه (تاريخ الإسلام ٤٥/ ٢٠٢) وأخرج له الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٢٢٥ رقم ٢٣٨) ولم يرد فيه جرح فلا ينزل عن درجة حسن الحديث.
وإلى هنا وجب القول إن عمران بن حصين ﵁ هو من فقهاء الصحابة فقد أخرج أبو نعيم بسند صحيح في معرفة الصحابة (٤/ ٢١٠٨ رقم ٥٢٩٧) وقال: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدؤلي قال: قدمت البصرة وبها أبو نجيد عمران بن الحصين وكان عمر بن الخطاب بعثه يفقه أهل البصرة". وكذلك ابن سيرين قال "ما قدم البصرة أحد من أصحاب النبي ﷺ يفضل على عمران بن الحصين" (المعجم الكبير ١٨/ ١٠٤ رقم ١٩٠). وأما ما جاء عن الدارقطني أنه قال "لم يسمع] محمد بن سيرين [من عمران بن حصين" (تهذيب التهذيب ٣/ ٥٨٧) إلا أن هذا القول إن صح من الدارقطني لا يسلم به فمحمد بن سيرين ثقة ولم يعرف بالتدليس وقد توفي في ١١٠ هـ (تقريب التهذيب رقم ٥٩٤٧) وعليه
стр. 13
فإدراكه لعمران ﵁ المتوفي في ٥٢ هـ (تقريب التهذيب رقم ٥١٥٠) راجح وقد صرح ابن سيرين بسماعه من عمران ﵁ فيما أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٣٧ رقم ٢١٨) وقال: حدثنا يحيى بن خلف الباهلي حدثنا المعتمر عن هشام بن حسان عن محمد - يعني: ابن سيرين - قال: حدثني عمران قال … الحديث".
لفظ "سنة" لها حكم الرفع:
وهذا الأثر موقوف اصطلاحاً ومع قول عمران بن حصين فيه "لغير سنة" فيكون مرفوع حكماً للنبي ﷺ لأن الصحابة لا يهتدون ولا يأخذون الا بسنة النبي ﷺ لقوله ﷺ "لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يتبعون أمره ويهتدون بسنته … " (الإبانة الكبرى ١/ ٢١٢ رقم ٥٤ وشعب الإيمان ٦/ ٨٦ رقم ٧٥٦٠ بألفاظ قريبة) والفعل المضارع هنا في "يهتدون" يفيد أن هذا حالهم على الدوام. ولما رواه أبو فراس الأسلمي ﵁ عن ﷺ "والذي نفسي بيده لا يبتدع رجل شيئا ليس في سنتي ولا في سنة أصحابي إلا كان ما خالف خيرا مما ابتدع ولا تزال به بدعته حتى يجحد كل ما جئت به" (الإبانة الكبرى ١/ ٣٣٨ رقم ٢٠٣). وإيضاً صحَ إن ابن مسعود قال "إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى" (صحيح مسلم ١٤٨٧) والذي يدل على إن إستعمال الصحابي كلمة "سنة" لها حكم الرفع لان النبي ﷺ هو الذي علم أصحابه السنة التي يكون بها الهدى. وبه فهم التابعين ومن بعدهم فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن شهاب عن سالم
стр. 14
بنِ عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال سالم له: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة. قال ابن شهاب: لسالم: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنما يتبعون سنته" (صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٥٣ رقم ٢٨١٣). فنقل سالم - وهو أحد الفقهاء السبعة من المدينة وأحد الحفاظ من التابعين - عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة فإنهم لا يريدون بذلك إلا سنة النبي ﷺ .
