← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ذَهَابِ إِبْصَارِهِمَا)؛ لأنَّ النهي عن العوراء تنبيه (١) على النهي عن العمياء. (ولا) تجزئ (العَجْفَاءُ) التي لا تُنْقِي - بضم التاء، وسكون النُّون، وكسر القاف: من أنقَتِ الإبلُ إِذا سَمِنَتْ وصار فيها نقي، وهو مخُّ العظمِ وشحْمُ العَين من السمن، قاله في المطلع -، (وَهِيَ) أي: العجفاءُ الهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيْهَا. (وَلَا) تجزئ ال (عَرْجَاءُ) التي (لَا تُطِيقُ مَشْياً مَعَ صَحِيْحَةٍ، وَلَا بَيِّنَةُ المَرَضِ)؛ لحديث البراء بن عازب قال: قامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ فقال: «أَرْبَعُ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالعَجْفَاءُ الَّتِي لا تُنْقِي» رواه أبو داود (٢). فإن كان على عينها بياض ولم تذهب العَينُ أجزأت؛ لأنَّ عورها ليسَ بيِّناً (٣)، ولا ينقص به لحمها. ولا تجزئ جَدَّاء - وهي الجَذْبَاء التي شابَ ونشف ضرعُها؛ لأنها في معنى العجفاء، بل أولى. (وَلَا) تجزئ ال (هَتِّمَاءُ - وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ ثَنَايَاهَا مِنْ أَصْلِهَا)، (وَلَا) تجزى ال (عَصْمَاءُ - وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا (-)، قاله في «المستوعب»، و «التلخيص» (٤) - (وَلَا) يجزئ (خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ) نصاً، والخصي المجبوبُ: الذي

стр. 667

قطعت خُصْيتاه، أو سُلَّتَا أو رُضَّتَا مع ذكَرِه. (وَلَا) يجزى (عَضْبَاءُ - وَهِيَ مَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ ذهب أكثرُ (قَرْنِهَا -)؛ لحديث عَلِي قال: «نهى النَّبي ﷺ أَنْ يُضَحَّى بأعْضَبَ الأُذُنِ وَالقَرْنِ». قال قتَادَة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: «العَضُبُ: النصفُ فأكثر». رواه الخمسة (١). ويكره معيبة الأذن والقرن بخرق، أو شَقِّ، أو قطع لنصف منهما فأقل. تتمة: لو أوجب بهيمة الأنعام ناقصةً كما لو نذرها معيبةً بعَوَرٍ ونحوه - لزمه ذبحها، لكن لا تجزئه عن الأضحية الشرعية، ويثاب على ما يتصدَّقُ منها. وإن حدث بالأضحية عيب كالعمى ونحوه أجزأه ذبحها، وكانت أضحية. فائدة - من حاشية «الإقناع» «» -: من عَدِمَ ما يُضَحِّي به اقترض وضحى، مع القدرة على الوفاء. ذكره في الاختيارات (٢)). ويأتي في العقيقة مثله. (فصل) (وَيُسَنُّ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً) معقولةً يدها اليسرى، بأن يطعنها بنحو حرْبَةٍ في الوهْدَةِ - وهي بينَ أصل العُنُقِ والصَّدر (٣) -؛ لحديث

стр. 668

زياد بن جُبَير (١) قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنةً لينحَرَها، فقال: ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً؛ سنةَ محمَّد ﷺ ». متفق عليه (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] دليل على أنَّها تُنحَرُ قائِمةً. وإن خشي أن تنفِرَ أناخها. (وَ) يسن (ذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] (مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ)، ويجوزُ العكس من ذبح الإبل ونحر البقر والغنم؛ لأنه لم يتجاوز محلَّ الذبْحِ، ولحديث: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (٣). (وَيُسَمِّي) وجوباً (حِيْنَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بِالْفِعْلِ)، وتسقط التسمية سهواً. (وَيُكَبِّرُ) ندباً، بأن يقول: «الله أكبر». (وَ) يسنُّ أن (يَقُولَ: اللَّهُمَّ هَذَا لَكَ وَمِنْكَ)؛ لما في حديث ابن عمر: «بِسْم الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ». رواه أبو داود (٤). ولا بأس أن يقول: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ»؛ الحديث: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضحى. رواه مسلم (٥). ويذبح واجباً إن كان قبل نفل. وسُنَّ إسلامُ ذَابِحٍ، وتولّي الذبح بنفسه أفضل،

стр. 669

نصاً (١)؛ للأخبار (٢) وتجوز الاستنابةُ فيه، وسُنَّ أن يحضر إن وكَّلَ، ويعتبر نيةُ الموكِّلِ في حال التوكيل، أو عند الذبح، ما لم يكن عيَّنَ الهدي أو الأضحية؛ لأنه يُكتفى بالتعيين. ويصح توكيل ذمي في الذبح، مع الكراهة. (وَأَوَّلُ وَقْتِ الذَّبْحِ) لأضحية، وهدي نذر أو تطوع، أو متعة، أو قرانٍ (مِنْ بَعْدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ العِيدِ بِالْبَلَدِ) - بعد دخول وقتها، وهو: بعد ارتفاع الشمس قيد رمح - الذي يصلّي فيه، ولو قبل الخطبةِ، (أَوْ قَدْرِهَا) أي: بقدرِ الصلاةِ (لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ) يعني: لمن كان بمحل لا تصلى فيه؛ كأهل البوادي من أهل الخيام ونحوهم؛ لحديث: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (٣). (فَلَا تُجْزِئُ) أي: الأضحية، وكذا: هدي النذر والتطوع، والمتعة، والقرآن، (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل الصلاةِ. فإن فاتَتْ صلاة العيد بالزَّوالِ [لعذر أو غيره] في موضع تصلى فيه - كالقُرى والأمصار - ضحى عند الزوال فما بعده؛ لفوات التبعية بخروج وقت الصلاة. تنبيه: قد أطلق أكثرُ الأصحاب قدر الصلاة، فقال الزركشي (٤): «يحتمل أن يُعتبر ذلك بمتوسط الناس»، وقال أبو محمد - يعني: الموفّقَ -: «اعتُبِرَ قدر صلاة وخطبة تامتين في أخف ما يكون». انتهى.

