أمين فلا يحتاج فيه إلى الطبع.
قوله: (وفضلته إن علم الأول ورضي) أي وصح رهن فضلة الرهن وهي الزائد على قدر الدين المرتهن فيه أولا بشرط إن علم المرتهن الأول ورضي بذلك، وإنما يشترط رضاه ليكون جائزا للمرتهن الثاني. ولو قال الشيخ: وفضلته إن رضي الأول لكان أقصر لأن الرضى يستلزم العلم والعلم لا يستلزم الرضى.
قوله: (ولا يضمنها الأول) أي ولا يضمن الفضلة المرتهنة المرتهن الأول لأنه أمين فيها وكذلك الثاني لأنها ليست في يده.
قوله: (كترك الحية المستحقة أو رهن نصفه) تشبيه أي كما لا يضمن المرتهن الحصة في الرهن استحقت من يده وتركت فيه لأنه أمين فيها لأنها لما استحقت خرجت من الرهن.
قوله: (ومعطي دينارا ليستوفي نصفه ويرد نصفه) أي وكذلك لا يضمن من أعطى دينارا ليستوفي من دينه نصفه فلا يضمن النصف الباقي عن دينه لأنه أمين فيه ظاهره ضاع قبل الصرف أم لا وهو كذلك.
قوله: رهن نصفه أي وكذلك إذا رهن نصف الثوب مثلا فتلف فلا يضمن إلا نصفه لأنه في النصف الآخر أمين قال في رهون المدونة: من ارهن نصف ثوب فقبض جميعه فهلك عنده، لم يضمن إلا نصفه (١).
قوله: (فإن حل أجل الثاني أولا قسم، إن أمكن) أي فإن أرهن فضلة الرهن فإن حل أجل المرتهن الثاني قبل أجل الأول قسم الرهن إن أمكن قسمه، يريد إذا كان بقي منه شيء بعد ما يوفي حق المرتهن الأول، وأما إن لم يبق فيه كيف يقسم وحق الأول متعلق في الكل وليس للثاني إلا الفضلة.
قوله: (وإلا بيع وقضيا) أي وإن لم يمكن قسم الرهن بيع كله، وقضى من ثمنه الدينان، ظاهره أنه يباع ولا يوقف، ولو أتى الأول برهن كالأول وهو كذلك وظاهره أيضا سواء بيع بعين أولا. ابن عرفة عن أشهب أن هذا إن بيع بعين أو بما يقضى مثله، وحق الأول مثله ولو بيع بعرض، وهو مثل ما عليه أو بدينار ودينه بدرهم، أو بطعام مخالف لما عليه وضع له رهنا إلى حلول حقه. انتهى من فتح الجليل (٢).
стр. 1157
وسكت الشيخ نعم الله عن ما إذا سبق أجل الأول أو حلا معا لو ضوحه.
قوله: (والمستعار له، ورجع صاحبه بقيمته، أو بما أذى من ثمنه) أي وصح الرهن المستعار للرهن، فإن فكه فلا كلام وإن دفعه في الدين فإن صاحبه يرجع عليه بقيمة شيئه يوم العرية، وعليه نقل ابن أبي زيد المدونة، والعرية ظاهر المدونة.
ابن يونس: إنما يرجع بما أدى عنه من ثمن تشيئه، وعليه نقل أبو سعيد المدونة. قال ابن غازي الفاعل بأدى ضمير يعود على صاحب الرهن المعار؛ لأنه لما كان أداء الدين من ثمن شيئه كان مؤديا وإن لم يباشر الأداء فهو كقول أبي سعيد: ويتبع المعير المستعير بما أدى عنه من ثمن سلعته. انتهى (١).
قوله: (نقلت عليهما) أي نقلت المدونة على الروايتين.
قوله: (وضمن إن خالف، وهل مطلقا، أو إذا أقر المستعير لمعيره وخالف المرتهن ولم يحلف المعير؟ تأويلان) أي وضمن المستعير إن خالف ما أعاره له به المعير كما إذا أعاره له على أن يرهنه في دراهم وخالف فأرهنه في الطعام أو غيره، وهل هذا الضمان مطلقا؟ أقر المستعير بتعديه أم لا وهو تأويل ابن أبي زيد لأنه متعد، أو إنما يضمن إذا أقر المستعير لمعيره أنه تعدى، وخالفهما المرتهن فكذبهما ولم يحلف المرتهن أن المستعير تعدى وهو تأويل ابن يونس، وأما إن لم يخالف المرتهن، أو حلف المعير فلا ضمان بل يجعل في ما استعير له، وإنما يضمن المستعير إذا لم يحلف المعير أنه أقر له بالتعدي، والمراد من يمين المعير أنه إذا لم يحلف بقي الرهن في يد المرتهن فيما أرهن فيه. قوله: (وبطل بشرط مناف: كأن لا يقبض) أي وبطل الرهن بشرط مناف لفائدة الرهن وذلك كشرط ألا يقبض أو لا يباع في الدين لأن الرهن لابد فيه من الحوز وأن يباع في الدين وإن لم يقبض.
قوله: (وباشتراطه في بيع فاسد ظن فيه اللزوم) أي ومن اشترى شيئا بيعا فاسدا فأرهن فيه ظانا أن ذلك يلزمه فإن الرهن يبطل هذا نص الوجيز للغزالي الله في الوجيز.
قال ابن غازي: وما أراه إلا مخالفا للمذهب فتأمله (٢)، وقد أصاب ابن الحاجب
стр. 1158
في أضرابه عنه صفحا تبع فيه الشيخ ابن شاس. انتهى.
ابن يونس: قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: ومن ابتاع بيعا فاسدا على أن يرتهن بالثمن رهنا صحيحا أو فاسدا فرهنه إياه وقبضه، فإنه أحق به من الغرماء لأنه وقع عليه البيع، وكذلك إن كان البيع صحيحا والرهن فاسد على أن اللخمي وابن يونس لم يتنزلا لظن اللزوم. انتهى منه.
قوله: (وحلف المخطئ الراهن أنه ظن لزوم الدية ورجع) يريد أن من قتل إنسانا خطئا ثم أرهن في الدية ملكه ظانا أن الدية تلزمه وحده فإنه يحلف أنه ما فعل ذلك إلا لظنه أن الدية تلزمه وحده ويرجع في رهنه، وهذا إذا كان مثله يجهل ذلك ولو علمه للزمه الرهن وإنما يحلف لاحتمال علمه.
قوله: (أو في قرض مع دين قديم) أي وبطل الرهن إذا اشترطه في القرض مع دين قديم عليه فإن الرهن يبطل في الدين القديم لأن شرط الرهن سلف يجر منفعة وأما الجديد وهو القرض فإن الرهن يصح فيه وإليه أشار بقوله: (وصح في الجديد).
قوله: (وبموت راهنه أو فلسه قبل حوزه، ولو جد فيه) أي ويبطل الرهن بموت راهنه أو فلسه قبل قبضه ولو جد في قبضه بخلاف الهبة، والفرق بينهما أن الرهن لم يزل عليه ملك الراهن والهبة زال عنها ملك الواهب.
قوله: أوبفلسه مفهومه أن قيام الغرماء قبل حكم الحاكم بفلسه لا يبطل الرهن.
قوله: (وبإذنه في وطء، أو إسكان، أو إجارة ولو لم يسكن) أي وبطل الرهن بإذن المرتهن بوطء الأمة المرهونة وإن لم يطأ، وكذلك يبطل الرهن إذا كانت أمة مخلاتا فوطئها راهنها على المشهور وقيل كالغصب، وكذلك يبطل الرهن بإذن المرتهن بإسكان الدال وإن لم يسكن، وكذلك إن أذن له في إجارة وإن لم يآجر لو قال الشيخ الله وإن لم يفعل لرجع المسائل الثلاثة.
قوله: (وتولاه المرتهن بإذنه) أي وتولى المرتهن الإسكان والإجارة بإذن الراهن.
قوله: (أو في بيع وسلم) أي وبطل الرهن بإذن المرتهن ببيع الراهن الرهن وسلم الرهن للمبتاع.
قوله: (وإلا حلف وبقي الثمن، إن لم يأت برهن كالأول) أي وإن أذن له في البيع ولكن لم يسلم الرهن حلف أنه ما أمره ببيع الرهن إلا لإحياء الرهن ويبقى الثمن
стр. 1159
رهنا بيده إن لم يأت الراهن برهن كالرهن الأول في القيمة والصفة.
قوله: (كفوته بجناية، وأخذت قيمته) أي كما يأتي الراهن برهن كالرهن الأول إذا أخذ أرش الجناية وأما إن فات الرهن بسماوي أو جنا عليه غير عاقل فإن الراهن ليس عليه أن يأتيه برهن آخر بل مصيبة نزلت بالمرتهن.
قوله: (وبعارية أطلقت وعلى الرد، أو رجع اختيارا، فله أخذه) أي وبطل الرهن إذا أعاره المرتهن للمستعير إعارة مطلقة أي لم تقيد بعدم رد ولا برد وأحرى إن صرح بعدم الرد وأما إن أعاره على أن يرده الراهن إليه يريد ردها له بغير عارية لتقدم العارية المطلقة فللمرتهن أخذه منه متى شاء وكذلك له أخذه منه متى شاء كما إذا أودعه إياه أو أجره له وهذا كله حيث يملك المرتهن المنفعة بشرطه.
قوله: (إلا بفوته بكعتق أو حبس، أو تدبير، أو قيام الغرماء) أي وإن أعار المرتهن الرهن للراهن أورده اختيارا إليه له أخذه منه متى شاء إلا أن يفوت الرهن من يد الراهن بعتق أو استيلاد أو حبس أو تدبير أو قيام الغرماء فإن المرتهن حينئذ ليس له أخذه من الراهن.
قوله: (وغصبا فله أخذه مطلقا) أي وإن أخذ الراهن من المرتهن الرهن غصبا فللمرتهن أخذه منه مطلقا فات بما ذكر أو لم يفت. قوله: (وإن وطئ غصبا فولده حر، وعجل المليء الدين أوقيمتها) أي وإن وطأ الراهن أمة الرهن غصبا فولدت منه، فولده حر لا حق النسب فإن كان ملي يعجل الدين أو قيمة الرهن الأقل منهما فإن كان الدين هو الأقل هو الذي عليه وإن كانت القيمة هي الأقل هي التي عليه.
قوله: (وإلا بقي) أي وإن لم يكن الراهن الواطئ أمة الرهن مليا بقيت رهنا إلى أجل الدين وتباع ومنه يفهم ما ذكره في المدونة من بيع الجارية بعد الوضع وبعد حلول الأجل وهذه إحدى المسائل التي تباع أم الولد فيها.
الثانية: من وطأ أمة جانية وهو عالم بالجناية.
الثالثة: المفلس وطئ أمته بعد التفليس.
الرابعة: أحد الورثة وطأ أمة التركة عالما بالدين.
الخامسة: أحد الشريكين وطأ أمة الشركة.
السادسة: عامل القراض وطأ أمة من القراض.
стр. 1160
قال ابن رشد في آخر كتاب السلطان: الذي جرى به العمل أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن، وملك الرهن له، ويحلفه مع ذلك أنه ما وهبه دينه، ولا قبضه، ولا أحال به ولا استحال به، وأنه لباق عليه إلى حين قيامه. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وصح بتوكيل مكاتب الراهن في حوزه، وكذا أخوه على الأصح) أي وصح الرهن بتوكيل مكاتب الراهن في حوز الرهن لأن المكاتب صار أجنبيا. وكذلك يصح الرهن بتوكيل أخي الراهن في الحوز على القول الأصح انظر حكى الشيخ الخلاف في الأخ ولم يذكره في المكاتب مع أن المكتاب قد يعجز.
قوله: (لا محجوره ورقيقه) أي فلا يصح توكيل محجور الراهن في حوز الرهن كولده السفيه أو الصغير أو زوجته أو رقيقه وإن كان مأذونا له في التجارة.
قوله: (والقول لطالب تحويزه لأمين) أي وإن تنازع الراهن والمرتهن في وضع الرهن عند أمين فإن القول قول طالب التحويز، فإن كان المرتهن هو طالب التحويز فالقول قوله لأنه يقول أخاف أن يتلف الرهن فيلزمني أو أخائف التعب في حفظه، فإن كان الراهن هو الطالب للتحويز فالقول قوله، لأنه يقول أخاف أن يتلفه المرتهن. والتحويز أمر الراهن للمرتهن بجواز الرهن، والشاذ عدم اشتراط التحويز كالمشهور في الهبة الفرق قوة بقاء ملك الراهن.
قوله: (وفي تعيينه نظر الحاكم) أي وإن اتفقا على كونه بيد أمين وتنازعا في تعيين الأمين نظر الحاكم فيمضي قول أصوبهما وإن تساويا أقرع.
