← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 30178

تحفة السائل في بيان ما في عمدة الأحكام من المسائل

أبو بكر الحمادي

Полный текст (8 095 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: يَا وَيْلَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟ "». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وعبد الرحمن بن مهران روى له مسلم حديثاً واحداً في الأصول وهو حديث: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا». قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْع] (٥/ ٢٨١): «قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَأَصْحَابُنَا يُكْرَهُ أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بنار. قال ابن الصباغ وغيره: المراد انه يُكْرَهَ الْبَخُورُ فِي الْمِجْمَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا إلَى الْقَبْرِ وَلَا خِلَافَ فِي كَرَاهَتِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَتِهِ قَالَ وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ ذلك عمر وأبو هريرة وعبد الله ابن مُغَفَّلٍ وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَائِشَةُ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَوْصَوْا أَنْ لَا يُتْبَعُوا بِنَارٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا كَرِهَ لِلنَّصِّ وَلِأَنَّهُ تَفَاءَلَ بِذَلِكَ فَأْلَ السَّوْءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ الِاتِّبَاعِ هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ مَعَ الْجِنَازَةِ الْمَجَامِرُ وَالنَّارُ فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فَهُوَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَإِنْ أَرَادَ التَّحْرِيمَ فَشَاذٌّ مَرْدُودٌ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ مِجْمَرَةٌ حَالَ الدَّفْنِ» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَّرِ ﵀ فِي [الْاسْتِذْكَارِ] (٣/ ٢٤):

стр. 3327

«قَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ". وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ وَصَّوْا بِأَنْ لَا يُتْبِعُوا بِنَارٍ وَلَا نَائِحَةَ وَلَا يُجْعَلَ عَلَى قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ. وَأَظُنُّ اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ بِالنَّارِ كَانَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ نُسِخَ بِالْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَشَبَّهَ بِأَفْعَالِهِمْ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ أَوْ قَالَ لَا يُخَضِّبُونَ فَخَالِفُوهُمْ". وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا تَجْعَلُوا آخِرَ زَادِي إِلَى قَبْرِي نَارًا. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ في اتباع الميت بالنار فيه عدة محاذير منها: ١ - الفأل السيء. ٢ - التشبه بأهل الجاهلية. ٣ - التشبه بالنصارى. قُلْتُ: وإذا احتاجوا إلى النار ليلاً من أجل الدفن فلا بأس بذلك، والإضاءات هذه الأزمان تغني عن النار. وأمَّا ما رواه الترمذي (١٠٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ اليَمَانِ، عَنْ المِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ الحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ القِبْلَةِ، وَقَالَ: «رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ».

стр. 3328

فلا يصح لضعف المنهال والحجاج. لكن يغني عنه ما رواه أبو داود (٣١٦٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ، فَأَتَوْهَا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ» فَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ، من أجل محمد بن مسلم وهو الطائفي قُلْتُ: وصار كثير من الناس يتبعون الجنائز والسجائر مشتعلة في أفواههم، وهذا منكر من وجهين: الأول: لحرمة شربها. الآخر: لاتباع الجنائز بها. * * *

стр. 3329

كتاب الزكاة. ١٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «إنَّك سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِذَا جِئْتَهُمْ: فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (١٥/ ٣٨٧): «وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ النَّمَاءَ وَالزِّيَادَةَ كَالزَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ قَدْ تَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ إذَا تَنَظَّفَ مِمَّا يُفْسِدُهُ زَكَا وَنَمَا وَصَلَحَ وَزَادَ فِي نَفْسِهِ كَالزَّرْعِ يُنْفَى مِنْ الدَّغَلِ» اهـ. والزكاة شرعاً هي: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. وَفِي الْحَدِيْثِ مَسَائِلَ مِنْهَا: ١ - إرسال ولي الْأمر العلماء إلى البلدان لتعليم الناس فإنَّ معاذ بن جبل ﵁ يعد من علماء الصحابة.

стр. 3330

وأمَّا ما يقوم به فرقة التبليغ من الطواف في البلدان بحجة الدعوى إلى الله فهو من الأخطاء التي لا يقرون عليها فإنَّ عامتهم أهل جهل بأحكام الإسلام فأكثرهم يجهل التوحيد ومنهم من يحارب التوحيد وأهل التوحيد وهم دعاة خرافة وبدع وضلالات ويحاربون دعاة التوحيد والسنة أشد محاربه، ودعوتهم قائمة على الجهل ومحاربة العلم وعدم إنكار المنكرات العظيمة من الشرك والبدع وغير ذلك. ٢ - أنَّه ينبغي للداعي إلى الله أن يكون بصيراً بحال المدعو فإنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أخبر معاذاً بأنَّ القوم الذين يقدم عليهم من أهل الكتاب أي أنَّهم من أهل العلم وليسوا من الجهال وذلك أنَّ دعوة صاحب العلم ليست كدعوة الجاهل، ومخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجهال من عباد الأوثان. ٣ - وفيه أنَّ أول واجب يدعى إليه الكفار هو التوحيد ففيه رد على أهل الكلام الذين قالوا: أول واجب هو النظر أو القصد إلى النظر، ومنهم من قال: أول واجب هو الشك. ٤ - وفيه أنَّه لا يكفي في دخول الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتى يضيف إليها شهادة أنَّ محمداً رسول الله. وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء. ومنهم من قال: يصير بالأولى مسلماً ويطالب بالثانية. ٥ - وفيه الترتيب في أمر الدعوى بأن يبدأ الداعي بالأهم فالأهم. ٦ - وفيه أنَّه لا واجب في اليوم والليلة إلَّا الخمس الصلوات. ٧ - واحتج به على عدم وجوب الوتر خلافاً للحنفية.

стр. 3331

٨ - وفيه أنَّ أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة ثم الزكاة. ٩ - وفيه أنَّ الزكاة يأخذها الْإِمَام أو نائبه. وقد قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وروى البخاري (١٤٥٦)، ومسلم (٢٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا». ١٠ - وفيه جواز إخراج الزكاة لصنف واحد من أهل الزكاة. وهو مذهب الجمهور وخالف في ذلك الْإِمَام الشافعي ﵀ فذهب إلى أنَّه يجب على أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سهامهم ثابتة، وتكون القسمة على السواء، ثم حصة كل صنف منهم، لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجد منهم ثلاثة فإن لم يوجد غير واحد، صرفت حصة ذلك الصنف إليه. قُلْتُ: ويدل على جواز صرف الزكاة لصنف واحد من المستحقين لها ما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا … ». وظاهر هذا أنَّه يأمر له بجميعها.

