٢ - وقوله: (وأن محمداً عبده ورسوله) رد على أهل الابتداع، الذين يدخلون في دين الله ما ليس منه، ولا يرفعون رأساً بإتباع محمد ﷺ .
٣ - وقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) رد على اليهود والنصارى الذين ضلوا في عيسى.
وقد انقسم الناس حيال عيسى ابن مريم، ﵇، إلى ثلاث طوائف:
١ - اليهود: الذين كَفروا بالمسيح ﵇، وهو قد بُعث إليهم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فاليهود كذبوا بعيسى ﵇، وكفروا به، وزعموا أنه ابن زنا، وسفاح، وأن أمه مريم العذراء، الطاهرة، البتول بغِيُّ، ووصموه بأبشع الألقاب، مع أنه كان يعاملهم بالرفق، واللين، والموعظة، ولكن طبعهم اللئيم حملهم على الكفر به، وسعوا به إلى (بيلاطس)، الحاكم الروماني الذي يحكم بيت المقدس؛ كي يقتلوه ويصلبوه، ودلهم أحد المندسين في تلامذته، المسمى (يهوذا الإسخريوطي) إلى الموضع الذي كان هو وحواريوه مجتمعين فيه، فلما داهم جنود الرومان ذلك المكان، رفع الله عيسى ابن مريم من بينهم إلى السماوات العلى، وألقى شبهه على الخائن الدعِي (يهوذا الإسخريوطي)، فأخذوه، وجرجروه، وصلبوه على الخشبة، وظنوا أنهم قتلوه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
٢ - النصارى: الذين غلوا فيه، وزعموا أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، فهؤلاء ضُلاَّل النصارى أتباع (بولس)، لما رأوا عيسى ﵇ يبرئ الأكمه، والأبرص، ويحيى الموتى، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، تسلل إليهم شياطين الإنس والجن، وقالوا: هذا دليل على حلول الإله فيه، وأن فيه جزء لاهوتي، نسبة إلى الإله، وجزء ناسوتي، نسبة إلى الناس.
والذي أدخل هذه البدعة الكفرية على النصارى (شاؤول اليهودي) الذي يسميه النصارى (القديس بولس) أو (سانت بول)، فهو الذي أفسد دين النصارى، وإلا فقد كان النصارى أتباع المسيح ﵇، هم الحواريون، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] فجاء هذا اليهودي الخبيث (شاؤول)، وكن
стр. 37
يضطهد أتباع المسيح، ﵇، فتظاهر بالإيمان به، وصار يدخل في دينه من الفلسفة الإغريقية الهيلينية ما أفسد عقائدهم، فصار النصارى يعتقدون بالأقانيم الثلاثة: (أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس) ويقولون: وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة! وكيف يستقيم أن يكون إلهاً واحداً، مكونًا من ثلاثة أجزاء؟ هذا لا تقبله العقول، لكنهم حملوا أتباعهم بالقوة على هذه العقيدة الفاسدة. فمنهم من يقول: المسيح ابن الله، ومنهم من يقول هو الله، ويسمونهم في أناجيلهم (الرب يسوع المسيح)، ومنهم من يقول: ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد، ولهم في هذا خوض، وضلال عظيم؛ لهذا اقتتلوا فيما بينهم، واختلفوا هل له طبيعة واحدة أم طبيعتان؟ وأريق بسبب ذلك دماء.
وجميع نصارى العالم أهل تثليث، لم يبق منهم موحد. وسبب ذلك أن الإمبراطور الروماني "قسطنطين" لما تظاهر باعتناق النصرانية، ووجد النصارى مختلفين في عقائدهم، دعا إلى مجمع في مدينة (نيقيه) التركية؛ وكان مقر الإمبراطورية الرومية القسطنطينية، وحشد له جميع أساقفة النصارى، وحضر منهم آلاف، ودعاهم إلى أن يخرجوا برأي موحد، فكان هناك اتجاهان:
١ - اتجاه أتباع (آريوس)، وهو اتجاه أقرب إلى التوحيد.
٢ - اتجاه أتباع (بولس) الذي ينزع إلى التثليث. وكان قسطنطين مائلًا إليهم، فمكنهم، وغلَّب رأيهم على رأي الموحدين، وجعل الأمر بيدهم، وأمر بمصادرة كتب الموحدين، وإحراقها، وتتبعهم، وقتلهم. فصارت الكلمة لأتباع (بولس). فتوثنت النصرانية، ولم تتنصر الوثنية الرومانية.
فجميع نصارى الأرض الموجودين الآن، يعتقدون ما صدر عن مجمع (نيقيه)، وهو ما يسميه النصارى: "الأمانة الكبرى"، ويسميها ابن كثير ﵀: (الخيانة الحقيرة) (١)؛ إذ فيها النص على أن المسيح هو الله، أو هو ابن الله، وغير ذلك من الباطل، الذي ضل النصارى عليه إلى يومنا هذا، فلم يبق في النصارى أحد على التوحيد.
٣ - أهل الإيمان: وهم الحواريون الكرام، ومن سار على طريقتهم من
стр. 38
بقايا أهل الكتاب، إلى أن بعث نبينا محمد ﷺ ، يعتقدون أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه بشر، وليس فيه جزء إلهي، كما زعم النصارى، وأنه مرسل من عند الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]
قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: أنّ الله تعالى خلقه بكلمته، لا أنّه نفسه الكلمة، قال الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] فعيسى ليس (كن) وليس هو الكلمة، ولكنه خُلق بالكلمة، وهذه محنة النصارى؛ ظنوا أن عيسى هو الكلمة؛ وبالتالي فهو جزء من الله، تعالى الله عما يقولون.
قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] هي العذراء البتول الطاهرة، سليلة بيت علم ودين وفضل وحسب، وقد حكى الله تعالى قصتها في سورة آل عمران، وأنه كفلها زكريا، وقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]. فلها منزلة عظيمة، فقد بشرتها الملائكة أولًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢، ٤٣] وبشرتها ثانيًا، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أنّ الله تعالى أرسل جبريل ﵇ بهذه الكلمة العلوية، والنفخة القدسية، إلى مريم، فنفخ فيها هذه النفخة المخلوقة، والروح المخلوق، فدخلت في فرجها، واستقرت في رحمها، أو أنه نفخ في
стр. 39
جيبها، فدخل في فرجها، كما يكون حال النساء، ثم تكَّون هذا الخلق في رحمها، وحملت به.
وظاهر الأمر -والله أعلم- أنها حملت به، كما تحمل النساء، ومر بها ما يمر بهن؛ ولهذا اشتد كربها، وصارت تجد حرجًا، وقالت لما ظهر حملها، وداهمها المخاض: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. وفي بعض الإسرائيليات: أنها حملت حملاً سريعاً، خلاف حمل النساء (١).
قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنّ عيسى ﵇ روح من الأرواح التي خلقها الله. فمعنى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: أنه صدر من الله ابتداءً، كقول الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فلا يدل هذا على أن ما في السماوات وما في الأرض جزء منه، تعالى الله عن ذلك، وإنما معنى (منه) أي: خلقه الله ، فمنه صدر، ومنه جُعل بكلمته هذه، فلا حجة للنصارى، لكن النصارى لُبِّس عليهم قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
فكلمة (من): ابتدائية، وليست تبعيضية، حاشا وكلا! وتعالى الله عن ذلك علوَا كبيرًا، فليس شيء منه سبحانه في أحد من خلقه، ولا شيء من خلقه فيه سبحانه.
قوله: "والجنة حق والنار حق": الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين، جزاءً على إيمانهم، وحسن أعمالهم، والنار: الدار التي أعدها الله عقوبة للكافرين، جزاءً وفاقاً على كفرهم، وسوء أعمالهم.
ومعتقد أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، باقيتان، لا تفنيان؛ لأن الله تعالى قال عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] ولما صلّى النبي ﷺ بالمؤمنين صلاة الكسوف، تقدم مرة، وتأخر أخرى، وحين سألوه عن ذلك قال: "إني رأيت الجنة، أو أريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما
стр. 40
بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط" (١)، فهذا يدل على وجود الجنة والنار. كما أنهما باقيتان، لا تفنيان؛ لأن الله أثبت الخلود لأهل كل من الدارين، خلافاً لمن زعم أنهما تفنيان من الجهمية، وغيرهم.