стр. 670

(وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُ الذَّبْحِ) أي: ذبح الأضحية، وهدي النذر والتطوع، والمتعة، والقران (نَهَاراً وَلَيْلاً إِلَى آخِرِ ثَانِي أَيَّامِ التشريق) فأيام النحر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعدَه، قال أحمد: «أيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ » (١)، وفي «الإيضاح»: «يستمر الذبح إلى آخر أيام التشريق». وأفضلُ الذبح: أول يوم من دخول وقته، [ثم ما يليه، ثم ما بعده]. والأفضل أن يكون بعد الخطبتين، وبعد ذبح الإمام. ويكره ذبح الأضحية والهدي ليلاً؛ خروجاً من خلافِ من قال بعدمِ الإجزاء فيهما (٢). ووقتُ ما وجبَ من الدماء بفعل محظورٍ - كلبس، وطيب، وحلق رأس، ونحوه - من حين وجوبه، وإن أراد فعل المحظور لعذر وذبَحَ قبل الفعل جازَ، وكذا ما وجب لترك واجب في حج وعمرة، وقته: من حين تركه الواجب. (فَإِنْ فَاتَ الوَقْتُ) بمضي ثاني أيام التشريق (قَضَى الوَاجِبَ، وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) بخروج وقت الذبح. تتمة: من اشترى معِيباً يجهله وكان قد عيَّنه بأن قال: «هذا هدي أو أضحية» ملَكَ الردَّ إذا علمه، وإن كانت معيَّنةً وولدَتْ، ذبَحَ ولدها تبعاً لها. (وَسُنَّ لَهُ) أي: للمُهدِي تطوُّعاً، وللمضحي (الْأَكْلُ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ أُضْحِيَتِهِ، وَلَوْ) كانتِ الأضحية (وَاجِبَةً) بأن كانت

стр. 671

منذورةً؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، والنبي ﷺ أكل من بُدْنِهِ (١). وقال جابر: «كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدُنِنَا فَوقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنا النَّبي ﷺ فقال: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» فأكلْنَا وتَزَوَّدْنا». رواه البخاري (٢). (وَيَجُوزُ الأكلُ مِنْ دَمِ المُتْعَةِ و من دمِ القِرَانِ)؛ لأنَّ أزواج النبي ﷺ تمتَّعن معهُ في حَجَّة الوداع، وأدخلَتْ عائشةُ الحجَّ على العمرة فصارت قارنةً، ثم ذبح عنهن النبي ﷺ البقر، فأكل من لحومها (٣). (وَيَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ) من ذلكَ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ) كالأوقية (٤). (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيْكُ الفَقِيْرِ) بما يقعُ عليهِ اسمُ اللَّحم؛ (فَلَا يَكْفِي إِطْعَامُهُ) منها. فإن لم يتصدق بشيءٍ منها ضمن أقلَّ ما يقع عليه اسم اللحم بمثله لحماً؛ لأنَّ ما أبيح له أكله لا تلزمه غرامته، وإنما يلزمه مثل ما أتلفه بما وجبت الصدقة به؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته غرامته إذا أتلفه؛ كالوديعة. (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَتِهِ ثُلُثَهَا وَيُهْدِي ثُلُثَهَا وَيَتَصَدَقَ بِثُلُثِهَا)؛ لما روي عن ابن عمر: «الضَّحَايا والهَدَايَا ثُلُثُ لَكَ، وَثُلُثُ لأهلِكَ، وثُلُثٌ للمساكين (٥)، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا

стр. 672

الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: ٣٦]- فالقانع: السائلُ، يقال: قَنَعَ قُنُوعاً إذا سأل، والمعتر الذي يعتريك، أي: يتعرَّض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر الثلاثة أصناف، ومطلقُ الإضافة يقتضي التسوية. ويستحبُّ أن يتصدق بأفضلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وأنَّ ما يُهدي الأوسط، ويأكل الأدونَ. قال في «الإقناع»: «وكانَ من شعَارِ الصَّالِحِينَ تَنَاوُلُ لقمَةٍ مِنْ كَبدِهَا أو غيرها؛ تبركاً». تنبيه: إن كانت الأضحية ليتيم فلا يتصدقُ الولي عنه، ولا يُهدي منها شيئاً، ويوفرها له؛ لأنه ممنوع من التبرع من ماله. (وَيَحْرُمُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) أي: منَ الذبيحة، هدياً أو أضحية، (حَتَّى مِنْ شَعْرِهَا وَجِلْدِهَا) وجُلِّهَا، (وَلَا يُعْطِي الجَزَارَ بِأُجْرَتِهِ مِنْهَا شَيْئاً)؛ لحديث علي قال: «أمَرَني رَسُولُ الله أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وأَنْ أَقْسِمَ جُلُودَهَا وجِلَالَهَا، وأن لا أُعطِي الجزار منها شيئاً، وقال: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» متفق عليه (١). والجلال: جمع جُل - بضم الجيم - وهو الجُلُّ الذي يوضَعُ على ظهر البعير - (وَلَهُ إِعْطَاؤُهُ) أي: إعطاء الجزارِ من ذلك (صَدَقَةً وَهَدِيَّةً)؛ لأنه في ذلك كغيره، بل هو أولى؛ لأنه باشرها وتاقت نفسه إليها. وللمضحي والمهدي الانتفاع بجلد الأضحية والهدي. قال في الشرح: لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها؛ لقوله ﷺ : «لَا تَبِيعُوا لُحُومَ الأَضَاحِي والهَدْيِ وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا

стр. 673

«بِجُلُودِهَا» (١). وإن عيّن هدياً أو أضحِيَةً ذبحها بعد تعيينها وأجزأته. وإن تلفتْ أو عابَتْ بفعله أو تفريطه لزمه البدل؛ كسائر الأمانات. وكذا يلزمه البدل إن تعيبَ أو تلف أو سُرِقَ ونحوه إذا كان عينه عن واجب في ذمته. تتمة: لو ضحى اثنان كلُّ بأضحية الآخر عن نفسه غلطاً كَفَتْهُما، ولا ضمان، استحساناً، والقياسُ: يضمن ضررها. ذكره القاضي وغيره (٢). ونقل الأثرم وغيره في اثنين ضحى هذا بأضحية هذا: «يترَادَّانِ اللَّحم» (٣). ويجزئ ولو فرق كل منهما لحم ما ذبحه؛ لإذن الشرع في ذلك. تنبيه: ليس لمن نحر بدل معطوب أو معيب أو ضال أو مسروق وجَدَه ونحوه استرجاعٌ إلى ملكه، بل يذبحه؛ لما روي عن عائشة أنها أهدَتْ هَدْيَين فأضلَّتْهُما فبعث إليها ابن الزبير بهديتين فنحرَتْهُما، ثم عاد الضالان فنحرَتْهُما، وقالت: «هَذِهِ سُنَّةُ الهدي». رواه الدارقطني (٤). وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه تعلق حق الله تعالى بهما بإيجابهما على نفسه، فلم يسقط بذبح بدلهما. ونقل في «الإقناع»: قال شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين ابن تيمية -