معنى لفظ "غير سنة":
هذا ولفظ "غير سنة" التي قاله الصحابي لا تأتي في كتب السنة إلا بمعنى البدعة أو خلاف الدين لأمورٍ:
الأول: لقول النبي ﷺ "والذي نفسي بيده لا يبتدع رجل شيئا ليس في سنتي ولا في سنة أصحابي إلا كان ما خالف خيرا مما ابتدع ولا تزال به بدعته حتى يجحد كل ما جئت به" (الإبانة الكبرى ١/ ٣٣٨ رقم ٢٠٣)،
والثاني: لقول عمران ﵁ مرةً "طلقَ في بدعة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧) فيمن طلقَ ولم يشهدْ، وعمران هو راوي الحديث وهو أدرى بحديثه،
стр. 15
والثالث: لقول حذيفة ﵁ "لو مت مت على غير سنة محمد ﷺ " وفي روايةٍ أخرى قال حذيفة "ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ عليها" (صحيح البخاري ١/ ١٥٨ رقم ٧٩١). ويؤكد ذلك قول النبي ﷺ "من مات على هذا مات على غير ملة محمد ينقر صلاته كما ينقر الغراب الدم" (صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٣٢ رقم ٦٦٥) وإسناد حسن ورجاله ثقات سوى شيبة بن الأحنف الأوزاعي وهو حسن الحديث، فقد قال عنه ابن عبد الهادي "لا بأس به" في تعليقة على العلل لابن أبي حاتم (١/ ٢١٠) وذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه الوليد بن مسلم ومحمد بن شعيب بن شابور وهشام أبو عبد الله صاحب الصدقة (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٧٥) ولم يرد فيه جرح،
والرابع: فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال "من رغب عن سنتي فليس مني … فإن لكل عابد شرة ولكل شرة فترة فإما إلى سنة وإما إلى بدعة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك" (مسند أحمد ١١/ ٨ رقم ٦٤٧٧ ومسند البزار ٦/ ٣٣٨ رقم ٢٣٤٦ وإتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة ١/ ١٠٢) وفي روايةٍ "أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر ولكل عمل شرة
стр. 16
ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن تكن إلى غير ذلك فقد ضل ومن رغب عن سنتي فليس مني" (شرح مشكل الآثار ٣/ ٢٦٧ رقم ١٢٣٨ - ١٢٤٠) وأيضاً "من رغب عن سنتي فليس مني، إن لكل عمل شرة ثم فترة فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى" (مسند أحمد ٣٨/ ٤٥٧ رقم ٢٣٤٧٤).
والشرة والفترة في الطلاق هو في التلاعب بالطلاق فقد صح عن زيد بن وهب أنه قال "لقي رجل رجلا لعاباً بالمدينة فقال: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم قال: كم؟ قال: ألفاً قال: فرفع إلى عمر قال: فطلقت امرأتك؟ " قال: إنما كنت ألعب" فعلاه بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاثة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ٣٩٣ رقم ١١٣٤٠) ويؤكده قول النبي ﷺ "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٥٢٨ رقم ١٤٨٩٨). وهذا التلاعب في الطلاق رفضه النبي ﷺ لقوله "لم يقول أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها " (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٥٢٨ رقم ١٤٩٠٠) وإسناده حسن وقد تُكلم في يزيد بن عبد الرحمن الدالاني
стр. 17
وهو حسن الحديث فقد قال عنه ابن معين والنسائي "ليس به بأس" وأبو حاتم "صدوق ثقة" والحاكم "أن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والإتقان" وروى عنه الثقات الأثبات منهم شعبة والثوري (تهذيب التهذيب ١٢/ ٨٢) وقال الذهبي "يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني مشهور حسن الحديث" (المغني في الضعفاء رقم ٧١٢٢).
إطلاق الصحابي "غير سنة" على الطلاق:
وقول عمران ﵁ "لغير سنة" هو الطلاق البدعي وذلك أن نفس الصحابي قال مرةً "طلقَ في بدعة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧) فيكون طلاق السائل بدعياً وعليه فطلاقه مردود لقوله ﷺ "من فعل في أمرنا ما لا يجوز فهو رد" (مسند أبي داود الطيالسي ٣/ ٤٣ رقم ١٥٢٥ والإبانة الكبرى ١/ ٣١١ رقم ١٤٧) والذي "لا يجوز" هنا هو عدم الإشهاد لقول الصحابي "ولا تعد" الذي يفيد النهي كما جاء في أمره "وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦). فُعلم أن الطلاق إما سني وإيما بدعي كما صرح عمران "طلقَ في بدعةٍ" وهو الذي يكون فيه الندم قطعاً. ودليل ذلك ما قاله علي ﵁ "ما طلق رجل طلاق
стр. 18
السنة فيندم أبداً" (السنن الكبرى ٧/ ٥٤٢ رقم ١٤٩١٧ والأحاديث المختارة ٢/ ٢٤٨ رقم ٦٢٥).