قوله: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) هذا جواب الشرط وجزاؤه، فمن اعتقد هذه العقائد الصحيحة، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفي هذا رد على الخوارج؛ الذين يخلدون مرتكب الكبيرة في النار إذا لم يتب.
وللشراح في توجيه جملة: "على ما كان من العمل" قولان:
الأول: أنّه لا بد أن يدخل الجنة، إما دخولا أولياً، أو دخولاً مآليًا. فمن اعتقد هذه العقائد الصحيحة الصائبة، وسَلِم من الكبائر، فإن الله تعالى يدخله الجنة دخولاً أولياً، على ما كان من العمل. وإن اعتقد ذلك لكن تلطخ بالكبائر، فإن الله تعالى ربما عذبه بقدر ذنبه، جزاء ما اكتسب، لكن مآله إلى الجنة.
الثاني: أن منزلته في الجنة، تكون بحسب عمله؛ وذلك أن المؤمنين يتفاوتون، كما قال الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] فإن كان من السابقين بالخيرات، فدرجته عليا، وإن كان من المقتصدين فدون ذلك، وإن كان من الظالمين لأنفسهم فدون ذلك.
مناسبة الحديث للباب:
بيان فضل التوحيد، وأنه سبب لدخول الجنة، وتكفير السيئات.
فوائد الحديث:
١ - فضل التوحيد.
٢ - أن الله تعالى واسع الفضل والمغفرة.
٣ - بيان الواجب تجاه أنبياء الله، وهو اعتقاد أنهم عباد الله ورسله، فنسلم من الإفراط والتفريط.
стр. 41
٤ - الرد على جميع أهل الملل الباطلة.
ثم قال المصنف ﵀:
"ولهما": أي: البخاري ومسلم، وهما إمامان جليلان، من أئمة الحديث، التزما في كتابيهما ألا يرويا إلا ما صح عن رسول الله ﷺ .
قوله: "في حديث عتبان" هو عتبان بن مالك بن عمرو بن عجلان الأنصاري، من صحابة النبي ﷺ ، مات في خلافة معاوية، وقد طلب مرة من النبي ﷺ أن يصلي له في موضع اتخذه في بيته؛ لكي يتخذه مصلى، فأجابه النبي ﷺ إلى طلبته.
قوله: "فإنّ الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله" أي: منع من النار، أو منع النار أن تصيبه، من اعتقد بقلبه، ونطق بلسانه.
قوله: "يبتغي بذلك وجه الله" أي: قالها مخلصاً، وذلك يستلزم الانقياد والعمل الصالح.
ثم قال المصنف ﵀:
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى لو أن السماوات السبع، وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" (١) رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه.
الشرح:
حديث أبي سعيد رواه جمع من أهل الحديث، كما تقدم تخريجه، منهم:
стр. 42
النسائي في عمل اليوم والليلة (١)، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي (٢)، وأبو نعيم (٣)، وأبو يعلى (٤). والحديث مختلف في تصحيحه، فقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، كما تقدم، والحاكم -كما هو معلوم- قد استدرك على الصحيحين أحاديث على شرطهما، أو على شرط أحدهما، فتعقبه الذهبي ﵀، فأقره على بعضها، وخالفه في أخرى. وممن صححه أيضاً ابن حبان، كما تقدم، والحافظ ابن حجر (٥)، والمنذري (٦). وضعّفه آخرون، بسبب أحد رواته، وهو دراج بن سمعان، حيث رواه عن أبي الهيثم، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة. والأقرب: أن هذا الحديث له شواهد، يرتقي بها إلى درجة الصحة.
قوله: "قال موسى" " موسى: هو نبي الله الكليم، أحد أولي العزم من الرسل، وهو أعظم أنبياء بني إسرائيل قاطبة. وهذا مما أُدرك من كلام النبوة الأولى، فيدخل في قول النبي ﷺ : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى" (٧)، حيث روى النبي ﷺ كلاماً عن نبي الله موسى ﵇، مناجياً ربه: "يا رب علمني شيئاً أذكرك، وأدعوك به".
قوله: "أذكرك به": أي: أثني عليك وأحمدك به.
قوله: "وأدعوك به": أي أناجيك، وأسألك به، والدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فطلب موسى من ربه ذكراً خاصاً يدعوه، ويسأله به.
قوله: "قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله" أحاله على كلمة التوحيد المشهورة.
قوله: "قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا" هكذا أوردها المصنف ﵀
стр. 43
بصيغة الجمع (يقولون) وفي بعض النسخ: (يقول) (١)، فصيغة الجمع ترجع إلى لفظ (عبادك)، وصيغة الإفراد ترجع إلى لفظة (كل). ويجوز الوجهان، وكلاهما ثابت أيضاً في الأصول.
قوله: "هذا": المشار إليه: كلمة التوحيد، ورد موسى موسى ﵇ ليس تقليلاً لهذه الكلمة، وإنما أراد شيئاً يختص به، معها.
قوله: "قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرَهن غيري" بالنصب، عطفًا على السماوات، أي: من فيهن من العمار، سوى الله .
قوله: "والأرضين السبع" ولم يقل: وعامرهن غيري؛ لأن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، فأخبر عن نفسه أنه في السماوات فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦].
ومعنى: أنه في السماء:
١ - إن أردنا بالسماوات: السماوات المبنية، التي هي السقف المحفوظ، فالمراد: أنه فوقهن.
٢ - وإن أردنا بالسماوات العلو ف (في) تدل على الظرفية. ولا شك أنّ الله موصوف بالعلو المطلق، وأما الأرضين، فإنّ الله تعالى ينزه أن يضاف إلى الأرضين؛ لأن من شأنهن السفول، والله من وصفه العلو. وفي قوله: "السبع" تصريح في بأن الأرضين سبع، وهذا موضع نادر يرد فيه تحديد الأرضين بسبع، وأما الموضع الآخر، ففي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فيفهم من قوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ أي: مثلهن في العدد.
قوله: "في كِفَّة": الكفة، بكسر الكاف، والفاء المفتوحة المشددة: هي التي يوضع فيها الثقل في الميزان، وكل ميزان له لسان وكِفتان.
قوله: "ولا إله إلا الله في كِفة" أراد الله تعالى أن يُبيَّن لموسى، ﵇، ثقل (لا إله إلا الله)، وفضلها،
стр. 44
قوله: "مالت بهن لا إله إلا الله": أي: رجحت وثقلت بهن. رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه.
مناسبة الحديث للباب:
فيه دليل صريح على فضل التوحيد، وأنّ كلمة التوحيد ترجح على بجميع المخلوقات.
فوائد الحديث:
١ - فضل لا إله إلا الله؛ والترغيب في الإكثار منها.
ومما يدل على فضلها ما رواه الترمذي، وحسنه أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (١).
٢ - ثقل هذه الكلمة في الميزان، ورجحانها بكل شيء.
ومما يدل أيضاً على رجحانها وثقلها، حديث البطاقة المشهور، الذي رواه الترمذي، وحسنه: "إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء" (٢).
وقد يعجب بعض الناس من ذلك، ويقول: تسعة وتسعون سجلاً من
стр. 45
الذنوب والخطايا ورجحت عليها (لا إله إلا الله)؟! ولا عجب من ذلك؛ لأن هذه الكلمة (لا إله إلا الله) إذا استقرت في سويداء القلب، وقامت معانيها من الخوف، والرجاء، والتوحيد، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة وغيرها من العبادات القلبية العظيمة، التي هي أشرف من العبادات البدنية، صار قائلها موحداً توحيداً حقيقياً لله تعالى، في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فعمرت قلب هذا الرجل الذي فَرَطَ منه خطايا وذنوب بلغت بكثرتها تسعة وتسعين سجلاً، فصارت البطاقة بكيفيتها، أثقل من السجلات بكميتها، في الميزان.
