← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمْل: ٤٤]. فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة. والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد" (١). - قال ابن القيم: "التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلا عليه، مرشدا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد" (٢). قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧]، أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والإيمان، ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة

стр. 72

لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم" (١). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشُّورَى: ١٥]، اللام في قوله: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزَّلْزَلَة: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع" (٢). ٢٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله أنزل الله الكتب. قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هُود: ١ - ٢]. - قال الشيخ السعدي: "يقول تعالى: هذا ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم، ونُزُل كريم، ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هُود: ١]؛ أي: أُتْقِنت وأُحْسِنَت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هُود: ١]؛ أي: ميزت، بينت بيانًا في أعلى أنواع البيان، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ [هُود: ١] يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، ﴿خَبِيرٍ (١)﴾ [هُود: ١] مطَّلع على الظواهر والبواطن،

стр. 73

فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة، وإنما أنزل الله كتابه لأجل ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هُود: ٢]؛ أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وألاّ يشرك به أحد من خلقه، ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ [هُود: ٢] أيُّها الناس ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الله ربكم ﴿نَذِيرٌ﴾ لِمَنْ تجرَّأ على المعاصي، بعقاب الدنيا والآخرة ﴿وَبَشِيرٌ (٢)﴾ للمطيعين لله، بثواب الدنيا والآخرة" (١). - قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "فهذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أُنزل القرآن من أجلها هي: أن يُعبد الله -جل وعلا- وحده، ولا يُشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله -جل وعلا-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ صريح في أن آيات هذا الكتاب فصِّلت من عند الحكيم الخبير؛ لأجل أن يُعبد الله وحده" (٢). وقال ابن كثير: "أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصَّل لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦] " (٣).

стр. 74

- قال ابن تيمية: "وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب" (١). ٢٦. ومما يدل على أهميته أن من تمام التوحيد شهادة أن محمدًا رسول الله. - عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀؛ في قوله : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشَّرْح: ٤]؛ قال: إذا ذكرت ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله" (٢). - عن محمد بن كعب (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "قال: إذا ذكر الله ذكر معه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ " (٣). - قال ابن القيم: "محمد رسول الله، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (٤). - وقال ابن القيم: "إثبات حمده التام، فإنه يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه، ولا قدره

стр. 75

حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده. فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه "أشهد أن محمدا رسول الله" كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله، وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد، كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات الشركاء والأنداد" (١). ٢٧. ومما يدل على أهميته أن التوحيد بمثابة الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع. - قال ابن تيمية: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو "الأصل"، والأعمال الظاهرة هي "الفروع" وهي كمال الإيمان. فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد. ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته" (٢). - قال ابن تيمية: "أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك" (٣).

стр. 76

٢٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو أول المأمورات، وضده هو أول المنهيات. قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿*وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي ﷺ البيعة عليها، وهي قوله تعالى: ﴿*قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوابِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿*وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك" (١). - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن معاذ بن جبل أراد سفرًا

стр. 77

فقال: يا نبي الله أوصني قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئًا». قال: يا نبي الله زذني قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله زدني قال: «استقم وليحسن خلقك» (١). وقال أبو الدرداء: أوصاني خليلي «أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الأمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد. والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي. فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» " (٣). - قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله تعالى التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿*وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِشَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النِّسَاء: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي البيعة عليها، وهي قوله تعالى: ﴿*قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِشَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأَنْعَام: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك" (٤) [¬*]. ٢٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد من أجله شرع الجهاد. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأَنفَال: ٣٩]. - قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: " ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛

стр. 78

أي: شرك، وصد عن سبيل الله ويذعنوا لأحكام الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرَّهم عن الدين، وأن يَذُبَّ عن دين الله، الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان، ﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ عن ما هم عليه من الظُّلم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾، لا تخفى عليه منهم خافية، ﴿وَإِن تَوَلَّوْا﴾ عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى﴾، الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسِّر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفُجَّار، وتكالُب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومَن كان الله عليه فلا عزَّ له، ولا قائمة تقوم له" (١). - قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "قال ابن جريج: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأَنفَال: ٣٩]؛ أي: لا يفتُر مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد" (٢). "فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التَّوْبَة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ

стр. 79

وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التَّوْبَة: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا" (١). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله ) (٢). "قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: «مَنْ وحَّد الله وكفر بما يعبد من دونه حرَّم دمه وماله»، وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، ونحوه في حديث أبي العنبس وفي حديث أنس عند أبي داود: «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلُّوا صلاتنا»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به» (٣).