الإشهاد شرط لصحة الطلاق:
ويؤيد أن الإشهاد شرطٌ عند القيام بالطلاق أمران:
الأمر الأول: إبطالُ الصحابي طلاق السائل لعدم الإشهاد وكذلك الرجعة بدون شهود بقوله "طلقَ في غير عدة" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩) لأن الطلاق الصحيح يُعتدُ له لقوله تعالى "فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق: ١). فلو كان الصحابي يرى وقوع طلاق السائل بدون الحاجة للإشهاد لما احتاج أن يقول "طلقتَ في غير عدة" أو لقالَ "طلقتَ في عدة" أو نحوه لقوله تعالى "فطلقوهن لعدتهن" ولكنه لم يره صحيحاً فقال "طلقتَ في غير عدة" وقد كانت أول تطليقة له (المعجم الكبير ١٨/ ١٣٠ رقم ٢٧١ وأحكام القران ٢/ ٣٢٨ رقم ١٨٠٧)، قال الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى "قول عمران بن حصين: طلقَ في غير عدة" معناه أنه لما لم يشهد عند طلاقه لم يحسب له تلك الأيام من العدة ولا تعتد بها" (التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة ٢/ ٧٠٥). ويؤكد ما تقدم هنا هو ما قاله عمران "راجعَ في غير عدة"
стр. 19
(المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) فيمن راجعَ ولم يشهدْ. فلو كانت مراجعته صحيحةً بدون إشهاد عند المراجعة لما احتاج أن يقول "راجعَ في غير عدة" أو لقالَ "راجعَ في عدة" أو نحوه لقوله تعالى "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف" ولقول ابن عباس أيضاً "إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها … الأثر" فالمراجعة لا تكون إلا في عدةٍ ولكنه لم يرى مراجعته صحيحاً فقال "راجعَ في غير عدة". فجاء جوابه موافقاً بقوله "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦)،
والأمر الثاني: استخدام عمران ﵁ "إن" الشرطية وأيضاً إبطاله الطلاق في مكانٍ واحدٍ في قوله "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). فقوله "إن" هو "إن" الشرطية وقوله "طلق في غيرة عدة" هو إبطالٌ لطلاقه معاً في مكانٍ واحدٍ فجاء جوابه "فليشهد الآن" والذي يلزم منه إعادة الطلاق مع الأتيان بالإشهاد عند الطلاق وكذلك عند المراجعة كما جاء موضحاً في قوله "فأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦). ونظيره قول
стр. 20
النبي ﷺ للمسيء صلاته " أعد صلاتك فإنك لم تصل"، فقال: يا رسول الله، كيف أصنع؟ فقال "إذا استقبلت القبلة فكبر … " (صحيح ابن حبان ٢/ ٧٥ رقم ٩٤٨) على الرغم من أن الرجل قد صلى لقول راوي الحديث - رفاعة ﵁ "جاء رجل ورسول الله ﷺ في المسجد فصلى قريباً منه … الحديث". فعُلم أن لا تصح صلاة إلا بتكبيرة الإحرام. فإن صلى بدون التكبير عند استقبال القبلة فيلزم منه إعادة الصلاة مع الأتيان بالتكبير عند استقبال القبلة لقوله ﷺ "أعد صلاتك فإنك لم تصلي" وأيضاً "إذا استقبلت القبلة فكبر". وكذلك الإشهاد عند الطلاق لقول الصحابي "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). فعُلم من قوله إنه لا يصح طلاق إلا بإشهاد. فلزمَ منه إعادة الطلاق مع الأتيان بالإشهاد عند الطلاق لقوله ﵁ "طلقت لغير سنة" و"طلق في بدعة" و"راجع في غير عدة" و"فليشهد الآن" و"أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد".
وأيضاً إن كان النكاح لا يصح إلا بالإشهاد عند القيام بالنكاح لقوله ﷺ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٦/ ١٩٨ رقم ٤٠٦٣، قال الألباني عنه حسن
стр. 21
صحيح) فكذلك الإشهاد عند الطلاق فالطلاق والرجعة ألصق بالنكاح لقوله ﷺ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٥ رقم ٢١٩٤) والحديث حسن لغيره وإن كان إسناده ضعيفاً لضعف عبد الرحمن بن حبيب فقد توبع بألفاظ مقاربة من قبل أبي حنيفة "عن عطاء عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة جدهن وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" (مسند أبو حنيفة - رواية الحصكفي - كتاب الطلاق رقم ١). بل إن الطلاق والرجعة أولى وأقوى لقوله ﷺ "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٥٢٨ رقم ١٤٨٩٨) والله يقول "ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين" (النساء: ١٤) ودليل معصية السائل هنا قول الصحابي "ليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) وعليه فلا يقع طلاقٌ إلا مع وجود شرط الإشهاد لقوله ﷺ "لا طلاق فيما لا يملك" (سنن ابن ماجه ٣/ ٢٠٢ رقم ٢٠٤٧) فلا بد من القيام بالطلاق والإشهاد معاً لأنه لا يملك الطلاق من دون شهود كما لا يملك الطلاق قبل النكاح أو الطلاق في طهر
стр. 22
جامعها فيه. ولا يجزئه أن يأتي بشرط الإشهاد لاحقاً من دون القيام بالطلاق معاً لقوله ﷺ "من طلق ما لا يملك فلا طلاق له" (المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٣٣ رقم ٨٧٢٢) وعليه فلا بد من وجود الشرط لوقوع الطلاق. ويعضده فتوى علي ﵁ الذي أخرجه سعيد بن منصور بسند حسن في سننه (١/ ٢٩٠ رقم ١٠٢٥) وقال: نا هشيم أنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يحدث عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سئل عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فقال: ليس بشيء، لا طلاق إلا بعد ملك" وهو صحيح فلا يملك الطلاق قبل النكاح لقوله ﷺ "لا طلاق إلا من بعد نكاح" (سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٩١ رقم ١٠٢٧). قال ابن القيم في إثبات عدم وقوع طلاق الحائض "إنما يقع من الطلاق ما ملكه الله للمطلق ولهذا لا يقع به الرابعة لأنه لم يملكها إياه ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق المحرم ولا أذن له فيه فلا يصح ولا يقع" (زاد المعاد ٥/ ٣٢٠).