стр. 674

تغمده الله تعالى برحمته -: «الأضحية من النفقة بالمعروف، فتضحي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه عند غيبته». ويحرم بيع الجلد؛ للخبر، وكذا بيع شيء منها، ولو كانت تطوعاً؛ لأنها تعينت بالذبح. ومن ذبح معينةً أضحية كانت أو هدياً في وقتها بغير إذن ربها، ونواها عن ربها، أجزأت، ولا ضمان عليه. وإن علمها وذبحها عن نفسه، فلا تجزئ، ويضمن ما بين القيمتين - من قيمتها صحيحةً ومذبوحةً -، وإن فرق اللحم ضمن قيمتها صحيحةً، ولم تجزئ واحداً (١) منهما. ومن اشتبهت عليه أضحية غيره بأضحيته، وكذا هدي وذبحها عن نفسه أجزأت عن ربها، ولا ضمان عليه، ما لم يفرق اللحم. (وَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ) من ذي الحجة وهو من غرته إلى يوم العيد - (حَرُمَ عَلَى مَنْ يريد أن يُضَحِّيَ أَوْ يُضَحَى عَنْهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ) (إِلَى) حينِ (الذَّبْحِ) في وقته؛ لحديث أم سلمة مرفوعاً: «إِذَا دَخَلَ العَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ ظُفْرِهِ شَيْئاً حَتَّى يُضَحِّيَ». رواه مسلم (٢). وأما ما ورد من حديث عائشة قالت: «كنتُ أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يقلدها بيده، ثم يَبْعَثُ بِهَا وَلَا يَحرُمُ عَلَيْهِ شَيءٌ أَحلَّهُ الله لَهُ حتَّى يُنحَرَ الهدي». متفق عليه (٣). أجيب عنه بأنه في إرسال الهدي لا في التضحية، وأيضاً: حديث عائشة عام، وحديثُ

стр. 675

أم سلمة خاص، فيحملُ العام عليه، وأيضاً: فحديث أم سلمة من قوله ﷺ ، وحديث عائشة من فعله، وقوله ﷺ مقدَّم على فعله؛ لاحتمال الخصوصيَّةِ. قال في «الإقناع»: فإن فعل بأن أخذَ شَيئاً من شعره أو ظفره تابَ أي: من ذلك الفعل؛ لأنه ذنب، والتوبة واجبة من كل ذنب (١). قال شيخنا - رحمه الله تعالى - في شرحه على «الإقناع»: «قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة. وإِلَّا فَلا إثم؛ كالمُحرم، وأولى». وليس عليه فديَةٌ سواءٌ فعله عمداً أو سهواً. (وَيُسَنُّ حَلْقٌ بَعْدَهُ) أي: بعد الذبح. قال أحمد: «على ما فعله ابن عمر تعظيماً لذلك اليوم» (٢)، ولأنه كان] ممنوعاً من ذلك قبل أن يضحِيَ، فاستُحِبَّ له ذلك بعده كالمُحرم. (فصل) (في الْعَقِيقَةِ) وهي النسيكة، وهي التي تذبح عن المولود. قال أبو عُبَيد (٣): «الأصل في العقيقةِ: الشَّعرُ الَّذي عَلَى المولود، ثم إنَّ العرب سمتِ الذَّبِيحَةَ عند حلقِ الشَّعرِ - شعرِ المولود - عقيقةً على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه»، وقال الإمام أحمد: «إنما العقيقة الذبح

стр. 676

نفسه (١)، ووجهه: أنَّ أصل العَقِّ القطع، ومنه: عق والديه إذا قاطعهما، والذبحُ: قطعُ الحُلْقُوم (٢)، والمريء (٣)، والوَدَجَين (٤). انتهى. وقيل: العقيقة الطعام الذي يُصنعُ ويُدعَى إليه من أجل المولود. (وَهِيَ) أي: العقيقةُ (سُنَّةٌ) مؤكَّدةٌ (في حَقِّ الأَبِ، وَلَوْ) كانَ (مُعْسِراً). قال الإمام أحمد: «العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، قَدْ عَقَّ عنِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ (٥)، وفعَلَهُ أصحابه» (٦)، وقال ﷺ : «الغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيْقَتِهِ» (٧). ومن جعلها من أثر الجاهلية فلأنه لم يبلغه ما ورد فيها من الأحاديثِ (٨). (فَعَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ) متقاربتانِ سنّاً وشبهاً، (وَعَنِ الجَارِيَةِ) أي: الأنثى (شَاةٌ)؛ لحديث أم كُرْزِ.

стр. 677

الكَعْبِيَّة (١) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ» (٢). وفي لفظ آخر: «عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ» رواه أبو داود (٣). وإن تعذرَتا - الشاتان - عن الغلام وأمكن شاةٌ، فشاةٌ واحدة، فإن لم يكن عنده ما يعُقُّ اقترض وعقَّ، قال الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه -: «أرجو أن يُخلِفَ اللهُ عَلَيْهِ؛ أَحْيَا سُنَّةً». قال الشيخ: «محله لمن له وفاء» (٤)، وإلا فلا يقترض؛ لأنه إضرار بنفسه. ولا يعق غير الأب. ولا يعقُّ المولود عن نفسه، وقيل: يعُقُّ، واختاره جمع استحباباً إذا لم يكن عق والده عنه (٥)؛ لأنه ينبغي له أن يشرع في فكاك نفسِهِ. وقال الشيخ: «يعق عن اليتيم من ماله» (٦)؛ كالأضحية، بل هذه أولى؛ لأنه مرتهن بها بخلاف الأضحية. ﴿وَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ وَبَقَرَةٌ إِلَّا كَامِلَةٌ﴾؛ لعدم وروده في الخبر (٧). قال في

стр. 678

«النهاية»: «وأفضلها شاة» (١). (وَالسُّنَّةُ ذَبْحُهَا) أي: العقيقةُ (فِي سَابِعِ يَوْمٍ) من يوم (وَلَادَتِهِ)؛ لحديث سمرة قال: قال رسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ غُلَامِ رَهِينَةٌ بِعَقِيْقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى» - أي: المولود فيه، أي: في يوم السابع - «وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» - أي: رأس المولود فيه .. رواه أهل السنن كلهم، وقال الترمذي: «حديثُ حسن صحيح» (٢) ولا يعتبر التمليك في العقيقة؛ لأنها سرور حادث فتشبه الوليمة، بخلاف الهدي والأضحية. قال في «المستوعب» وفي «عيون المسائل»: «تُذبَحُ ضَحْوةً» (٣)، قال شيخنا: «لعله تفاؤلاً». ولا يجوز الذبح قبل السابع (٤)؛ لتقدمها على سببها والتسمية للأب مع وجوده، وفي الرعاية: «يسمى يوم الولادة» (٥)؛ لحديث مسلم قال ﷺ : «وُلِدَ لِيَ بِاللَّيْلَةِ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» (٦)، (فَإِنْ فَاتَ) فعلُ الذبح، والتسمية، وحلق الرأس في يوم السابع (فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) من يومِ