стр. 3332

١١ - وفيه أنَّ الأصل في الزكاة أن تصرف في البلد الذي أخذ منه ولا تنقل إلى غيره. وقد استحب ذلك جمهور أهل العلم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٥٠): «فإن خالف ونقلها، أجزأته في قول أكثر أهل العلم. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد يقتضي ذلك، ولم أجد عنه نصاً في هذه المسألة، وذكر أبو الخطاب فيها روايتين: إحداهما، يجزئه. واختارها؛ لأنَّه دفع الحق إلى مستحقه، فبرئ منه كالدين، وكما لو فرقها في بلدها. والأخرى، لا تجزئه. اختارها ابن حامد؛ لأنَّه دفع الزكاة إلى غير من أمر بدفعها إليه، أشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف» اهـ. قُلْتُ: هذا ما لم يستغن أصحاب البلد فإن استغنوا جاز نقلها ولا أعلم في ذلك خلافاً. ١٢ - وفيه أنَّ الزكاة تؤخذ من المسلمين وتوضع في المسلمين. ووجه الدلالة في الحديث من وجهين: الأول: أنَّه لم يُؤمر بها إلَّا بعد الدخول في الإسلام. والآخر: الضمير في قوله: أغنيائهم، وفقرائهم عائد إلى المسلمين. والله أعلم. قَالَ الْحِافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي [فَتْحِ الْبَارِي] (٣/ ٣٦٠): «وأنَّ الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين» اهـ.

стр. 3333

قُلْتُ: ولأنَّ الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣] وليس الكفار بأهل للتطهير. وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤]. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٥/ ٢١٩): «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنَّ زكاة الْأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الذمي لا يعطى من زكاة الْأموال شيئاً. ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال لمعاذ: "أعلمهم أنَّ عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد في فقرائهم". فخصهم بصرفها إلى فقرائهم، كما خصهم بوجوبها على أغنيائهم. وأمَّا المملوك فلا يملكها بدفعها إليه، وما يعطاه فهو لسيده، فكأنَّه دفعها إلى سيده، ولأنَّ العبد يجب على سيده نفقته، فهو غني بغناه» اهـ. قُلْتُ: ويستثنى من الكفار المؤلفة قلوبهم كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله. ١٣ - وفيه أنَّ الزكاة تؤخذ من مال الغني وهو ها هنا من ملك النصاب وإن لم يكن عنده ما يكفيه. فقد يكون غنياً لملكه للنصاب فتجب عليه الزكاة في ماله،

стр. 3334

وفي نفس الوقت يكون من جملة الفقراء الذين يعطون الزكاة لأنَّه ليس عنده ما يكفيه. ١٤ - واحتج به من قال: إنَّ الدَّيْنَ يسقط زكاة العين لأنَّ المدين محتاج، والصدقة إنَّما تجب على الأغنياء. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٣٨): «مسألة: قال: وإذا كان معه مائتا درهم، وعليه دين، فلا زكاة عليه وجملة ذلك أنَّ الدين يمنع وجوب الزكاة في الْأموال الباطنة، رواية واحدة. وهي الأثمان، وعروض التجارة. وبه قال عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وَقَالَ ربيعة، وحماد بن أبي سليمان، والشافعي في جديد قوليه: لا يمنع الزكاة؛ لأنَّه حر مسلم ملك نصاباً حولاً، فوجبت عليه الزكاة، كمن لا دين عليه. ولنا ما روى أبو عبيد في "الْأموال": حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: "هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم". وفي رواية: "فمن كان عليه دين فليقض دينه، وليزك بقية ماله". قال ذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكروه، فدل على اتفاقهم عليه.

стр. 3335

وروى أصحاب مالك، عن عمير بن عمران، عن شجاع، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم، فلا زكاة عليه". وهذا نص. ولأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، فأردها في فقرائكم". فدل على أنَّها إنَّما تجب على الأغنياء ولا تدفع إلَّا إلى الفقراء، وهذا ممن يحل له أخذ الزكاة، فيكون فقيراً، فلا تجب عليه الزكاة؛ لأنَّها لا تجب إلَّا على الأغنياء، للخبر، ولقوله ﵇: "لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى". ويخالف من لا دين له عليه، فإنَّه غني يملك نصاباً، يحقق هذا أنَّ الزكاة إنَّما وجبت مواساة للفقراء، وشكراً لنعمة الغنى، والمدين محتاج إلى قضاء دينه كحاجة الفقير أو أشد، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لحاجة غيره، ولا حصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج، وقد قال النبي ﷺ : "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول"» اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كَمَا فِي [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ١٩): «والدين يسقط زكاة العين: عند مالك وأبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي وهو قول عطاء والحسن وسليمان بن يسار وميمون بن مهران والنخعي والثوري والأوزاعي والليث وإسحاق وأبي ثور. واحتجوا بما رواه مالك في الْمُوَطَّأِ عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان ﵁ يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة. وعند مالك

стр. 3336

إن كان عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها في مقابلة الدين وهي التي يبيعها الحاكم في الدين ما يفضل عن ضرورته وإن كان له دين على مليء ثقة جعله في مقابلة دينه أيضاً. وزكى العين فإن لم يكن إلَّا ما بيده سقطت الزكاة» اهـ. قُلْتُ: حديث ابن عمر لم يسنده المؤلف وعمير بن عمران لا يعتمد عليه قال الحافظ ابن عدي ﵀ في [الْكَامِلِ] (٥/ ٧٠): «حدث بالبواطيل عن الثقات» اهـ. قُلْتُ: وهذا الحديث لم أقف عليه مسنداً في أي كتاب من كتب الحديث. وأورده ابن الجوزي ﵀ من وجه آخر فقال في [الْتَّحْقِيْقِ] (٢/ ٤٧): «قال بعض أصحابنا روى ابن نصر المالكي عن ابن جريح عن نافع عن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه"» اهـ. وعلق عليه الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ٨٠): «هذا حديث منكر، يشبه أن يكون موضوعاً» اهـ. قُلْتُ: وأمَّا أثر عثمان فرواه مالك في [الْمُوَطَّأِ] (٥٩٣) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ. فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ. حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ». ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٦٥٨) حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ، يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ وَزَكُّوا بَقِيَّةَ أَمْوَالِكُمْ».

стр. 3337

ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٧٠٨٦) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَخْطُبُ وَهَوَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهْ، ثُمَّ لِيُؤَدِّ زَكَاةَ مَا فَضَلَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ صَحِيْحٌ، وقد صرح ابن شهاب بالتحديث عند البيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٦). وأصله في البخاري (٧٣٣٨) مختصراً فقال: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، «سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطَبَنَا عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ ». قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٤/ ١٤٩): «والظواهر التي وردت بإيجاب الزكاة في الْأموال تشهد لهذا القول بالصحة وهو قول الشافعي في الجديد وكان يقول حديث عثمان يشبه والله أعلم أن يكون إنَّما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال وقوله: هذا شهر زكاتكم يجوز أن يقول هذا الشهر الذي إذا مضى حلت زكاتكم كما يقال شهر ذي الحجة وإنَّما الحجة بعد مضي أيام منه أخبرنا بهذا الكلام أبو سعيد ثنا أبو العباس أنبأ الربيع قال: قال الشافعي فذكره» اهـ. وأجاب عنه الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فقال في [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٣٢): «أمَّا أثر عثمان ﵁ فإننا نسلم أنَّه إذا كان على الإنسان دين حال، وقام بالواجب وهو أداؤه فليس عليه زكاة؛ لأنَّه سيؤدي من ماله، وسبق الدين يقتضي أن يقدم في الوفاء على الزكاة؛ لأنَّ الزكاة لا تجب إلَّا إذا تم الحول، والدين سابق، فكان لسبقه أحق بالتقديم من الزكاة.

