← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلاً على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠] ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ : «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّوم: ٣٠]؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٧] فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه" (١).

стр. 142

٥٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم ما أمر الله به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [مُحَمَّد: ١٩]. قال تعالى: ﴿* وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]. - قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ) ﵀: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله … ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب" (١). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان" (٢). - قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "أعظم ما أمر الله به التوحيد؛ وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشرك؛ وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦] " (٣).

стр. 143

- قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "أهم ما فرض على العباد معرفة أن الله رب كل شيء؛ ومليكه؛ ومدبّره بإرادته" (١). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀ معلِّقاً على قول الشيخ ابن عبد الوهاب: "وأعظم ما أمر الله به التوحيد: وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به" (٢). - قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به؛ ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ونفي الشرك فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك" (٣). - قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ في تعليقه على قوله تعالى ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]: "وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة. لأنها اشتملت على حقوق عشرة. أحدها الأمر بالتوحيد ثم عطف عليه التسعة الباقية وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها، فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن ضده وهو الشرك أعظم المحرمات" (٤).

стр. 144

٥٦. ومما يدل على أهميته أن ضد التوحيد الشرك وهو أعظم ما نهي الله عنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لُقْمَان: ١٣]. وسُئِل النبي ﷺ : أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال ﷺ : «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (١). عن ابن مسعود، قال: قال رجل، يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن فى الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (٢). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال المهلب: وأما حديث ابن مسعود فمعناه: من أحسن في الإسلام بالتمادى عليه ومحافظته، والقيام بشروطه؛ لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، وأجمعت الأمة أن الإسلام يجب ما قبله. وأما قوله: «من أساء في الإسلام» فمعناه: من أساء في عقد الإسلام والتوحيد، بالكفر بالله، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له في الجاهلية والإسلام، فعرضت هذا القول على بعض العلماء فأجازوه، وقالوا: لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا، ولا تكون هذه الإساءة إلا الكفر؛ لأجماع الأمة أن

стр. 145

المؤمنين لا يؤاخذون بما عملوا في الجاهلية" (١). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا عقوبة أعظم من عقوبته في الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدي في النار لا يكون في ذنب غير الشرك بالله تعالى ولا يحبط الإيمان غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] " (٢). - قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀ في التوحيد: "من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع، فلم يعذر أحد بالذهاب عنها" (٣). - قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يُوسُف: ١٠٦] يعني الكفار كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة والإيمان وهو التصديق بالله لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد وهم كانوا يؤمنون بالله وجودا وخلقا وغير ذلك،

стр. 146

ولكن لا يوحدونه عبادة" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأعظم السيئات: جحود الخالق. والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة وندا له أو أن تكون إلها من دونه. وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله تعالى. وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القَصَص: ٣٨] وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النَّازِعَات: ٢٤] وقال لموسى ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٢٩] و ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزُّخْرُف: ٥٤]. وإبليس يطلب: أن يعبد ويطاع من دون الله. فيريد: أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. وفي نفوس سائر الإنس والجن: شعبة من هذا وهذا" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجليكما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁ يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما قال فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» " (٣).

стр. 147

٥٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يحسم مواد الشرك. - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد كان النبي، ﷺ ، يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشركإذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف" (١). - قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "عليك بالعناية بهذه الآية فقد سدت أبواب الشرك في الربوبية والألوهية. قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سَبَإ: ٢٢ - ٢٣]. أما قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سَبَإ: ٢٢]. فهذا سد لباب الشرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما فبين سبحانه أنهم: • لا يملكون ذرة استقلالا، • ولا يشركونه في شيء من ذلك. • ولا يعينونه على ملكه.

стр. 148

ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سَبَإ: ٢٣]. فهدا سد لباب الشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة. إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه. وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه، كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأَنْعَام: ٥١] وقوله تعالى: " ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأَنْعَام: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأَنْعَام: ٧١]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٩٤] وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان.

стр. 149

وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السَّجْدَة: ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣] وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤]. وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْأخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحَج: ١١ - ١٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العَنكَبُوت: ٤١]. والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء" (١).

стр. 150

٥٨. ومما يدل على أهميته أن الله قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد. قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣] فالله قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمراً شرعيًّا، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد" (١). ٥٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رأس المعروف. قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لُقْمَان: ١٧]. وقد سُئِل النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ فقال ﷺ : «إيمان بالله ورسوله» (٢). وسُئِل النبي ﷺ : أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال ﷺ : «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (٣).