стр. 679

ولادته. (فَإِنْ فَاتَ) الذبح أيضا (فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ) من ولادته. (وَلَا تُعْتَبَرُ الأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ)، فيَعِقُّ في أي يوم كان. (وَكُرِهَ لَطْخُهُ) أي: المولود (مِنْ دَمِهَا) أي: دمُ العقيقة؛ لقوله ﵊: «مَعَ الغُلَامِ عَقِيْقَةٌ فَهَرِيقُوا عَنْهُ دَماً وَأَمِيْطُوا عَنْهُ الأَذَى». رواه أبو داود (١)، وهذا يقتضي أن لا يمس بدم؛ لأنه أذى. ويستحبُّ أن لا يكسر عظم العقيقة؛ لقول عائشة: «السُّنَّةُ شَاتَانِ مَكَافِئَتَانِ عَنِ الغُلام، وعن الجَارِيةِ شَاةٌ يُطبَخُ جُدُولاً، لَا يُكسَرُ لَهَا عَظْمٌ» (٢) - الجدْل: العُضو، بدال مهملة، والحكمة فيه: أنها أول ذبيحة عن المولود فاستُحِبَّ فيها ذلك؛ تفاؤلاً بالسلامة، كذلك قالت عائشة. وطبخها أفضل من إخراج لحمها، وطبخ العقيقة أفضل من إخراج لحمها، نص عليه. فتطبخ بماء وملح. قيل للإمام أحمد: فإن طُبخَتْ بشيءٍ آخر؟ فقال: «مَا ضَرَّ ذَلِكَ» (٣). قال في «المنتهى» وغيره: «ويكونُ منه بِحُلْو» (٤). قال في «المستوعب»: «ويستحبُّ أن يُطبَخَ منها طبيخ بحلو تفاؤلاً بحلاوة أخلاقِه»، وجزم به في الرِّعايتين والحاويين (٥).

стр. 680

قال العلامة أبو بكر (١) في كتابه «التنبيه» (٢): ويستحبُّ أن يعطي القابلة منها فخِذاً؛ لما روى أبو داود أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحُسَينِ: «أَنْ يَبْعَثُوا إِلى القَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْماً» (٣). وحكم العقيقة حكمُ الأضحية في أكثر أحكامها، فلا تجزئ فيها إلا ما تجزِئُ في أضحية، وكذا فيما يجبُ ويكره، وفي أكل وهدية وصدقة وذكاةٍ؛ فلا يجزئ إخراجها حيَّةً، لكن يباح بيع جلودها ورأسها وسواقطها، ويتصدق بثمنها، بخلاف الأضحية؛ لأن الأضحيةَ أَدْخَلُ منها في التعبدِ. والذَّكَرُ أفضل في العقيقة؛ لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين بكبش (٤). ويقول عند ذبحهما: «بسْمِ الله، اللَّهُمَّ لَكَ وإلَيكَ، هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانِ»؛ لحديث عائشة: قال ﷺ : «اذْبَحُوا عَلَى اسْمِهِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ، هَذِهِ عَقِيْقَةُ فُلَانٍ» (٥). رواه ابن المنذر (٦). (وَيُسَنُّ الأَذَانُ فِي أُذُنِ المَوْلُودِ اليُمْنَى) ذكراً كان أو أنثى (حِينَ يُولَدُ)، (وَ) يَسنُّ (الإِقَامَةُ

стр. 681

في أذنه (اليُسْرَى)؛ لحديث أبي (١) رافع (٢)، قال: «رأيتُ رسول الله ﷺ أَذَّنَ في أَذُنِ الحسن بن علي حينَ وَلَدَتْهُ فاطمة». رواه أبو داود (٣)، وفي رواية عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ أَذَّنَ في أُذُنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ يومَ وُلِدَ وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ اليُسْرَى» (٤)، وعن الحسن بن عليّ مرفوعاً: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ اليُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ اليُسْرَى رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَان (٥)» (٦). ويُسن أن يُحنَّكَ (٧) المولود بتمرةٍ - أن تمضَغَ ويُدلَكَ بها داخل فمِهِ ويُفْتَحُ فمُهُ حتى ينزل إلى جوفه منها؛ لما في «الصحيحين» عن أبي موسى قال: «وُلد لي غُلامٌ فأتيتُ به النبي ﷺ فَسَمَّاه إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ

стр. 682

بِتَمْرَةٍ» (١). (وَيُسَنُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الغُلَامِ) لا الأنثى (فِي اليَوْمِ السَّابِعِ. و) يسن أن (يُتَصَدَّقَ بِوَزْنِ) شعر حلاقتِـ (ــهِ فِضَّةٌ)؛ لحديث سمُرَةَ أنه قال لفاطمة لما ولدَتِ الحسَنَ: «اِحْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى المَسَاكِينِ وَالأَوْفَاضِ». رواه أحمد (٢). والأوفاض هم: أهل الصُّفَّة. رواه أحمد (٣). (وَيُسَمَّى) المولود (فِيهِ) أي في اليوم السابع؛ لحديث سمرة المتقدم. والتسمية للأب، فلا يسميه غيره مع وجوده. وفي «الرعاية»: «يسمى المولود يوم الوِلادَةِ» (٤)؛ لحديث مسلم في قصَّةِ ولادة إبراهيم ابنه ﵊، قال: وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (٥)، ويُسنُّ أن يحسّنَ اسْمَهُ؛ لقوله ﷺ : «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ». رواه أبو داود (٦). (وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ) إلى الله: (عَبْدُ الله، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ)، رواه مسلم مرفوعاً (٧). وكلُّ ما أضيف إلى اسم من أسماء الله تعالى