стр. 3338

ونحن نقول لمن اتقى الله، وأوفى ما عليه: لا زكاة عليك إلَّا فيما بقي، أمَّا إذا لم يوف ما عليه، وماطل لينتفع بالمال، فإنَّه لا يدخل فيما جاء عن عثمان، فعليه زكاته» اهـ. قُلْتُ: وهذا كلام حسن. والله أعلم. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٤٤٠ - ٤٤١): «فصل: فأمَّا الْأموال الظاهرة وهي السائمة، والحبوب، والثمار، فروي عن أحمد، أنَّ الدين يمنع الزكاة أيضاً فيها؛ لما ذكرناه في الْأموال الباطنة. قال أحمد، في رواية إسحاق بن إبراهيم: يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي، ولا يكون على أحد، دينه أكثر من ماله، صدقة في إبل، أو بقر، أو غنم، أو زرع، ولا زكاة. وهذا قول عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق، لعموم ما ذكرنا. وروي، أنَّه لا يمنع الزكاة فيها. وهو قول مالك، والأوزاعي، والشافعي. وروي عن أحمد أنَّه قال: قد اختلف ابن عمر وابن عباس، فقال ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله، ويزكي ما بقي. وَقَالَ الآخر: يخرج ما استدان على ثمرته، ويزكي ما بقي. وإليه أذهب أن لا يزكي ما أنفق على ثمرته خاصة، ويزكي ما بقي؛ لأنَّ المصدق إذا جاء فوجد إبلاً، أو بقراً، أو غنماً، لم يسأل أي شيء على صاحبها من الدين، وليس المال هكذا.

стр. 3339

فعلى هذه الرواية، لا يمنع الدين الزكاة في الْأموال الظاهرة، إلَّا في الزرع والثمار، فيما استدانه للإنفاق عليها خاصة. وهذا ظاهر قول الخرقي، لأنَّه قال في الخراج: يخرجه، ثم يزكي ما بقي. جعله كالدين على الزرع. وَقَالَ في الماشية المرهونة: يؤدي منها إذا لم يكن له مال يؤدي عنها. فأوجب الزكاة فيها مع الدين. وَقَالَ أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه فيه المطالبة يمنع في سائر الأموال، إلَّا الزرع والثمار. بناء منه على أنَّ الواجب فيها ليس بصدقة، والفرق بين الْأموال الظاهرة والباطنة أنَّ تعلق الزكاة بالظاهرة آكد، لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها، ولهذا يشرع إرسال من يأخذ صدقتها من أربابها، وكان النبي ﷺ يبعث السعاة، فيأخذون الصدقة من أربابها، وكذلك الخلفاء بعده، وعلى منعها قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ ولم يأت عنه أنَّهم استكرهوا أحداً على صدقة الصامت، ولا طالبوه بها، إلَّا أن يأتي بها طوعاً، ولأنَّ السعاة يأخذون زكاة ما يجدون، ولا يسألون عمَّا على صاحبها من الدين، فدل على أنَّه لا يمنع زكاتها، ولأنَّ تعلق أطماع الفقراء بها أكثر، والحاجة إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة فيها أوكد» اهـ. قُلْتُ: أثر ابن عمر وابن عباس رواه ابن زنجويه في [الْأَمْوَالِ] (١٩٢٨)، ويحيى بن آدم في [الْخَرَاجِ] (٥٨٩)، والبيهقي في [الْكُبْرَى] (٧٣٩٧) مِنْ طَرِيْقِ أَبِي نُعَيْمٍ، أنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ

стр. 3340

زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَقْرِضُ فَيُنْفِقُ عَلَى تَمْرَتِهِ وَأَهْلِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «يَبْدَأُ بِمَا اسْتَقْرَضَ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يَبْدَأُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الثَّمَرَةِ، فَيَقْضِيهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ». قُلْتُ: هَذَا أَثَرٌ حَسَنٌ. وهو كأثر عثمان. والله أعلم. والذي يظهر لي أنَّه لا فرق بين الْأموال الظاهرة والباطنة وعمومات الأدلة الواردة في الزكاة تشمل من كان عليه دين ومن لم يكن عليه دين. والله أعلم. ١٥ - وفيه أنَّه لا يؤخذ في الزكاة أنفس الْأَمْوَالِ لما في ذلك من الإضرار بأصحاب الْأموال. قُلْتُ: وهكذا لا يؤخذ رديء المال لما في ذلك من الإضرار بالفقراء وإنَّما يؤخذ ما توسط من ذلك. ١٦ - وفيه خطورة الظلم. ١٧ - وفيه أنَّ دعوة المظلوم مستجابة. وروى أحمد (٨٠٣٠)، والترمذي (٢٥٢٦، ٣٥٩٨)، وابن ماجه (١٧٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله تعالى من دعوة المظلوم.

стр. 3341

فروى مسلم (١٣٤٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ». وقد أحسن من قال: لَا تَظْلِمَنَّ إذَا مَا كُنْت مُقْتَدِرًا … فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيك بِالنَّدَمِ نَامَتْ جُفُونُك وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ … يَدْعُو عَلَيْك وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمْ ١٨ - وفيه دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال. ١٩ - وفيه قبول خبر الواحد في العقائد. ٢٠ - وأُخذ من قوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ». أخذ الزكاة من مال الصبي والمجنون لدخولهما في مسمى الأغنياء. وهذا مذهب الجمهور وخالف في ذلك من الأئمة الأربعة أبو حنيفة. قُلْتُ: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقد جاء في لفظ للبخاري (١٣٩٥): «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ». وروى ابن أبي شيبة في [مُصَنَّفِهِ] (١٠٢١٥) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى، لَا تَسْتَغْرِقُهَا الصَّدَقَةُ». قُلْتُ: إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ بين مكحول وعمر.