وعلى هذا فلا يغتر أحد، فما أكثر من يقول: لا إله إلا الله، ويدخل النار، فليس كل من يقول: لا إله إلا الله يأتي بها على وجهها. وحديث البطاقة يدل على عظم هذه الكلمة وفضلها، وثقلها في الميزان، وأن من قالها بصدق، وإخلاص، يبتغي بذلك وجه الله، فإن الله يثقل موازينه. وليس معنى ذلك أن صاحب البطاقة أفضل من غيره من المؤمنين، فلا شك أن المؤمنين الذين سلموا من الذنوب والخطايا والكبائر، وأتوا ب (لا إله إلا الله) خير منه مقاماً، وأعظم درجة عند الله تعالى.
٣ - فضل موسى ﵇، وحرصه على العلم. وشواهد هذا كثيرة.
٤ - إثبات العلو لله ؛ لقوله: "لو أن السماوات السبع، وعامرَهن غيري".
٥ - أنّ كلمة التوحيد، لا بد أن تقال بهذه الصيغة: "لا إله إلا الله" وأما ما استزل به الشيطان بعض المتهوكين من الجهلة والصوفية، حتى زين لهم الشيطان قول: "إلا الله" بحجة أنهم ربما أدركهم الأجل بعد النفي، وقبل الإثبات! ثم زين لهم أن يقتصروا على الضمير بدل الاسم الظاهر، فصاروا يقولون: "إلا هو"! ثم ما زال بهم حتى حملهم على أن يرددوا: "هو. هو". وقد رأيتُ في مدخل بعض الأربطة في بعض البلاد، مكتوب كلمة (هو)، منقوشةً على الجبل. وربما يُسمع بعضهم، وهو يطوف في البيت، يقول: "الله، الله، الله" وهذا ليس بدعاء ولا ذكر؛ لأنه لم يصدّر بياء النداء. ولا يكون دعاءً ونداءً إلا مصدراً بياء النداء، فلو قال: "يا الله" لكان أصوب وأقوم، ولا شك أن الأكمل أن يقول كما قال نبينا ﷺ : "لا إله إلا الله"، وكما علّم اللهُ موسى ﵇ في هذا الحديث.
٦ - إثبات الميزان، وأنه حقيقي له كفتان.
стр. 46
٧ - حاجة الأنبياء إلى التعليم، وأنهم بشر قد تخفى عليهم بعض العلوم، وقد يذهلون عن بعض الحقائق العظيمة.
٨ - أنّ السماوات سبع، والأرضين كذلك، وأما كيفية ذلك، فالله أعلم به، فليس لنا أن نتخوض في كيفية هذه السبع السماوات الطباق، كأن نقول: هي المجرات! فهذا مما لا نقطع ولا نجزم به، وكذلك الأرضين، ليس لنا أن نقول: هي الطبقات الجيولوجية، وإنما نثبت أنها سبع سماوات، وسبع أراضين، كما أخبر الله، وأخبر نبيه ﷺ .
ثم قال المصنف ﵀:
وللترمذي وحسنه: عن أنس ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة" (١).
الشرح:
هذا الحديث رواه الترمذي، وحسنه، ورواه الإمام أحمد (٢)، فالحديث حسن، والحسن من قسم المقبول، كالصحيح، غير أنه خفَّ فيه ضبط الراوي.
وأنس: هو أنس بن مالك بن النضر الخزرجي ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، أتت به أمه، أم سليم ﵂، وهو ابن عشر سنين؛ ليخدم النبي ﷺ ، وطلبت منه الدعاء له، فخدمه عشر سنين، ودعا له بأن يكثر الله تعالى ولده، وأن يدخله الجنة، فأدرك من ولده من صلبه أكثر من مائة، وكانت وفاته سنة (٧٢ هـ) وقيل: (٧٣ هـ) وعمره قد جاوز المائة، ببركة دعاء النبي ﷺ .
قوله: "قال الله تعالى": هذا الحديث يُسمى "حديث قدسي" أو "إلهي"، وهو الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه. والفرق بين الحديث القدسي والقرآن:
стр. 47
١ - أن القرآن العظيم لفظه ومعناه من الله ، والحديث القدسي لفظه من النبي ﷺ ، ومعناه من الله تعالى.
٢ - أن القرآن متعبد بتلاوته، بخلاف الحديث القدسي والنبوي، فلا يتعبد بتلاوتهما.
قوله: "يا ابن آدم": هذا خطاب يتناول كل آدمي، من حين أن أهبط الله آدم إلى آخر من يموت على وجه الأرض.
قوله: "لو أتيتني بقراب الأرض": يقال: (قُراب) بالضم، و (قِراب) بالكسر، والأولى أفصح وأشهر. وقراب الأرض: ملؤها، أو ما يقارب ملأها "خطايا": أي: ذنوب.
قوله: "ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً": أي: مِتَّ على هذا الحال، عليه ذنوب، لكنه لا يشرك بالله شيئاً.
قوله: "لأتيتك بقرابها مغفرة" المغفرة: هي الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر مغفراً، وهو الخوذة التي تجعل على الرأس، فيستفيد منها لابسها فائدتين: الستر، والوقاية، فهي تستر رأسه، وتقيه من الضربات، أو السقطات، فكذلك مغفرة الله تتضمن الستر والتجاوز؛ وذلك أن الله يقول لعبده المؤمن يوم القيامة: "سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (١).
فهذا حديث عظيم من أحاديث الرجاء، لكنه يتضمن شرطاً عظيماً، وقيداً ثقيلاً، وهو السلامة من الشرك. و "شيئاً" نكرة، والنكرة في سياق النفي والنهي والشرط تدل على العموم.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، فهو يدل على فضل التوحيد، وكثرة ثوابه، وتكفيره للذنوب، فهو مطابق للترجمة.
стр. 48
فوائد الحديث:
١ - فضل التوحيد.
٢ - جود الله، وكرمه، وحلمه.
٣ - إبطال مقالة الخوارج: أن الإنسان إذا مات وهو على كبيرة، فإنه لا يدخل الجنة، فهذا الحديث لم يشترط التوبة، وإنما اشترط التوحيد، والخلوص من الشرك.
٤ - إثبات صفة الكلام لله تعالى؛ لقوله: "يقول الله: يا ابن آدم".
٥ - إثبات البعث والحساب؛ لقوله: "ثم لقيتني".
٦ - بيان معنى: (لا إله إلا الله) التي يحصل بها تكفير الذنوب، وهي أن خالصة من الشرك، ولا تكون مجرد قول باللسان، تخالفها الأفعال، بل لا بد أن يكون صاحبها سالماً من الشرك.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله.
ويُستفاد ذلك من مجموع هذه النصوص.
الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.
ويُؤخذ ذلك من الآية، ومن قول النبي ﷺ في الحديث "أدخله الله الجنة، على ما كان من العمل".
الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.
ويُؤخذ هذا من قوله في حديث عتبان: "إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".
стр. 49
الرابعة: تفسير الآية (٨٢) التي في سورة الأنعام.
وهي قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] والظلم هو الشرك، وهذا دليل على تفسير القرآن بالقرآن، وهو أعلى درجات التفسير، كما صنع النبي ﷺ في هذا الموضع. ثم يفسر القرآن بالسنة، كقول النبي ﷺ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" (١). ثم الدرجة الثالثة: تفسير القرآن بكلام الصحابة، فإن للصحابة منزلة ليست لغيرهم؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، من النبي ﷺ ، فأقوالهم معتبرة، وهذه الدرجات الثلاث في تفسير القرآن هي التي سار عليها الإمام الحافظ ابن كثير ﵀.
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عُبادة.
فمن تأملها وجد أنها تدل على التوحيد وتوابعه، وترد على جميع ملل الكفر والضلال، من المشركين، والمبتدعة، واليهود والنصارى، ومنكري البعث، والقائلين بفناء الجنة والنار، والوعيدية.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، وما بعده تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله"، وتبين لك خطأ المغرورين.