стр. 683

فحسن. (وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ غَيْرِ اللهِ) تعالى. قال ابن حزم: اتفقوا - يعني: أهل العلم - على تحريم كل اسم معبد لغير الله تعالى (١)، (كَعَبْدِ النَّبِيِّ، وَعَبْدِ المَسِيحِ) ونحوه. قال ابن القيم: «وأما قوله ﵊: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ المطَّلِبِ» (٢) فليس من باب إفشاء التسمية، بل من باب الإخبارِ باسمِ الذي عُرِفَ به المسمى، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرُمُ؛ فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء». وكذا يحرم التسمية بسيد الناس، وسيد الكلِّ، كما يحرم بسيد ولد آدم. ويجوز التكنية بأبي فلان وأمّ فلانة. ويحرم من الألقاب ما لم يقع على مخرج صحيح؛ لأنه كذب. على التأويل في «كمَالِ الدِّينِ» و شرفِ الدِّينِ: أن الدينَ كمَّلَهُ وشرَّفه؛ قاله يحيى بن هبيرة (٣). ولا يُكره التكني ب «أبي القاسم» بعد موته ﷺ ، وصوَّبَه في «الفروع» (٤). قال في «الهدي» (٥): (والصواب: أن التكني بكنيته

стр. 684

ممنوع، والمنع في حياتِهِ أشد، والجمع بينهما - أي: بين اسمه وكنيته - ممنوع». انتهى. قال شيخنا: «فظاهره التحريم»، ويؤيده حديث: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَكُنْيَتِي» (١). ويحرم أن يقال لمنافق أو كافر: «يا سيدي»، وكذا بداءته بالسلام كما يأتي؛ لما فيه من تعظيمه. (وَتُكْرَهُ) تسمية العبدِ (بِحَرْبٍ، وَيَسَارٍ، ومُبَارَكٌ، وَمُفْلِحُ، وخَيْرٌ، وسَرُورٌ) ونافع، ونجيح، وبَرَكةٌ، ويَعْلَى، ومُقبِلُ، ورافِعٌ، ورَبَاح، وعَاصِ، وشِهَابٌ، ورسولٌ، وكذا ما فيه تزكية: كالتقي، والزكي؛ لما تقدم عن ابن هبيرة؛ لأنه ربما كان للتشاؤم والتطير. ومن الأسماء المكروهة: التسمية بأسماء الشياطين كولهانَ، والأعور، والأجدع، ونحوه. وأيضاً - من الأسماء المكروهة: التسمية بأسماء الفراعنة والجبابرة. ويستحبُّ تغيير الاسم القبيح. و (لا) تكرَهُ التسميةُ (بِأَسْمَاءِ المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ) كإبراهيم، ونوح، وصالح، ومحمد - صلى الله وسلَّمَ عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين - وشَبَهها؛ لحديث: «تَسَمَّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَفُّوا بِكُنْيَتِي» (٢) روى أبو نعيم قال الله تعالى: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُعَذِّبُ أَحَداً يُسَمَّى بِاسْمِكَ فِي النَّارِ» (٣). ولا يكره أن يسمي بياسين، وطه. وأما ما يذكره العوام أن «يس» و «طه» من أسماء النبي ﷺ فغير صحيح، ليس في ذلك حديث صحيح ولا حسن، ولا مرسل، ولا أثر عن صاحب. قال في «الفصول»: «ولا بأس بتسمية أسماء

стр. 685

النجوم بالعربية؛ كالحمل، والثَّور، ونحوه» (١). (وَإِنِ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيْقَةٍ وَأُضْحِيَةٍ أَجْزَأَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى) مقتضى ما ذكره المصنف: أن أحدهما تجزئ عن الأخرى من غير نية، كما مشى عليه صاحب «المنتهى». وأما صاحب «الإقناع» اعتبر النية، كما اعتبرها العلامة ابن القيم في كتابه «تحفَةُ المودود في أحكام المولود» (٢). وقال الفهامة شمسُ الدِّينِ محمد بن القيم في «تحفة المودود» - أيضاً -: «كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحيَّةَ المسجد وسنة مكتوبة أو صلَّى بعد الطواف فرضاً أو سنةً مكتوبةً وقعَ عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبح المتمتع أو القارن شاةً يوم النحر أجزاً عن دم المتعة أو القران وعن الأضحية». انتهى. وفي معناه: إذا اجتمع هدي وأضحية. واختار شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين -: «لا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي» (٣). تتمة: قال في الشرح: «ورَوَيْنَا أن رجلاً قال لرجل عند الحسن - رضي الله تعالى عنه - يهنيه بابن: لِيَهْنِكَ الفَارِسُ، فقال الحسن: «وما يُدرِيكَ أَفَارِسُ هو أو حمَارٌ؟!» فقال: كيف يقول؟ قال: «قل: بُورِكَ في الموهوب، وشكرْتَ الواهِبَ، وبَلَغَ أَشُدَّهُ، ورُزِقْتَ بره»» (٤).

стр. 686

(كتاب الجِهَادِ) ختم به العبادات؛ لأنه أفضل تطوع البدن. وهو مشروع بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، إلى غير ذلك، وبفعله ﵊ وأمره به (١)، روى مسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» (٢). وهو - أي: الجهاد - مصدر جَاهَدَ جِهَاداً أو مجاهَدَةً، من جَهَدَ: إذا بالغ في قتل عدوه. فهو لغة: «بذل الطاقة والوسع». وشرعاً: «قتال الكفار، خاصَّةً»، بخلاف قتال المسلمين، من البغاة، وقطاع الطريق، وغيرهم، فبينه وبين القتال عموم مطلق. (وَهُوَ فرضُ كفاية) إذا قام به من يكفي سقط وجوبه عن غيرهم، ما لم يكن واحد فيتعين عليه. وإن لم يقم به من يكفي، أثم الناسُ كلُّهم. والدليل على أنه فرض كفاية: قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللهُ

стр. 687

الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]، فقد قالَ ابنُ عبَّاس: «نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] رواه الأثرم» (١). ومن الفروض الكفاية: دفع ضرر المسلمين؛ كستر العاري، وإشباع الجائع على القادر إن عجز بيت المال، وكالصنائع المباحة المحتاج إليها لمصالح الناس الدينية والدنيوية والمالية؛ كالزرع والغرس ونحوهما. فإذا قام بذلك أهله بنية التقرب كان طاعةً، وإِلَّا فلا. ومن ذلك: إقامة الدعوى إلى دين الإسلام، ودفع الشبهة بالحجَّةِ والسيف لمن عاند؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. ومن ذلك: سدُّ البُثُوقِ - بتقديم الموحدة، وهو: ما انفتح من جانب النهر -، وحفر الآبار، والأنهار، وتنظيفها، وفعلُ القناطر (٢)، والجسور، والأسوار، وإصلاح الطرق، والمساجد؛ لعموم حاجة الناس. ومن ذلك: الفتوى، وتعليمُ الناسِ الكتاب، والسنة، وسائر

стр. 688

العلوم الشرعية - من فقه، وتفسيرٍ، وفرائض، وحساب، ولغة، ونحو، وتصريف، وقراءات، وطب - على قول ابن هبيرة كما ذكره في الآداب الكبرى، وهذا غريب في المذهب -. ويحرم علم الكلام (١)، والتنجيم (٢)، والضرب بالرمل والحصا (٣)، والكيمياء (٤)، والسحرِ، والتَّلْمَسَاتِ (٥)، واختلاج.