стр. 3342

ورواه ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٣) حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُمَرُ: «ابْتَغُوا لِلْيَتَامَى فِي أَمْوَالِهِمْ، لَا تَسْتَغْرِقُهَا الزَّكَاةُ». قُلْتُ: فيه عنعنة ابن إسحاق، وإرسال الزهري. ورواه أبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٣٠١)، والْدَارَقُطْنِي (١٩٧٣) مِنْ طَرِيْقِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: «ابْتَغُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ». قُلْتُ: ابن المسيب عن عمر مرسل ومرسله جيد، والأثر حسن بهذه الطرق على أقل الأحوال. وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: «كُنَّا أَيْتَامًا فِي حِجْرِ عَائِشَةَ فَكَانَتْ تُزَكِّي أَمْوَالَنَا، وَتُبْضِعْنِيهَا فِي الْبَحْرِ». قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيْحٌ. ورواه عبد الرزاق في [الْمُصَنَّفِ] (٦٩٨٤) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «كُنَّا يَتَامَى فِي حِجْرِ عَائِشَةَ، فَكَانَتْ تُزَكِّي أَمْوَالَنَا، ثُمَّ دَفَعَتْهُ مُقَارَضَةً فَبُورِكَ لَنَا فِيهِ». قُلْتُ: وَسَنَدُهُ صَحِيْحٌ أيضاً. وروى ابن أبي شيبة في [الْمُصَنَّفِ] (١٠٢١٢)، وأبو عبيد في [الْأَمْوَالِ] (١٣٠٨)، والشافعي كما في [الْمُسْنَد] (٦١٨) مِنْ طَرِيْقِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُزَكِّي مَالَ الْيَتِيمِ».

стр. 3343

قُلْتُ: سَنَدُهُ صَحِيْحٌ. ٢١ - وفيه أنَّ الفقير لا زكاة عليه والمراد به هاهنا من لم يملك النصاب، وإن كان عنده ما يكفيه وزيادة إلَّا أنَّ ذلك الزائد لم يبلغ النصاب أو بلغه ولم يحول عليه الحول. ٢٢ - واستدل به أبو حنيفة على أنَّ من ملك النصاب لا تدفع له الزكاة لأنَّه بملكه للنصاب يصير غنياً. قُلْتُ: وهذا استدلال غير صحيح فليس هذا الغنى بمانع من استحقاق الزكاة لأنَّه غنى باعتبار النصاب وليس هو الغنى الذي يُخرج الشخص من الفقر بالكلية. والله أعلم. ٢٣ - وفيه أنَّ الزكاة لا تكون للغني. قُلْتُ: وقد اختلفوا في الغني الذي لا تحل له الزكاة على أقوال: القول الأول: من ملك خمسين درهماً أو قيمتها من الذهب وهو المشهور من مذهب أحمد. واحتج بما رواه أحمد (٣٦٧٥، ٤٢٠٧)، وأبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٢٥٩٢)، وابن ماجه (١٨٤٠) مِنْ طَرِيْقِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ»، قَالَ يَحْيَى: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ: حِفْظِي

стр. 3344

أَنَّ شُعْبَةَ، لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ. قُلْتُ: هَذَا حَدِيْثٌ ضَعِيْفٌ وحكيم وإن كان شديد الضعف لكنه متابع تابعه زبيد اليامي وهو ثقة. لكن هذه المتابعة لا تفيد لسببين:+ السبب الأول: أنَّها غير مُسْنَدِه بل هي معلقة إلى يحيى بن آدم. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ﵀ في [الْكُبْرَى] (٧/ ٢٤): «وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان فذكر معنى هذه الحكاية بلاغاً عن يحيى بن آدم عن سفيان ثم قال يعقوب: هي حكاية بعيدة ولو كان حديث حكيم بن جبير عن زبيد ما خفي على أهل العلم» اهـ. السبب الآخر: أنَّ حديث زبيد غير مسند إلى ابن مسعود. وَقَالَ الحافظ البزار ﵀ في [مُسْنَدِه] (١/ ٣٠٥): «وزبيد فلم يسند هذا الحديث عن عبد الله» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْدَارَقُطْنِي ﵀ في [الْعِلَلِ] (٥/ ٢١٥ - ٢١٦) عن هذا الحديث: «يرويه حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه. حدث به عنه الثوري، وشريك، وإسرائيل، وحماد بن شعيب. ورواه محمد بن مصعب القرقساني، عن حماد بن سلمة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد.

стр. 3345

ووهم في قوله عن أبي إسحاق، وإنما رواه إسرائيل، عن حكيم بن جبير. ورواه شعبة، عن حكيم بن جبير أيضاً، حدث به عنه إبراهيم بن طهمان، ويحيى القطان. ورواه زبيد، ومنصور بن المعتمر، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد لم يجاوز ابنه محمداً وقولهما أولى بالصواب. حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو هشام الرفاعي، وعبد الأعلى بن واصل، قالا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان. وحدثنا أبو غيلان، حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : "لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلَّا جاءت يوم القيامة خموشاً، أو خدوشاً، أو كدوحاً في وجهه"، وقالوا: يا رسول الله، ماذا أغناه، أو ماذا يغنيه؟ قال: "خمسون درهماً أو حسابهما من الذهب". قال أبو هشام في حديثه في هذا الموضع: قال يحيى بن آدم: قيل لسفيان: لو كان غير حكيم بن جبير، فقال: حدثناه زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وَقَالَ عبد الأعلى بن واصل في حديثه: قال يحيى بن آدم: قال سفيان: وقد سمعت زبيداً يحدث، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد نحوه، أو شبهه» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي ﵀ في [تَنْقِيْحِ الْتَحْقِيْقِ] (٣/ ١٥٧): «فأجيب من قال هذا، فقيل له: ليس في هذا حجة، فإنَّ سفيان ما أسنده، إنَّما قال: ثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن فحسب، ولم يرفعه» اهـ.

стр. 3346

القول الثاني: أنَّ الغني هو الذي عنده ما يكفيه وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد وهو القول الصحيح. والله أعلم. لما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». القول الثالث: أنَّ الغني هو المالك للنصاب وهذا مذهب أبي حنيفة. ٢٤ - وفيه أنَّ الفقير مصرف من مصارف الزكاة. قُلْتُ: ومصارف الزكاة ثمانية ذكر الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. فالصنف الأول: الفقراء. والصنف الثاني: المساكين. قُلْتُ: ويجمعهما مسمى الحاجة ومسماهما واحد عند افتراقهما، ويختلفان عند اجتماعهما كما في هذه الآية وقد خاض العلماء في التفريق بينهما على أقوال:

стр. 3347

القول الأول: الفقير هو: المحتاج المتعفف عن المسألة. والمسكين هو: المحتاج السائل. القول الثاني: الفقير هو: ذو الزمانة من أهل الحاجة. والمسكين: هو الصحيح الجسم. القول الثالث: الفقراء فقراء المهاجرين. والمساكين: من لم يهاجر من المسلمين وهو محتاج. القول الرابع: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له. القول الخامس: الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فالفقير هو الذي لا يجد نصف كفاية سنة؛ وأمَّا المسكين فيجد النصف فأكثر دون الكفاية لمدة سنة. قُلْتُ: وهناك أقوال أخرى لا نطيل بذكرها. والذي يظهر لي أنَّ الفقير أشد حاجة من المسكين خلافاً لأبي حنيفة وذلك لأمرين: الأول: أنَّ الله بدأ به قبل المسكين. والآخر: أنَّ الفقير أصله في اللغة: المفقور الذي نزعت فقرة من فقرات ظهره، فكأنَّه انقطع ظهره من شدّة الفقر، ولأنَّ أصل هذه الكلمة مأخوذة من "الفقر" الموافق لـ"القفر" في الاشتقاق الْكَبِيْر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و"القفر" الأرض الخالية، والمسكين مأخوذ من السكون، والخشوع، والأول أبلغ من حيث الحاجة. الصنف الثالث: العاملون عليها.