قوله: (وإن سلمه دون إذنهما، فإن سلمه للمرتهن ضمن قيمته، وللراهن ضمنها أو الثمن) أي وإن جعلاه في يد أمين فأسلمه لأحدهما بغير إذن الآخر ضمن قيمة الرهن للراهن إن أسلمه للمرتهن لأنه تعدى به على شيئه وهذا إذا كان قبل أجل الدين وأما عند حلول الأجل أو بعده فإنهما يتقاصان القيمة والدين فمن بقي له شيء فليرجع به وإن أسلمه للراهن ضمن القيمة أو المثمن الأقل منهما لأن القيمة إن كانت أقل هي التي أتلفها وإن كان الدين أقل فإنه لا يسأل غيره والشيء قد رجع إلى مالكه.
قوله: أو الثمن أطلق الثمن على الدين.
قوله: ضمن قيمته هذا إذا فات وأما إذا لم يفت فإنه يرده بعينه.
стр. 1161
قوله: (واندرج صوف تم، وجنين، وفرخ نخل) أي وإذا أرهن نعاجا وعليها صوف تام فإنه يدخل في الرهن لأن له حصة في الثمن وأما الصوف قبل التمام فإنه لا يندرج وكذلك الشعر للمعز، والوبر للإبل وكذلك يندرج الجنين مع أمه في الرهن سواء قد حصل في البطن أو بعد الرهنية وكذلك يندرج فرخ نخل مع الأصل في الرهن وفرخ النخل هي الفسيلة وجمعه فسلان.
قوله: (لا غلة) أي لا تندرج الغلة في الرهن كاللبن والثمرة والسمن والجبن.
قوله: (وثمرة، وإن وجدت) وهو من باب عطف الخاص على العام لعله ذكره لسبب قوله: وإن وجدت أي لا يندرج الثمن في الرهن وإن وجدت حين الرهينة وأحرى إن لم توجد.
قوله: (ومال عبد) أي ولا يندرج مال العبد معه في الرهن يريد وكذلك خراجه.
قوله: (وارتهن إن أقرض أو باع أو يعمل له وإن في جعل) أي وجاز الرهن قبل وجود الدين إذ ليس من شروط الرهن أن يكون بعد ثبوت الدين ولكن لفظ الشيخ فيه ما فيه، والمراد يجوز أن يقول: هذا رهن لك إن اقترضني أو أقرضت فلانا أو بعت لي أو بعت لفلان. وكذلك إن قال له: إن علمت لي كذا فهذا رهن في إجارتك وإن كان العمل في جعل إذ قد يؤول إلى اللزوم.
قوله: (لا في معين أو منفعته، ونجم كتابة من أجنبي) أي لا يجوز الرهن في شيء معين قد يتلف وينفسخ فيه البيع، إنما يكون الرهن والضمان لما في الذمة، وكذلك لا يجوز الرهن في منفعة المعين كسكنى دار، وأما المضمون فيجوز فيه، وكذلك لا يجوز رهن نجم كتابة من أجنبي لأنه غرر إذ قد يعجز المكاتب فأما رهنه من المكاتب نفسه فجائز.
قوله: (وجاز شرط منفعته، إن عينت ببيع) أي وجاز شرط منفعة الرهن إن عينت المنفعة، إن كان ذلك في بيع، لأنه كراء وبيع، ظاهره كان حيوانا أم لا، وهو قول ابن القاسم، وكرهه مالك الله في الحيوان.
قوله: (لا قرض) أي ولا يجوز اشتراط منفعة الرهن في القرض لأنه سلف يجر منفعة.
قوله: (وفي ضمانه إذا تلف تردد) أي وفي ضمان الرهن المشترط منفعة لأنه رهن، وعدم ضمانه إذا تلف من يد المرتهن لأنه مستأجر فيه تردد.
стр. 1162
قوله: (وأجبر عليه، إن شرط ببيع وعين) أي وأجبر الراهن على دفع الرهن إن
شرط عليه في بيع وعين ذلك الرهن.
قوله: في بيع، ابن عرفة، وكذلك السلف، وقيل: لا يجبر في القرض، لأن المستقرض له أن يرد القرض ولا يدفع، والمبتاع ليس له فسخ البيع فافترقا. قوله: (وإلا فرهن ثقة) أي وإن لم يعين الرهن بل شرط الرهن بلا تعيين فعلى الراهن أن يأتي برهن ثقة باعتبار ذلك الدين.
قوله: (والحوز بعد مانعه لا يفيد. ولو شهد الأمين، وهل تكفي بينة على الحوز قبله وبه عمل؟ أو التحويز؟ تأويلان) أي وحوز الرهن بعد مانع الحوز بالموت أو الفلس أو مرض الموت لا يفيد وقيل يفيد وفي المدونة دليل على القولين، وعلى الأول لا يفيد ولو شهد له الأمين بالحوز قبل المانع، لأنه فعل نفسه، وكذلك إن شهد له الذي عليه الحق، وهل تكفي بينة على الحوز قبل المانع؟ وبه عمل في الأندلس أو لا يكفي إلا التحويز قولان.
والتحويز إذن الراهن للمرتهن في تحويز الرهن وعلى أنه لا بد من التحويز، فقال ابن ناجي على المدونة: يكفي شاهد واحد به، إذا كان بيده اتفاقا، وإذا كان بيد غيره كفا باختلاف. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (وفيها دليلهما) ليس هذا موضعه وإنما موضعه بعد قوله: والحوز بعد ما نعه لا يفيد وقيل: يفيد، وفي المدونة دليل القولين.
قال ابن شاس: ولا يكفي في ثبوت حيازته الاتفاق على الإقرار بذلك حتى تشهد البينة به، لأن حق الغير متعلق به حين الحاجة إلى الحكم بكونه رهنا بعد موت الراهن أو فلسه ووقت تعلق حق الغرماء به.
وأما قبل ذلك فلا حاجة بهما إلى الإثبات، ولا يمنع عليهما تصحيحه بكل وجه. انتهى (٢).
قوله: (ومضى بيعه قبل قبضه، إن فرط مرتهنه، وإلا فتأويلان) أي وإن باع الراهن الرهن قبل قبض المرتهن الرهن مضا بيعه إن فرط مرتهنه في القبض، وإن لم يفرط
стр. 1163
ففي إمضاء بيعه وعدم إمضائه تأويلان.
قوله: (وبعده فله رده إن بيع بأقل، أو دينه عرضا) أي وإن باع الراهن الرهن بعد حوز المرتهن له فللمرتهن رده إن بيع بأقل من الدين، أو كان دينه عرضا لا يجب تعجيله لغرض البيع.
قوله: (فله رده إن بيع بأقل) أي فللمرتهن رد الرهن إن باعه ربه بعد قبضه بأقل من الدين سواء كان دينه عينا أو عرضا، لما في بيعه حينئذ من الضرر على المرتهن، ومفهومه لو بيع بقدره فأكثر مضى ذلك وهو كذلك، ويتعجل للمرتهن حقه إن شاء الراهن أو أبا، وليس للمرتهن حينئذ رد البيع. انتهى من فتح الجليل (١).
قوله: (وإن أجاز تعجل) أي وإن أجاز المرتهن البيع تعجل الدين بعد أن يحلف أنه إنما أجاز ليأخذ دينه.
قوله: (وبقي إن دبره) أي وإن دبر الراهن العبد الرهن بقي العبد رهنا فإن قضاه حقه بقي مدبرا وإن لم يوفه حقه بيع في الدين.
قوله: (ومضى عتق الموسر وكتابته، وعجل) أي ويمضي عتق الراهن الموسر وكتابته بعد الوفاء، وأما الإبتداء فلا يجوز لتعلق حق المرتهن في العبد، فإن أعتق أو كاتب عجل الحق الذي عليه.
قوله: (والمعسر يبقى، فإذا تعذر بيع بعضه بيع كله، والباقي للراهن) أي وإن أعتق الراهن المعسر أو كاتب، فإن العبد الرهن يبقا رهنا، فإن خلص الدين فالعبد حر وإن لم يخلصه بيع من العبد ما يقابل الدين إن وجد من يشتري البعض، وإن لم يوجد بيع العبد كله والباقي بعد خلاص الدين للراهن ويفعل به ما أراد.
قوله: (ومنع العبد من وطء أمته المرهون هو معها) أي ومنع ذلك لأن السيد لما أرهن الأمة كأنه نزعها من العبد. وقوله: المرهون هو معها وأحرى أن يمنع منها إذا أرهنت وحدها.
قوله: (وحد مرتهن وطئ) أي وإذا وطئ المرتهن أمة الرهن حد لأنها ملك الغير.
قوله: (إلا بإذن، وتقوم بلا ولد. حملت أم لا) أي حد إلا أن يأذن له الراهن بالوطء مراعاتا لقول عطاء: يجوز التحليل ولكن تقوم الأمة على المرتهن لتتم له الشبهة فيها حملت أم لا، ولا يقوم الولد لأنه انعقد على الحرية.
стр. 1164
قوله: (وللأمين بيعه بإذن في عقده) أي وللأمين عند تعذر الوفاء بغير استئذان ربه والحاكم إذا كان البيع بإذن سابق في عقده قال: ومفهوم قوله: بإذن منعه بغيره، لأنه كتصرف في ملك الغير أي وللأمين بيع الرهن بإذن الراهن في عقده وأحرى بعد العقد، إنما جاز وإن كان في نفس العقد لأنه محض توكيل سالم عن توهم كون الراهن فيه مكرها كما قال ابن عرفة.
قوله: (إن لم يقل: إن لم آت) أي وللأمين بيع الرهن إن لم يقل الراهن إن لم آت بأجل كذا، وأما إن قال ذلك فلا يباع الرهن إلا بعد الرفع للحاكم ليثبت عنده عدم مجيئه.
قوله: (كالمرتهن بعده) أي كما للمرتهن بيع الرهن إن لم يقل إن لم آت فإن قاله فالحاكم هو الذي يثبت عدمه عدم مجيئه.
قوله: كالمرتهن بعده أي الرهن بعد العقد لا في نفس العقد، وكذلك نسبه في التوضيح لصاحب البيان.
وابن زرقون قال: ولكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه لأنه هدية المديان.
قوله: (وإلا مضى فيهما) أي وإن قال: إن لم آت أو كان الرهن بعد العقد مضى بيع الأمين والمرتهن إن وقع ونزل، وهذا خلاف ما جرى به العمل من أن القاضي لا يحكم للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له ويحلف مع ذلك أنه ما وهبه له ولا قبضه منه ولا أحال به وإنه لباق عليه إلى حين قيامه. انتهى من البيان (١).
قوله: (ولا يعزل الأمين، وليس له إيصاء به) أي وليس للراهن أن يعزل الأمين لتعلق حق المرتهن لأن كل وكيل تعلق به حق فليس لموكله عزله.
قوله: (وباع الحاكم إن امتنع) أي وباع الحاكم الرهن إن امتنع الراهن من دفع الدين أو غاب إن ثبت الدين والرهن وملكه للراهن وقيل وهل يشترط إثبات الرهن للراهن أو يفرق بين العقار وغيره فيشترط في العقار لأن إثباته هو وغيره لا يشترط فيه لأن الإثبات فيه يطول أو ينظر إلى ما يليق بالذكر وما يليق بالأنثى فيتبعه الحاكم، وينتظر في كل سلعة بحكمها ولا ينتظر انتظارا يصير ظلما.
стр. 1165
قال ابن عات: إذا بيع الرهن بغيبة ربه أو بحضرته فأجرة السمسار على من طلب البيع والتقاضي في قول ابن القاسم. وقال عيسى ذلك على الراهن لأنه عنه بيع، وهو أشبه. وكذا ما بيع من مال المفلس. انتهى من البرزلي (١).
قوله: (ورجع مرتهنه بنفقته في الذمة، ولو لم يأذن، وليس رهنا به إلا أن يصرح بأنه رهن بها، وهل وإن قال ونفقتك في الرهن؟ تأويلان) أي وإن أنفق مرتهن على الرهن، فإنه يرجع على الراهن بما أنفق وإن زاد على قيمة الرهن وإن لم يأذن له بالإنفاق على الرهن، لأن الراهن يعلم أن النفقة لا بد منها والنفقة في ذمة الراهن وليس الرهن رهنا بها إلا أن يصرح بأن الرهن رهن في النفقة فيكون حينئذ رهن بها، وهل كذلك؟ وإن قال ونفقتك في الرهن أو إن قال أنفق ونفقتك في الرهن فيكون رهنا بها فيه تأويلان على المدونة.
قوله: (ففي افتقار الرهن للفظ مصرح به تأويلان) أي فبسبب التأويلين هل يفتقر الرهن للفظ مصرح به وهو مذهب ابن القاسم أو لا يفتقر الرهن بلفظ مصرح به وهو قول أشهب، فلو دفع له سلعة فلم يزد على قوله أمسكها حتى أدفع إليك حقك كانت رهنا به عند أشهب لا عند ابن القاسم.