أي الجمع بين حديث عبادة، وحديث عتبان، وما بعده، يبين معنى: لا إله إلا الله، وأنها ليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل مقيدة بالقيود الثقال، وهي: الإخلاص لله تعالى، وعدم الإخلال بمقتضاها، فلا يغشى شركاً، بل يقولها معتقداً بالجنان، ناطقاً باللسان، عاملاً بالأركان. والمغرورون الذين أشار إليهم المصنف ﵀، هم الذين زين لهم الشيطان بأن من قال: لا إله إلا الله، يحرم على النار، ولو فعل ما فعل، من العكوف على القبور، ودعاء غير الله،
стр. 50
والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، فهذا غرور لا ريب. وقد فند دعاويهم في "كشف الشبهات"
السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.
وهو الإخلاص، كما قال: "يبتغي بذلك وجه الله".
الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل (لا إله إلا الله).
وهذا بيّن في قصة موسى ﵇، فإنه طلب من ربه شيئاً خاصاً يدعوه ويذكره به، فأحاله الله على ما هو أولى وأكمل.
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أنّ كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه.
وهذا ملحظ مهم، فكثير ممن يقول: (لا إله إلا الله) يخف ميزانه، مع أن معه "لا إله إلا الله"، والسبب أنه لم يأتِ بها على مراد الله، ولم يحققها التحقيق المطلوب، فلا يحصل له بها هذا الثقل الذي وُصف في الحديث.
العاشرة: النص على أنّ الأرضين سبع، كالسموات.
لقوله: "والأرضين السبع".
الحادية عشرة: أنّ لهن عُمّارًا.
أي: أن في السماوات من يعمرهن، وهم ملائكة الرحمن، وهم كثر؛ لقول النبي ﷺ : "إن السماء أطت، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله" (١).
стр. 51
الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافًا للأشعرية.
والصفات التي أثبتها الله في هذا الحديث هي: صفة الكلام لله في قوله: "قال الله تعالى" وصفة الوجه لله تعالى؛ لقوله: "يبتغي بذلك وجه الله".
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" أنّه ترك الشرك ليس قولها باللسان.
فينبغي لطالب العلم التفطن لحمل النصوص بعضها على بعض، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل.
الرابعة عشرة: تأمُّلُ الجمع بين كون عيسى ومحمد عَبْدَيْ الله ورسولَيْه.
فقد جمع الله تعالى بين عبديه ورسوليه عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- بوصف العبادة والرسالة؛ لكي يُبيِّن أنّ شرط التوحيد: ألا يجعل لله نداً، ولا شبيهاً، ولا نظيراً، كما فعلت النصارى، حينما وصفت عيسى ﵇ بأوصاف لا تنبغي إلا لله ، وألا يجعل مع الله شريكاً له في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، فكل هذا منافٍ للتوحيد.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.
أي: أنه مخلوق بكلمته، كما أن آدم ﵇ مخلوق بكلمته، لا أنه هو ذات الكلمة.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه.
أي: أنه روح من الأرواح التي خلقها الله ، وصدرت منه ابتداءً، ولم يتسلسل كما تسلسل غيره من الآدميين، وهذا فيه حكمة: وهي أن خلْق عيسى بن مريم تمت به القسمة الرباعية: فالله خلق بشراً من أب وأم، وهم سائر البشر، وخلق بشراً بلا أب ولا أم، وهو آدم ﵇، وخلق بشراً من أم بلا أب،
стр. 52
وهو عيسى بن مريم، وخلق بشراً من أب بلا أم، وهي حواء؛ لأن آدم بالنسبة لها بمنزلة الأب، فإن الله ألقى عليه النوم، ثم خلق حواء من ضلعه الأيسر القصير؛ ولهذا يقول نبينا ﷺ : "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه" (١).
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.
فمن فضل الإيمان بذلك: أن كان الإيمان بهما شرطاً في حصول هذا الموعود "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"، مع ما يثمره الإيمان بهما من عمل الصالحات، واجتناب السيئات.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل".
أي: من مات عاملاً بما ذُكر في الحديث، معتقداً له، دخل الجنة، على ما كان عليه من صلاح وفساد؛ لأن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة، ونال من مراتبها بحسب عمله.
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
يُستفاد ذلك من قوله: "لو أن السماوات والأرض … في كفة، ولا إله إلا الله في كفة".
العشرون: معرفة ذكر الوجه.
لقوله: "يبتغي بذلك وجه الله" فالله تعالى له وجه كريم، يليق بجلاله وعظمته وقد جاء في الحديث: "حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٢). وقد أثبت الله تعالى
стр. 53
لنفسه الوجه في آيات كثيرة من كتابه، منها: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] وأثبت له نبيه ﷺ ذلك في كثير من الأحاديث، منها: قوله: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك" (١)، فنؤمن بما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وما أخبر به نبيه ﷺ ، ونثبت ذلك إثباتاً بلا تمثيل، ولا نسلك مسالك المنحرفين من المتكلمين الذين حرفوا هذه النصوص؛ لما سبق إلى أذهانهم لوثة التشبيه، فأرادوا الفرار من التمثيل فوقعوا في التعطيل، فزعموا أن الله تعالى ليس له وجه كريم، ولا حجة لهم عند الله على إنكار ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، فليسوا أعلم بالله من الله، ولا أعلم بالله من رسول الله، ولا هم أصدق من الله قيلاً، ولا أحسن منه حديثاً، ولا هم أغير على الله من نفسه ومن نبيه ﷺ ، حتى يتجرأ أحدهم فيقول: المراد بالوجه الذات، أو الثواب! فمن أين له ذلك؟ فما أجرأ هذا القائل على إنكار شيء أخبر الله به تعالى عن نفسه! فليطب المسلم بإثبات الصفة نفساً، وليقر به عيناً، وليثبت لربه، ما أثبته لنفسه، إثباتاً بلا تمثيل، وينزهه تنزيهاً بلا تعطيل.
стр. 54
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل: ١٢٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٥٩].
عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنتُ عند سعيد بن جبير، فقال: من منكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلتُ: أنا، ثم قلتُ: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغتُ، قال: فما صنعتَ؟ قلتُ: ارتقيتُ، قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلتُ: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة" قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عرضت علي الأمم، فرأيتُ النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم، فظننتُ أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرتُ فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب" ثم نهض النبي ﷺ فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر، فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" (١).
стр. 55
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
هذا من حسن ترتيب المصنف ﵀ فإنه لما عقد أولاً: كتاب التوحيد؛ ليبين حقيقة التوحيد وماهيته، ثنى بعقد باب في: فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب، ثم ثلّث بهذا الباب؛ ليبين أن ذلك الفضل المشار إليه فيما تقدم، إنما يناله من حقق التوحيد.
قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جاءت هذه الآية في معرض الثناء على إبراهيم ﵇، ولا تحفى منزلة هذا النبي الحنيف، الموحد، الذي أخلص قلبه لله ، حتى بلغ الدرجات العلى. فهو إبراهيم ﵇، إمام الموحدين في الأولين، وكان من توحيده لرب العالمين: أن فرّغ قلبه لله، فكان خليلاً له، والدليل على ذلك: أنه لما ألقاه قومه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فأنجاه الله تعالى منها؛ لما علم صدق توحيده وإيمانه.
ومن عجيب أمره، أن الله تعالى ابتلاه في أحب الناس إليه، وهو ابنه الذي جاءه وقت الكبر، فأراه الله في المنام أنه يذبحه، ابتلاءً واختباراً له، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولم يرد بذلك استشارته، وإنما أراد التلطف في الإخبار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: كما يصنع من يريد أن يذكي الشاة. ولم يكن مراد الله تعذيب هذا العبد الصالح، ولا إزهاق روح ولده، ولا إسالة دمه، ولكن أراد الله تعالى أن يخرج ما في قلبه من العبودية، فنجحا في الاختبار، ورأى الله تعالى منه ما يستحق للرفعة، فكان خليل الرحمن، فقال الله عنه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
стр. 56
و (أمة) ترد في اللغة على معانٍ متنوعة، منها:
١ - الزمن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] يعني: تذكر بعد مرور زمن.
٢ - قوم وجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: جماعة وقوم.
٣ - الدين والملة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على دين.