стр. 3348

قُلْتُ: ويدخل فيهم الحاسب والكاتب والحاشر والخازن والحافظ والراعي ونحوهم. ولا يشترط فيهم الفقر لأنَّها أجرة عمل فيدخل فيها الغني والفقير. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [مِنْهَاجِ الْسُنَّةِ] (٦/ ١٥٦): «والعامل على الصدقة الغنى له أن يأخذ بعمالته باتفاق المسلمين» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٥/ ٢٢١): «فأمَّا أجر الوزان والكيال ليقبض الساعي الزكاة فعلى رب المال؛ لأنَّه من مؤنة دفع الزكاة» اهـ. واختلف العلماء في أجرة العامل كم يكون تقديرها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحْكَامِ الْقُرْآنِ] (٤/ ٣٢٤): «اختلف الناس في المقدار الذي يأخذه العاملون من الصدقة على ثلاثة أقوال: الأول: قيل: هو الثمن بقسمة الله لها على ثمانية أجزاء؛ قال مجاهد والشافعي. وهذا تعليق بالاستحقاق الذي سبق الخلاف فيه، أو بالمحلية، ومبني عليه. الثاني: يعطون قدر عملهم من الأجرة؛ قاله ابن عمر ومالك. وقد تقدم القول في الأصل الذي انبنى عليه هذا، والكلام على تحقيقه. الثالث: أنَّهم يعطون من غير الزكاة، وهو ما كان من بيت المال. وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس، وداود بن سعيد؛ وهو ضعيف دليلاً؛ فإنَّ الله أخبر بسهمهم فيها نصاً، فكيف يخلفون عنه استقراء وسبراً.

стр. 3349

والصحيح الاجتهاد في قدره؛ لأنَّ البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل لا للمستحق» اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي [قَوَاعِدِهِ] (ص: ١٣٥): «قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ الثَّمَنَ فِي كِتَابَةِ السُّلْطَانِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَكُونُ لَهُمْ الَّذِي يَرَاهُ الْإِمَامُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ لَهُ بِالشَّرْعِ إمَّا مُقَدَّرًا أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرٍ وَالْوَلِيُّ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِعْفَافِ مَعَ الْغِنَى وَأَيْضًا فَأَمْوَالُ الزَّكَاةِ حَقٌّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَيْضًا فَمَالُ الزَّكَاةِ يَسْتَحِقُّهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْغَنِيِّ فَالْعَامِلُ الَّذِي حَصَلَ الزَّكَاةَ وَجَبَاهَا أَوْلَى وَأَيْضًا فَالْعَامِلُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْمَالَ وَحَصَّلَهُ بِخِلَافِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ جُعْلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى عَمَلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَهُوَ كَجُعْلِ رَدِّ الْإِبَاقِ وَأَوْلَى لِوُرُودِ الْقُرْآنِ بِهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٩) «فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَجَاوَزَ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْهُ لَهُ ثَمَنُ مَا يَجْنِيهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ جَاوَزَتْ أُجْرَتُهُ ذَلِكَ أُعْطِيَهُ مِنْ الْمَصَالِحِ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر عندي أنَّه يعطى أجرة المثل وذلك أنَّ الأصل في الأجرة التي لم تحدد أن ترجع إلى أجرة المثل. فائدة: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ فِي [الشَّرْحُ الْمُمْتِعِ] (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥):

стр. 3350

«قوله: "والعاملون عليها" هنا قال: "العاملون عليها" ولم يقل: العاملون فيها، أو العاملون بها. فالعامل مشتق يتعدى بالباء، ويتعدى بعلى، ويتعدى بفي. ولنضرب أمثلة يتضح بها الفرق: فمثلاً: شخص قيل له: اتجر بهذه الدراهم، ولك نصف الربح، فهذا عامل بها. مثال ثانٍ: شخص استؤجر لتنظيف البيت فهذا عامل فيه. مثال ثالث: شخص وكلناه لتأجير هذا البيت، والنظر فيه، وفعل ما يصلحه، فهذا عامل عليه. فالعاملون عليها هم الذين تولوا عليها، فالعمل هنا عمل ولاية، وليس عمل مصلحة أي: الذين لهم ولاية عليها، ينصبهم ولي الأمر. وهم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها، وصرفها لمستحقيها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وإنما قلت هذا لأجل أن يفهم أن من أعطي زكاة ليوزعها فليس من العاملين عليها بل هو وكيل عليها أو بأجرة؛ ولهذا فإن الزكاة إذا تلفت عند العاملين عليها فإن ذمة المزكي بريئة منها، وأما إذا تلفت عند الموكل في التوزيع فلا تبرأ ذمة الدافع» اهـ. الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (١٤/ ٣١٦): «فصل: والمؤلفة قلوبهم ضربان؛ كفار ومسلمون، وهم جميعاً السادة المطاعون في قومهم وعشائرهم» اهـ.

стр. 3351

وقسم ﵀ الكفار إلى قسمين: القسم الأول: من يرجى إسلامه، فيعطى لتقوى نيته في الإسلام، وتميل نفسه إليه، فيسلم. والقسم الثاني: من يخشى شره، ويرجى بعطيته كف شره وكف غيره معه. وقسم سادات المسلمين إلى أربعة أقسام: القسم الأول: قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، أو من المسلمين الذين لهم نية حسنة في الإسلام، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم؛ لأنَّ أبا بكر ﵁، أعطى عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما. قُلْتُ: هذا الأثر رواه ابن عساكر في [تَارِيْخِ دِمَشْق] (٤٠/ ٧٩) بإسناد لا يثبت فيه شعيب بن إبراهيم، وفيه جهالة وَقَالَ ابن عدي في [الْكَامِلِ] (٥/ ٧): «وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث وأخبار، وهو ليس بذلك المعروف ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة وفيه بعض النكرة لأنَّ في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف» اهـ. قُلْتُ: وفيه أيضاً سيف بن عمر ضعيف الحديث، وفي الإسناد رجال مبهمون. القسم الثاني: سادات مطاعون في قومهم يرجى بعطيتهم قوة إيمانهم، ومناصحتهم في الجهاد، فإنَّهم يعطون؛ لأنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ أعطى عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، والطلقاء من أهل مكة، وَقَالَ للأنصار: «يا معشر الأنصار علام تأسون؟ على لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً لا إيمان لهم، ووكلتكم إلى إيمانكم»؟.