قال ابن عرفة وفي لزوم كون الدلالة مطابقة أو تكفي دلالة الإلتزام قولان لابن القاسم وأشهب. انتهى من القلشاني (٢).
قوله: (وإن أنفق مرتهن على كشجر خيف عليه بدئ بالنفقة) أي خيف على هلاكه. بدأ بالنفقة لأنه سلف على معين، وأجيز هذا الفرع إن كان سلفا يجر نفعا صونا للأموال.
قوله: (وتؤولت) المدنة على عدم جبر الراهن عليه مطلقا، وعلى التقييد بالتطوع بعد العقد) أي وإن أبا المرتهن أن ينفق على الرهن تبرعا فأبا الراهن أن ينفق عليه فهلا يجبر على الإنفاق عليه مطلقا كان الرهن عند العقد أو بعده وهو ظاهر المدونة، وتأولت أيضا على عدم جبره بما إذا تطوع بالرهن بعد العقد، وأما إن شرط عند العقد فإنه يجبر.
قوله: (وضمنه مرتهن إن كان بيده مما يغاب عليه) هذا شروع منه فيما يضمن
стр. 1166
وما لا يضمن من الرهن وما اختلف فيه أي وضمن المرتهن الرهن بثلاثة شروط اثنين ثبوتين والثالث عدمي.
والثبوتيان: أن يكون الرهن تحت يد المرتهن.
الثاني: أن يكون الرهن مما يغاب عليه.
والعدمي هو إن لم تشهد بينة على حرق الرهن أو غصبه أو سرقته أو غرقه فإنه يضمن ولو شرط البراءة من الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالأحكام. انتهى.
قوله: (ولم تشهد بينة بكحرقه، ولو شرط البراءة) رواه ابن القاسم، وقال أشهب: يضمن، ولو قامت بينة، وسبب الخلاف هل الضمان بالأصالة أو بالتهمة. انتهى من ابن ناجي.
قال القلشاني: لوشرط سقوط الضمان فيما يغاب عليه، أو ثبوته فيما لا يغاب عليه فقولان، وأهل المذهب وجوب الوفاء بالشروط في هذا الفصل، لأن الضمان المختلف فيه يجوز نقله، كما علمت في ضمان بيع الفاسد وغير ذلك. انتهى من القلشاني (١).
قال ابن ناجي: ولو شرط نفي الضمان، قال ابن القاسم: لا يعول عليه ويضمن.
قال أشهب: لا يضمن قيل إن كلا منهما خالف أصله وأجاب بعض شيوخنا عن ابن القاسم بأن الضمان يتوفر مع الشرط لأن الضمان عنده معلل بالتهمة وعن أشهب بأن شرط الضمان لما صح ناسخ. انتهى من ابن ناجي.
قوله: (أو علم احتراق محله، إلا ببقاء بعضه معرقا) أي فإنه يضمن ولو علم احتراق محل الرهن الذي يوضع فيه عادة، إلا أن يعلم احتراق المحل ويبقى بعض الرهن محرقا، وقيل عليه أن يثبت أن الحرق ليس من سببه، وقيل ليس عليه ذلك.
قوله: (وأفتي بعدمه في العلم) أي وأفتى بعدم الضمان مع العلم باحتراق المحل وإن لم يبق بعضه محرقا.
قوله: (وإلا فلا ولو اشترط تبوته) أي وإن لم يكن الرهن بيد المرتهن بل بيد أمين أو كان بيده وهو مما لا يغاب عليه، أو شهدت بينة بهلاكه أو احتراق محله فلا ضمان عليه، ولو اشترط عليه الضمان، لأن الشرط لا يغير ما ثبت بالأحكام، وقيل إن هذا الشرط يفيد قوله: (إلا أن يكذبه عدول) أي فلا يضمن المرتهن ما لا يغاب
стр. 1167
عليه إلا أن يكذبه عدول (في دعواه) فإنه لا يصدق حينئذ، لأن كل مصدق مصدق ما لم يظهر كذبه كما إذا دعا (موت دابة) في وقت كذا أو غصبت في وقت كذا أو نحو ذلك فأكذبه العدول.
قوله: (وحلف فيما يغاب عليه أنه تلف بلا دلسة، ولا يعلم موضعه) أي وحيث لا
ضمان على المرتهن يحلف فيما يغاب عليه إذ لعله اخفاه ويضمن قيمته ثم يملكه بعد وصفه بيمينه بالله الذي لا إله إلا هو أنه هلك بلا سبب مني إن لم يكن متهما، وأما المتهم فإنه يحلف أنه تلف بلا دلسة ولا يعلم موضعه.
قوله: (واستمر ضمانه إن قبض الدين، أو وهب، إلا أن يحضره المرتهن، أو يدعوه لأخذه، فيقول: اتركه عندك) أي واستمر ضمان الرهن من المرتهن إن قبض الدين أو وكيله أو وهبه لمن هو عليه أو غيره، إلا أن يحضر الرهن ويقول أتركه عندك، وكذلك لا يضمن إن دعاه لأخذ رهنه فقال: أتركه عندك لأن المرتهن صار أمينا، وهذا إذا ثبت وجود الرهن حينئذ.
قوله: (وإن جنى الرهن واعترف راهنه لم يصدق إن أعدم وإلا بقي، إن فداه؛ وإلا أسلم بعد الأجل، ودفع الدين) أي وإن جنى العبد الرهن واعترف راهنه بجنايته فلا يصدق لتعلق حق المرتهن فيه، إن كان الراهن عديما، وإن لم يكن عديما بقي العبد رهنا كما كان أولا إن فداه الراهن، وإن لم يفده أسلم العبد للمجنى عليه بعد انقضاء الأجل وبعد الدين لأن الراهن قد اعترف بالجناية. قوله: (وإن ثبتت) ببينة (أو اعترفا وأسلمه، فإن أسلمه مرتهنه أيضا فللمجني عليه بماله) أي وإن ثبتت الجناية ببينة أو اعتراف الراهن أو المرتهن بالجناية فأبي الراهن أن يفديه وأسلمه، فإن أسلمه مرتهنه ولم يفده فللمجني عليه العبد مع ماله لأن العبد يتبعه ماله كالعتق.
قوله: (وإن فداه بغير إذنه ففداؤه في رقبته فقط، إن لم يرهن بماله) أي وإن فداه المرتهن بغير إذن الراهن ففداؤه في رقبة العبد على معين فقط دون ماله إن لم يرهن بماله، وإن رهن العبد مع ماله فالفداء فيهما لا في ذمة السيد إن فات العبد لأن ذلك الفداء سلف على معين.
قوله: (ولم يبع إلا في الأجل، وإن بإذنه فليس رهنا به) أي ولم يبع هذا العبد المفدي للرهن إلا بعد مضي الأجل قوله وبإذنه أي إن أفداه المرتهن بإذن الراهن
стр. 1168
فالعبد الرهن ليس رهنا بالفداء إلا أن يصرح أنه رهن به وحيث لا يكون الرهن رهنا في الفداء فيكون العبد في ذمة السيد، تبع الشيخ هنا ابن الحاجب في الاقتصار على قول ابن المواز وهو أحد قولي أشهب، وترك قول مالك وابن القاسم يكون رهنا به، ونقل ابن يونس قول أشهب: أنه لا يكون رهنا به. انتهى من شفاء الغليل (١).
قوله: (وإذا قضي بعض الدين أو سقط، فجميع الرهن فيما بقي) أي وإذا قضى الراهن بعض الدين أو وكيله أو تبرع عنه أحد به أو أسقط بعضه بصدقة أو هبة أو إبراء أو طلاق قبل البناء فجميع الرهن رهن بما بقي من الدين بعد ما سقط منه لأن الأسواق قد تحول سواء اتحد الرهن أو تعدد. وسكت الشيخ ﵀ عن ما إذا تعدد الراهن والمرتهن.
ابن عرفة: كل جزء من الرهن رهنا بكل جزء من الدين الذي رهن فيه بمعنى الكلية فيهما لا بمعنى التوزيع، إن اتحد مالك الدين، وإن تعدد ولا شركة بينهم فيه فعلى معنى التوزيع. انتهى من فتح الجليل (٢).
قوله: (كاستحقاق بعضه) فهذا عكس الأولى في الصورة والحكم واحد أي وإذا استحق بعض الرهن أو غصب أو سرق، فالباقي في الدين كله، ثم إن كان الرهن مما ينقسم قسم وبقيت حصة الراهن رهنا، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه كغيره من المشترك الذي لا ينقسم إذا طلب أحد الشريكين البيع أجبر له الآخر، وظاهر تشبيه المصنف أن البعض يبقى ولو بيع بما يوافق الدين جنسا وصفة، وهو كذلك عند ابن القاسم خلافا لأشهب في تعجيله للمرتهن، إذ لا فائدة في وقفه، وقد يضيع فلا ينتفع به الراهن ولا المرتهن. صح من فتح الجليل (٣).
قوله: (والقول لمدعي نفي الرهنية) أي وإذا تنازعا في شيء في يد رب الدين فقال ربه: هو رهن في الدين، وقال الذي عليه الدين: ليس رهنا به وإنما هو وديعة، فإن الذي عليه الحق يصدق مع يمينه في نفي الرهنية لأن الأصل عدم الرهنية، وكذلك إذا كان الذي عليه الحق في يد الذي له الحق جبة أو نمط أحداهما رهنا والآخر وديعة فضاع أحدهما فقال الذي عليه الحق: الذي ضاع هو الرهن تضمنه،
стр. 1169
وقال الآخر: الذي ضاع هو الوديعة لا أضمنها فإنهما يصدقان في نفي الرهنية مع أيمانهما.
قوله: (وهو كالشاهد في قدر الدين - لا العكس - إلى قيمته) أي إذا اختلف في قدر الدين فالرهن كالشاهد على قدر الدين إلى قدر قيمة الرهن والقيمة إنما تعتبر يوم الحكم لا يوم الرهن ولا ينبغي أن تعتبر يوم الرهن.
قوله: لا العكس أي لا يكون الدين شاهدا على قدر الرهن إذا ضاع.
قال ابن فرحون هذا قول اشهب، ورجحه القاضي عبد الوهاب في المعونة بأن الراهن رضي بأمانته ولو لم يتوثق بالإشهاد على عين الرهن، ثم يدعي تضمينه وإثبات دعوى لا تعرف إلا بقوله، فوجب أن يكون القول قول المرتهن. وفي "معين الحكام" قال بعض المتأخرين وهذا مذهب ابن القاسم. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (ولو بيد أمين على الأصح) أي والرهن كالشاهد على قدر الدين لو كان الرهن في يد أمين على القول الأصح وقيل إنما يكون الرهن كالشاهد إذا كان في يد المرتهن.
قوله: (ما لم يفت في ضمان الراهن) أي والرهن كالشاهد في قدر الدين ما لم يفت في ضمان الراهن بل فات في ضمنان المرتهن، وأما إن فات في ضمان الراهن فإنه يكون كالعدم.
قوله: (وحلف مرتهنه، وأخذه إن لم يفتكه، فإن زاد حلف الراهن) أي وإذا كان الرهن شاهدا في قدر الدين فإن المرتهن يحلف ويأخذ الدين ويملكه إن وافقت القيمة ما ادعاه إن لم يفتكه الراهن بما ادعاه المرتهن، فإن زاد ما ادعاه على القيمة ووافق الراهن القيمة حلف الراهن ودفع القيمة.
قوله: (وإن نقص حلفا، وأخذه إن لم يفتكه بقيمته) أي وإن نقص ما أقر به الراهن على القيمة، وزاد عليها المرتهن حلف كل منهما على ما ادعاه، وأخذ المرتهن إن لم يفتكه الراهن بقيمته، ويبدء المرتهن باليمين، لأن الرهن كالشاهد له على قيمته فإن حلف حلف الراهن وإن نكل لزمه ما ادعاه المرتهن، وكذلك لو حلف الراهن ونكل المرتهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه وإن حلفا أو نكلا معا فعلى الراهن قيمته إن أحب وإلا أسلمه للمرتهن وإليه أشار بقوله: وأخذه إن لم يفتكه الراهن
стр. 1170
بقيمته وهو قول مالك. انتهى من الصغير.
قوله: (وإن اختلفا في قيمة تالف تواصفاه، ثم قوم، فإن اختلفا فالقول للمرتهن، فإن تجاهلا فالرهن بما فيه) أي وإن اختلف الراهن والمرتهن في قيمته رهن تالف مضمون تواصفاه ثم قوم الموصف، فإن اختلفا في الوصف فالقول قول المرتهن لأنه غارم مدعى عليه وقاعدة الشرع ترجيحه وإن تجاهلا في الوصف فقال كل منهما: لا أعلم وصفه فإن الرهن يكون بما فيه أي لا تابع ولا متبوع وعليه حمل أصبغ الحديث: «الرهن بما فيه» (١).