٤ - الإمام، كما في هذا الموضع: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
فقد وصف الله إبراهيم ﵇، بأربعة أوصاف:
الأول: الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ولا شك أنه قد بلغ منها المراتب العلى. والإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين، كما قيل: "بالصبر واليقين، تنال الإمامة في الدين" (١)، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فمن أراد الإمامة في الدين، ولو كانت إمامة نسبية، فعليه بالصبر واليقين، فإنه ما من إمام إلا ويبتلى، فمن اعتصم بالصبر واليقين بالله نال الإمامة في الدين.
الثاني: القنوت، قال تعالى: ﴿قَانِتَاً﴾ والقنوت: طول العبادة، ودوام الطاعة؛ وذلك أن العبادة لا تكون عبادة حقة صادقة إلا بالديمومة، وأما صاحب الهبَّات فليس له ثبات، وقد قال النبي ﷺ : "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ" (٢)، وكان عمله ﷺ ديمة (٣)، يعني: مستديم، فمن شأن الأئمة الهداة أن يكونوا مستديمي الطاعة لله ، وقد كان إبراهيم ﵇ كذلك، وهذا دليل الإخلاص.
стр. 57
الثالث: أنه كان (حنيفاً) أي: مائلاً عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، وهذا يحصل به من الثواب والرفعة أعظم مما يحصل بالأعمال البدنية، والعبادات العملية.
الرابع: البراءة من المشركين قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] فكان إبراهيم ﵇ أكثر الناس مجانبة للمشركين، يقول ربنا : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ولما بقي على إبراهيم بقية في هذا الأمر، وهي وعده بالاستغفار لأبيه، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] نهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] فضرب إبراهيم ﵇ أروع الأمثلة في الإخلاص لله ، والبراءة من أعداء الله، فلهذا نال الإمامة في الدين.
مناسبة الآية للباب:
مناسبة جلية، لأن فيها بيان صفات خليل الرحمن، التي نال بها الدرجات العلى، وهي تحقيق التوحيد، والله تعالى قد أمرنا أن نتأسى به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤].
فوائد الآية:
١ - فضل إبراهيم ﵇، وإمامته في الدين.
٢ - الاتصاف بهذه الصفات العظيمة التي اتصف بها إبراهيم ﵇.
٣ - البراءة من المشركين، وأن من شأن المؤمن الحنيف أن يجانب أهل الإشراك، كما قال نبينا ﷺ عن المؤمن والكافر: "لا تراءى ناراهما" (١)، كناية
стр. 58
عن البعد، وقال ﷺ فيما روى عنه بسند جيد: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (١)، فلا بد أن يكون في قلب المؤمن نفرة طبيعية ممن يشرك بالله العظيم، لا تطيب نفسه، ولا يرضى أن يخالط هؤلاء الذين يعتقدون أن الله ثالث ثلاثة، أو يعبدون الأصنام والأوثان، إلا بقصد دعوتهم.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] أثنى الله فيها على طائفة من عباده المؤمنين، الذين من جملة أوصافهم هذا الوصف البديع: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ فدل ذلك على أن البراءة من الشرك من أعظم أسباب تحقيق التوحيد.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة جلية، لما فيها من الثناء على هؤلاء المؤمنين وبيان فضائلهم، ومنها البراءة من الشرك.
فوائد الآية:
١ - فضل من حقق التوحيد.
٢ - الدعوة إلى تحقيق التوحيد.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن حصين بن عبد الرحمن" وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي، من تابعي التابعين، كانت وفاته سنة (١٣١ هـ) وعمِّر حتى جاوز التسعين.
قوله: " كنتُ عند سعيد بن جبير"، سعيد بن جبير: إمام فقيه، ثبت، ثقة، أحد أكابر تلاميذ ابن عباس ﵄، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، سنة (٩٥ هـ) لما خرج مع الفقهاء في فتنة ابن الأشعث، فقبض عليه، وقتله صبراً، وتوفي ﵀ ولم يبلغ الخمسين. وكان من أوعية العلم.
стр. 59
قوله: "فقال: أيكم رأى الكوكب؟ " الكوكب: المراد به الشهاب الثاقب الذي يلمع في السماء، وإن كان الكوكب، في اصطلاح أهل الفلك، يطلق على الأجرام السماوية الكبيرة، كالأرض، والقمر، والمشتري، وزحل، ويسمون الأجرام الملتهبة نجوماً، كالشمس.
قوله: "انقض البارحة؟ " أي: هوى وسقط، والبارحة: اسم يطلق على الليلة التي مضت، ولكنه لا يعبر بهذا التعبير عند العرب إلا بعد الزوال، وأما إذا كان قبل الزوال، فإنهم يقولون: الليلة.
قوله: "فقلتُ: أنا" القائل حصين، ثم استدرك فقال: "ثم قلتُ: أما أني لم أكن في صلاة" وذلك لشدة إخلاصه، ومداراته للرياء، خشي أن يتوهم القوم أنه كان قائماً يتهجد، وهذا يدل على عمق إخلاص السلف ﵏، عكس من يوهم غيره بأنه على عمل صالح، وهو ليس كذلك، كما قال الله : ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فشتان بين الحالين.
قوله: "ولكني لدغتُ" أي: لسعتني العقرب بشوكتها، فأصابه السم منها، ومعلوم أن اللديغ لا يتمكن من النوم؛ لأن السم يجري في عروقه، ويجد له ألماً.
قوله: "فما صنعتَ؟ ": سأله عن تصرفه عندما لدغته العقرب؛ لأن هذا مجلس علم ومذاكرة. قوله: "ارتقيتُ" أي: طلبتُ الرقية، وسوف يأتي -إن شاء الله- باب مستقل في الرقى؛ والجائز منها والممنوع.
قوله: "فما حملك على ذلك؟ " أي: ما الذي سوَّغ لك هذا الصنيع؟ وهذا يدل على أن السلف ﵏ كانوا لا يأتون ولا يذرون إلا ببينة.
قوله: "حديث حدثناه الشعبي" الشعبي: إمام مشهور، وهو عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر، وكانت وفاته بعد القرن بثلاث سنين، سنة (١٠٣ هـ) وهو من حملة الحديث، ورواته الثقات.
قوله: "قال: وما حدثكم؟ قلتُ: حدثنا عن بريدة بن الحصيب" بريدة بن الحصيب: من أجلة أصحاب رسول الله ﷺ ، كانت وفاته سنة (٦٣ هـ).
стр. 60
قوله: " "لا رقية إلا من عين أو حمة" " هذا حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ، والمنفي في قوله: "لا رقية" الصحة والجواز؛ لأن مراتب النفي ثلاث:
١ - إما نفي الوجود.
٢ - وإما نفي الصحة.
٣ - وإما نفي الكمال.
فأول ما ينبغي أن يتوجه النفي إلى نفي الوجود، فإذا قيل مثلاً: لا أحد في الدار، دل ذلك على نفي الوجود، فإن تعذر ذلك يُنتقل إلى نفي الصحة، كقول النبي ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١)، فهذا النفي لا يتوجه إلى نفي الوجود؛ لأنه هيئة الصلاة قد تكون موجودة، فقد يقوم شخص يصلي الصلاة المعروفة، لكنه قد لا يقرأ بفاتحة الكتاب، فيكون المنفي حينئذٍ الصحة، فإن لم يمكن حمله على الوجود والصحة، انتقلنا إلى الكمال، كقول النبي ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" (٢)، فصلاة الذي يرقب الطعام، أو يدافع الأخبثين صحيحة، لكنها لم تصل إلى درجة الكمال؛ لأن ذلك يسبب له تشويشاً.