стр. 3352

وروى البخاري، بإسناده عن عمرو بن تغلب، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أعطى أناساً وترك أناساً، فبلغه عن الذين ترك أنَّهم عتبوا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنِّي أعطي أناساً وأدع أناساً، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أناساً لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أناساً إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير؛ منهم عمرو بن تغلب». وعن أنس، قال: حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن، طفق رسول الله ﷺ يعطي رجالاً من قريش مائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويمنعناً، وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إنِّي أعطي رجالاً حدثاء عهد بكفر أتألفهم» متفق عليه. القسم الثالث: قوم في طرف بلاد الإسلام، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين. القسم الرابع: قوم إذا أعطوا أجبوا الزكاة ممن لا يعطيها. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٩٧): «وَأَحْكَامُهُمْ كُلُّهَا بَاقِيَةٌ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: انْقَطَعَ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ وَأَغْنَاهُ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ عَلَيْهِ رِجَالٌ، فَلَا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَالِفًا بِحَالٍ» اهـ.

стр. 3353

قُلْتُ: والإخراج للمؤلفة يرجع لنظر الإمام، وليس لآحاد الرعية. قَالَ الْإِمَامُ الْشَّافِعِي ﵀ فِي [الْأُمِّ] (٢/ ٧٤): «فَإِنْ تَوَلَّاهَا رَجُلٌ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ الْعَامِلِينَ وَسَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ سَاقِطَانِ. قَالَ: وَيَسْقُطُ سَهْمُ الْعَامِلِينَ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا» اهـ. وَقالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَّرِ ﵀ فِي [الْكَافِي] (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦): «وقد سقط منها حق المؤلفة قلوبهم لأنَّ الله تعالى قد أغنى الإسلام وأهله عن أن يتألف عليه اليوم أحد ولو اضطر الإمام في وقت من الأوقات أن يتألف كافراً يرجى نفعه وتخشى شوكته جاز أن يعطى من أموال الصدقات ويسقط العاملون لمن فرقها عن نفسه» اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي [بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ] (٢/ ٣٧): «وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهَلِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ حَقُّهُمْ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا مُؤَلَّفَةَ الْيَوْمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ حَقُّ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتَأَلَّفُهُمُ الْإِمَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَامٌّ لَهُ وَلِسَائِرِ الْأُمَّةِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَامٌّ. وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؟ - أَعْنِي: فِي حَالِ الضَّعْفِ لَا فِي حَالِ الْقُوَّةِ - وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ الْآنَ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا الْتِفَاتٌ مِنْهُ إِلَى الْمَصَالِحِ» اهـ.

стр. 3354

قُلْتُ: المعروف في كتب الحنفية أنَّ المؤلفة قلوبهم لا يعطون بعد النبي ﷺ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْغِينَانِيُّ ﵀ فِي [الْهِدَايَةِ] (١/ ١١٠): «وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم لأنَّ الله تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم وعلى ذلك انعقد الإجماع» اهـ. قُلْتُ: ويشكل على هذا قَوْلُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٢/ ٤٩٨): «وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَوَلَّى إخْرَاجَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ، سَقَطَ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَجْرًا لِعَمَلِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا شَيْئًا فَلَا حَقَّ لَهُ، فَيَسْقُطُ، وَتَبْقَى سَبْعَةُ أَصْنَافٍ، إنْ وَجَدَ جَمِيعَهُمْ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُمْ اكْتَفَى بِعَطِيَّتِهِ، وَإِنْ أَعْطَى الْبَعْضَ مَعَ إمْكَانِ عَطِيَّةِ الْجَمِيعِ، جَازَ أَيْضًا» اهـ. والأظهر أنَّ مرجع ذلك إلى الإمام. الصنف الخامس: في الرقاب. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠): «يدخل فيه إعانة المكاتبين وافتداء الأسرى وعتق الرقاب هذا أقوى الأقوال فيها» اهـ. قُلْتُ: وقد خالف الْإِمَام مالك في ذلك فقال: إنَّما يصرف سهم الرقاب في إعتاق العبيد، ولا يعجبني أن يعان منها مكاتب. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢١): «ويجوز أن يشتري من زكاته أسيراً مسلماً من أيدي المشركين؛ لأنَّه فك رقبة من الأسر، فهو كفك

стр. 3355

رقبة العبد من الرق، ولأنَّ فيه إعزازاً للدين، فهو كصرفه إلى المؤلفة قلوبهم، ولأنَّه يدفعه إلى الأسير لفك رقبته، فأشبه ما يدفعه إلى الغارم لفك رقبته من الدين» اهـ. قُلْتُ: فك الأسير إن لم يستقم دخوله في ذي الرقاب فهو داخل في مسمى الغارمين لأنَّه غارم لثمن فك أسره. والله أعلم. على أنَّ دخوله في مسمى ذي الرقاب له حظ من النظر لأنَّ الله لم يقيد ذلك بالعتق بل أطلق الرقاب. والله أعلم. الصنف السادس: الغارمون. والأصل فيه ما رواه مسلم (١٠٤٤) عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ، تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١٨٤) - عند كلامه على حديث قبيصة -: «فَقَوْلُهُ: "ثُمَّ يُمْسِكُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» اهـ.

стр. 3356

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠): «هم الذين عليهم ديون لا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم ولو كان كثيراً إلَّا أن يكونوا غرموه في معصية الله تعالى فلا يعطون حتى يتوبوا» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٤): «ومن الغارمين صنف يعطون مع الغنى، وهو غرم لإصلاح ذات البين، وهو أن يقع بين الحيين وأهل القريتين عداوة وضغائن، يتلف فيها نفس أو مال، ويتوقف صلحهم على من يتحمل ذلك، فيسعى إنسان في الإصلاح بينهم، ويتحمل الدماء التي بينهم والْأموال، فيسمى ذلك حمالة، بفتح الحاء، وكانت العرب تعرف ذلك، وكان الرجل منهم يتحمل الحمالة، ثم يخرج في القبائل فيسأل حتى يؤديها، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيباً من الصدقة، فروى قبيصة بن المخارق، قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي ﷺ وسألته فيها. فقال: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها". ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلَّا لثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فيسأل فيها حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش، أو قواماً من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب سداداً من عيش، أو قواماً من عيش، وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيامة" أخرجه مسلم.