قوله: (واعتبرت قيمته يوم الحكم، إن بقي، وهل يوم التلف أو القبض، أو الرهن إن تلف أقوال) أي واعتبرت القيمة المتقدمة الذكر يوم الحكم لا يوم الرهن، وينبغي أن تعتبر يوم الرهن، وهذا كله إن بقي الرهن قائما لم يفت فإن تلف فهل تعتبر القيمة الواجبة يوم التلف أو يوم قبض الرهن أو يوم الرهن فيه ثلاثة أقوال كلها لابن القاسم.
قوله: (وإن اختلفا في مقبوض فقال الراهن عن دين الرهن وزع بعد حلفهما) أي وإن اختلف المتراهنان فيما قبضه المرتهن من الدين، فقال الراهن: عن دين الرهن ليأخذ رهنه، وقال المرتهن: عن الدين الذي لم تقبضه ولا بينة لهما، فإن المقبوض يقسم بين الدينين بعد أن يحلف كل واحد على ما ادعاه. انتهى.
وكذلك إذا نكلا فإن المقبوض يقسم بين الدينين، فإن نكل أحدهما فالقول قول من حلف، وظاهر كلام المصنف ﵀ أن الدينين سواء حلا أو لم يحلا أو أحدهما، وقيده اللخمي بما إذا حلا أو تساوى الأجلان فيهما أو تقاربا، وأما إن حل أحدهما دون الآخر فالقول لمن ادعى القضاء في الحال.
قوله: (كالحمالة) أي كما يوزع الرهن بين الدينين أحدهما بالحمالة والآخر بلا حمالة وتنازعا في المقبوض، فقال الذي عليه الحق: هو عن الدين الذي فيه الحمالة، وقال الذي له الحق: بل عن الدين الذي لا حمالة فيه ولا بينة، فإن المقبوض يقسم بين الدينين بعد حلفهما.
стр. 1171
باب [في بيان أحكام إحاطة الدين بمال المدين والتفليس]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل التفليس.
التفليس خلع الرجل من ماله للغرماء.
أفلس الرجل معناه لغة صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير وفي عرف الشرع من قصر ما بيده عما عليه من الديون. وفي عرف العرب من لا عين له ولا عرض.
والفلس بالتحريك العدم أي صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دنانير ودراهم.
والفلس واحد الفلوس والفلس اسم صنم (١)، وللفلس أربعة أحكام:
الأول: منع التصرف في المال الموجود.
الثاني: بيع ماله وقسمته.
الثالث: حبسه إلى ثبوت عسره.
الرابع: الرجوع إلى عين المال.
قوله: ﴿للغريم: منع من أحاط الدين بماله من تبرعه﴾
الغريم مأخوذ من اللزوم لقوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] أي ملازما، وقال الحسن: كل ملازم يفارق إلا النار.
قوله: وللغريم أي ولرب الدين منع من أحاط الدين بماله من تبرعه كالصدقة والهبة، إلا ما جرت به العادة وهو محمول على عدم الإحاطة حتى يثبت التبرع وهو التطوع، وقيل: التبرع ما كان من غير سؤال، والتطوع ما كان بسؤال.
قوله: (ومن سفره إن حل بغيبته) أي ولرب الدين منع غريمه من سفره بشرط أن يحل أجل الدين في حال غيبة الذي عليه الدين، وإن لم يحط الدين بماله إذ منع السفر لكل غريم، وإن لم يحط الدين بماله إذا كان أجل دينه يحل في غيبته، وأما إذا كان يرجع من غيبته قبل حلول الأجل فليس له منعه، وهل يحلف؟ أي وهل يحلف أنه غير فار بسفره؟ أم لا قولان.
стр. 1172
ابن يونس: قال ابن أبي زمنين وعليه أن يحلف ما يريد الفرار من الحق وأنه ينوي الرجوع عند الأجل ليقضي ما عليه قاله عيسى عن ابن القاسم. قال بعض أصحابنا وإنما تكون اليمين على المتهم بذلك انتهى من التقييد.
قوله: (وإعطاء غيره قبل أجله، أو كل ما بيده) أي ولرب الدين منع غريمه من إعطاء غيره من الغرماء قبل حلول أجل دينه لأن ذلك من التبرع، وكذلك لرب الدين منعه من إعطاء كل ما بيده لبعض غرمائه وإن بعد حلول الأجل. انتهى.
قوله: (كإقراره لمتهم عليه على المختار والأصح) أي ولرب الدين منع غريمه من إقراره لمتهم عليه لاتهامها على التواطؤ على ذلك وهذا هو المختار من الأقوال عند اللخمي وهو الأصح عند بعضهم مقابله يجوز إقراره له.
قوله: (لا بعضه ورهنه، وفي كتابته قولان) أي ليس للغريم المحيط دينه منع غريمه من إعطاء بعض ما بيده أو رهنه لبعض غرمائه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو فطن أحد الغرماء باستغراقه وبادر الغرماء، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تشاوروا كلهم على تفليسه.
وقال أصبغ هو أحق ولو تشاوروا. انتهى من التاج والإكليل (١).
وهل له منعه من كتابة عبده؟ أم لا قولان بناء على أن الكتابة عتق له المنع، أو بيع فليس له منعه.
قوله: (وله التزوج) أي وللغريم الذي عليه الدين المحيط أن يتزوج لأن الغرماء دخلوا على ذلك وهذا قبل التفليس وأما بعده فقال في المدونة: وليس للمفلس أن يتزوج بالمال الذي فلس فيه وله أن يتزوج فيما بعده. انتهى (٢).
قال في المقدمات: يجوز إنفاقه المال على عوض يجوز فيما جرت العادة بفعله كالتزوج والنفقة على الزوجة (٣).
قوله: (وفي تزوجه أربعا، وتطوعه بالحج تردد هذان فرعان في كل فرع تردد أي وفي جواز تزوجه أربعا وعدم جوازه تردد.
ابن عرفة: الظاهر منعه من تزويج ما زاد على الواحدة لقلته عادة، وكذلك طلاقه
стр. 1173
وتكرر تزويجه لمطلق شهوته. انتهى.
وكذلك التردد في تطوعه بالحج إلا أن ابن رشد لم يتردد في حج التطوع، وإنما تردد في حجة الفريضة قبل خوف الفوات فلعل مراد المصنف التطوع بتقديم حجة الفرض وسماه تطوعا باعتبار القول بالتراخي.
قوله: (وفلس حضر أو غاب، إن لم يعلم ملاؤه) أي وفلس الغريم الحاضر حضر المال أو غاب، وكذلك الغائب يفلس إن حضر المال إن لم يعلم ملاؤه بل علم عسره أو جهل حاله، وأما إن علم ملاؤه فلا يفلس هذا إن غاب غيبة بعيدة، وأما القريبة فإنه يستبرأ عن حاله.
قوله: (بطلبه، وإن أبى غيره، دينا حل زاد على ماله، أو بقي ما لا يفي بالمؤجل) أي إنما يفلس المحيط بالدين إذا طلب الغريم فلسه إذ ليس للإمام أن يفلسه بغير (إذن) (١) غريمه، ولا للذي عليه الدين أن يفلس نفسه، وللغريم أن يفلس رب الدين وإن أبي غيره من الغرماء من ذلك.
قوله: دينا حل أي ومن شرط التفليس أن يكون الدين الذي طلب فلسه حالا زاد على مال المفلس أو لم يزد عليه ولكن لا يفي ما بقي بعد الحال بالدين المؤجل عليه.
قوله: (فمنع من تصرف مالي) أي فبسبب الفلس يمنع المفلس من تصرف مالي هذا هو المذهب.
ابن عبد السلام: المذهب منع صحة معاملته، ولذلك حجر عليه، ولو كان يصح بيعه وشراؤه ما كان للحجر عليه فائدة.
ابن عرفة: المذهب كله على وقف تصرفه على نظر الحاكم ردا وإمضاء، وهو نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب. انتهى من فتح الجليل (٢).
قوله: (لا في ذمته) أي لا يمنع المفلس من إدخال شيء في ذمته مثل أن يقول لشخص: لك علي مائة صدقة ولكن لا يدفعها إليه إلا بعد قضاء الديون المفلس فيها.
стр. 1174
قوله: (كخلعه، وطلاقه، وقصاصه، وعفوه، وعتق أم ولده، وتبعها مالها إن قل) إلى آخره أي كما ليس لرب الدين منع غريمه من خلعه وطلاقه، وأخذه قصاصا لنفسه أو لعبده أو عفوه عن دم وعتق أم ولده، وهذا إذا أولدها قبل الفلس، وأما بعد الفلس فإنها تباع بعد الوضع، والولد لاحق النسب، فإن عتقت يتبعها مالها إن كان قليلا وإن كان كثيرا فلا يتبعها.
قوله: (وحل به وبالموت ما أجل، ولو دين كراء، أو قدم الغائب مليا) أي وحل بالفلس وبالموت كل دين مؤجل لأن الذمة قد خربت، ولو كان ذلك الدين المؤجل دين كراء على المشهور، وقيل: لا يحل، وكذلك إن قدم الغائب مليا، لأن الحكم قد مضى، وقيل: لا يحل المؤجل بسبب الفلس إن قدم الغريم مليا، لأن الأمر انكشف على خطأ الإمام، وهذا الخلاف فيما قبل القبض، وأما إن قبض الدين قبل قدومه فلا خلاف أنه ماض.
قوله: (وإن نكل المفلس، حلف كل، كهو، وأخذ حصته. ولو نكل غيره على الأصح) أي وإن أقام المفلس شاهدا بدين له على رجل فنكل عن اليمين مع شاهده حلف كل من غرمائه بأنه كما يحلف على جميع المال بالله الذي لا إله إلا هو أن ما شهد به الشاهد لحق، ومن حلف من الغرماء يأخذ حصته من المحاصة، ولو نكل غيره على القول الأصح، وقيل: إن نكل غيره يأخذ جميع دينه، وأما غير المفلس إذا أقام شاهدا بدين له على رجل فنكل عن اليمين مع شاهده فإنه لا شيء له.
قوله: (وقبل إقراره بالمجلس، أو قربه، إن ثبت دينه بإقرار لا ببينة) أي وقبل إقراره أي المفلس لمن لا يتهم عليه في مجلس المفلس أو قربه، بشرط أن الدين الذي فلس بسببه ثبت بإقرار لا ببينة، وأما إن ثبت ببينة فلا يقبل إقراره له بغير بينة لأنه إقرار على الغير.
قوله: (وهو في ذمته) أي فيما أقر به فهو في ذمته إن أفاد مالا.
قوله: (وقبل تعيينه القراض والوديعة إن قامت بينة بأصله) أي ويقبل تعيين المفلس القراض والوديعة إن قامت بينة بأصل ذلك، وإن لم تعينه البينة ولا عينت أربابها، ومفهوم قوله: قبل تعيينه أنه لو قال لفلان في مالي قراض أو وديعة لم يقبل وهو كذلك نص عليه في الجواهر. انتهى من فتح الجليل (١).
стр. 1175
قوله: (والمختار قبول قول الصانع بلا بينة) أي والمختار عند اللخمي قبول قول الصانع في التعيين بلا بينة على أصله لأن كل ما عندهم للناس.
قوله: (وحجر أيضا إن تجدد مال) أي وإن أفاد المفلس مالا بعد أخذ الغرماء ما بيده، فقام عليه الغرماء، فإنه يحجر عليه أيضا ويفلس.
قوله: (وانفك ولو بلا حكم) أي والحجر على المفلس ينفك ولو بلا حكم حاكم، وقيل: لا بد من الحاكم.
قوله: (ولو مكنهم الغريم فباعوا واقتسموا، ثم داين غيرهم: فلا دخول للأولين، كتفليس الحاكم إلا كإرث، وصلة وجناية) أي ولو مكن الذي عليه الديون أربابها بلا إذن الإمام، فباعوا المال واقتسموه ثم داين غيرهم، فلا دخول للغرماء الأولين الذين اقتسموا المال، كما ليس لهم الدخول إذا فلسه الحاكم ثم داين غيرهم إلا في ما ورثه المفلس أو وهب له، أو تصدق به عليه، أو أخذه من أرش جناية جني عليه أو عبده، فإن الغرماء الأولين يدخلون معهم.
تنبيه: إذا قام الغرماء على المفلس لزم الحاكم أن يكلفهم بإثبات ديونهم ثم يقدر القاضي فيما ثبت عنده للمفلس، ولكل واحد من الغرماء في دين صاحبه، فإذا وقع التسليم والعجز عن إثبات الدفع، أمر كل غريم أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئا ولا أسقطه ولا بعضه، وأنه باق عليه إلى الآن كيمين بقاء الدين على الميت.