стр. 80

"وقد وردت الأحاديث بذلك زائدٌ بعضها على بعض؛ ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول: لا إله إلا الله، وفي حديثه من وجهٍ آخر عند مسلم: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وفي حديث ابن عمر ما ذكرت، وفي حديث أنس: « … فإذا صلُّوا واستقبلوا وأكلوا ذبيحتنا»، قال الطبري وغيره: أمَّا الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوَّته عمومًا أو خصوصًا، وأمَّا الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات، أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك" (١). - قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التَّوْبَة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التَّوْبَة: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا" (٢). [¬*] - قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يقول كلمة التوحيد، فإذا قالها حقن دمه فصار محظور الدم بمنزلة المسلم" (٣). - قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "المشرك إذا قال: لا إله إلا الله رفع عنه السيف وحرم دمه" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ "فالمقصود بالجهاد ألا يعبد غير الله، فلا يدعو غيرَه، ولا يُصلِّي لغيره، ولا يسجد لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته،

стр. 81

ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه … " (١). ٣٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد وصية الأنبياء لذريتهم. قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢ - ١٣٣]. وعن عبد الله. بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم لَمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليكَ الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتينِ وأنهاكَ عن اثنتينِ؛ آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ، لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمةً، قَصَمَتْهُنَّ لا إلهُ إلَّا اللهُ وسُبحانَ اللهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلْقُ، وأنهاكَ عنِ الشِّركِ والكِبْرِ» (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٢]،

стр. 82

يعني: كلمة التوحيد ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ أي: وأوصى بها أيضا يعقوب بنيه بعد إبراهيم قال: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختار لكم الإسلام" (١). ٣١. ومما يدل على أهميته أن كلمة التوحيد أفضل الحسنات. فعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله، أوْصِني، قال: «إذا عَمِلْتَ سيِّئةً، فأَتبِعْها حَسنةً تَمْحُهَا»، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أمِنَ الحَسنات "لا إلهَ إلا الله"؟ قال: «هي أفْضَلُ الحَسناتِ» (٢). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "ولا حسنة أعظم من توحيد الله والإقرار بوجوده والتضرع إليه فى المغفرة. " (٣). ٣٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق. عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وستون خصلة، أكبرها شهادة أن لا إله إلا الله وأصغرها إماطة الأذى عن الطريق» (٤).

стр. 83

- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "إن قال قائل: أى أنواع الذكر أفضل؛ فإن ذلك أنواع كثيرة، منها التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير؟ قيل: أعلى ذلك وأشرفه الكلمة التى لا يصح لأحد عمل إلا بها، ولا إيمان إلا بالإقرار بها، وذلك التهليل، وهو لا إله إلا الله" (١). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "تمام الإيمان وتمام العلم إنما هو المعرفة بالله ورسله، ومعرفةالدلالة على ذلك" (٢). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "شرف العلم بشرف المعلوم، فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف، ولما كان أشرف المعلومات ذات الباري تعالى وصفاته، وجب أن يكون معرفته وتوحيده أشرف العلوم. ثم إن العلم إما أن يكون دينيًا، أو يكون غير ديني. ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني. وأما العلم الديني فأما أن يكون علم الأصول أو ما عداه. أما ما عداه على الأصول فإن صحته متوقفة على صحة علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على معرفة الصانع المختار المتكلم. وأما المتحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله ﷺ ، وذلك فرع على إثبات نبوته. والفقيه يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على ثبوت التوحيد والنبوة. فثبت أن هذه العلوم مفسرة إلى علم الأصول.