стр. 3357

وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني، إلَّا لخمسة". ذكر منهم الغارم. ولأنَّه إنَّما يقبل ضمانه وتحمله إذا كان ملياً، وبه حاجة إلى ذلك مع الغنى، وإن أدى ذلك من ماله، لم يكن له أن يأخذ؛ لأنَّه قد سقط الغرم، وإن استدان وأداها، جاز له الأخذ؛ لأنَّ الغرم باق، والمطالبة قائمة، والفرق بين هذا الغرم والغرم لمصلحة نفسه، أنَّ هذا الغرم يؤخذ لحاجتنا إليه لإطفاء الثائرة، وإخماد الفتنة، فجاز له الأخذ مع الغنى، كالغازي والمؤلف والعامل. والغارم لمصلحة نفسه يأخذ لحاجة نفسه، فاعتبرت حاجته وعجزه، كالفقير والمسكين والمكاتب وابن السبيل. وإذا كان الرجل غنياً، وعليه دين لمصلحة لا يطيق قضاءه، جاز أن يدفع إليه ما يتم به قضاءه، مع ما زاد عن حد الغنى. فإذا قلنا: الغنى يحصل بخمسين درهماً. وله مائة، وعليه مائة، جاز أن يدفع إليه خمسون، ليتم قضاء المائة من غير أن ينقص غناه. قال أحمد: لا يعطى من عنده خمسون درهماً أو حسابها من الذهب، إلَّا مديناً، فيعطى دينه، وإن كان يمكنه قضاء الدين من غير نقص من الغنى لم يعط شيئاً» اهـ. قُلْتُ: والصحيح من أقوال أهل العلم أنَّه يجوز قضاء دين الميت من الزكاة إذا لم يخلف ما يقضى به دينه لدخوله في جملة الغارمين، ولما رواه البخاري (٢٣٩٩)

стр. 3358

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُو، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ». والضياع هم العيال الذين لا يوجد من يعولهم. وروى مسلم (٨٦٧) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ». والظاهر أنَّ الْنَّبِيَّ ﷺ سوف يقضي دينه من مال الزكاة. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِي ﵀ فِي [تَفْسِيْرِهِ] (٨/ ١٨٥): «وَاخْتَلَفُوا، هَلْ يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤَدَّى مِنَ الصَّدَقَةِ دَيْنُ مَيِّتٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الْغَارِمُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُسْجَنُ فِيهِ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ: يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مِنَ الْغَارِمِينَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ

стр. 3359

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا"» اهـ. وقد اختار شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ قضاء دين الميت من الزكاة فقال كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى] (٢٥/ ٨٠): «وأمَّا الدين الذي على الميت: فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء. وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ ولم يقل وللغارمين. فالغارم لا يشترط تمليكه. وعلى هذا يجوز الوفاء عنه … » اهـ. قُلْتُ: وقد منع من ذلك الْإِمَام أحمد في رواية أخرى، وهو مذهب أبي حنيفة. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٢/ ٥٢٥): «قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل يكفن الميت من الزكاة؟ قال لا ولا يقضى من الزكاة دين الميت وإنَّما لم يجز دفعها في قضاء دين الميت لأنَّ الغارم هو الميت ولا يمكن الدفع إليه وإن دفعها إلى غريمه صار الدفع إلى الغريم لا إلى الغارم» اهـ. قُلْتُ: وبهذا يتبين أنَّ ما حكاه أبو عبيد وابن عبد البر من الإجماع في عدم قضاء دين الميت من الزكاة ليس بصحيح. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ ﵀ فِي [الْفُرُوْعِ] (٤/ ٣٤٢): «وَلَا يَقْضِي مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ "ع" لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا "ع" وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ: يَجُوزُ. وَعَنْ مَالِكٍ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ مِثْلُهُ. وَأَطْلَقَ صَاحِبُ التِّبْيَانِ الشَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَذِكْرُهُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لَا يُشْتَرَطُ

стр. 3360

تمليكه؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَمْ يَقُلْ: وَلِلْغَارِمِينَ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢١١): «لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا تِرْكَةَ لَهُ هَلْ يُقْضَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الصَّيْمَرِيِّ وَمَذْهَبُ النَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ كَالْحَيِّ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا مَاتَ الْغَارِمُ لَمْ يُعْط وَرَثَتُهُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعِنْدَنَا لَا يُدْفَعُ فِي دَيْنِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا يُصْرَفُ مِنْهَا فِي كَفَنِهِ وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَى وَارِثِهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ أَهْلُ الرَّأْي وَمَالِكٌ قَالَ: وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ وَكَفَنُهُ مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَجٍّ بَعْدَ هَذَا بِأَسْطُرٍ إذَا اسْتَدَانَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ثُمَّ مَاتَ دُفِعَ مَا يفك به تركته وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: وهل يدخل في الغارمين من عليه كفارة وغير ذلك من الدين لحق الله تعالى؟ محل نزاع بين العلماء. وقد سبق في كلام القرطبي أنَّ أبا حنيفة منع من ذلك. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ ﵀ فِي [كَشَّافِ الْقِنَاعِ] (٢/ ٢٨٢)

стр. 3361

«"وَيَجُوزُ الْأَخْذُ" مِنْ الزَّكَاةِ "لِقَضَاءِ دَيْنِ اللَّهِ" تَعَالَى مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ» اهـ. وَقَالَ مُصْطَفَى الْسُيُوطِي الْحَنْبَلِي ﵀ فِي [الْمَطَالِبِ] (٢/ ١٤٤): «"وَلَوْ" كَانَ مَا لَزِمَهُ "دَيْنًا لِلَّهِ" تَعَالَى، كَحَجٍّ فَسَدَ، وَعَجَزَ عَنْ قَضَائِهِ، فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِيَقْضِيَهُ، لِأَنَّهُ دَيْنُ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٤): «وَمِنْهَا: يَجُوزُ الْأَخْذُ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَمْرو عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَشْهُورِ بِابْنِ الْحَاجِبِ الْكُرْدِيِّ الْمَالِكِيِّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي [جَامِعِ الْأُمَهَاتِ] (ص: ١٦٥): «وَفِي مدان الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة قَولَانِ وَفِي دين الْمَيِّت قَولَانِ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر أنَّه لا يأخذ من الزكاة من أجل الدين الذي من حقوق الله تعالى، وذلك لأنَّ حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة عند العجز، وأمَّا حقوق العباد فمبنية على المشاحاة. قُلْتُ: وهل للغارم أن يأخذ من نصيب الغارمين قبل حلول الدين. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَرْدَاوِي ﵀ فِي [الْإِنْصَافِ] (٣/ ٢٣٤): «وَمِنْهَا: جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْغَارِمِ لِذَاتِ الْبَيْنِ قَبْلَ حُلُولِ دَيْنِهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩): «الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَفِي إعْطَائِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: لَا يُعْطَى وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ الْآنَ. وَالثَّانِي: يُعْطَى لِأَنَّهُ يُسَمَّى غَارِمًا.