قوله: "إلا من عين أو حمة" العين: هو ما يصيب العائن بعينه، بسبب تكيف نفسه تكيفاً شيطانياً يقوم في قلب الحاسد -والعياذ بالله-، فيمتزج به تأثير الشيطان، فيؤثر ذلك أذىً في هذا المعيون، فيقتله، أو يمرضه. والعين حق، وتأثيرها ثابت شرعاً، وواقع قدراً؛ ولا سبيل إلى إنكارها، ومن أنكرها فقد كذّب بالنصوص، وأنكر الواقع، ومن الناس من لا يعترف بمثل هذه الأمور، ويقول: هذه خرافات! والسبب أنه لا يؤمن إلا بالماديات والمحسوسات، وقد قال النبي ﷺ : "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين" (٣)، وقال النبي ﷺ
стр. 61
أيضاً: "إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة" (١). فالواجب الاعتدال في هذا الأمر؛ لأن من الناس من يخاف من العين خوفاً مبالغاً فيه، يصل إلى درجة "الرُّهاب"، ويسبب له إعاقة عن مصالحه، فلا يكاد يعمل عملاً، أو ينشئُ سفرًا؛ خوفاً من العين، وهذا خوف منافٍ للتوكل. والواجب على العبد أن يؤمن بقدر الله، وأن يستدفع العين بالعِوذ الشرعية، والتوكل على الله ، وأن يتجنب ما يدعو إلى استفزاز النفوس الشيطانية له، فيتحدث بنعم الله عليه، ولا يباهي بذلك، لئلا يثير النفوس المحرومة، فيقع فيها نوع من هذا التكيف الشيطاني، فيلحقه منها أذى، ولا يحجزه ذلك عن مصالحه، وإلا وقع في الذم من الجانب المقابل.
أما الحُمة: فهي السم، كسم العقرب، أو الثعبان، أو النحل، والسبب في تسميتها بهذا أنها تؤدي إلى احتماء الجسم، فيلحقه نوع من الحمى والحرارة.
قوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" هذا يدل على أدب السلف ﵏، وحسن تحاورهم عند المناظرة، فلا يثرِّب بعضهم بعلى بعض، ولا يسفِّه بعضهم بعضاً، وإنما يتبيّن أحدهم من صاحبه ويستفهم عن السبب الذي حمله على فعله، فإذا ذكر خيراً حمده عليه، كما قال سعيد بن جبير: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع" أي: قد أصاب من عمل بما بلغه من علم، كما صنع حصين بن عبد الرحمن بعمله بهذا الحديث، لكن سعيد بن جبير أراد أن ينقله إلى درجة أعلى وأكمل، فحدّثه بحديث عن ابن عباس، ورفعه إلى النبي ﷺ .
قوله: "عُرضت عليّ الأمم" " هذا ليس عرضًا حسيًا؛ لأن الأمم قد فنيت، ولكن هذا أمر قد جرى له ﷺ ليلة الإسراء، حيث عرض الله تعالى عليه أشباح الأمم، وأمثالها، وهيئاتها.
قوله: "فرأيتُ النبي" المراد جنس النبي، لا نبياً معيناً.
قوله: "ومعه الرهط" الرهط: الجماعة دون العشرة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]
قوله: "والنبي ومعه الرجل والرجلان" أي: لم يتبعه إلا رجل أو رجلان.
стр. 62
قوله: "والنبي وليس معه أحد" أي: لم يتبعه أحد.
قوله: "إذ رفع لي سواد عظيم" أي: بينما هو كذلك إذ أُبرز له سواد عظيم، والسواد أو الأسودة: الجماعة أو الأشخاص الذين يبدون من بُعد.
قوله: "فظننت أنهم أمتي" ظن ذلك لما أخبره الله تعالى من كثرة أتباعه.
قوله: "فقيل لي: هذا موسى وقومه" لأن موسى ﵇ أعظم أنبياء بني لإسرائيل، وأكثرهم تابعًا.
قوله: "فنظرتُ فإذا سواد عظيم" أي: سواد آخر، أعظم من السواد الأول.، وذلك أن أمة محمد ﷺ يمثلون شطر أهل الجنة (١)، وفي حديث أنهم يمثلون ثلثي أهل الجنة، كما قال ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم" (٢). وفي حديث آخر قال: "أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الباقي" (٣).
قوله: "فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب" هذا من مناقب أمة محمد ﷺ ، فيهم هذه الطائفة المصطفاة، والثلة المميزة، الذين لا يحاسبون، ولا يعذبون.
قوله: "ثم نهض، فدخل منزله" نهوضه ﷺ ، قد يكون لحاجة، أو أنه قصد أن يفكر الصحابة هذا الأمر، ويشحذوا أذهانهم، وهذا من حسن تعليمه ﵊.
قوله: "فخاض الناس في أولئك" أي: في هؤلاء السبعين ألفًا، من هم؟
قوله: "فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ " أي: السابقون للإسلام، الذين لهم صحبة قديمة، مع النبي، أو أكثر ملازمة له ﷺ ، وإلا فهؤلاء الناس صحابة أيضاً.
стр. 63
قوله: "وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلدوا في الإسلام" أي: لم يتلطخوا بشرك أبداً، كعبد الله ابن الزبير، ومن كان على شاكلته، ممن ولدوا في الإسلام، ولم يدركوا شيئاً من أمر الجاهلية، فعدُّوا ذلك منقبة لهم.
قوله: "وذكروا أشياء" أي: احتمالات أخرى، أضرب الراوي عن ذكرها.
قوله: "فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه" أي: بما جرى بينهم من المحاورة.
قوله: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" هؤلاء السعداء هم من جمع هذه الأوصاف الأربعة، وهي:
الوصف الأول: عدم طلب الرقية؛ لقوله: "لا يسترقون" أي: لا يطلبون من أحد أن يرقيهم إذا أُصيبوا بشيء، وإنما يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء، أو يرقون أنفسهم بأنفسهم؛ وذلك لكمال توكلهم على الله . ولا شك أنّ هذا دليل كمال التوكل، وكمال التوحيد، وتحقيقه. وهذا هو سبب إيراد سعيد بن جبير هذا الحديث على حصين بن عبد الرحمن؛ لأن حصينًا ارتقى لما لدغته العقرب، فأراد أن يرفعه إلى رتبة أعلى. ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن هذا من الترقي في الكمال، فكان الأليق به والأكمل له ألا يطلب من أحد أن يرقيه، وإنما يرقي نفسه بنفسه؛ لأن النبي ﷺ وصف السبعين ألفاً بأنهم لا يسترقون؛ وذلك لكمال توكلهم، ورضاهم بقدر الله فلم يلجئوا إلى مخلوق، وهذا من تحقيق التوحيد.
الوصف الثاني: عدم الاكتواء؛ لقوله: "ولا يكتوون" أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم. والكي: معروف، وهو علاج ثابت، أثبته النبي ﷺ ، فقال: "إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي" (١)، فأثبت النبي ﷺ الشفاء في هذه الأشياء، لكنه قال ﷺ : "وأنهى أمتي عن الكي" (٢)، وهذا النهي حمله العلماء على الكراهة، أو خلاف الأولى، بدليل أن النبي ﷺ كوى بعض أصحابه من ذات الشوكة،
стр. 64
كأسعد بن زرارة (١)، وهو من الأنصار السابقين إلى الإسلام، وكوى النبي ﷺ أبي بن كعب (٢)، فالكي نافع وجائز. وتزول الكراهة -كما قال بعض العلماء-: إذا تعين الكي شفاء لداءٍ معين، مثل ذات الجنب، وهو مرض معروف عند الأطباء، تلتصق فيها الرئة بالأضلاع فلا يتمكن الإنسان من التنفس إلا بمشقة بالغة، فهذا المرض إذا عُولج بالكي انفك هذا الالتصاق مباشرة. وقد رأيتُ بعيني بعض من أصيب بذات الجنب، بمجرد أن كوي انطلق نفَسُه، وعاد سوياً كما كان -بإذن الله-. فتكون الكراهة في ما لم يتعين فيه الكي علاجاً. والوارد عن النبي ﷺ في مسألة الكي أنواع، قال ابن القيم: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله. والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه.
ولا تعارض بينها -بحمد الله تعالى- فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء، والله أعلم" (٣). ولا شك أن من ترك الكي فقد استكمل أحد أوصاف السبعين ألفاً.
الوصف الثالث: عدم التطير؛ لقوله: "ولا يتطيرون" أي: لا يتشاءمون بالطير، خلافاً لأهل الجاهلية؛ الذين كانوا يتشاءمون من السوانح والجوانح -كما سيأتينا إن شاء الله- في باب الطيرة، فكان أحدهم إذا رأى مثلاً، بومة أو غراباً، وهو يريد سفراً صرفه ذلك عن سفره، تشاؤماً، وظناً بأن هذه السفرة غير محمودة العواقب، بسبب ما رآه، فهذا من أمر الجاهلية؛ لأنهم أثبتوا سبباً لم يجعله الله سبباً لا حساً، ولا شرعاً، فلا شأن للطيور بالأقدار.