معنى حرف الجر "على" في قوليه "أشهد على ما صنعت" و"أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد":
стр. 23
ففي أمره بالإشهاد، جاء الحرف "على" بمعنى "من أجل" طلاقه البدعي ومرةً بمعنى "عند" الطلاق والمراجعة:
فـ "على" في قوله ﵁ "أشهد على ما صنعت" (سنن سعيد بن منصور ١/ ٣٥٥ رقم ١٣٢٣) ليس لها معنى سوى التعليل بمعنى "من أجل" ما صنع من الطلاق البدعي لأن الصحابي قد بدأَ بذم طلاقه بدون إشهاد "بئس ما صنعَ" وبدعه "طلقت في بدعة" وأبطلَ طلاقه ومراجعته "طلق في غيرة عدة" و"راجع في غير عدة" وأمره بإعادة الطلاق والمراجعة كلاهما مع الإشهاد "فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله" وعلى الحال "فليشهد الآن" وأن لا يعود له "ولا تعد". ونظيره قوله تعالى "ولتكبروا الله على ما هداكم" (البقرة: ١٨٥).
وعليه فـ "على" في قوله "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦) ليس لها معنى هنا سوى "عند" لاشتراطه ﵁ الإشهاد لصحة الطلاق باستخدامه "إن" الشرطية وإبطاله الطلاق معاً في قوله "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). ودليل ذلك قوله "ولا تعد" نهي عن ما وقع منه عندما
стр. 24
"لم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها" فجاء جواب الصحابي "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦). ويشهد لذلك قول الصحابي مرةً "فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) فأمره ﵁ له "ليستغفر الله" فيه دليل أن عدم الإشهاد عند الطلاق والمراجعة فيه معصيةٌ ومخالفةٌ لشرع الله فأمره بالاستغفار عليه ولو كان أمراً غير مخالف لما أمره بالاستغفار. ويعضده تفسير ابن عباس ﵁ في قوله تعالى "أشهدوا ذوي عدل منكم: عند الطلاق وعند المراجعة". ونظير ذلك من الكتاب قوله تعالى "وأتى المال على حبه" (البقرة: ١٧٧).
فوائد:
الأولى: لو كان الطلاق وقع مع نقصانه للإشهاد لكتفى الصحابي بأمره بالإتيان بالإشهاد من دون الحاجة أن ينص أن طلاقه بدعياً في قوله "طلقت في بدعة" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤١٩) فكان طلاقه بدعياً مردوداً لقوله ﷺ "من فعل في أمرنا هذا ما لا يجوز فهو رد" (مسند أبي داود الطيالسي ٣/ ٤٣ رقم ١٥٢٥) ولما أمره "ليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥).
стр. 25
والثانية: ما جاء في سؤال السائل في سنن أبي داود وابن ماجه أنه "يطلق امرأته ثم يقعَ بها ولم يشهدْ" فيه فائدة تدفعُ تصورُ من ظنَ أن السائل كان طلقها وهي حائض أو في طهر جامعها فيه. وهذا تصور لا يتأتى وقد جاء السؤال مقيداً بلفظ "طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد" في الروايات الصريحة الصحيحة في مصنف عبد الرزاق والمعجم الكبير والسنن الكبرى للبيهقي وغيرهم فوجب حمل الأثر على ظاهره. ولو كان كما زعموا لبينَ الصحابي للسائل بشكل لا يدع مجال لشك بأن عليه تطليقها في طهر لم يجامعها فيه كما فعل النبي ﷺ مع ابن عمر لما طلقَ زوجته وهي حائض. ولما جاء أمر الصحابي محصوراً في الإشهاد على الطلاق. وكذلك من ظنَ أن مراجعته كانت بعد انتهاء العدة في قوله "راجع في غير عدة" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) فهو ظن متوهم فلو كان كذلك لبينَ الصحابي له أنها لا تحل له إلا بفعل ما يلزمه من العقد الجديد. ولما جاء أيضاً أمر الصحابي محصوراً في الإشهاد على المراجعة كما جاء جوابه "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦).
стр. 26
٤) صنيع علي بن أبي طالب ﵁:
فقد أخرج ابن أبي شيبة فقال: نا عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن خلاس "أن رجلاً طلق امرأته وأشهد رجلين في السر وقال: اكتما علي فكتما عليه حتى انقضت العدة فارتفعا إلى علي فاتهم الشاهدين وجلدهما ولم يجعل له عليها رجعة" (مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٢٤ رقم ٢٠١١٧).