стр. 3362

وَالثَّالِثُ: حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجَلُ يَحِلُّ تِلْكَ السَّنَةِ أُعْطِيَ وَإِلَّا فَلَا يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهَانِ هُنَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ النَّجْمُ هَلْ يعطى قال وقد يرتب هَذَا الْخِلَافُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ ثُمَّ تَارَةً يُجْعَلُ الْغَارِمُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مُسْتَقِرٌّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَتَارَةً يُجْعَلُ الْمُكَاتَبُ أَوْلَى بِأَنْ يُعْطَى لِأَنَّ لَهُ التَّعْجِيلَ لِغَرَضِ الْحُرِّيَّةِ. قُلْتُ: وَجَمَعَ الدَّارِمِيُّ مَسْأَلَتَيْ الْمُؤَجَّلِ فِي الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ وَذَكَرَ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُعْطَيَانِ فِي الْحَالِ. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: يُعْطَى الْمُكَاتَبُ لَا الْغَارِمُ. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ» اهـ. قُلْتُ: الأظهر ما ذهب إليه الرافعي من أنَّ الدين إن كان يحل تلك السنة فيعطى من الزكاة وإلَّا فلا. قُلْتُ: ويدخل في الغارمين من غرم في فعل خير كبناء مسجد أو غير ذلك. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ فِي [الْمَجْمُوْع] (٦/ ٢١٠): «ذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ مَا اسْتَدَانَهُ لِعِمَارَةِ مسجد وَقِرَى الضَّيْفِ فَهُوَ كَمَا اسْتَدَانَهُ لِنَفَقَتِهِ وَمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ» اهـ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَاوُرْدِي ﵀ فِي [الْحَاوِي] (٨/ ٥٠٩): «وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَانَ فِي مَصْلَحَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ فِتْنَةٍ وَلَا مَنْعِ حَرْبٍ كَرَجُلٍ أَدَانَ فِي عِمَارَةِ مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ أَوْ بِنَاءِ حِصْنٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ أَوْ فَكِّ أَسْرَى

стр. 3363

أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى ذلك من المصالح العامة التي تتعلق لحسم فِتْنَةٍ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى بِالْعَقَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَعَ الْغِنَى بِالنَّاضِّ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّفْعِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَرَدِّدًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ» اهـ. قُلْتُ: وإذا دفع الغارم الدين من ماله فلا يعطى من الزكاة لخروجه عن مسمى الغارمين. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْنَوَوِي ﵀ في [الْمَجْمُوْعِ] (٦/ ٢٠٧) «إنَّمَا يُعْطَى الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مادام الدين باق عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِمَنْ اسْتَدَانَهُ مِنْهُ ودفعه في الإصلاح أو كان تَحَمَّلَ الدِّيَةَ مَثَلًا لِأَهْلِ الْقَتِيلِ وَلَمْ يُؤَدِّهَا بَعْدُ فَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُؤَدِّيهِ فِي دَيْنِهِ أَوْ إلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ فَلَوْ كَانَ قَضَاهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَدَّاهُ ابْتِدَاءً مِنْ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَارِمٍ إذا لا شيء عَلَيْهِ» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ فِي [الْمُغْنِي] (٦/ ٤٨١): «وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ، وَإِنْ اسْتَدَانَ وَأَدَّاهَا، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ، وَالْمُطَالَبَةَ قَائِمَةٌ» اهـ. الصنف السابع: في سبيل الله. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ فِي [الْسِّيَاسَةِ الْشَّرْعِيَّةِ] (٦٠): «وهم الغزاة الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم فيعطون ما يغزون به أو تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة وأجرة والحج من سبيل الله كما قال النبي ﷺ » اهـ. لكن قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِي ﵀ في [أَحَكَامِ الْقُرَآنِ] (٤/ ٣٣٧): «وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر» اهـ.

стр. 3364

قُلْتُ: قال ذلك باعتبار ما بلغه من العلم، وسيأتي الأثر في ذلك. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀ في [الْمُغْنِي] (٧/ ٣٢٧): «مسألة: قال: ويعطى أيضاً في الحج وهو من سبيل الله. يروى هذا عن ابن عباس وعن ابن عمر الحج في سبيل الله وهو قول إسحاق لما روي أنَّ رجلاً جعل ناقة له في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي ﷺ : "اركبيها فإن الحج في سبيل الله". وعن أحمد ﵀ رواية أخرى لا يصرف منها في الحج وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وهذا أصح لأنَّ سبيل الله عند الإطلاق إنَّما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلَّا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك لأنَّ الظاهر إرادته به ولأنَّ الزكاة إنَّما تصرف إلى أحد رجلين محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضاً إليه لأنَّ الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها وخفف عنه إيجابها وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو دفعه في مصالح المسلمين أولى وأما الخبر فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله والمراد بالآية غيره لما ذكرنا وَقَالَ الشافعي يجوز الدفع إلى من أراد الحج لكونه

стр. 3365

ابن سبيل ولا يصح لأنَّ ابن السبيل المسافر المنقطع به أو من هو محتاج إلى السفر ولا حاجة بهذا إلى هذا السفر» اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْكَشِيُّ ﵀ فِي [شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْخِرَقِي] (٤/ ٦٣٠): «وأجاب القاضي بأنَّ له فيه مصلحة، لأنَّه يسقط به فرضاً ماضياً أو مستقبلاً. انتهى. وقد يقال: إنَّه من مصلحتنا، لما فيه من الاهتمام بهذا الشعار العظيم. تنبيه: إذا قلنا: يعطى في الحج؛ فشرط المدفوع إليه الفقر، على ما جزم به الشيخان وغيرهما، وهو أحد احتمالي صاحب التلخيص، وهل يشترط كون الحج فرضاً؟ شرطه أبو الخطاب، وتبعه عليه أبو محمد في المقنع، وهو مقتضى جواب القاضي المتقدم، ولم يشترطه الأكثرون؛ الخرقي، والقاضي، وصاحب التلخيص، وأبو البركات، وغيرهم، والله أعلم» اهـ. قُلْتُ: الحديث الذي ذكره ابن قدامة وأشار إليه شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ رواه أحمد (٢٧١٥١، ٢٧٣٢٧)، وأبو داود (١٩٨٨) مِنْ طَرِيْقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ، الَّذِي أُرْسِلَ إِلَى أُمِّ مَعْقَلٍ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو مَعْقَلٍ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَتْ أُمُّ مَعْقَلٍ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلَيَّ حَجَّةً فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ حَتَّى دَخَلَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَلَيَّ حَجَّةً وَإِنَّ لِأَبِي مَعْقَلٍ بَكْرًا، قَالَ أَبُو مَعْقَلٍ: صَدَقَتْ، جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي
следующие страницы →