стр. 689

الأعضاء (١)، - ونسبته إلى جَعفَرِ الصَّادِقِ كذب، وإنما الاختلاج من الريح السائر بالبَدَن، ويحرم علم حساب اسم الشخص، واسم أمه بالجُمَّل (٢)، وأن طالعه كذا ونجمه كذا، والحكم على ذلك بفقر أو غَنَاء، وغير ذلك من الدلائل الفلكية على الأحوال السفلية، كما يصنع الآن في «التقاويم» (٣). وأما علم النجوم الذي يستدل به على الجهات والقبلة وأوقات الصلوات، ومعرفة أسماء الكواكب لأجل ذلك، فمستحب، وقد يجب إذا دخل الوقتُ؛ لمعرفته، وكذا إذا خفيت القبلة.

стр. 690

والعلم المكروه: كالمنطق (١)، والأشعار المشتملة على الغزل، والبطالة (٢). والمباح منه: ما لا ذمَّ فيه، ولا ما يُكره. ومن العلوم المباحة: علم الهندسة (٣)، والهيئة (٤)، والعروض (٥)، والقوافي (٦).

стр. 691

والمعاني (١)، والبيان (٢). ومن فروض الكفاية: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. والمعروف: كلُّ ما أُمِرَ به شرعاً. والمنكر: كلُّ ما نُهي عنه شرعاً. فيجب على: من علمه جزماً، وشاهده، وعرف ما ينكر، ولم يخف أذًى. قال القاضي: «ولا يسقط فرضه بالتوهم؛ فلو قيل له: لا تأمر على فلان بالمعروف؛ فإنه يقتلك، لم يسقط عنه لذلك» (٣). وقال ابن عقيل في آخر «الإرشاد»: «من شروط الإنكار: أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه لا يفضي إلى مفسدة» (٤). قال الإمام أحمد في رواية الجماعة (٥): «إذا أمرت ونهيت فلم ينته فلا ترفعه إلى السلطان

стр. 692

ليُعدى عليه» (١). وقال أيضاً: «من شرطه: أن يأمن على نفسه وماله خوف التلف» (٢). وكذا قال جمهور العلماء (٣). ومن شرطهم أيضاً: رجاء حصول المقصود، وعدم قيام غيره به. نقله في الآداب عن الأصحاب. وعلى الناس إعانة المنكر، ونصره على الإنكار. وما اختص علمه بالعلماء، اختص إنكاره بهم، وبمن يأمرونه من الولاة والعوام. وإن دعا الإمام العامة إلى شيء وأشكل عليهم، لزمهم سؤال العلماء، فإن أفتوا بوجوبه قاموا به، وإن أخبروا بتحريمه امتنعوا منه، وإن قالوا: «مختلف فيه»، فقال: «يجب»، لزمهم طاعته، كما يجب طاعته في الحكم. ذكره القاضي. والإنكار في ترك الواجب وفعل المحرم واجب، وفي ترك المندوب وفعل المكروه مندوب. ذكره الأصحاب. وأعلاه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد، ثمَّ باللسان، ثم بالقلب، وهو أضعف الإيمان. قال الإمام في رواية العمدة صالح ابن الإمام: «التغيير باليد، ليس بالسيف والسلاح» (٤). ولا يكون الإنكار بالسيف إلا مع السلطان،

стр. 693

ولا ينكر أحد على السلطان إلا وعظاً، وتخويفاً، أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة فيجب. كما ذكره القاضي وغيره، والمراد: ما لم يخف منه بالتحذير والتخويف، وإلا سقط. ولا ينكر على غير مكلف إلا تأديباً له وزجراً. قال ابن الجوزي: «المنكر أعم من المعصية، وهو أن يكون محذوراً الوقوع في الشرع، فمن رأى صبياً يشرب الخمر فعليه أن يريقه أو يمنعه منه» (١). (وَيُسَنُّ) الجهاد إذا كانَ (مَعَ قِيَامِ مَنْ يَكْفِي بِهِ) أي: بالجهاد، ومعنى الكفاية هنا: نهوض قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك - أي: لهم معين من الديوان - أو يكونَ أعدُّوا أنفسهم للجهاد تبرعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة لهم، ويكونُ في الثغور (٢) من المجاهدين من يدفع العدو عنها. ويبعثُ الإمامُ في كلِّ سنةٍ جيشاً يُغيرون على العدو في بلادهم. ويجب الجهاد إذا حضر صف القتال، أو حُصِرَ بلد بعدو، أو احتيج إليه، أو استنفره الإمام حيثُ لا عذر له؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ولقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وإن نودي «الصلاةُ جَامِعَةً» لحادثة شاورهم فيها، لم يتأخر عن الحضور أحدٌ بلا عذر.

стр. 694

(ولا يجب) الجهاد (إلا على ذكر)؛ لحديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال: «جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» (١) (حر)، فلا يجب على العبد؛ لأن النبي ﷺ بايع العبد على الإسلام دون الجهاد، والحر عليهما (٢). (مسلم)؛ كسائر فروع الإسلام. (مكلف)؛ لحديث: «رفع القلم عن ثلاث .. » (٣). (صحيح) في بدنه، من المرض، والعمى، والعرج؛ لقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: ١٧]. وكذا لا يلزم أشل، ولا أقطع يد أو رجل، ولا من أكثر أصابعه ذاهبة، أو إبهامه، أو ما يذهب بذهابه نفع اليد أو الرجل. وأما الأعشى - وهو الذي يبصر بالنهار دون الليل (٤)، والأعور، فيجب عليهما. والعرج المسقط للوجوب: الفاحش المانع للمشي الجد والركوب، بخلاف اليسير الذي لا يمنع ذلك. والمرض الذي لا يسقط الوجوب وهو اليسير - كرضع (٥) الضرس، والصداع الخفيف. (و) لا يجب إلا على من يكون واجدا (من المال) بملك، أو ببذل إمام أو نائبه، قدر