وهذا أثر صحيح. وإن كان قتادة ثقة مشهور بالتدليس فقد أخرج أصحاب الصحاح مرويات قتادة المعنعنة عن خلاس (صحيح مسلم ٢/ ٣٢ رقم ٤٣٩ وابن خزيمة ٣/ ٢٥ رقم ١٥٥٥ والحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٤٠٨ رقم ١٠١٤) فقد كان ملازماً لخلاس لقول شعبة "رأيت قتادة عند خلاس بن عمرو" (العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل - رواية ابنه عبد الله رقم ٤٦٨٠) فكان يحيى بن سعيد "لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئا يعني كأنه لم يسمع منه، وكان يحدث عن قتادة عن خلاس عن غيره عن عمار" (الضعفاء الكبير رقم ٤٤٩) فأثبت يحيى رواية قتادة عن خلاس في الحالتين. وإن كان سماع خلاس من علي متكلم فيه إلا أن هذه القصة التي رواها خلاس لفعل علي ﵁ قد أدرك خلاس
стр. 27
وقوعها فقد "كان من شُرط علي" (أحوال الرجال ١٨٨) وقد سبر ابن عدي حديثه وقال "لم أر بعامة حديثه بأسا" (الكامل في ضعفاء الرجال رقم ٦١٧).
فعدم جعل علي ﵁ للزوج عليها رجعة هو إقرار من علي على الإشهاد في الطلاق من جهة. ومن جهة أخرى فجلد علي للشاهدين لكتمهما الشهادة هو أيضاً دليل على أن الإشهاد شرط للطلاق فلو لم يكن شرطاً لما غلظ ﵁ في العقوبة وجلدهما كما أمر تعالى لمن يقذف المحصنات ولم يأتي بأربعة شهود فأمر بجلده ثمانين جلدة وبمنع قبول شهادته (النور: ٤) فتغليظ العقوبة بالجلد دليل أن الإشهاد بأربعةٍ شرط لتحقق صحة دعوى الزنا وإلا أستحق المدعي الجلد إذا أتى بثلاث شهود فقط. وهذان الفعلان من علي ﵁ سنة فوجب التمسك بها لقول علي "جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة" (سنن أبي داود ٦/ ٥٢٨) يؤكده قول النبي ﷺ "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" (صحيح مسلم ٥/ ١٢٦).
стр. 28
أقوال الموقعين للطلاق بدون إشهاد:
فهذا الفريق وهم الجمهور استدلوا بأحاديث صحيحة، ولكن غير صريحة:
أ) قالوا: ليس هناك دليل على أن الإشهاد شرط.
* الرد: هذا القول غير صحيح فقد بينَ الصحابي أن الإشهاد لازم لتحقق الطلاق عندما استخدم ﵁ "إن" الشرطية في قوله "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة" (فعل الشرط) فجاء جواب الشرط "فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩) وهو أمر يدخل في عموم قوله "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" في سنن أبي داود (٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦)،
ب) قالوا: إن جل فتاوى الصحابة هي على ترك السؤال عن الإشهاد.
* الرد: وهذا الكلام ليس عليه نص صريح صحيح من الكتاب
стр. 29
أو السنة أو الصحابة يدل أنهم تركوه. وهذا القول قد جاء بطريق المفهوم ولا يجوز تقديم المفهوم على المنطوق الصريح من الكتاب وصنيع علي وقول ابن عباس وعمران ﵃ الذي له حكم الرفع. إذ لم ينكر أحد من الصحابة قولهما. ولم يخالفا نصاً صريحاً صحيحاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو صحابي. قال الطحاوي "وقد قال بذلك عمران بن حصين ولا نعلم له من أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك مخالفاً وقد قال بهذا القول غير واحد من التابعين" (أحكام القران ٢/ ٣٢٩ رقم ١٨٠٧).
ت) قالوا: لم يؤثر عن النبي ﷺ أو الصحابة اشتراط الشهادة لصحة الطلاق أو الرجعة مع كثرة وقوعها منهم. ففي صحيح البخاري في تطليق ابن عمر ﵁ قال "حسبت تطليقة" ولم يسأل أشهد أو ما أشهد؟ (٤/ ١٨٦٤ رقم ٤٦٢٥). وقد أمره النبي ﷺ بمراجعتها ولم يأمره بالإشهاد على الرجعة ولو كان شرطا لأمره به.
* الرد: فعدم النص على شيء معين في حديثٍ ما لا يعني عدم وقوعه. فلا يجوز تقديم المفهوم على المنطوق الصريح الصحيح. وللتقعيد: فكل ما ذكر في حديث ما فهو دليل على لزومه ما جاء فيه وأما ما لم يذكر فيه فإن دلت الأدلة الأخرى على الوجوب أو الركنية
стр. 30
فهو على اللزوم. والأمثلة كثيرة.
فقد صح عن عائشة ﵂ "أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟ فقال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" (سنن النسائي ٦/ ١٤٨ رقم ٣٤١٢).