وليس المقصود بقوله: "لا يتطيرون" أنه لا يقع في قلوبهم شيء من الطيرة،
стр. 65
وإنما المقصود أنه إن وقع في نفوسهم شيء لم يصرفهم عن مصالحهم، كما قال ابن مسعود ﵁: "الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (١)، أي: ربما وقع في نفس الإنسان شيء من التطير، إلا أن المؤمن يتوكل على الله، ويمضي.
الوصف الرابع: التوكل على الله؛ لقوله: "وعلى ربهم يتوكلون". التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المصالح، ودفع المفاسد، مع فعل الأسباب. وبناءً على هذا: فليس المقصود من هذه الأوصاف أن يدع الإنسان الأخذ بالأسباب، فهؤلاء السبعون ألفاً لم يتركوا الأسباب مطلقًا، وإنما تركوا الاسترقاء، والاكتواء، والتطير، وأخذوا بأعظم الأسباب، وهو التوكل على الله، ومن التوكل على الله أن يلح العبد على ربه بالدعاء، ويتوجه إليه بكليته، موقناً بأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. فهذا من أعظم الأسباب، وبهذا يتبيّن أنّ هذا الحديث لا يخالف مقتضيات الشريعة، ومقاصدها الدالة على الأخذ بالأسباب، فمحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، والالتفات إلى الأسباب شرك، والتوحيد والمطلوب أن يأخذ العبد بالأسباب، مع تعلق قلبه بمسبب الأسباب. والحق موجب التوحيد والعقل والشرع.
فمن أحب أن يندرج في زمرة السبعين ألفاً، فليحقق هذه الأوصاف التي بينها النبي ﷺ ، ولا يلزم من ذلك ألا يتداوى؛ لأن مفهوم التداوي أوسع من الرقية والكى.
وقد اختلف العلماء في حكم التداوي، فذهب الحنابلة إلى أن التداوي مباح، وتركه أفضل، نصَّ على ذلك الإمام أحمد (٢)، وربما قال ذلك بناء على هذا الحديث. فالذي يظهر -والله أعلم- أن التداوي مطلوب، لا سيما إذا كان
стр. 66
المرض يحجزه عن مصالحه، ويفوت عليه مقاصد دينية، ودنيوية، كما هو الغالب، ففي هذه الحالة ينبغي للإنسان أن يستدفع الضرر، وليس في هذا مناقضة للقدر، بل كما قال عمر ﵁ لما وقع طاعون عُمواس في الشام، فلم يدخل دمشق، فكتب إليه أبو عبيدة، عامر بن الجراح، يعتب عليه، ويقول: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ (١)، فكون الإنسان يفعل الأسباب، ويستدفع القدر بالقدر، لا يعد ذلك منافياً للتوكل.
قوله: "فقام عكاشة بن محصن" هو عكاشة بن محصن الأسدي ﵁، وكان من السابقين إلى الإسلام، وهو ممن هاجر، وشهد بدراً، واستشهد في قتال أهل الردة، في السنة الثانية عشرة من الهجرة.
قوله: "فقال: ادعُ الله أن يجعلني منهم" هذه مبادرة من الصحابي، والمبادرة تأتي على صاحبها بالخير، أما التواني فإنه يفوت الإنسان الخير العظيم.
قوله: "قال: "أنت منهم" " هذه بشارة عظيمة لهذا الصحابي.
قوله: "ثم قام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة" " هذا الرجل مبهم، غير مُسمى، وقد قال بعض الشراح: إنه كان منافقاً، ولا يصح، ولا دلالة على ذلك من قول النبي ﷺ : "سبقك بها عكاشة" لأنه لو كان منافقاً ما حرص على هذا الخير، ولكن النبي ﷺ خشي أن ينفتح الباب، ثم يقوم من لا يستحق هذه الرتبة فيسألها، فأجاب بهذا الجواب البديع المؤدب، الذي فيه ما يشعر أن هذا الرجل قد يدخل في هذه الفضيلة؛ لأنه قال: "سبقك بها عكاشة" أي: هو سابق وأنت لاحق، فيكون تطييباً لنفسه.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأنه يدل على أن من ترك الاسترقاء والاكتواء، والتطير، وتوكل
стр. 67
على الله، حقق التوحيد، وأن من حققه دخل الجنة، كما في ترجمة الباب.
فوائد الحديث:
١ - جواز الرقية من العين، والحمة، لقوله: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
٢ - نفع الرقية الشرعية من هذين الأمرين (العين والحمة)
٣ - ليس من لازم قول النبي ﷺ : "لا يسترقون" أن يرد الإنسان من يرقيه من غير طلب منه، فمن رُقي دون طلب منه، لا يعد بذلك خارجاً من هذه الفضيلة.
تنبيه: زاد مسلم وحده "ولا يَرْقُون" (١)، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الزيادة وهماً من الراوي (٢)، واللفظ المحفوظ: "لا يسترقون".
стр. 68
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد.
فالناس في التوحيد مراتب، فإبراهيم ﵇، ونبينا محمد ﷺ أكملهم توحيداً، حيث حازا أعلى الرتب، ثم يتفاوت المؤمنون في سلم التوحيد والإيمان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
الثانية: ما معنى تحقيقه.
تحقيق التوحيد يكون بقيام القلب بالعبودية الخالصة لله ، وعدم التعلق بسواه.
الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم؛ لأنه لم يكن من المشركين.
وفي هذا دليل على أنّ أخص أوصاف المؤمنين: البراءة من المشركين.
الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك.
وذلك في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩].
الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
لحديث الباب، حديث حصين، وفيه: "لا يسترقون، ولا يكتوون".
السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل.
لأنه ختم أوصافهم بقوله: "وعلى ربهم يتوكلون" فبه يحصل تحقيق التوحيد.
стр. 69
السابعة: عمق علم الصحابة؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل.
والدليل على ذلك: أنه لما ذكر لهم النبي ﷺ هؤلاء السبعين ألفاً، خاضوا في تحري هؤلاء، فقال بعضهم: هم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يقع منهم شرك، وقال بعضهم: إنهم الذين صحبوا النبي ﷺ ، فعلّقوا الأمر على أمور عملية لمعرفتهم أن ذلك لا ينال إلا بعمل، بخلاف أهل الإرجاء الذين يقللون من شأن العمل.
الثامنة: حرصهم على الخير.
لأنهم سألوا ذلك بقصد التأسي؛ ويظهر ذلك أيضاً من حرص عكاشة بن محصن على الخير.
التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
أما من ناحية الكم: فلأن أمة النبي ﷺ أكثر بكثير من أمة موسى ﵇. وأما من ناحية الكيف: فلأن فيهم هؤلاء السبعين ألفاً، بل قد ورد في بعض الروايات: إن مع كل واحد من السبعين ألفًا، سبعين ألفاً أيضاً (١).
العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
وذلك لكثرتهم، وتميزهم عن بقية الأمم التي لم تتبع أنبيائها.
الحادي عشر: عرض الأمم عليه ﵊.
وهذه كرامة لنبينا ﷺ ، وآية من آيات نبوته، وقد قدمنا: أن ذلك كان ليلة المعراج.
الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها.
وذلك لقول النبي ﷺ : "فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل
стр. 70
والرجلان، والنبي وليس معه أحد"، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨]
الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء.
والدليل على ذلك قوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] وقال هنا: "فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد).
الرابعة عشر: أنّ من لم يجبه أحدٌ يأتي وحده.
لقوله: "والنبي ليس معه أحد" وهذا ليس فيه منقصة لهذا النبي الذي يأتي وحده، ولم يستجب له أحد؛ لأن النبي ليس عليه إلا البلاغ.
الخامسة عشر: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة.
فالعبرة بالحق، كما قال ابن مسعود لميمون بن مهران: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك" (١)، فلا يغتر أحد بالكثرة، وإنما العبرة بموافقة السنة، واتباع الحق.
السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة.