стр. 151

- قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال بعض العلماء: "المعروف" التوحيد، والمنكر الكفر، والآية نزلت في الجهاد. - قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، المفلحون الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم" (١). - قال عز الدين بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) ﵀: " فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف. وكذلك الأمر بالفرائض أفضل من الأمر بالنوافل، والأمر بإماطة الأذى عن الطريق من أدنى مراتب الأمر بالمعروف، قال ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "آصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه،

стр. 152

وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا. وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفَتْح: ٦]. فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك؛ فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه؛ وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه، ويخافه، ويرجوه، ويذل له، ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته؟ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأَنْعَام: ١]؛ أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة والتعظيم" (١). - قال الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن النجدي الحنبلي (ت: ١٢٩٣ هـ) ﵀: "وإنما أُرْسِلت الرُّسل وأُنْزِلت الكتب للأمر بالمعروف الذي

стр. 153

رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك" (١). ٦٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو الإكسير الأعظم. - قال ابن رجب: "التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منها على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات، كما في "المسند" وغيره، عن أم هانئ، عن النبي ﷺ ، قال: «لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل» (٢) " (٣). وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت ﵄؛ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، فوضع رسول الله ﷺ يده وقال: «الحمد الله، اللهم بعثْتَني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجَنَّة وإنك لا تخلف الميعاد»، ثم قال: «أبشروا؛ إن الله قد غفر لكم وهي أحسَن الحسنات، وهي تمحو الذنوب والخطايا» " (٤). - قال ابن تيمية: "فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء؛ وأطيب الكلام والعقائد: كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله.

стр. 154

وأخبث الكلام والعقائد: كلمة الشرك وهو اتخاذ إله مع الله. فإن ذلك باطل لا حقيقة له" (١). ٦١. ومما يدل على أهميته أن النعم داعية إلى التوحيد وذاك داع إلى شكرها. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النَّحْل: ٥٣]. - قال صالح الدمشقي (من القرن الثاني من الهجرة) ﵀، لا بنه: "يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكرللَّه تعالى" (٢). - وقال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "كلما شكرت نعمة؛ تجدد لك بالشكر أعظم منها" (٣). - وقال الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: "الشكر: أن لا يعصى الله بنعمه" (٤). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ذكرهم النعم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ليوحدوا رب هذه النعم، يعني بالنعم

стр. 155

الخير والعافية، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾، يعني الشدة، وهو الجوع، والبلاء، وهو قحط المطر بمكة سبع سنين، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾، يعني تضرعون بالدعاء، لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدُّخَان: ١٢]، يعني مصدقين بالتوحيد" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرا﴾ [سَبَإ: ١٣]، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» (٢) " (٣). - قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع

стр. 156

لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده. فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان. قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم" (١). - قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "ومعنى الآية: التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه، إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض، لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى" (٢). - وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء

стр. 157

والسلامة؟ " (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ شارحًا حديث: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة» (٢). قال ﵀: "وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها" (٣). قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النَّجْم: ٥٥]. - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ" (٤). قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٧]. قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النِّسَاء: ١٤٧]. - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ

стр. 158

دَاعِي الشُّكْرِ وَدَاعِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده. وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النَّمْل: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى

стр. 159

نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] " (٢). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "قال بعض السلف: "الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته" (٣). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الشكر على درجتين: إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم .... ومن هنا قال بعض السلف: "الشكر: ترك المعاصي".

стр. 160

وقال بعضهم: "الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته". وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: "أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات"، ثم قال: "وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر". الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين" (١). - وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب" (٢). ٦٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعزز مكارم الأخلاق. عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».

стр. 161

وفي رواية: «فلا يؤذِ جاره»، وللبخاري: «فليصِلْ رحمه» (١). "وهذا الحديث عظيم تتفرع منه آداب الخير، وقيل فيه: إنه نصف الإسلام؛ لأن الأحكام تتعلق بالحق، أو الخلق، وهذا أفاد الثاني" (٢). - قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» المراد بقوله: «يؤمن» الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ أو المعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلَقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد، وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما

стр. 162

قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه" (١). ٦٣. ومما يدل على أهميته أن بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام. - عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقالإسلام، وحسابهم على الله» (٢). - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "دين الإسلام يحكم بشهادة أنلا إله إلا الله في الظاهر، فالله -جل وعلا- يقبل من المنافقين كلمة (لا إله إلا الله) ظاهرا، كما أرادوا أن يخدعوه فهو يخدعهم حيث يقبلها