стр. 84

وظاهر أن علم الأصول غني عنها بأسرها، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف" (١). - قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري: "أشرف علوم الخلائق، علم الأمر والنهى، وعلم الأسماء والصفات والتوحيد، وعلم المعاد واليوم الآخر" (٢). - قال الفيروز أبادي: "فإن لكل علم حدا لا يتجاوزه، ولكل عالم ناموسا لا يخلبه. فمن الوجوه المغلطة أن يظن في العلم فوق غايته؛ كما يظن بالطب أنه يبرئ جميع الأمراض؛ وليس كذلك، فإن كثيرا من الأمراض لا يبرأ بالمعالجة. ومنها أن يظن بالعلم فوق مرتبته في الشرف؛ كما يظن بالفقه أنه أشرف العلوم على الإطلاق؛ وليس كذلك؛ فإن التوحيد والعلم الإلهى أشرف منه قطعا" (٣). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو" (٤). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم" (٥). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلًا بذكرها وبتكريرها كان

стр. 85

مشتغلًا بأعظم أنواع العبادات، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها" (١). - قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وكذلك معرفة التوحيد أفضل المعارف، واعتقاده أفضل الاعتقادات" (٢). - قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وقد «سئل ﵇ أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله»، قيل: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل ثم أي؟ قال: «حج مبرور» (٣). جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبه لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه، ومصالحه ضربان: • أحدهما: عاجلة وهي إجراء أحكام الإسلام، وصيانة النفوس والأموال والحرم والأطفال. • والثاني: آجلة وهو خلود الجنان ورضاء الرحمن" (٤). - قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "تعليم ما يجب تعليمه، وتفهيم ما يجب تفهيمه، يختلف باختلاف رتبه وهذان قسمان:

стр. 86

أحدهما: وسيلة إلى ما هو مقصود في نفسه، كتعريف التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل. القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة كتعليم أحكام الشرع، فإنه وسيلة إلى العلم بالأحكام التي هي وسيلة إلى إقامه الطاعات، التي هي وسائل إلى المثوبة والرضوان، وكلاهما من أفضل المقاصد" (١). - قال ابن تيمية: "ولهذا ورد في فضل هذه الكلمة شهادة أن لا إله إلا الله من الدلائل ما يضيق هذا الموضع عن ذكره وهي أفضل الكلام وما فيها من العلم والمحبة أفضل العلوم والمحبات كالحديث الذي في السنن أفضل الذكر لا إله ألا الله" (٢). - قال ابن تيمية ﵀: "معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية" (٣). - قال ابن القيم: "لما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد" (٤). - قال ابن القيم: "إن شرف العلم تابع لشرف معلومه، لوثوق النفس بأدلة

стр. 87

وجوده وبراهينه ولشدة الحاجة إلى معرفته وعظم النفع بها. ولا ريب أن أجل معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله. فلا ريب أن العلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات" (١). - قال ابن القيم: "فإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أن الغاية أشرف من الوسيلة، فكيف تفضل الوسائل على غاياتها؟ قيل: كل من العلم والعمل ينقسم إلى قسمين، منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإن العلم بالله وأسمائهوصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطَّلَاق: ١٢] فقد أخبر سبحانه أنه خلق السموات والأرض ونزل الأمر بينهن ليعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: ١٩] فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو

стр. 88

مطلوب لذاته وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما. الأمر الأول: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه، وصفاته وأفعاله وأحكامه. والأمر الثاني: أن يعبد بموجبها ومقتضاها. فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضا، فإن العلم من أفضل العبادات" (١). - قال ابن القيم: "مراتب العلمُ به سبحانه خمس مراتب: ١ العلم بذاته، ٢ وصفاته، ٣ وأفعاله، ٤ وأسمائه، ٥ وتنزيهه عما لا يليق به" (٢). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فأفضل العلم العلم بالله وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه والتوكل عليه والصبر والرضا عنه والاشتغال به

стр. 89

دون خلقه. وتبع ذلك العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ومن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس" (١). - قال الشيخ. ملا علي القاري: "علم التوحيد أفضل العلوم وأجازها وأكملها، وعالم هذا العلم. أفضل العلماء، وبهذا السبب خصهم الله بالذكر في أجل المراتب فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨] " (٢). - وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨]: "وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم" (٣).

стр. 90

٣٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سيد العلوم وهو أصل لها. - قال ابن تيمية: "ومن له من مخلوقاته فالعلم به تابع للعلم بالله، والعلم الأعلى هو العلم بالأعلى كما قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأَعْلَى: ١]، فهو رب كل ما سواه، فهو الأصل، فكذلك العلم به سيد جميع العلوم وهو أصل لها" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها" (٢). ٣٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أصل العلوم كلها. - قال أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) ﵀: "علم أصول الدين هو أصل العلوم كلها" … "ومن فروعه إثبات النبوات بالنظر العقلى في المعجزات، ومن فروع النبوة علم التفسر، وعلم الحديث وعلم الأصول التابنبنى عليها الفقه، ونحو ذلك من فروع علم أصول الفقه، فهو الغاية والنهاية" (٣).