فأين في الحديث أن طلاقه كان في طهر لم يجامعها فيه؟ وعليه فلا يقال إنه يقع طلاق الموطوءة في طهرها لأن ليس في الحديث هنا نصٌ صريحٌ أنه طلقها في طهر لم يجامعها فيه أو لأن ليس في الحديث أنه سأل النبي ﷺ إذا كان أيقعُ الطلاق في طهر من غير جماع أم لا؟ فالصحابة - رضوان الله عليهم - أكثر حرصاً لإتباع أوامر الله فقد قال ابن عمر "لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق كما أمر الله " (صحيح البخاري ٥/ ٢٠٢٦ رقم ٤٩٨٥).
هذا ومن احتج بالمفهوم من حديث ابن عمر ﵁ في تطليقه وهي حائض فقد احتج بمفهوم ولا يجوز تقديم المفهوم على النص الصريح الصحيح في قول عمران ﵁ "طلقتَ لغير سنة" و "طلقَ في بدعة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧) والذي له حكم المرفوع للنبي ﷺ . ومثاله حديث المسيء صلاته. فكل ما ذكر
стр. 31
في حديث المسيء صلاته فهو دليل على لزومه لقول النبي ﷺ في بداية الحديث "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى … الحديث" (سنن أبي داود ٢/ ١٤٤ رقم ٨٥٨). وأما ما لم يذكر في حديث المسيء صلاته فإن دلت الأدلة الأخرى على الوجوب أو الركنية فهو على اللزوم. ولذلك فقد ثبتت ركنية أمور لم تذكر في حديث المسيء صلاته مثل التسليم. فيكون توجيه حديث المسيء على أن النبي ﷺ علّمه الأركان التي كان يُخطئ فيها وإلا فالتسليم مثلا ركنٌ لقوله ﷺ "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (جامع الترمذي ١/ ٥٤ رقم ٣ و ١/ ٢٧٨ رقم ٢٣٨). وينطبق نفس الشيء على حديث طلاق ابن عمر ﵁.
وقد روى مالك بن أنس عن القاسم بن عبد الله العمري عن عبد الله بن دينار حدثه: أن ابن عمر لما طلق صفية ابنة أبي عبيد أشهد رجلين، فلما أراد أن يرتجعها أشهد رجلين قبل أن يدخل عليها". وقال ربيعة: من طلق فليشهد على الطلاق وعلى الرجعة". أشهب عن يحيى بن سليم أن هشام بن حسان حدثه أن ابن سيرين أخبره عن عمران بن الحصين أنه سئل عن رجل طلق ولم يشهد فقال: طلق في غير عدة وارتجع في غير عدة بئسما صنع ليشهد على ما فعل" (المدونة الكبرى ٢/ ٢٣٣).
стр. 32
فهذا الأثر رجاله ثقات سوى القاسم بن عبد الله العمري فهو ضعيف إلا أن الأثر يرقى للحسن لغيره فقد ذكر مالك شاهداً له وهو أثر عمران بن حصين في نفس الموضع من المدونة. والقاسم بن عبد الله من أحفاد عمر بن الخطاب وهذا الأثر الذي رواه القاسم هو عن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر وفيه قصة، قال ابن حجر "وقد قال أحمد بن حنبل إذا كان في الحديث قصة دل على أن راوية حفظه والله أعلم" (فتح الباري ١/ ٣٦٣). والقاسم بن عبد الله العمري وإن كان مختلفاً فيه بين الترك والتضعيف إلا أن الراجح أنه ضعيف فقد قال ابن المديني عنه "ليس بشيء" وروى عنه الثقات الأثبات منهم ابن وهب وقتيبة بن سعيد (تهذيب التهذيب ٨/ ٣٢٠) وعنه أيضاً مالك بن أنس (المدونة الكبرى ٢/ ٢٣٣) ومالك لا يروي إلا عن ثقة وأكثر الشافعي عنه في مسنده (١/ ٢١٦ رقم ٦٠٠ و ٢/ ٤١ رقم ١٣٢) وفي الأم (١/ ٣١٧ و ٢/ ٤ و ٥/ ١٣١) وفي السنن المأثورة (٣٣٤/ ٣٩٠) ولم يذكر ذلك صاحب التهذيب. وقال البيهقي "كان ضعيفاً في الحديث" (السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٩٧ رقم ١٢٤٨) وابن حجر "ضعيف" (لسان الميزان ٦/ ٢١٤ - ترجمة محمد بن العباس الأنباري). وأخرج له الحاكم حديثاً في المستدرك
стр. 33
(٢/ ٤٩٤ رقم ٣٦٩٧) وقال "وشاهده حديث عمر بن الخطاب من رواية القاسم بن عبد الله العمري" وأخرج له أيضاً (١/ ٢٣٤ رقم ٤٨٠) وقال الذهبي "صحيح". وأما قول النسائي وغيره "متروك" وأحمد بن حنبل "كان يكذب" فلا يتأتى وقد روى عنه الثقات الأثبات منهم ابن وهب ومالك والشافعي وأكثرا عنه والشافعي ومالك لا يرويان إلا عن ثقة.