وقال في إكمال الإكمال: ولا يقسم القاضي على الغرماء حتى يعذر إلى كل واحد من الغرماء فيما أثبت غيره. وهل يحلف كل واحد على صحة ما شهد له به وأن دينه لباق في ذمته إلى الآن؟ تردد الحكام في ذلك. انتهى (١).
قوله: (وبيع ماله) أي إن خالف جنس دينه أو صفته بحضرته ظاهره يباع ماله كله.
قال ابن فرحون في تبصرته: ما كان في بيعه عليه مضرة أو معرة كجاريته أو مركوبه وعبده التاجر ونحو ذلك مما فيه مضرة أو معرة فلا يباع لأن الشأن القضاء في غير هذا والعادة كالشرط وإليه ذهب مالك في المبسوط وقاله اللخمي (٢)، لأن الغرماء دخلوا على ذلك.
стр. 1176
قوله: (بحضرته) أي المفلس لأن ذلك أقطع لحجته، وقال في الذخيرة: إحضاره مستحب لأنه أعلم بسلعته.
قوله: (بالخيار ثلاثا) أي وبيع مال المفلس بالخيار للإمام ثلاثا طلبا للزياد كقوله: ﴿ولو كتبا، أو ثوبي جمعته، إن كثرت قيمتهما﴾، وفي بيع آلة الصائغ تردد) أي وبيع مال المفلس ولو كانت كتبا وبيعت كتب ابن وهب ﵀ في دينه بثلاث مائة دينار، والعلماء متوافرون ولم ينكر رجل منهم.
وقال مالك ﵀ في الموازية لا تباع في الدين ولا تورث، والوارث وغيره ممن هو أهلا للقراءة سواء، فالخلاف في الفروع الظنية لأن فيها حق وباطل، وأما القرآن والأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم فلا خلاف في جوازه، ويجوز في كل بيع باعه الحاكم والسوم على سوم أخيك، وكذلك يباع على المفلس ثوبي جمعته إن كثرت قيمتهما، وإلا فلا تباع، وفي بيع آلة الصائغ المفلس (تردد).
أبو حفص: لا تباع بل يعيش بها، وقال غيره تباع لئلا يتداين. قوله: (وأوجر رقيقه، بخلاف مستولدته) أي وأوجر رقيق المفلس للدين، ولا يباعون في الدين كالمدبر والمعتق إلى أجل، وولد أم ولده، بخلاف أم ولده فإنها لا تؤاجر، هذا إذا أولدها قبل الفلس، وأما إن وطئها بعد أن وقعت للبيع فحملت منه فإنها تباع في الدين وولده لاحق النسب.
قوله: (ولا يلزم بتكسب) أي ولا يلزم المفلس بتكسب، فلا يؤجر لأجل الدين لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقال اللخمي: إن كان الغريم الذي عليه الدين تاجرا فلا يؤاجر فيما عليه.
قال: وعلى هذا تكلم مالك. وإن كان صانعا فداين ليعمل ويقضي من عمله، فعطل أجبر على العمل وإن ألد استؤجر في صنعته تلك. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وتسلف، واستشفاع، وعفو للدية، وانتزاع مال رقيقه، أو ما وهبه لولده) أي ولا يلزم الغريم تسلف، ولا قبول من تبرع له بالسلف، إلا أن يريد به رفقا لرب الدين فلا كلام له حينئذ، وكذلك لا يلزم قبول هبة ولا صدقة، وأخذ بالشفعة إذا وجب له الأخذ بها، وكذلك لا يلزم العفو من القصاص ليأخذ الدية، وكذلك لا يلزم انتزاع مال رقيقه الذي لا يباع في الدين، كأم الولد وولد أم الولد، والمدبر
стр. 1177
والمعتق إلى أجل، وكذلك لا يلزم انتزاع مال وهبه لولده، لأن ذلك كله من معنى التكسب الذي لا يلزم، لأن التكسب طلب تحصيل المال. انتهى.
مسألة: وسئل ابن رشد عمن عليه دين حال وبيده سلعة فأراد الطالب بيعها في الدين، وأراد المطلوب بقاءها رهنا حتى يتسبب في أداء الدين وسأل التأخير وقتا، ما يفعل فيها؟.
فأجاب: إن من حقه أن تبقى رهنا ويؤجل في أداء الدين بقدر قلته وكثرته وما لا ضرر عليهما فيه بحسب اجتهاد الحاكم، وبه جرى القضاء والعمل وتدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه. انتهى من البرزلي (١).
وفي إكمال الإكمال قلت: قال ابن رشد: وإذا طلب المديان أن يؤخر القضاة أقر بقدر ما يرجى له، ولا يعجل عليه في بيع عروضه للحين. والرواية بذلك مشهورة في المدونة وغيرها (٢).
وسئل المازري ﵀ عن مستغرق الذمة بالحرام هل تجوز معاملته فقال: في ذلك خلاف.
ووجه القول بالجواز أن الفقراء لم يستحقوا عين ما بيده، وإنما استحقوا قدره خاصة لا عينه، فإذا أبذل له مثله فلا مضرة على الفقراء، بل ربما كان خيرا، إذا كان الذي أخذ منه مما يخفيه، وكان الذي أبذل له مما يظهره إذ قد يقام عليه فيوجد له ما يؤخذ له. انتهى برزلي (٣).
قوله: (وعجل بيع الحيوان، واستؤني بعقاره كالشهرين) أي لأنه أسرع تغييرا ولها مؤلة فيسوق بها اليسير، وأحرى ما يخشى تغييره واستؤني بالعقار كالشهرين، لعل الزائد يأتي، وسكت الشيخ ﵀ عن ما عدى الحيوان والعقار وهو العروض، كأنه يؤخذ منه بالوسط.
قال ابن عبد الرحمن (٤): ولا يكون للقاضي أن يبيع على المديان عروضه كما يبيعها على المفلس، لأن الفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله، وقال غيره: بيع
стр. 1178
عليه كالمفلس. انتهي من القلشاني.
وحكي عن الداودي: من كان له دين على من قد استرقت التباعات والفلاحات ذمته ولا يكاد يحصي ما عليه، ولا يفي ما بيده بما عليه ولا ما يقاربه ولا يعلم منتهى ما عليه لم يجز لأحد أن يقضي شيئا من ماله من الاستغناء.
قلت: هذا بين على القول أنه كالمضروب على يديه. برزولي (١).
فرع: والوصية بالدين واجبة، فإن فعل وترك وفاء لا يحبس على المنة لأجل الدين، أو لم يترك وفاء وأداه الإمام من الفيء أو سهم الغارمين في الزكاة، فإن لم يؤده الإمام فالإمام مسؤول عن ذلك ولا يحبس المديان على المنة إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى به، والأحاديث الواردة بالحبس دون المنة بالدين منسوخة بما جعله الله تعالى من قضاء الدين على السلطان وكان ذلك قبل الفتوحات.
قال صاحب المقدمات من أدان في مباح معتقدا أن ذمته تفي بما أدان به فغلبه الدين حتى توفى، فعلى الإمام توفيته من بيت مال المسلمين، أو من سهم الغارمين من الصدقات كلها. انتهى من الذخيرة (٢).
مسألة: وفي كتاب الفصول لابن أبي زيد فيمن له على رجل حق فامتنع منه في حقه فلازمه مرارا وعاند، وكان في بلد ليس فيه سلطان ولا انتصاف، فإنه يجوز له أخذ مال الغريم كفافا، وبه قال في الجواهر، لقوله ﵊: «مطل الغني ظلم (٣)»، وأما غير الغريم من إخوانه أو قبيلته، فإن كان ممن يذب عنه ويخاصم عنه إذا أراد الانتصاف منه، فيجوز له أخذه بحقه، لأن الغارم المانع له حقه كالغاصب، والمخاصم عنه معين للغاصب، هكذا نص عليه أبو عمران الفاسي في أجوبته لقوله ﵊: «الظالم أحق أن يحمل عليه»، ولقول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. انتهي.
قوله: (وقسم) أي فإذا بيع مال المفلس يقسم الثمن (بنسبة الديون) يأخذ كل من الغرماء قدر ما ينوبه في المحاصة.
стр. 1179
قوله: (بلا بينة حصرهم) أي ولا يكلف الغرماء بينة على أن لا غريم سواهم، ويقول على أنه لو كان يظهر مع استفاضة الحجر إما مطلقا وإما بعد الاستيناء على ما تقدم، وهم بخلاف الورثة فإن عليهم البينة على حصرهم لأن الميت خربت ذمته بخلاف المفلس.
قوله: (واستوني به إن عرف بالدين في الموت فقط) أي واستؤني بالقسم المفهوم من قسم اجتهاد الإمام بالتقوى لا بالهوى إن عرف الميت بالدين، وإلا فلا يستأنى بالقسم، وأما المفلس الحي فلا يستانى بالقسم لأن ذمته قائمة.
قال اللخمي: يستأنا بالقسم إن عرف بالدين كالميت.
قوله: (وقوم مخالف النقد يوم الحصاص، واشتري له منه بما يخصه) أي فإذا بيع مال المفلس وفي ديونه مخالف العين قوم حين المحاصة، ويحاصص ربه بالقيمة، واشترى له مما أخذ من المحاصة ما كان له من عرض على المفلس.
قوله: (ومضى إن رخص أو غلا) أي ويضي التقويم إن رخص المقوم الذي كان له أوغلا بعد التقويم لأنه حكم مضى، إلا إذا رخص واشترى به ما كان له على المفلس وبقي شيء فإنه يرده للغرماء.
قوله: (وهل يشترى في شرط جيد أدناه أو وسطه؟ قولان. وجاز الثمن إلا لمانع، كالاقتضاء) أي وإذا كان له عليه عرض جيد، فهل يشتري له مما أخذ من المحاصة أدنى الجيد، لأن الأصل براءة الذمة، أو إنما يشتري له الوسط من الجيد ففي ذلك قولان.
وجاز لرب المال المخالف للنقد أخذ ذلك الثمن الذي أخذ في المحاصة، إلا أن يكون لذلك مانع كبيع الطعام قبل قبضه، أو كان ذلك رأس المال عينا فلا يجوز حينئذ قبض الثمن وهو كالاقتضاء، وما لا يجوز قبضه في اقتضاء الدين فلا يجوز هنا، وإليه أشار بقوله: كالاقتضاء. والمحاصة إنما تكون إذا كانت ممكنة وإن لم تمكن فإن المال يكون من بيت مال المسلمين.
قال ابن الحاجب وأجرة الحمال والكيال (١) لسلع المفلس والسماسر، وكل ما فيه مصلحة لسلع المفلس تقدم على الديون لأن أرباب الديون لم يتوصلوا لحقوقهم إلا بهذا.
стр. 1180
قوله: (وحاصت الزوجة بما أنفقت، وبصداقها كالموت، لا بنفقة الولد) أي وتحاصص الزوجة بما أنفقت على نفسها وبصداقها في الفلس، كما تحاصص بذلك في الموت، ولا تحاصص بما أنفقت على الولد، لأنه من باب المواساة، لسد الخلة لا غير في زمان الاحتياج، فإذا أنفقت انسدت تلك الخلة بوجه ما أزال سبب الوجود، وأما نفقة الزوجة بمعنى المعاوضة ولهذا تجب نفقتها على الزوج وإن كانت غنية وقال فيما تقدم وتسقط على الموسر بمضي الزمن إلا لقضية وأحرى المفلس.
قوله: (وإن ظهر دين) احترز به ممن هو حاضر ساكت عند قسم المال، فإنه لا مقال له إذا كان سكوته سكوتا بلا عذر لأن السكوت إنما يكون رضى على قول من قال ذلك ما لم يكن السكوت للعذر، فإن كان بالعذر فلا خلاف أنه لا يعد رضى وإن ظهر أي وإن قسم المال ثم ظهر دين رجع الغريم الطارئ على الغرماء بالحصة التي إن كان حاضرا لأخذها.
قوله: (أو استحق مبيع وإن قبل فلسه رجع بالحصة) أي فإن اشترى من مال المفلس ثم استحق الذي اشتراه منه، فإنه يرجع على الغرماء بما ينوبه من المحاصة إن كان شراءه ذلك قبل الفلس، وأما إن كان الشراء بعد الفلس، فإنه يرجع عليهم بجميع الثمن وهذه كيفية رجوعه عليهم.
قوله: (كوارث أو موصى له على مثله) أي مثله في الاسم كما إذا طرأ وارث على وارث، فإنه يرجع عليه، وكذلك موصى له بجزء، أو موصى له على موصى له.