стр. 91

- قال الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السِّغْنَاقي (ت: ٧١١ هـ) ﵀: " (علم التوحيد والصفات) وإنما ذكر علم التوحيد والصفات هنا مع أنه في بيان أصول الفقه لا في بيان أصول الدين؛ لأنه لما حصر العلم أي العلم الذي ابتلي بتعلمه على نوعين لا غير، وجب عليه بيان ذينك النوعين، حتى أن شمس الأئمة والقاضي أبا زيد -رحمهما الله- لما لم يذكرا في كتابيهما حصر العلم على نوعين، لم يذكرا علم التوحيد والصفات. ثم المصنف ﵀ إنما ذكر حصر العلم على هذين النوعين؛ لأن العلم الذي يهمنا ويسعدنا ويبلغنا إلى درجة الكمال في الدنيا والآخرة، هذا العلم وإن كان اكتساب غيره أيضا قد يكون من المناقب السنية والفضائل العلية، لكن يكون لك على وجه الوسائل إلى هذا العلم، لا على وجه المقاصد بنفسه. ثم قدم بيان علم أصول الدين على علم الشرائع والأحكام؛ لأن علم أصول الدين أصل جميع العلوم على ما قررنا في صدر «الوافي» فوجب تقديمه على غيره" (١). - قال ابن تيمية: "إخلاص الدين لله هو أصل كل علم وهدى" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات والآخر الذي إليه تصير الحادثات؛ فهو الأصل الجامع؛

стр. 92

فالعلم به أصل كل علم وجامعه وذكره أصل كل كلام وجامعه والعمل له أصل كل عمل وجامعه" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحَشْر: ١٩] فتأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا عظيما، وهو: أن من نسي ربه أنساه ذاتهونفسه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده، لأنه خرج عن فطرته التي خلق عليها فنسي ربه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكَهْف: ٢٨] فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه، وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلا. فالعلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته" (٢).

стр. 93

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم، إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها، وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى، ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهل العبد به أو لعدم حكمته، أما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق، فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العلم به تعالى أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا ريب ان العلم به وباسمائه وصفاته وافعاله أجل العلوم وأفضلها ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومة إلى سائر المعلومات، وكما ان العلم به أجل العلوم وأشرفها فهو أصلها كلها، كما أن كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر إليه في تحقق ذاته وأينيته وكل علم فهو تابع للعلم به مفتقر في تحقق ذاته اليه فالعلم به أصل كل علم" (٣). - قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "وقال صاحب المحيط من الحنفية:

стр. 94

أفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين، معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام" (١). - قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ﵀: "نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات؛ إنما شرعت للتقرب بها إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح في الطاعة والانقياد" (٢). - قال محمد بن علي التهانوي (ت: بعد ١١٥٨ هـ) ﵀ "وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه" (٣). - قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀ في منظومته: "وبعد فاعلم أن كل العلم … كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي" (٤). - قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: "فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصاها كما ينبغي للمخلوق، دخل الجنة" (٥).

стр. 95

- قال مبارك بن محمد الميلي الجزائري (ت ١٣٦٤ هـ) ﵀: "وهذه أركان الإسلام الخمسة؛ إنما شرعت كسائر العبادات، للاحتفاظ بالتوحيد، والابتعاد عن الوثنية: فلم يكتف في الشهادتين بالتوحيد المجرد، حتى صرح بنفي التعدد، وحصر التشريع في شخص المرسل بالتبليغ. ولم يقتصر في الصلاة على افتتاحها بالتكبير الذي فيه تعريض باطراح الأوثان، حتى خللت به، وكرر فيها مخاطبة رب العالمين بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥]. وزكاة المرء شعار غناه، ودليل اعترافه للرب بجليل نعماه، وأنه لا دخل فيها للأصنام وكل ما سواه. والصوم يذر فيه الصائم شهوته وطعامه وشرابه من أجل مولاه، ويراقبه وهو صائم، ولو انفرد بمحل سكناه. والحج فاتحته الإحرام، المصحوب بالتلبية المتكررة في كل حال، وهي صريحة في حياطة التوحيد بنكران الشريك" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذا الفن الذي هو أصل الأصول، وبه تقوم العلوم كلها" (٢).