ث) وقالوا: إن قول عمران بن حصين "لغير سنة" يحتمل الندب أيضاً لأن السنة قد تأتي بالوجوب وقد تأتي بالندب.
* الرد: لم يوقع الصحابي طلاق السائل بقوله "طلقتَ في غير عدة" ولا مراجعته بقوله "راجعَ في غير عدة" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) وأمره أن يعيد الطلاق والإشهاد معاً والرجعة والإشهاد معاً وألا يعود لذلك ويستغفر الله. وعليه فقوله "طلقتَ لغير سنة" هنا لا تفيد الوجوب فحسب، بل تفيد أنه شرط لوقوع الطلاق لما استخدم الصحابي "إن" الشرطية في قوله "إن طلق في غير عدو وراجع في غير سنة فليشهد الان" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩)،
стр. 34
ج) وقالوا: لقد وقعَ الطلاق من السائل لقول السائل "طلقتُ ولم أشهد".
* الرد: لا يقع الطلاق وإن تلفظ بالطلاق إلا مع الإتيان بشروطه كما لايقع نكاح من أنكحت نفسها بدون إذن وليها فالنبي ﷺ أثبتَ لها النكاح بالرغم من بطلانه لقوله ﷺ "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ولها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له" أخرجه عبد الرزاق بسند حسن في مصنفه (٦/ ١٩٥ رقم ١٠٤٧٢) وقال: عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن موسى أن ابن شهاب أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: أيما امرأة نكحت … الحديث". وبنحوه في مسند أبي يعلى (٨/ ١٣٩ رقم ٤٦٨٢ و ٨/ ١٩١ رقم ٤٧٥٠ و ٨/ ٢٥١ رقم ٤٨٣٧). فدلَ قوله ﷺ هنا "نُكحت" على كونه نكاحاً، ولكنه لا يصح لقوله ﷺ "فنكحها باطل" وكذلك لا يدخل تحته من طلق في الطهر الذي جامعها فيه فإن طلاقه لا يقع وإن تلفظ به لقول النبي ﷺ "من طلق ما لا يملك فلا طلاق له" (المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٣٣ رقم ٧٨٢٢). وكذلك من طلقَ ولم يشهد عند الطلاق فلا يقع طلاقه لقول
стр. 35
الصحابي "طلقتَ لغير سنة" و"طلقَ في بدعة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧) وأمره أن يعيد الطلاق والإشهاد معاً وألا يعود لذلك.
ح) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] فأمر بالإشهاد على الرجعة والإشهاد عليها مأمور به باتفاق الأمة، قيل: أمر إيجاب. وقيل: أمر استحباب. وقد ظن بعض الناس أن الإشهاد هو الطلاق، وظن أن الطلاق الذي لا يشهد عليه لا يقع. وهذا خلاف الإجماع، وخلاف الكتاب والسنة، ولم يقل أحد من العلماء المشهورين به؛ فإن الطلاق أذن فيه أولا، ولم يأمر فيه بالإشهاد، وإنما أمر بالإشهاد حين قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] والمراد هنا بالمفارقة: تخلية سبيلها إذا قضت العدة، وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح. والإشهاد في هذا باتفاق المسلمين، فعلم أن الإشهاد إنما هو على الرجعة" (مجموع الفتاوى ٣٣/ ٣٣).
* الرد: والقول هنا بالإجماع على عدم وجوب الإشهاد ليس عليه دليل. بل أن الدليل على عدم الإجماع كما بينا من تفسير ابن عباس وقول عمران بن حصين ومن وافقهم من التابعين كسعيد بن
стр. 36
جبير وابن جريج وربيعة بن أبي عبد الرحمن. فقد قال سعيد بن جبير "الطلاق الذي أمر الله به أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر من غير جماع وأن يشهد على طلاقها وعلى رجعتها إن أراد ذلك فذلك الطلاق الذي أمر الله به". وأخرج عبد الرزاق أيضاً في مصنفه بسند صحيح فقال "عن ابن جريج، قال: لا يجوز نكاح ولا طلاق ولا ارتجاع إلا بشاهدين فإن ارتجع وجهل أن يشهد وهو يدخل ويصيبها فإذا علم فليعد إلى السنة إلى أن يشهد شاهدي عدل" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٤) وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن "من طلق فليشهد على الطلاق وعلى الرجعة" (المدونة الكبرى ٢/ ٢٣٣). والقول إن الإشهاد في قوله "وأشهدوا ذوي عدل منكم" محصور في الرجعة يرده قولا الصحابيين (ابن عباس وعمران) وهو مقدم على قول ابن تيمية وخصوصاً أن قول عمران ﵁ له حكم الرفع.