قوله: (وإن اشتهر ميت بدين، أو علم وارثه وأقبض: رجع عليه) أي وإن اشتهر ميت بدين وإن لم يعلم بوارثه أو علم الوارث بالدين وإن لم يشتهر به، وأقبض بعض الغرماء رجع عليه لأنه متعد بالاقباض.
قوله: (وأخذ مليء عن معدم، ما لم يجاوز ما قبضه) وهذا وضعه في غير موضعه، وهذا إذا طرء الغريم على وارث قابض لنفسه أي وإذا طرء غريم على وارث قابض لنفسه مال الموروث فإنه يأخذ الملي عن المعدم من الوروثة ما لم يجاوز ذلك ما قبضه من التركة.
قوله: (ثم رجع على الغريم، وفيها البداءة بالغريم، وهل خلاف، أو على التخيير؟ تأويلان) أي وإن اشتهر ميت بدين وعلم وارثه فأقبض بعض الغرماء ثم طرء الغريم
стр. 1181
فرجع عليه بتعديه، فإنه يرجع على الغرماء الذين أقبضهم.
وفي المدونة: البداية بالغريم ثم على الوارث المقبض، وهل ذلك خلاف؟ أو ليس بخلاف، فإن الغريم يخير فيمن يبدأ به بالرجوع عليه.
قوله: (فإن تلف نصيب غائب عزل له فمنه) أي فإذا بيعت سلع المفلس، وقسم الثمن بين الغرماء وفيهم غائب، فجعل الحاكم حصته بيد أمين فتلفت، فالمصيبة من الغائب، لأن الحاكم وكيله، ويد الوكيل كيد الموكل، ولو طرأ غريم يرجع عليه وإن تلف نصيبه، لأن نصيبه بيد وكيله وهو الحاكم فإن قلت كيف تكون مصيبته منه وهو إلى الآن لم يحلف يمين القضاء، فلا يكون له شيء حتى يحلفها، إذا كان المفلس ميتا.
قلت: لأنه مقر أن ذلك المال له واليمين ظلم عليه في الباطل، إنما جعله الشرع عليه. انتهى.
قوله: (كعين وقف لغرمائه لا عرض، وهل إلا أن يكون بكدينه؟ تأويلان) أي كما أن مصيبة ثمن العين الموقفة للغرماء إذا تلفت على الغرماء إذا لم يبق إلا قسمته، وأما إذا كان الموقوف عرضا فمصيبته إذا تلف من المفلس، وهل ذلك مطلقا، كان ذلك العرض مثل دينهم كما إذا كان الموقوف طعاما والديون طعاما، وهو ظاهر المدونة وحمله عليه بعضهم، أو إنما يكون في ضمان المفلس إذا لم يكن ذلك العرض مثل ديونهم، فيدخل في ضمانهم ففيه تأويلات على المدونة.
فرع: ولو عرض ربعه فلم يجد من يشتريه إلا ببخس، فقال سحنون: يدعوا الحاكم إلى ربعه ويستقصي فيه الثمن، ثم يبيعه بالخيار، رجاء أن يزيد فيه. فإن تحصل زيادة باعه أو باع منه بقدر الدين إن وجد من يشتري بعضه. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه لظن يسرته وكسوتهم كل دستا معتادا) القوت ما تقوم به البنية، الأصل أن لا يترك له شيء وهذا استحسان أي وإذا قسم مال المفلس يترك له ما يعيش به، وكل من وجبت عليه نفقته من أولاده الصغار أو الكبار الزمنا، أو الزوجات أو الرقيق الذين لا يباعون في الدين، كأم الولد وولد أم الولد والمعتق إلى أجل والمدبر يترك له ذلك إلى ظن يسرته بلا حد ويترك له
стр. 1182
كسوة هؤلاء، لكل واحد منهم دستا معتادا في مثله الدسر الثوب وهو لفظ أعجمي وإن لم يكن للمفلس إلا قدر ما يعيش به ترك له ولا يؤخذ منه شيئا.
قوله: (ولو ورث أباه بيع) والأب ليس بشرط أي ولو ورث المفلس أباه أو أمه أو كل من يعتق عليه بيع عليه وكذلك إن اشتراه.
قوله: (لا وهب له، إن علم واهبه أنه يعتق عليه) أي لا يباع إن وهب له أو تصدق به عليه إن علم الواهب أو المتصدق أنه يعتق عليه، وأما إن لم يعلم أنه يعتق عليه فإنه يباع. انتهى.
ولو وهب له لعتق وقدم عتقه على حق الغرماء، إذ لذلك وهب. انتهى من ابن شاش (١).
قوله: (وحبس لثبوت عسره، إن جهل حاله ولم يسأل الصبر له بحميل بوجهه فغرم، إن لم يأت به، ولو أثبت عدمه) شروع منه ﵀ في حبس المديان ومن لا حبس عليه فيه أي وحبس المديان على أربعة أقسام:
الأول: معلوم الملاء.
والثاني: ظاهر الملاء غير معلومة.
الثالث: معلوم العدم.
الرابع: مجهول الحال.
وذكر الشيخ حكم كل واحدة. انتهى.
أي وحبس المديان إلى ثبوت عسره إن جهل حاله لأنه محمول على الملاء حتى يثبت العدم بشرط إن لم يسأل الصبر إلى ثبوت العسر بحميل الوجه، فأما إن سأل الصبر بحميل بوجهه، فإنه لا يحبس إن لم يأت به الحميل ضمن المال، ولو أثبت عدم الغريم يقدم لأنه قوة اليمين الملازمة للغريم أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وإن وجد ليقضين وتبع فيه صاحب المقدمات خلافا لما في الحمالة أنه لا يغرم الحميل في وجه إن ثبت العدم وتبع الشيخ هناك قول اللخمي.
قوله: (أو ظهر ملاؤه إن تفالس) معطوف على قوله: إن جهل حاله أي وتحبس المديان إن ظهر ملاؤه وتفالس أي ادعى الفلس فلما كان يحبس إذا جهل حاله وأحرى إذا ظهر ملاؤه وسئل في التعاليق أيضا عن القاضي يريد سجن رجل ويعلم
стр. 1183
أنه يدركه فيه الضرب وغرم المال كيف يصنع؟
فقال: يسجن ويدخل الظلم القليل في الكثير لأنه لو ترك ولم يسجن أضيعت الحقوق. وهو أيضا لو ادعى حقا على أحد لسجن له. وشبهه بمسألة الذي يحلف لئن تضرب هذا الرجل خمسين سوطا لأضربن عنقه لا بأس أن يضربه حتى يخلصه من ما هو أكثر من ذلك وهو الموت ولا يكون على الرجل في ذلك شيء. انتهى من البرزلي (١).
المحبوسون ثمانية:
الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص.
الثاني: حبس الآبق حفاظا للمالية رجاء أن يعرف ربه.
الثالث: يحبس الممتنع من دفع الحق إلجاء إليه.
الرابع: يحبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبارا لحاله، فإذا ظهر حاله حكم عليه بموجبه عسرا أو يسرا.
الخامس: يحبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن معاصي الله تعالى.
السادس: يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، كحبس من أسلم علي أختين أو عشرة نسوة، أو امرأة وابنتها وامتنع من التعيين.
السابع: من أقر بمجهول عين أو في الذمة، وامتنع من تعيينه، يحبس حتى يعينهما.
الثامن: يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعي. صح من الأصل. فرع: إن كتب أنه ملى بالحق وادعى عند الأجل العدم لم يصدق ولو أقام بينة، لأنه مكذب لها وهو المشهور المعمول به، وقيل ينفعه لأنه في الشهادة بالملاء مضطر لولا ذلك ما داينه أحد. انتهى من القلشاني.
فرع: وإذا حكم على المطلوب بدين فزعم أنه عديم وأثبت ذلك ببينة وقال الطالب عندي بينة أن له دارا، فقال المطلوب: هي لامرأتي وهو معها فيها ساكن فأتى الطالب ببينة أنها لغريمه، وأتت الزوجة ببينة أنها لها، فلينظر إلى أعدل البينتين فإن استوتا سقطتا، وبقيت الدار للمطلوب وبيعت في دينه لأن سكناه أغلب من
стр. 1184
سكنى امرأته. انتهى من ابن سهل.
فرع: إذا ثبت تبرع إنسان بقضاء ما على غيره أجبر الطالب على أخذه إذا كان الدافع قصد التخفيف على من عليه الدين، ولم يقصد هبة صاحب الدين. وقال الشافعي: لا يجبر؛ لأنه هبة ولا يجبر أحد عليها نقلهما المازري. انتهى من التوضيح (١).
قوله: (وإن وعد بقضاء وسأل تأخير كاليوم أعطى حميلا بالمال، وإلا سجن، كمعلوم الملاء. وأجل لبيع عرضه إن أعطى حميلا بالمال، وإلا سجن) أي وإن وعد المديان بقضاء الدين، وسأل تأخير اليوم واليومين أتى بحميل بالمال، وإن لم يأت به يسجن كما يسجن معلوم الملاء، إن لد بخلاص الدين، ويؤجل له في بيع عروضه إن أعطى حميلا بالمال لا حميلا بالوجه، ولا يبيع الإمام عليه عروضه كما يبيعها على المفلس لإن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من التصرف في ماله وقيل يبيع عليه كالمفلس.
قوله: (وفي حلفه على عدم الناض تردد. وإن علم بالناض لم يؤخر، وضرب مرة بعد مرة) أي وفي حلف المديان إن لم يعرف بالناض وعدم حلفه تردد، وإن علم بالناض لم يؤخر، فإن أبى عن قضاء الدين ضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي أو يموت. ضرب سحنون ﵀ مديانا حتى مات. فقال: لم أقتله إنما قتله الشرع.
قوله: (وإن شهد بعسره أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن حلف كذلك، وزاد: وإن وجد ليقضين، وأنظر) أي وإن شهدت البينة بعسر المديان أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وتعتمد البينة في ذلك على المخالطة أو علامة صبر ضر، فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب، لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وشهادة النفي في مثل هذا مقبولة، فإن شهدت بعسره حلف كذلك أنه لا يعرف لنفسه مالا ظاهرا ولا باطنا على العلم، ويزيد في يمينه وإن وجد المال ليقضين الحق سواء ثبت عسره قبل السجن أو بعده، وهذه من المسائل التي يحلف فيها المدعي مع بينته، وكدعوى المرأة على زوجها الغائب بالنفقة والقضاء على الغائب.
قال في التوضيح: وضابطه كل بينة شهدت بظاهر يستظهر بيمين الطالب على
стр. 1185
باطن الأمر. انتهى (١).
وإنما حلف لأن الشهادة لم تكن قطعية بل على ظاهر الحال، لاحتمال أن يكون له مال وأخفاه. وفهم من قوله: لا يعرف له أنهم لو قطعوا أنه لا مال له ظاهرا ولا باطنا بطلت شهادتهم وهو كذلك نص عليه ابن رشد.
اللخمي: قد تنزل مسائل لا تقبل فيها البينة بالفقر، فمنها من عليه دين منجم قضى بعضه، وادعى العجز عن باقيه وحالته لم تتغير، ومن ادعى العجز عن نفقة ولده بعد أن طلق الأم، وقد كان ينفق عليهم، إلا أن تقوم بينة أنه نزل به ما نقله للعجز (٢). انتهى من فتح الجليل (٣).
فإن حلف انظر لقوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] واجتمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر (٤) مخير بين النظرة والإبراء، وأن الإبراء أفضل في حقه، وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة، والإبراء ليس بواجب، السبب في هذا أن الإبراء يتضمن النظرة، والمندوب في هذه الصورة وهو الإبراء أفضل من الواجب الذي هو الإنظار، وفائدة زيادة اليمين وإن وجد ليقضين لئلا يحلف في كل يوم للغرماء أنه ليس بمعدم.
قوله: (وحلف الطالب إن ادعى عليه علم العدم) أي وحلف المديان والطالب إن ادعى عليه علم العدم، فإن نكل الطالب حلف المطلوب فلا يسجن.
قوله: (وإن سأل تفتيش داره ففيه تردد) أي وإن سأل رب الدين تفتيش دار الغريم الذي ادعى العدم فهل يمكن من ذلك أم لا.
ابن باجي: العمل عندنا لا يمكن من ذلك والحانوت عندي كالدار.
ابن عرفة: وحكم به ابن عبد السلام الله في أول ولايته، فأنكره عليه من له ظهور عند السلطنة المتفقهية صنف المرابطين فكف عن تنفيذ الحكم. انتهى ابن باجي.
وأما الجيب ونحوه فلا بأس به.
стр. 1186
قوله: (ورجحت بينة الملاء، إن بينت) أي وإذا شهدت البينة بعسر الغريم وبينت وجه العسر وشهدت أخرى بيسره وبينت وجه الملاء، فإن بينة الملاء تقدم وترجح، وإما أن شهدت بينة الملاء ولم تبين، وبينت بينة العسر وجهه بتلف المال ونحوه، فإن بينة العسر ترجح لأن الحافظ مقدم.