стр. 96

- قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "فيتعين على كل مكلف معرفة معنى لا إله إلا الله، الذي هوأصل الأصول، وأوجب العلوم" (١). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "كلما غفل الإنسان عن ذكر ربه انقطعت به السبل، وكلما عمر قلبه بذكر ربه وصل إلى الغاية. فإن الذكر بمنزلة النور يهتدي به الإنسان في ظلمات الطرق حتى يصل غايته" (٢). ٣٥. ومما يدل على أهميته أن الحاجة إلى التوحيد أعظم الحاجات. - قال ابن القيم: "ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها" (٣).

стр. 97

- قال ابن تيمية"والعبد لا صلاح له ولا قيام إلا بعبادة الله الجامعة لمعرفته ومحبته والذل له، فتفويته هذا ظلم عظيم فيه عليه الضرر العظيم الذي لا ينجبر" (١). - وقال ابن تيمية: "وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله، وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته. وإذا حصل لهم ذلك: فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة؛ وإما أمر مضر" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة،

стр. 98

فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقرٌ ذاتيٌ إلى ربه" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والشرك أعظم الفساد كما أن التوحيد أعظم الصلاح" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الصلاح: التوحيد والإيمان وأصل الفساد: الشرك والكفر. كما قال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البَقَرَةِ: ١١ - ١٢] وذلك أن صلاح كل شيء أن يكون بحيث يحصل له وبه المقصود الذي يراد منه" (٤). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومعلوم أن حاجتهم إلى معرفة ربهم وفاطرهم فوق مراتب هذه الحاجات كلها، فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولانعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام،

стр. 99

وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل. وإذا علم أن ضرورة العبد إلى معرفة ربه فوق كل ضرورة كانت العناية ببيانها أيسر الطرق وأهداها وأبينها" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحاً ولا ذماً ولا ثواباً ولا عقاباً، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقاً ومصنوعاً. والفقر الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين: أَحدهما: معرفة العبد بربه، والثاني: معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، أَنتجتا له فقراً هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته" (٢). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "جانب التوحيد أعظم الجوانب حقا أن يوفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه أو التي سوى الشرك فإن الله يغفرها" (٣). - قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: " أعظم ما نهى الله عنه

стр. 100

الشرك، وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله ، فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق هو توحيد الله " (١). ٣٦. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أعظم مشهود عليه. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨]. - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم" (٣). - قال الشيخ ابن سعدي: "وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس" (٤). - قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "شهادة أن لا إله إلا الله أعظم شهادة

стр. 101

في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف الإطلاق إلاَّ إليها" (١). ٣٧. ومما يدل على أهميته أن الشهادتان صدر التوحيد. - قال ابن تيمية: "فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في "الشهادتين" إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، "والدين" كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محمد رسول الله ﷺ ، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (٣). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة" (٤). ٣٨. ومما يدل على أهميته أن التوحيد رتبة لا تليق إلا بالله وحده. - قال ابن القيم: "متى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب

стр. 102

المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاتهمن مصالحه وسعادته وفلاحه؛ أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرضللزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيتالعنكبوت أوهن البيوت" (٢). - عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (٣). - قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "يعني أن معنى لا إله إلا الله: ترك الشرك، وإفراد الله بالعبادة، والبراءة ممن عبد سواه، كما بينه الحديث، وفيه فضيلة من سلم من الشرك" (٤). ٣٩. ومما يدل على أهميته أن التوحيد آخر ما يخرج به من الدنيا. - عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٥).