لحديث بريدة بن الحصيب: "لا رقية إلا من عين أو حمة".
السابعة عشرة: عمق علم السلف؛ لقوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا" فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
فالسلف ﵏ لعمق علمهم، ودقة فهمهم، كان يعذر بعضهم بعضاً، ويعلمون أن ما صدر عن الشارع لا يعارض بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه
стр. 71
بعضاً، فلهذا لما رأى سعيد بن جبير ما احتج به حصين صواباً عذره، وقبله، وحدثه بما سمعه عن ابن عباس، وهو رتبة أعلى، فلا تعارض بين الأمرين؛ ولهذا لا يُلجأ إلى القول بالنسخ إلا بشرطين:
١ - العلم بالتاريخ.
٢ - وعدم إمكانية الجمع.
وبعض طلبة العلم لديه نزعة إلى نصب الخلاف، وهواية في ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض، وليس نصب الخلاف من دأب أهل العلم، ولم يكن الخلاف مقصوداً لذاته عند السلف، ولكنهم قد يختلفون، ويكون هذا الاختلاف بينهم رحمةً وسعةً، وعذراً لبعضهم البعض، وإذا عُرف الحق اتبعوه.
الثامنة عشرة: بُعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
لقول حصين بن عبد الرحمن: "أما أني لم أكن في صلاة" وهذا دليل على حرصهم على الإخلاص، وبعدهم عن الرياء.
التاسعة عشرة: قوله: "أنت منهم" عَلَمٌ من أعلام النبوة.
هذا من دلائل نبوة نبينا ﷺ ؛ لإعلام الله إياه أنّ عكاشة من هؤلاء السبعين.
العشرون: فضيلة عكاشة بن محصن.
لدخوله في السبعين ألفاً، الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي فضيلة عظيمة جداً، وقد قُتل شهيداً في حروب الردة ﵁.
الحادية والعشرون: استعماله المعاريض.
وقد جاء في الأثر: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (١)، فالمعاريض: هي إجابة الحكيم التي يكون فيها نوع من التورية، وقد يلجأ إليها
стр. 72
المرء لحاجة، فالنبي ﷺ هنا عرّض، ولم يصرِّح، فقال: "سبقك بها عكاشة"، وكما وقع منه ﷺ يوم بدر حينما خرج وأبو بكر، يتحسسان عن قريش، فوجدا رجلاً، فسألاه عن قريش، وعددهم، فقال: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال النبي ﷺ : "إن أخبرتنا أخبرناك" فأخبره بعدة قريش، فقال: فممن أنتما؟ قال: "نحن من ماء" (١)، ثم انصرفا، فجعل الرجل يتساءل ويقول: من ماء؟ من ماء؟ والنبي ﷺ وأبو بكر فعلاً من ماء؛ لأن كل شيء قد خُلق من ماء. فلا بأس أن يستعمل الإنسان المعاريض إذا احتاج إليها، ولكن لا يكثر من المعاريض والتورية؛ لأن هذا يُؤدي إلى عدم ثقة الناس بكلامه، فينبغي استعمال الصدق والوضوح والبينة.
الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ .
حيث أنه كان ﷺ لا يجبه أحداً في وجهه، فلما قام الرجل، وقال: "وأنا ادعُ الله أن يجعلني منهم" لم يقل له: لست منهم، بل قال: "سبقك بها عكاشة" فهذا جواب يدل على حسن الخلق، فإنه أراد ألا يُحرج أو يجرح السائل. وقد كان النبي ﷺ لا يجبه أحداً في وجهه، حتى إنه ذات مرة، دخل عليه رجل من أصحابه، وعليه ثياب فيها صفرة، وكان النبي ﷺ ينهى عن الصفرة للرجال، ونهى عن لبس الأحمر والمعصفر، فكره النبي ﷺ ذلك، فلما ولّى الرجل، قال لأصحابه: "لو أمرتم هذا، فغسل عنه هذه الصفرة" قال الراوي: وكان لا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه (٢).
стр. 73
باب الخوف من الشرك
وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورةالنساء: ٤٨، و ١١٦].
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٥].
وفي الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" فسُئل عنه، فقال: "الرياء" (١). (رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار" (٢)، رواه البخاري.
ولمسلم: عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" (٣).
الشرح:
قوله: "باب: الخوف من الشرك": حقيقة الخوف: قال الجرجاني: (توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب) (٤)، وهو غريزة إنسانية جبل الله عليها بني آدم.
والخوف أنواع: منه ما يكون عبادة يُتَقرب به إلى الله ، ومن ذلك توقي الشرك وأسبابه، ومنه ما يكون خوفاً طبيعياً جبلياً غريزياً، كالخوف من السبع،
стр. 74
والأفعى، والنار، والغرق، ونحو ذلك، ومنه ما يكون شركاً، أو معصيةً. وسيفرد المصنف له بابًا مستقلًا.
قوله: "من الشرك" الشرك تقدم تعريفه، وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ﵀ حقيقة التوحيد، وفضله، وتحقيقه، وما يترتب عليه من الآثار الحميدة، ناسب أن يذكر ما يضاده، وهو الشرك، وأن يحذر منه، لأن الشرك:
١ - أظلم الظلم.
٢ - وهو تنقص لرب العالمين.
٣ - وهو عدل غيره به سبحانه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
٤ - وهو صرف خالص حقه لغيره.
٥ - وهو مناقض للمقصود من الخلق والأمر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
٦ - وهو تشبيه للمخلوق القاصر، الناقص، الضعيف، بالرب الغني، القادر، الكامل من جميع الوجوه. لكن المحجوبين عن الله لا يبصرون هذا القبح في الشرك، فلهذا يهيمون في عبادة الأصنام، ودعاء الأنداد.
قوله: "وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] " المغفرة مشتقة من (الغفْر) وهو: الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر الذي يجعل على الرأس مغفراً؛ لأنه يستر الرأس ويقيه.
قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾: أي: لا يغفر إشراكًا به، قلّ، أو كثر.
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: ما دون الشرك، وهي الكبائر، والصغائر، فقيد مغفرتها بالمشيئة.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، فإنها توجب الخوف من الشرك؛ لأن الله لا يغفره، وشيء لا يغفره الله حريٌّ بأن يخاف منه.
стр. 75
قوله: "وقال الخليل ﵇" الخليل: هو إبراهيم ﵇؛ وسمي الخليل لكمال عبوديته، ومحبته لله، والخلة: أعلى درجات المحبة؛ لأنها تتخلل القلب. قال بشار:
قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلًا
قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ أي: اجعلني في جانب، والشرك في جانب آخر، وهذا كناية عن شدة المباعدة.
قوله: ﴿وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ الأصنام: جمع صنم، وهو ما صُور على هيئة ذوات الأرواح من إنسان، أو حيوان، أو طير. وأما الوثن: فقيل: هو ما عبد من دون الله على صورة نصب، أو بيت، أو أسطوانة، أو عمود، أو شجر، أو قبر، ونحو ذلك، فكل ذلك يُسمى وثناً،. وقيل: إن الوثن يشمل الصنم؛ أخذاً من قول إبراهيم ﵇: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وهم كانوا يعبدون الأصنام، فدل ذلك على أن لفظ الوثن يعم الصنم.
فإبراهيم ﵇ دعا ربه بأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، وهو إمام الموحدين؛ وهذا يدل على خطر الشرك؛ وضرورة الخوف من الوقوع فيه؛ ولهذا قال إبراهيم التيمي ﵀ تعليقاً على هذه الدعوة: "من يأمن البلاء بعد الخليل؟! " (١)، فإذا كان إبراهيم ﵇ الذي هو خليل الرحمن، والذي حقق التوحيد لله في مواقف مشهورة عظيمة، يخشى على نفسه أن يقع في الشرك، فكيف يأمن الإنسان على نفسه بعد إبراهيم؟!
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، وهو أن دعاء إبراهيم ﵇ ربه أن يجنبه وبنيه الشرك، وهو إمام الحنفاء، دليل على أن الشرك أمر مخوف، حقيقٌ بالحذر منه.
فوائد الآيتين:
١ - أنّ الشرك أعظم الذنوب.