فرع: متى علم الخصم إعسار خصمه حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم، وكذلك إذا دعاه خصمه وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة وتحرم الإجابة إذا كان الحكم في الدماء، والفروج، والحدود، وسائر العقوبات الشرعية. انتهى من ابن فرحون (١).
قوله: (وأخرج المجهول إن طال سجنه بقدر الدين، والشخص، وحبس النساء عند أمينة، أو ذات أمين) أي وأخرج مجهول الحال في الملاء والعدم من السجن، إن طال حبسه بقدر الدين، فالكثير يحبس كثيرا، والقليل يحبس فيه قليلا، والمتوسط بالتوسط، وذلك كله بقدر الشخص المحبوس والضعيف ليس كالقوي، وذو المروءة ليس كغيره، ولا يقيد المحبوس إلا المحبوس في الدين، أو من خشي فراره، والخنثى المشكل يحبس وحده لامع الرجال ولا مع النساء وحبس النساء في دين أو غيره عند امرأة أيم أي لا زوج لها عند أمينة أيم أو عند ذات زوج أمين.
قوله: (والسيد لمكاتبه) أي ويحبس السيد لمكاتبه في دينه وقيده بعضهم بما إذا لم يحل أجل نجم من الكتابة، أو كانت قيمة الكتابة أقل من الدين، ويحبس السيد لعبده إذا أقام شاهدا بعتقه ونكل السيد، فإنه يحبس وإن طال دين لأن الحقوق لا تعتبر فيها إلا الحرية والمنزلة، ويحبس المسلم للكافر في دينه، ويحبس المكاتب في دين سيده من غير الكتابة، وكذلك إن رأى أنه كتم مالا رغبة في العجز.
قوله: (والجد، والولد لأبيه) أي ويحبس الجد لولد ولده، وكذلك الولد يحبس في دين والده ويقطع إذا سرق ماله ويحد إذا وطئ أمته.
قوله: (لا عكسه) أي فلا يحبس الوالد للولد.
قوله: (كاليمين إلا المنقلبة والمتعلق بها حق لغيره) تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يحلف الوالد للولد إلا أن تكون اليمين منقلبة، كما إذا وجب اليمين للوالد على الولد فقلبها الولد عليه فإنه يحلف لأنه إنما حلف ليفيد مالا، وكذلك يحلف الولد
стр. 1187
إذا تعلق باليمين حق لغير الولد، كما إذا ادعى تلف صداق بنته، فإنه يحلف لحق الزوج في الجهاز، وكذلك إذا ادعى الزوج أن الأب نحلها نحلة فتزوجها على ذلك فأنكر الولد، فإنه يحلف لحق الزوج.
وكذلك يحبس الأب في امتناعه النفقة عن الأولاد الصغار أو الكبار الزمنا، وكذلك يحبس الوالد فيما على الولد من الدين إذا كان له بيده مال، وكذلك يحبس الوصي فيما على الأيتام من الدين إذا كان لهم بيده مال. انتهى من ابن شاس (١).
قوله: (ولم يفرق بين كالأخوين، والزوجين إن خلا) أي ولم يفرق الحاكم بين الأخوين أو الولد وأبوه أو عمه إذا سجنا معا، وكذلك الزوجان لا يفرق بينهما في السجن إذا سجنا معا، إن خلا السجن من غيرهما، وأما إن لم يخل السجن فإن الرجل يسجن مع الرجال والمرأة مع النساء.
قوله: (ولا يمنع مسلما، أو خادما) أي ولا يمنع المسجون دخول من يسلم عليه ويتحدث معه أو خادما يخدمه إن احتاج إليه.
قوله: (بخلاف زوجة) أي فإنها تمنع من الدخول على زوجها المسجون، لأن المراد في الحبس التضييق ودخول الزوجة ينافي التضييق، وهذا كله إذا لم يسجن الزوج في حقها، وأما إن كان السجن في حق الزوجة فإنها لا تمنع من الدخول عليه إذ لو شاءت لأطلقته.
قوله: (وأخرج لحد أو ذهاب عقله لعوده) أي وأخرج المحبوس لأجل حد، ولو لقتل يقام عليه ثم يرده إليه، وكذلك إذا ذهب عقل المسجون، فإنه يخرج إلى أن يعود عقله فيرد إلى السجن.
قوله: (واستحسن بكفيل بوجهه لمرض أبويه، وولده، وأخيه، وقريب جدا ليسلم) أي واستحسن الشيوخ إخراج المحبوس لأجل مرض أبويه أو أحدهما مرضا مخوفا، أو ولده، أو أخيه، أو قريب كالعم والخال، إذا أتى المحبوس بحميل لوجهه ليسلم عليهم ثم يرد إلى السجن.
قوله: (لا جمعة، وعيد، وعدو، إلا لخوف قتله، أو أسره) أي لا يخرج المسجون لصلاة جمعة لأن لها بدل وهو الظهر، ولا لصلاة عيد ولا لقتال عدو، إلا إن خيف عليه القتل أو الأسر، فإنه يخرج.
стр. 1188
قوله: (وللغريم أخذ عين ماله المحاز عنه في الفلس، لا الموت) أي ولرب الدين أخذ سلعته المشتراة منه ثم فلس المشتري فوجدها قائمة بيده، فإنه يأخذها في الفلس لا في الموت بثلاثة شروط يذكرها المصنف، وأما غير المحاز عنه فإنه أحق به في الموت والفلس، لأن له جنس سلعته في الثمن، وإنما يكون الرجوع للتقويم في سلعته إن وجدها في التفليس إذا ثبتت له ببينة لا بإقرار المفلس، وظاهر كلام المصنف أن له أخذه ولو لم يوجد للمفلس غيره وهو كذلك، وظاهره ولو وجده زائدا أو ناقصا وهو كذلك، ومفهوم المحوز عنه مفهوم موافقة لأنه إذا ثبت له ذلك مع الحوز فمع عدمه أو لا. انتهى من فتح الجليل (١).
وفي إكمال الإكمال: والتفرقة بين الموت والفلس من ناحية المعنى، أن ذمة المشتري عيبت في التفليس فصار البائع بمنزلة من اشترى سلعة فوجد بها عيبا، فله ردها واسترجاع شيئه، ولا ضرر على بقية الغرماء، لأن ذمة المشتري باقية. وفي الموت، وإن عيبت الذمة أيضا لكنها ذهبت رأسا فلو اختص البائع بسلعته عظم الضرر على بقية الغرماء بخراب ذمة الميت وذهابها. وإنما يكون لرب السلعة استرجاعها في التفليس، إذا لم يعط الغرماء الثمن. فإن أعطوه فذلك لهم، لأنه إنما كان له استرجاعها لعلة وقد زالت انتهى (٢).
قوله: (ولو مسكوكا وآبقا. ولزمه إن لم يجده) أي ولو كان شبيه المحاز عنه مسكوكا، أو كان آبقا، فإن أخذه لزمه ضمانه إن لم يجده لأنه قد رضي به.
قوله: (إن لم يفده غرماؤه، ولو بمالهم وأمكن لا بضع، وعصمة، وقصاص، ولم ينتقل، لا إن طحنت الحنطة، أو خلط بغير مثل، أو سمن زبده، أو فصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمر رطبه) أي ولرب الدين أخذ عين ماله المحاز عنه في الفلس بشروط ثلاثة:
- أن الغرماء لم يفدوه، ولو كان الفداء بمالهم لأنفسهم، وأحرى بمال المفلس.
- الشرط الثاني: أن يكون الشيء مما يمكن الرجوع فيه، وإلا فلا رجوع فيه كبضع، فإن الزوجة إذا أصدقها الزوج ثم فلس ولم تقبضه، فإنها ليس لها أن ترجع في بضعها، وكذلك العصمة لا يمكن الرجوع فيها، كما إذا خالعها فلم يقبض الخلع حتى فلست، فإن الزوج لا يرجع في العصمة، وكذلك من وجب له القصاص فعفى
стр. 1189
عن الأرش ثم فلس الجاني، فإنه لا يرجع للقصاص، وينبغي أن يلحق بهذا من صالح على الإنكار ثم فلس، أنه لا يرجع إلى الخصومة، لأنه الرجوع من المعلوم إلى المجهول.
- الشرط الثالث: أن الشيء المحاز عنه لم ينتقل، فإن توفرت الشروط، فإنه له أخذه وإن ارتفعت قيمته أو زاد في بدنه، وأما إن انتقل عن هيئته فإنه ليس له أخذه، ذكر لذلك أمثلة كأن طحنت الحنطة.
اللخمي وعدم الفوت بطحنها أبين.
وقال في الجواهر: ولا يفوت الجلد بدبغه على المشهور ولا بقطعه نعالا. انتهى.
أنظره مع تفصيل الثوب فتح الجليل.
الحنطة إن خلط بغير مثله ينتقل، وأما إن خلط بمثله فإنه لم ينتقل، وكذلك إن طبخ الزبد فصار سمنا، أو أفصل ثوبه، أو ذبح كبشه، أو تتمر رطبه، فذلك كله ينقله عن هيأته، وهذا خلاف نسج الغزل أو بناء العرصة، فإنه لا ينقله، بل يشتركان فيه، هذا بقيمة غزله وعرصته، وهذا بقيمة نسجه وبنائه.
فرع: وسئل أبو جعفر أحمد بن موسى التمار (١) عن الفرق بين المفلس الحي، والمفلس الميت، إذا وجد الغريم عين متاعه.
فقال: لأن الميت انتقل ملك ماله إلى غيره، والمفلس الحي ملكه باق عليه. انتهى من المدارك (٢).
فرع: ومن باع سلعة فأحال غريمه على ثمنها ثم فلس المحال عليه هل للمحال أن يأخذ السلعة إذا وجدها كالمحيل، لأنه ينزل منزلته، أو ليس له أخذها قولان في التوضيح (٣).
قوله: (كأجير رعي ونحوه، وذي حانوت فيما به، وراد لسلعة بعيب) أي لا يكون أحق
стр. 1190
بما في يده إذا فلس آجره، وكذلك أجير حراسة ونحوه من عمل، لأن عمله ليس له عين قائمة، وكذلك ذي حانوت اكتريت منه ثم فلس المكتري فلا يكون أحق بما فيها لستوفي منه الكراء وهو أسوة الغرماء، وكذلك الراد للسلعة على الفلس لأجل عيب ظهر فيها، فإنه لا يكون أحق بها، بل أسوة الغرماء إن وجدها بيد المفلس بعد أن فلس، هذا بناء على أن الرد بالعيب نقض بيع وأما على القول إنه ابتداء بيع فإنه يكون أحق بها.
قوله: (وإن أخذت عن دين) أي ولو كانت هذه السلعة المردودة بعيب أخذت من المفلس قبل فلسه عن دين كان في ذمته، فإن الغريم لا يكون أحق بها.
قال ابن غازي: تصوره ظاهر ولم أقف عليه لمن قبله إلا في مسألة البيع الفاسد التي ذكر فيها بعد ذلك ثلاثة أقوال. انتهى من ابن غازي (١).
قوله: (وهل القرض كذلك وإن لم يقبضه مقترضه، أو كالبيع؟ خلاف) أي هل سلعة القرض إذا وجدها المقترض في التفليس لا يكون أحق بها وإن لم يقبضه مقترضه وأحرى إن قبضه؟ أو هو كالبيع فيكون أحق به بالشروط المتقدمة الذكر ففي ذلك خلاف، لو قال الشيخ تردد لأنه حكى طريقتين في توضيحه.
قوله: (وله فك الرهن، وحاص بفدائه) أي وللغريم أن يفك سلعته في التفليس إذا أرهنا المفلس، ويأخذها ويحاصص بالفداء.
قوله: (لا بفداء الجاني) أي لا يحاصص بفداء الجاني، لأنه لم يدفع عن المفلس شيئا، لأنه في الجناية لم يتعلق بذمة المشتري شيئا.
قوله: (ونقض المحاصة إن ردت بعيب) أي وللغريم نقض المحاصة إن حاصص، ثم ردت سلعته على المفلس بعيب، فيأخذها ويرد ما أخذ في المحاصة.
قوله: (وردها، والمحاصة بعيب سماوي، أو من مشتريه، أو أجنبي لم يأخذ أرشه، أو أخذه وعاد لهيئته، وإلا فبنسبة نقصه) أي وللغريم رد السلعة بعد أن أخذها في التفليس والمحاصة بدينه، إن ظهر بها عيب سماوي، أو عيب من مشتريه، أو كان العيب من أجنبي لم يأخذ أرشه، أو أخذه ولكن عاد لهيئته وإن لم يعد لهيئته فليحاص بنسبة ما نقصه.