стр. 163

منهم ظاهرا في الدنيا، وهو يعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٤٢] " (١). ٦٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبب النجاة. - عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (٤). - وأوصى ابنُ قُدامَة (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀ أحد إخوانه: "واعلم أنّ مَنْ هوَ

стр. 164

في البَحرِ على اللوحِ، ليسَ بأحوَجَ إلى اللهِ وإلى لُطفه ممن هوَ في بيتِه بينَ أهلِه ومالِه، فإذا حققتَ هذا في قَلبِك فاعتمد على الله اعتمادَ الغريقِ الذي لا يعلمُ له سبب نجاةٍ غير الله! " (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (٢). - قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والتوحيد الحقيقى الذى هو سبب النجاة ومادة السعادة في الدار الآخرة ما بينه الله تعالى وهدانا في كتابه العزيز بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨] " (٣). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٨]، أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك" (٤).

стр. 165

- قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "لم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالا في الدنيا ولا شقيا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده. قال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣] وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي. ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣] " (١). ٦٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد يعين صاحبه على حسن الخاتمة. فالإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحيانا أشياء تدل على حسن خاتمته، من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته. - عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ قال: قال النبي ﵌: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢)، فهذه من علامات حسن الخاتمة. - عن حذيفة (ت: ٣٦ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة» (٣)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها.

стр. 166

- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم، ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [يُونُس: ١٣] يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه، ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ [يُونُس: ١٣] من عند الله، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [يُونُس: ١٣]، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق، ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [يُونُس: ١٣] يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ [يُونُس: ١٣]، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون، بظلمهم أنفسَهم، وتكذيبهم رسلهم، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا ﷺ ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا، وأوردُه النار في الآخرة" (١). - قال الحافظ الإشبيلي (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: "إنّ سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلُح باطنُه، ما سُمع بهذا قطُّ ولا عُلم به والحمد للهوإنما يكون لمن كان له فسادٌ في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم أو لمن كان مستقيما ثم تغيّرت حاله وخرج عن سُننه وأخذ في غير طريقه" (٢).

стр. 167

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة" (١). ومن أعظم صور سوء الخاتمة ما حل بالمكذبين بتوحيد الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ [يُونُس: ١٣]. ٦٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد زينة لصاحبه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَ﴾ [الأَنفَال: ٢] - قال الإمام أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "العبد كلما ازداد تأملاً للآيات؛ زادته هداية ودلالة، تقرَّبت بصيرته، وخلصت من الخواطر والهواجس عقيدته" (٢). - قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه؛ فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر" (٣). قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ

стр. 168

وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَة وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحُجُرَات: ٧ - ٨]. - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ فجعله أحب الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حسنه، ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله ﷺ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ﴾. - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يريد الكذب ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ المهتدون" (١). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي ﷺ ولا يخبرون بالباطل، أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. وزينه بتوفيقه. في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه، والقبح والشين الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم، ثمَّ إِنْ ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة، فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين، حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا

стр. 169

كَانَ للصورة من حسن وقبح، فكم مِمَّنْ لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته، وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره، ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا، وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم، فَإِنْ الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُ" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: قال بعض السلف: "قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسده، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "خير الْقُلُوب مَا كَانَ واعيا للخير

стр. 170

ضابطا لَهُ. وَلَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذِكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأَنْعَام: ١٢٢] " (٣). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه" (٤). - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ويهمنا هنا: أنه لا يتم تحقيق الإيمان وحبه في القلب حتى يخلو القلب من شوائب الكفر؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان أبدا" (٥).