стр. 695

(مَا يَكْفِيْهِ) المؤنتِهِ، (و) قدر ما (يَكْفِي) المؤونة (أَهْلِهِ) من زوجة وأولاد، ومؤنة عياله - من خدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حرج﴾ الآية [التوبة: ٩١]. (و) لا يجب الجهاد إلا على من (يَجِدُ) - إذا كان سفره إلى الجهاد (مَعَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) فأكثر من بلده - (مَا يَحْمِلُهُ) من دابة وآلة ونحوها، كحج؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]. ويعتبر أن يكون ذلك فاضلاً عن قضاء دينه، وأجرة مسكنه، وحوائجه؛ كالحج. وإن بذل له غير الإمام أو نائبه ما يجاهد به لم يصر مستطيعاً، كما تقدم في الحج. قال شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين -: «الأمرُ بالجِهَادِ»، يعني: الجهاد المأمور به منه ما يكون بالقلب؛ كالعزم عليه، «والدعوة» إلى الإسلام وشرائعه، «والحجة» أي: إقامتها على المبطل، «والبيانِ» أي: بيان الحقِّ، وإزالة الشبهة، والرَّأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمينَ، «وَالبَدَنِ» أي: القتال بنفسه. فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه من هذه الأمور (١). قال شيخنا: «ومنه: هجو الكفار كما كان حسَّانُ - رضي الله تعالى عنه - يهجو أعداءه ﷺ » (٢). وأقل ما يُفعَلُ الجهاد مع القدرة عليه كل عام مرةً، إلا إن دعت حاجة إلى تأخيره لضعف المسلمين في عددٍ أو عُدَّةٍ، أو انتظار مدد يستعينون به، أو بالطريق مانع، أو خلوها من علف أو ماء، ونحوها.

стр. 696

(وَيُسَنُّ تَشْبِيعُ غَانٍ)، نصاً؛ لأن علياً شيعَ رَسُولَ الله ﷺ في غزوة تبوك، ولم يتلقَّه (١). و (لا) يستحبُّ (تَلَقَّيْهِ)، أي: الغازي؛ لأنه تهنئة له بالسلامة من الشهادة. قال في «الفروع»: «ويتوجه مثله حج وأن يقصده للسلام». وفي الفنون: «تَحْسُنُ التَّهْنِئَةُ بالقَدُومِ للمسافر؛ كالمريض تحسن تهنئته فكل منهما يُهنَّأُ بالسلامة». وفي شرح الهداية (٢) للعلامة أبي المعالي أسعد، محمد وجيه الدين بن المُتَجا بن بَرَكَات: «تستحب زيارة القادم ومعانقته والسلام عليه» (٣). ونُقِلَ عن الإمام أنه قال في حج: «لَا، إلا إن كان قصَدَهُ، أو ذا عِلم، أو هاشمياً، أو يخافُ شره» (٤). ونقل ابنا الإمامِ - رضي الله تعالى عنه - أنه قال لهما: «اكتبا لي اسم من سلم علينا من حج، حتى إذا قَدِم سلَّمنا عليه» (٥). قال القاضي: «جعله مقابلة، ولم يستحِبَّ أن يبدأهم» (٦). قال الفهامة ابن عقيل: «محمول على صيانة العلم، لا على الكبر» (٧)، وذكر الموفق أبو بكر

стр. 697

الآجُرِّيُّ (١): استحباب تشييع الحاج، ووداعه، ومسألته أن يدعو له (٢). وشيع الإمام أحمد أمه لحج (٣). ومن السُّنَّةِ تشييع الغازي ماشياً؛ لأن أبا بكر الصديق شيع يزيد بن أبي سفيان ماشياً حين بعثه إلى الشام. وقد قال - رضي الله تعالى عنه -: «إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله» (٤). ويتعين أن يقاتل كلُّ قومٍ مَنْ يليهم من الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. ويُسن دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال، لمن بلغته الدعوى. ويحرم القتال قبل الدعوة، لمن لم تبلغه الدعوى. وقيد الهمام ابن القيم وجوب الدعوة لمن لم يبلغه، واستحبابها لمن بلغته: بما إذا قصد الكفار المسلمون (٥)، أما إذا كانَ الكفار قاصدين المسلمين بالقتال، فللمسلمين قتالهم من غير دعوة؛ دفعاً عن نفوسهم وحريمهم. والأمر بالجهاد للإمام، ويلزم الرعية طاعته. فائدة: مُنِعَ النبي ﷺ من نزع لأمة الحرب إذا لبسها حتى يلقى العدو (٦).

стр. 698

واللأمة: الدرع (١)، ومُنِعَ ﷺ أيضاً من الرمز بالعين، والإشارة بها (٢). (وَأَفْضَلُ مَـ) ـا يُـ (ـتَطَوَّعُ بِهِ الْجِهَادُ) قال الإمام أحمد: «لا أعلم شيئاً منَ العمل بعد الفرائضِ أفضل من الجهاد» (٣). روى أبو سعيد قال: قيل يا رسُولَ الله، أيُّ النَّاسِ أَفضَلُ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ». متفق عليه (٤). (وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ) من غزو البرِّ (وَتُكَفِّرُ الشَّهَادَةُ) أي: شهادة غزو البر، (جَمِيعَ الذُّنُوبِ) صغائرها وكبائرها (سِوَى الدَّيْنِ)، وشهادة البحر تكفّر حتى الدين، كما في الحديث، روى ابن ماجه مرفوعاً: «شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيْ (٥) الْبَرِّ، وَالمَائِدُ (٦) فِي الْبَحْرِ كَالمُتَشَحِّطِ (٧) فِي دَمِهِ

стр. 699

في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله قد وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، وشهيد البر يغفر له كل شيء إلا الدين، وشهيد البحر يغفر له كل شيء والدين» (١)، ولأن البحر أعظم خطرا ومشقة، لكونه بين خطر العدو والغرق، ولا يتمكن من القرار إلا مع أصحابه؛ فكان أفضل من غيره. وينبغي لأمير الجيش أن يبتدئ بترتيب قوم في أطراف البلاد، يكفون من بإزائهم من المشركين، ويأمر بعمل حصونهم، وحفر ختادقهم، وجميع مصالحهم. ويؤمر في كل ناحية أميرا يقلده أمر الحرب وتدبير الجهاد، ويكون الأمير ممن له عقل ورأي وخبرة بالحرب ومكايد العدو، ويكون أمينا رقيقا بالمسلمين ناصحا لهم، ويوصيه على مصالح المسلمين. وإن مات أو قتل أمير الجيش فللجيش أن يؤمروا أحدهم. والحرس في سبيل الله ثوابه عظيم؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله». رواه الترمذي (٢). وعن عثمان مرفوعا: «حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة

стр. 700

قيام ليلها وصيام نهارها». رواه ابن سنجر (١). (ولا) يجوز أن (يتطوع به) أي: بالجهاد (ممن عليه دين) ولو مؤجل، (لا) قدرة له على (وفائـ) ـه بأن لا يكون (له) مال يفي منه (إلا) إن كان (بإذن غريمه) (٢) بالجهاد؛ لأن المقصود من الجهاد الشهادة، وبالشهادة تفوت النفس، فيفوت الحق بفواتها. (ويسن الرباط) في سبيل الله؛ الحديث سلمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» رواه مسلم (٣). وعن فضالة بن عبيد مرفوعا: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتان القبر» رواه أبو داود (٤). (وهو) لغة: الحبس. وعرفا: (لزوم التغر للجهاد) تقوية للمسلمين. (وأقله) أي: الرباط: (ساعة). قال الإمام أحمد: «يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط» (٥). وسمي المقام بالثغر رباطا؛ لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم. (وتمامه) أي: الرباط (أربعون

стр. 701

يَوْماً)؛ لحديث: «تَمامُ الرِّباط أربعون يوماً» (١) رواه أبو الشيخ (٢). وعن أبي هريرةَ: «رِبَاطُ يَوْمِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ القَدْرِ فِي أَحَدِ المَسْجِدَيْنِ مَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ الله». الحديث (٣). وإن زاد الرباط فله أجرُه. (وَهُوَ) أي: الرباط (أَفْضَلُ مِنَ المُقَامِ بِمَكَّةَ). ذكره الشيخ تقي الدين ابن تيمية إجماعاً. (وَأَفْضَلُهُ) أي: الرباط: (مَا كَانَ) بـ (ـأَشَدَّ) الثغورِ (خَوْفاً)؛ لأنَّ أهله به أحوج، والمقام به أنفعُ. والصلاة بمكة ومسجد المدينة ومسجد الأقصى أفضلُ منَ الصلاةِ بالثغر. ولا يجاهد من أبواه حران مسلمان عاقلانِ إلَّا بإذنهما، وإن كان أحدهما فكذلك؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جَاءَ رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أجاهد؟ فقالَ: «لَكَ أَبَوانِ؟»، قال: نعم. قال: «فَفِيْهِمَا فَجَاهِدْ» (٤). وعن أبي سعيد: أن رجلاً هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن فقالَ: «هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟»، فقال: أبوايَ. فقالَ: «أَذِنَا لَكَ؟»، قال: لا. قال: «فَارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُما فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا». رواه أبو داود (٥)، ولأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد

стр. 702

فرض كفاية، والعينُ مقدَّم. وإن تعين الجهاد على واحد فيسقط إذنهما وإذن الغريم. تتمة: لا طاعة للوالدين في ترك فريضة لتعلم علم واجب يقوم به دينه، ولو كان بسفر من غير إذنهما. ولا يعتبرُ إِذنُ جَدّ ولا جدَّةٍ؛ لاقتصار الخبر على الأبوين. وتحريم القتال في الأشهر الحُرُمِ رجب وذي القعدة والمحرم منسوخ. وهو قول الأكثر (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبغزوه ﷺ الطائف (٢). واختار في الهدي: عدم الحرمة (٣). (وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ) منَ الكفار إذا كانَ (مِنْ مِثْلَيْهِمْ، وَلَوْ) كَانَ الفارُّ (وَاحِداً مِنِ اثْنَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، قال ابن عباس: «من فر من اثنين فقد فرّ، ومن فرَّ من ثلاثة فما فر» (٤). ويلزم المسلمين الثباتُ، وإن ظنُّوا التلف؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، ولأنه ﷺ عد الفرار من الكبائر (٥).

стр. 703

إلا إذا كانوا مُتَحَرِّفِينَ لقتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]. ومعنى التحرف لقتال: أن ينحازوا إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحازوا من ضيق إلى سعة، أو مَعْطَشَةٍ إلى ماء، أو من نزول إلى علو، أو انحرافهم عن مقابلة الشمس أو الريح، أو استناد إلى جبل، ونحوه مما جرت به العادة. ومعنى التحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين ليكون معهم فيتقوى بهم. قال القاضي: «لو كانت الفئة بخراسان والزحف بالحجاز جاز التحيز إليها» (١)، لحديث ابن عمر مرفوعاً: «إِنِّي فِئَةٌ لَكُمْ» وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: «أنا فِئَةٌ لكل مسلم» وكان بالمدينة، وجيوشه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد (٢). وإن زادوا على مِثْلَيْهم فلهم الفرار (٣)؛ لقول ابن عباس: «لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ، ثم جاء التخفيف فقال: ﴿الْئَانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فلما خفف عنهم من العدو، أنقص من الصبر بقدر ما خَفَّفَ منَ القَدْرِ». رواه.

стр. 704

أبو داود (١). قال شيخنا في «شرح الإقناع»: «وظاهره: أنه يجوز لهم الفرار مع أدنى زيادة». والفرار أولى من الثبات إن ظنوا التلف بترك القرار. وإن ظنوا الظفر استُحِبَّ الثبات، ولا يجِبُ؛ لأنهم لم يأمنُوا العطب. تتمة: ولا يجوز تحريقُ الكفار بالنار؛ لحديث: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّيْحَةَ» (٢)، ولقوله ﵊: «فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّار» رواه أبو داود (٣). وكان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - يأمر بتحريق أهل الردة بالنار (٤)، وفعله خالد بن الوليد بأمره (٥). ويجوز إتلاف كتبهم المبدلة. ويجوز تبييت كفار، - وهو: كبسهم ليلاً، وقتلهم غارُّونَ (٦)، ولو قتل بلا قصدٍ من يحرم قتله، كصبي وامرأة، ويجوز رمي كفار بمنجنيق (٧). ولا يجوز عقر دابة من الدواب (٨)، ولا إتلاف شجر وزرع يضر بالمسلمين. ولا يجوز

стр. 705

قتل صبي، وأنثى، وراهب، وشيخ فان، وزمن، وأعمى؛ لما ورد من النهي عن ذلك (١). (والهجرة) أي: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام (واجبة على كل) مسلم م (من عجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم الكفر، و يغلب فيه حكم البدع المضلة)، كالاعتزال (٢)، والتشيع (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وعنه ﷺ أنه قال: «أنا بريء من مسلم بين مشركين لا تراءى ناراهما» رواه الترمذي (٤)، أي: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت. ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي. والرجل والمرأة في ذلك على حد سواء. فإن قدر المسلم على إظهار دينه بدار الكفر، فالهجرة مسنونة؛ للتخلص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم. وعلم من ذلك بقاء حكم
следующие страницы →