قوله: (ورد بعض ثمن قبض، وأخذها) أي وللغريم رد بعض ثمن قبضه، ويأخذ
стр. 1191
سلعته في الفلس لا الموت، وله أن يحاص بما بقي من الثمن.
قوله: (وأخذ بعضه، وحاص بالفائت) أي فإذا باع سلعته ثم فلس المبتاع قبل قبض الثمن، فوجد البائع بعض سلعته وفات بعضها، فإن له أخذ البعض ويحاص بثمن الفائتة.
قوله: (كبيع أم ولدت، وإن مات أحدهما أو باع الولد فلا حصة) تشبيه أي كما إذا باع الأم آدمية أو غيرها، فولدت عند المشتري ثم فلس، فإن للغريم أن يأخذ الولد ويحاص بحصة الأم، لأن الولد صار كالبعض وله أن يترك الأم ويحاص بها والولد، هذا إذا لم يمت أحدهما أو باع المشتري الولد، وأما إن ماتت الأم أو الولد وباع الولد وبقيت الأم ثم فلس، فإن الميت منهما لا حصة له وكذلك الولد المبيع.
قوله: (وأخذ الثمرة والغلة إلا صوفا تم، أو ثمرة مؤبرة) أي وأخذ المفلس الغلة. قوله: والثمرة من باب عطف الخاص على العام.
قوله: إلا صوفا تم أو ثمرة أبرت فإن المفلس ليس له أخذ ذلك.
قوله: (وأخذ المكري دابته، وأرضه، وقدم في زرعها في الفلس، ثم ساقيه) أي وإذا أكرى إنسان دابته ثم فلس المكتري، فإن صاحب الدابة له أخذها إن شاء ويحاص بما مضى، وإن شاء تركها فحاص بجميع الكراء، وكذلك مكري الأرض ويقدم في زرعها، لأن أرضه هي التي أنبتته ثم يليه ساقيه، لأن الزرع حيي بسقيه، هذا إذا اتحد الساقي، وأما إن تعدد الساقي واحد بعد واحد واختلف في أيهم يقدم، قيل: الأول، وقيل: الثاني، وهذا كله في الفلس لا في الموت وأما الموت فهو أسوة الغرماء.
قوله: (ثم مرتهنه) أي فإن قدم رب الأرض في كرائها في زرعها ثم ساقيها فإن المرتهن يقدم على ما سواه من الغرماء في الموت والفلس.
قوله: (والصانع أحق ولو بموت - بما بيده، وإلا فلا إن لم يضف لصنعته شيئا إلا النسج فكالمزيد يشارك بقيمته) أي والصانع أحق بما في يده حتى يأخذ أجرته في الموت والفلس، وإن لم يكن في يده بل أوصل المصنوع إلى ربه، فلا يكون أحق بها إن لم يضف لصنعته شيئا، إلا النسج فإنه يكون أحق به وإن لم يضف لصنعته شيئا، لقوة فعل النسج، إذ هو كالمزيد أي أضاف لصنعته شيئا كالصبغ فإنه يشارك بقيمة الصنعة إن شاء، أو دخل في المحاصة إن شاء.
قوله: (والمكتري بالمعينة) معطوف على قوله: والصانع أحق أي والمكتري
стр. 1192
أحق بالدابة المعينة قبضها أم لا في الموت والفلس هذا إذا لم يضمن له الغرماء إيصال متاعه إلى موضعه وأما إن ضمنوا له ذلك فإنه لا كلام له.
قوله: (وبغيرها إن قبضت، ولو أديرت) أي والمكتري أحق بغير المعينة بشرط إن قبضها ولو أديرت تحته هذا يبين لك أن المعينة أحق بها وإن لم يقبضها.
قوله: (وربها بالمحمول، وإن لم يكن معها ما لم يقبضه ربه) أي ورب الدابة أحق بالمحمول عليها حتى يقبض كراءه، وإن لم يكن ربها معها ما لم يقبض المحمول ربه، وإن قبض ربه المحمول فرب الدابة أسوة الغرماء.
قوله: (وفي كون المشتري أحق بالسلعة يفسخ لفساد البيع، أولا، أو في النقد، أقوال) أي واختلف فيمن اشترى سلعة بيعا فاسدا ففلس البائع قبل فسخ البيع والسلعة بيد المبتاع هل يكون أحق بها؟ حتى يستوفي ثمنها الذي قبضه المفلس منه وهو قول سحنون، أو لا يكون أحق، بل هو أسوة الغرماء، وهو قول ابن المواز، أو يكون أحق إن ابتاعها بالنقد لا بالدين وهو قول ابن الماجشون، وهذه طريقة ابن رشد، وأما اللخمي فقد حكى الاتفاق على أن المبتاع لا يكون أحق بما أخذه عن دينه.
قوله: (وهو أحق بثمنه) أي وهذا المشتري أحق بثمنه إن وجده في الموت والفلس.
قوله: (وبالسلعة إن بيعت بسلعة واستحقت) أي وإن ابتاع سلعة بسلعة فاستحقت التي قبض كان أحق بالسلعة التي دفع إن وجدها بعينها في الموت والفلس جميعا قولا واحدا.
قوله: (وقضي بأخذ المدين الوثيقة، أو تقطيعها) أي وقضي على رب الدين بأخذ الذي عليه الدين الصك الذي كتب فيه الدين أو تقطيعها، وقيل لا يقضى به بل يكتب له البراءة خلفها، أو بين أسطارها لئلا يأتي بعد فيقول: أعطيني ما أسلفت لك.
قوله: (لا صداق قضي) أي فإنه لا يقضى عليها بأخذه الوثيقة لما في ذلك من المنفعة لها من سبب شروط كانت لها فيها، ولأجل لحوق النسب إن ظهر حمل في حياته وبعد موته.
قوله: (ولربها ردها إن ادعى سقوطها) أي وقضي لرب الوثيقة بردها من يد غريمه بعد أن يحلف أنه لم يأخذ دينه، إن ادعى سقوطها منه وأنكر الذي عليه الدين، قال:
стр. 1193
قضيته، فإن لربها أخذها منه، لأن الأصل في كل شيء قبضه بإشهاد لا يبريه إلا الإشهاد برده.
قوله: (ولراهن بيده رهته بدفع الدين) أي وقضي لراهن بيده رهنه بدفع الدين،
قيل: والفرق بين صاحب الوثيقة أنه مصدق، ويبين المرتهن أنه لا يصدق، لأن الوثيقة قد تسقط ولا يجتهد في حفظها بخلاف الرهن، وخروج الرهن من يد المرتهن يدل على الدفع، وأيضا أن صاحب الوثيقة أنكر دفعها والمرتهن أقر بدفع الرهن، ولو أنكر الدفع لصدق كصاحب الوثيقة، ولو أقر صاحب الوثيقة بدفعها لم يصدق كالمرتهن. انتهى.
قوله: (كوثيقة زعم ربها سقوطها) لو قال كوثيقة ممحوة زعم ربها أنه محاها لظنه قضاء ما فيها. انتهى.
قال ابن غازي: المتبادر إلى الذهن أنه مناقض لما فوقه؛ ولعلك تلتمس له مخرجا يساعد المنصوص ويزيل التناقض.
نعم لو شبه مسألة الرهن بوثيقة ممحوة زعم ربها أنه إنما محاها لظن القضاء، لكان ذلك حسنا، فقد وقع في رسم العرية من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس: سئل عن رجل قام بذكر حق له ممحو على رجل، فطلب منه ما فيه وأقام عليه البينة بما فيه، فالدعى الغريم أنه قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحق أو ما ترى؟
فقال بن القاسم يلزمه الحق إذا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه. وعن رجل قام بذكر حق ممحو على رجل، وأقر صاحب الحق أنه محاه، وظن أنه قد قضاه وله بينة على ما فيه، وقال الغريم قد قضيته وما محاه إلا عن قبض فما ترى؟ فقال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولاشيء عليه، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا أقر له بأنه محاه، قال ابن رشد الفرق بين المسألتين بين على ما قاله، ولا اختلاف في المسألة الأولى، وأما الثانية فيتخرج فيها بالمعنى اختلاف حسب ما ذكرته أول رسم من سماع ابن القاسم. انتهى من ابن غازي (١).
ذكر المتيطي وغيره: إذا وجد في ذكر الحق محوا أو بشر البشر: العسر. غير متعذر عنه، فإن كان ذلك لا يخل شرطا ولا قيدا في الرسم لم يضر، وإن أبطل قيدا
стр. 1194
من قيود الرسم سقط بذاته، مثل أن يأخذ بتاريخ أو عدد ونحوه، وإن كان مما ينبنى عليه رسم مثل الرسم المحكوم له أو عليه بطل جميعه فهذ التقطيع يبنى على هذا الأصل.
ورأيت بعض القضاة إذا رأوا رسما مقطوع الحاشية أو الأسفل يستريبون فيه ويثبتون ويوقفونه زمنا وجاز أن يظهر له جزء أو أمر فإن طال ذلك ولم يزل الأمر فيه بالاسترابة حكموا فيه بعد الاستظهار باليمين. انتهى من البرزلي (١).
قوله: (ولم يشهد شاهداها إلا بها) مسألة مستقلة بنفسها أي ولا يجوز أن يشهد شاهدا وثيقة الدين بما فيه إلا بحضورها.
قال المتيطي: قال أبو عمر في كافيه: وإذا كتب الشاهد شهادته في ذكر الحق، وطولب بها وزعم المشهود عليه أنه قد أدى ذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه؛ لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذا أدوا الديون. انتهى من ابن غازي (٢).
ومما يحتاج إلى ذكر هنا قوله في المدونة: وإذا تغيرت الهبة بين الموهوب له بزيادة أو نقص وقد فلس، فللواهب أخذها، إلا أن يرضى الغرماء بدفع قيمة الهبة إليه، فذلك لهم (٣).
قال بعض الشيوخ: إذا كانت الهبة قائمة سواء فلس الموهوب له أو مات، فإن الواهب أولى بها، وأما إن دخلها فوت بزيادة أو نقص، فله أخذها في الفلس دون الموت، لأنها إذا فاتت صارت كالبيع لوجوب القيمة كوجوب الثمن في البيع بعقد البيع في ذمة المشتري. انتهى من ابن عبد السلام. وبالله التوفيق.
стр. 1195
باب [في بيان أسباب الحجر وأحكامه ومتعلقاته]
قوله: (باب) أي هذا باب يذكر فيه مسائل الحجر، وأسباب الحجر سبعة: الصبا، والجنون، والرق، والتبذير، والفلس، والمرض المخوف، والنكاح في حق الزوجة فيما زاد على الثلث.
والمحجورون عليهم تسعة: ثلاثة لأجل أنفسهم: الصبي، والمجنون، والسفيه. واثنان لحق الغير فيما زاد على الثلث: المريض والزوجة. وأربعة لحق الغير أيضا: الراهن لحق المرتهن، والغريم لحق الغرماء، والعبد لحق السيد، والمرتد.
قوله: (المجنون محجور للإفاقة، والصبي لبلوغه بثمان عشرة، أو الحلم أو الحيض، أو الحمل) أي المجنون ممنوع من التصرف إلى أن يفيق من الجنون ويرجع عليه عقله، وكذلك الصبي محجور عليه أي ممنوع من التصرف إلى أن يبلغ، ويكون البلوغ بثمان عشر سنة هو أن يوفي سبعة عشرة ويدخل في الثامنة عشر ولو بيوم واحد، والحلم وهو الإحتلام، وهو الجماع في النوم هذان في الذكر والأنثى، والحيض في حق الأنثى، والحمل في حقها وهو مستغنى عنه لأن الحمل لا يكون إلا بعد البلوغ، والبلوغ قوة خفية تحدث في الصبى يخرج بها من حال الطفولية إلى حال الرجولية، ولها علامات تعرف بها ويستدل بها على البلوغ وهي التي ذكرها الشيخ ولا عبرة لبروز الثديين ونتن رائحة الإبط أصلا.
قوله: (أو الإنبات، وهل إلا في حق الله تعالى: تردد) أي يكون البلوغ بإنبات شعر العانة واسوداده في الذكر والأنثى، وهل يكون الإنبات علامة للبلوغ مطلقا في حق الله تعالى وفي حق المخلوقين؟ أو إنما يكون علامة في حق الخلق لا في حق الله تعالى فيه تردد.
وقيل: ليس بعلامة مطلقا، وقيل: علامة مطلقا، وقيل: علامة في حق الخلق لا في حق الله تعالى، وقيل: لا خلاف في حق الله تعالى أنه ليس ببلوغ، وقيل: الخلاف فيهما.
قوله: (وصدق إن لم يرب) أي وصدق الصبي في البلوغ وعدمه طالبا كان كما إذا