* الترجيح:
إن القول باشتراط الإشهاد عند الطلاق هو الراجح للأسباب التالية:
١) فهو القول الذي عليه الدليل الصريح الصحيح من صنيع علي وقول ابن عباس وعمران ﵃ والذي لم ينكره أحد من الصحابة
стр. 37
ولم يخالف نصاً صريحاً صحيحاً من الكتاب والسنة والصحابة ولأن قول عمران بن حصين ﵁ له حكم الرفع. فقد صح عن أبي الدرداء ﵁ قوله - "لن تضل ما أخذت بالأثر" (الإبانة الكبرى ١/ ٣٥٣ رقم ٢٣٢) وعن ابن عباس قوله أيضاً "عليكم بالاستقامة واتباع الأمراء والأثر وإياكم والتبدع" (السنة للمروزي ٢٩/ ٨٩) وعليه فعمل علي وقول ابن عباس وعمران بن حصين وإن لم يكن ثمة غيره فهي أثار موقوفة لها حكم فيجب إتباعها لأن النبي ﷺ علم الصحابة كل شيء حتى الخراءة لما رواه ابن ماجه في سننه (١/ ١١٥ رقم ٣١٦) عندما اقر سلمان ﵁ للمشركين عندما قالوا له "إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة، فقال سلمان: اجل" ولقوله ﷺ أيضاً "لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يتبعون أمره ويهتدون بسنته … " (الإبانة الكبرى ١/ ٢١٢ رقم ٥٤ وشعب الإيمان ٦/ ٨٦ رقم ٧٥٦٠ بألفاظ قريبة)، ناهيك أن النبي ﷺ دعا لابن عباس كما جاء في صحيح البخاري وقال ﷺ "اللهم علمه الكتاب" (١/ ٤١ رقم ٧٥) و"اللهم علمه الحكمة" (٣/ ١٣٧١ رقم ٣٥٤٦) و"اللهم فقهه في الدين" (١/ ٦٦ رقم ١٤٣).
стр. 38
٢) ولقول الصحابي "طلقتَ لغير سنة" ومرةً "بئس ما صنع، طلقَ في بدعة" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧) وأمره له بالاستغفار منه وألا يعود له، كله دليل أن الزوج لا يملك حق الطلاق من دون شهود فقد صح عن النبي ﷺ قوله "من طلق ما لا يملك فلا طلاق له" (المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٣٣ رقم ٨٧٢٢) وأيضاً "لا طلاق إلا فيما تملك" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٨ رقم ٢١٩٠) وقوله ﷺ "لا يجوز عتاق ولا طلاق فيما لا يملك" (سنن الدارقطني ٥/ ٢٨ رقم ٣٩٣٣).
٣) ولذمه ولتبديعه ولعدم إيقاعه الطلاق والرجعة بدون إشهاد عند الطلاق وأمره بالاستغفار وأن يعيد الطلاق مع الإشهاد وألا يعود له كله يدل أن الإشهاد عند الطلاق شرط وأن عدم الإشهاد عند الطلاق فيه معصيةٌ وتعدي لحدود الله لقول ابن مسعود ﵁ في رجل طلق امرأته مائة "ثلاث تبينها منك وسائرها عدوان" (شرح معاني الآثار ٣/ ٥٨ رقم ٤٤٨٥) ويؤكده قول النبي ﷺ "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٥٢٨ رقم ١٤٨٩٨) وفيه أيضاً مخالفةٌ أمره تعالى "تلك حدود الله فلا تقربوها" (البقرة: ١٨٧). ويترتب عليه
стр. 39
"من يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين" (النساء: ١٤).
فيكون الطلاق بدون إشهاد عند الطلاق هو طلاق بدعي منهي عنه ومردود لحكم رسول الله ﷺ "من فعل في أمرنا ما لا يجوز فهو رد" (مسند أبي داود الطيالسي ٣/ ٤٣ رقم ١٥٢٥).
٤) ومع رجاحة هذا القول من اشتراط الاشهاد فإن هذا القول فيه من المصالح الشيء العظيم من أجل:
أ) منع الاقتراب من حدود الله في الطلاق لأمره تعالى "تلك حدود الله فلا تقربوها" (البقرة: ١٨٧)،
ب) وتجنيب هدم الأسر لقوله ﷺ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٥ رقم ٢١٩٤)،
ث) وتجنب الندم لقول علي ﵁ "ما طلق رجل طلاق السنة فيندم أبداً" (السنن الكبرى ٧/ ٥٤٢ رقم ١٤٩١٧).
стр. 40
هذا وفي ختام هذا البحث من كان عنده أي ملاحظة فلا يتردد بالتواصل معنا على:
هاتف: ٩٧٤٥٥٥٥٧٠٥٨+
البريد الإلكتروني:
123takreeb@gmail.com
أخوكم/ عبد الحكيم صالح اليافعي
انتهى من تأليفه في ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٥ هـ