стр. 103

- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّه مَنْ كان آخرُ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ الموتِ، دخَل الجنَّةَ يومًا مِنْ الدَّهرِ، وإنْ أصابه قبْلَ ذلك ما أصابه» (١). - عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ، وهو نائمٌ، ثم أتيْتُه وقد استيقَظَ، فقال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك إلا دخَلَ الجنةَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ»، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟! قال: «وإن زنى وإن سَرَقَ على رَغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ!»، وكان أبو ذرٍّ إذا حدَّثَ بهذا قال: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ!» (٢). وفي الصحيح من حديث عثمان ﵁: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٣). - وقال ابن القيم: "الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم. فالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما

стр. 104

قال النبي ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره" (١). كان سفيان الثوري يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: "يا إبراهيم بن أدهم ادع الله أن يقبضنا على التوحيد" (٢). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): " فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عِمْرَان: ١٨]. والمقصود من التكرير وجهان: أن يكون العبد مواظبًا على تكريرها طول عمره. الثاني: كأنه قال: عبدي، جعلت هذه الكلمة أول الآية وآخرها، فاجعلها أنت أيضًا أول عمرك وآخره، حتى تفوز بالنجاة والسلامة" (٣). ٤٠. ومما يدل على أهميته أن التوحيد الله فرض عين على كل إنسان. - عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: "كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تُبايعون رسول الله ﷺ ؟» وكنَّا حَدِيث عهد بِبَيْعة، فقلنا: قد بايَعْنَاك يا رسول الله، ثم قال: «ألا تُبايعون رسول الله» فبَسَطْنَا

стр. 105

أيْدِينا، وقلنا: قد بَايَعْناك فَعَلَام نُبايِعُك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس وتطيعوا الله» وأَسَر كلمة خفيفة «ولا تسألوا الناس شيئًا»؛ فلقد رأيت بعض أولئك النَّفرَ يسقط سَوطُ أحدهم فما يسأل أحدًا يناولُه إيَّاه" (١). - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان" (٢). - قال الشيخ السعدي عند تفسير قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّد: ١٩]: "هذا العلم الذي أمر الله به وهو العلم بتوحيد الله فرض عين على كل إنسان لا يسقط عن أحد كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك" (٣). - وقال الشيخ عبد الله أبابطين: "أفرض العلوم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته؛ ومعرفة حقه على عباده الذي خلق الجن والإنس لأجله؛ وهو توحيد الألوهية" (٤).

стр. 106

- وقال الشيخ ابن قاسم: "التوحيد أوجب الواجبات، ومعرفته أفرض الفرائض" (١). ٤١. ومما يدل على أهميته أن توحيد الله أصل عظيم في منهج السلف: - قال ابن تيمية: "أصل علم السلف وعملهم هو: ا العلم بالله. ٢ والعمل لله. فجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي. ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة. فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر. والصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة. فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان: إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلما. والعمل بلا علم إن كان متصوفا.

стр. 107

وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة. والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل. وفوت المتصوف القول والكلام. أما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين. من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا" (١). ٤٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد شعار أهل السنة والجماعة. - قال ابن تيمية: "كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه

стр. 108

أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعار الكفر والشرك، كما أمر أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات" (١). ٤٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق. لما روي عن أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد في قوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ [الحِجْر: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (٢). ٤٤. ومما يدل على أهميته أن التوحيد طريق الحق. طريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠]. - قال ابن القيم ﵀: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" (٣).

стр. 109

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" (١). - قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النُّور: ٢٥]. - قال القشيري (ت: ٤٦٥ هـ) ﵀: "ويقال لا يشهدون غداً إلا الحقَّ؛ فهم قائمونَ بالحق للحق مع الحق، يبيِّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه، ويكون القائم عنهم، والآخذَ لهم منهم من غير أَنْ يُرَدَّهم إليهم" (٢). - قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره" (٣). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له ﴿هُوَ﴾ أي وحده ﴿الْحَقُّ﴾ أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، ﴿الْمُبِينُ﴾ الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فجماع الأمر: أن الله هو الهادي وهو

стр. 110

النصير ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفُرْقَان: ٣١]. وكل علم فلا بد له من هداية وكل عمل فلا بد له من قوة. فالواجب أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه" (١). ٤٥. ومما يدل على أهميته أن التوحيد سبيل التقوى. قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَ ا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢]. فالتوحيد أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "أمرهم الله أن ينذروا الناس، فقال: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحْل: ٢]، يعنى فاعبدون" (٢). - قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مع تخويفهم إن لم يقروا ﴿فَاتَّقُونِ (٢)﴾ بالتوحيد والطاعة" (٣). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية
следующие страницы →