стр. 171

- قال الشيخ أبو بكر الجزائري (ت: ١٤٣٩ هـ) ﵀: "من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ " (١). وفي الحديث صلَّى عمَّارُ بنُ ياسرٍ بالقومِ صلاةً أخفَّها، فَكأنَّهم أنْكروها! فقالَ: ألم أُتمَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ؟ قالوا: بلى، قالَ أمَّا أنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ كانَ النَّبيُّ ﷺ يدعو بِهِ «اللَّهمَّ بعِلمِكَ الغيبَ وقدرتِكَ على الخلقِ أحيني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي وتوفَّني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي، وأسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادةِ، وَكلمةَ الإخلاصِ في الرِّضا والغضبِ، وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفدُ، وقرَّةَ عينٍ لَا تنقطعُ، وأسألُكَ الرِّضاءَ بالقضاءِ، وبردَ العيشِ بعدَ الموتِ، ولذَّةَ النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لقائِكَ، وأعوذُ بِكَ من ضرَّاءٍ مُضرَّةٍ وفتنةٍ مضلَّةٍ؛ اللَّهمَّ زيِّنَّا بزينةِ الإيمانِ واجعَلنا هداةً مُهتدين» (٢). - قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في بيان معانٍ من هذه الزينة: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق" (٣).

стр. 172

- قال بعض الحكماء: "ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة؛ لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة؛ لم يجمع بين قبح الصورة، وقبح الفعل" (١). - قال الإمام ابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀ في شرح حديث النبي ﷺ : «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين»: "أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان" (٢). فللإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولن يبدو صاحبه جميلاً بدونه، وهذه الزينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم. والزينة زينتان: زينة البدن وزينة القلب "وهي أعظمها"، وإذا حصلتْ فيرد به مَنْ يعاملهم مِنْ الناس، فيعظم ما عظَّمه الله ومَن يعظمه الله، ويحقِّر ما حقره الله ومَن حقره الله. فمن زينة الإيمان ما يجعله الله في القلب، وهي البصيرة التي يلقيها الله في قلب العبد حتى يبصر حقائق الوجود، ويعرف ما تئول إليه هذه الحياة ويتعظ بمن مضى، ويتذكر ما هو مقبل عليه من الآخرة.

стр. 173

٦٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شرط لقبول العمل. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠]. - عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄ قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، فإذا قال: الحمد لله، فهى كلمة الشكر التى لم يشكر الله أحد حتى يقولها، فإذا قال: الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال: سبحان الله فهى صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا حتى قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: استسلم عبدى" (١). - قال أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤ هـ) ﵀: "لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صواباً، ومن صوابها إلا ما كان خالصاً، ومن خالصها إلا ما وافق السنة" (٢). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾

стр. 174

يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية" (١). - قال أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، (ت ٤٢٧ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠]: "العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكَهْف: ١١٠]، أي: خالصا، ثم قال: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أن الكلم الطيب يرفع العمل، فلا يرفع ولا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد" (٢). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "الرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء فى عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شئ من الرياء في بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله، لأنه أشرك في بعض أعماله حمد المخلوقين مع حمد ربه، فحرم ثواب عمله ذلك" (٣). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال

стр. 175

بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ [الزُّمَر: ٤٧] قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص، أو لتعديهم السنة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة" (١) - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقدا لم تُقبل الأعمال" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " وقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها. - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المُلْك: ٢]. قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا

стр. 176

صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] " (١). فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل للهوحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله، ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة: أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعول فيه على الباعث الأول، ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها. الثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله، ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف. الثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه

стр. 177

يصلي لله وللأجرة؛ وكمن يحج ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حج؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل. وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصدطاعة للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر. وقد دلت السنة الصريحة على ذلك، كما في قوله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به» (١)، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] " (٢). - قال عمر بن علي الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: "الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافا للحارث المحاسبي" (٣). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "أي: فضلت

стр. 178

عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم عقابه. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكَهْف: ١١٠] وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، ﴿لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ أي: لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه" (١). - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإِسْرَاء: ١٩]. في الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإِسْرَاء: ١٩] " (٢). ٦٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد قرين السنة كما أن البدعة قرينة الشرك. - قال ابن القيم: "البدعة قرينة الشرك في كتاب الله تعالى، قال

стр. 179

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأَعْرَاف: ٣٣] فالإثموالبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان" (١). - قال ابن القيم: "تفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهافشهوة الكفر والشرك كفر، وشهوة البدعة فسق، وشهوة الكبائر معصية" (٢). ٦٩. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد هي الموجبة. - عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (٣). قال الفيروزأبادي: "والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله" (٤). «ما الموجبتان؟»، أي: ما الخصلتان من الخير والشر اللتان إذا فعلت إحداهما أوجبت لصاحبها الجنة أو أوجبت له النار.

стр. 180

٧٠. ومما يدل على أهميته أن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه. - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن: إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم" (١). - قال ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٧ هـ) ﵀: "المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام: ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع. أما الأصول: فالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله.
следующие страницы →