← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30179

معراج الدراية في شرح الهداية

الكاكي

Полный текст (7 597 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

لِمَا ذَكَرنَا، وَالدَّينُ لَيسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا تَقَعُ المُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْمَبِيعِ لِعَدَمِ المُجَانَسَةِ، وقال مشايخنا: هذا غبن شديدٌ؛ لأنه لو انفسخ الصرف الأول يجب على مشتري الدينار رد الدينار على البائع بحكم الإقالة؛ لأن إقالة الصرف لها حكم الصرف؛ ولهذا لو جعل بدل الصرف قصاصًا بدين تأخر وجوبه بعقد باشره بعد الصرف في المجلس لا يجوز، ولو أمكن تصحيح المقاصة بالدين المتأخر في مسألتنا بانفساخ العقد الأول، وتجديد العقد - كما قال مشايخ العراق - أمكن تصحيح المقاصة، ويصير المتأخر بمنزلة المتقدم. والوجه الصحيح أنهما لما أقدما على المقاصة وجب تصحيحها ما أمكن، وأمكن تصحيح المقاصة بأن يجعل العقد المضاف إلى الدراهم المطلقة مضافًا إلى الدراهم الواجبة قبل الصرف فيكون تغيير الوصف العقد مع بقاء أصل العقد، كما قلنا في الزيادة على الثمن؛ بخلاف ما إذا جعله قصاصا بدين متأخر بأن باع في مجلس الصرف من بائع الدينار ثوبًا بعشرة دراهم، وجعل ثمن الثوب قصاصًا ببدل الصرف؛ ففي رواية أبي سيلمان يجوز، وفقهه ما ذكرنا لمشايخ العراق. وفي رواية أبي حفص لا يجوز، وهو الصحيح، فعلى هذه الرواية يحتاج إلى الفرق بين الدين المتقدم وبين المتأخر، والفرق أن العقد إذا تغير تصحيحًا للمقاصة بالدين المتقدم يصير كأنهما باشرا العقد في الابتداء إلى دين سيحدث، وذلك باطل لو نص عليه، وبخلاف ما لو جعلا رأس مال السلم قصاصا بدين سبق وجوبه حيث لا يصح؛ لأن المُسْلِم فيه دين، ولو صحت المقاصة برأس المال يصير افتراقًا عن دين بدين، وذلك حرام بالنص. أما هاهنا أحد العوضين وهو الدينار مقبوض، فلو صحت المقاصة يصير افتراقًا عن عين بدين، وهو غير منهي كذا في الجامع الصغير لقاضي خان، والفوائد الظهيرية. قوله: (لما ذكرنا) وهو قوله: لا بدَّ من قبض العوضين قبل الافتراق، ليس بهذه الصفة ألا يجب تعيينه بالقبض قبل الافتراق. قوله: (لعدم المجانسة) أي: بين بدل الصرف والدين، فإن بدل الصرف

стр. 5007

فَإِذَا تَقَاصًّا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فَسْخَ الأَوَّلِ وَالإِضَافَةَ إِلَى الدِّينِ، إِذْ لَولَا ذَلِكَ يَكُونُ يجب أن يكون متعينا بالقبض؛ لما روينا من الحديث، وهذا دين سبق وجوبه، فينبغي ألا يجوز، وإن تقاصا، كما في السلم فإنه لا يجوز بالدين السابق، ولكن فيما نحن فيه يجوز لما ذكرنا في الكتاب، وهو قوله: (يتضمن ذلك) أي: المقاصة (فسخ الأول) وهو بيع الدينار بعشرة مطلقة. (والإضافة) بالنصب، عطف على فسخ؛ أي: يتضمن الإضافة؛ أي: إضافة العقد إلى الدين فصار كأنه قال: اشتريتُ منك هذا الدينار بالعشرة التي لك عليَّ وقَبِل الآخر؛ يعني: عند اتفاقهما على المقاصة يجعل كأنهما فسخا الأول، ثم جددا العقد مضافًا إلى ذلك الدين. وفي المبسوط: لما اتفقا على المقاصة فقد حولا عقد الصرف إلى ذلك الدين، ولو أضافا العقد إليه في الابتداء؛ لأنهما قصدا تصحيح هذه المقاصة ولا طريق له سوى هذا، وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصود كل واحد منهما؛ ولهذا شرطنا تراضيهما على المقاصة هاهنا، وإن كان في سائر الديون المقاصة تقع بدون التراضي؛ لأن هذا تحويل العقد إلى ذلك الدين، والعقد تم بهما، والتصرف فيه بالتحويل لا يكون إلا بتراضيهما، وعند التراضي العقد فيهما يملكان استدامته ورفعه، فيملكان التصرف فيه بطريق التحويل من محل إلى محل (١). وهذا خير مما يقوله العراقيون [أن عند اتفاقهما على المقاصة يجعل كأنهما فسخا العقد الأول، ثم جدداه مضافًا إلى ذلك الدين] (٢) لأنه لو كان الطريق هذا لم يجز؛ لأن الإقالة تصير رد المقبوض مستحقًا في المجلس؛ ألا ترى أنه لا يجوز القصاص بدين متأخر عن العقد في ظاهر الرواية! ولو كان بطريق فسخ الأول لجاز؛ فإن الدين المتأخر والمتقدم في ذلك سواء، وإنما الفرق بينهما على الطريق الأول، فإنهما يملكان تحويله إلى ما كان يصح منهما إضافة للعقد إليه في الابتداء، وذلك في الدين المتقدم دون المتأخر.

стр. 5008

استبدالا بِبَدَلِ الصَّرفِ، وَفِي الإِضَافَةِ إِلَى الدِّينِ تَقَعُ المُقَاصَّةُ بِنَفْسِ العَقدِ عَلَى مَا وقد أشار في الزيادات أن المقاصة تقع بالمتأخر أيضًا؛ ولكن المعتمد هو الأول. الكل من المبسوط (١)، وما ذكر في الكتاب يحتمل الوجهين. فإن قيل: في فسخ العقد الأول والإضافة إلى الدين يلزم الدور، فيجب ألا يثبت واحد من المقاصة والمقتضى وهو الفسخ، وذلك أن المقاصة إنما صحت إذا كان وجوب بدل الصرف قائمًا، فإذا بطل عقد الصرف بالفسخ كيف توجد المقاصة والمقتضى إنما يكون لتصحيح المقتضي، فيبطل المقتضى هاهنا - وهو المقاصة - عند تحقق المقتضي - وهو الفسخ - إذ المقاصة تقتضي قيام وجوب دين الصرف، فكيف يثبت الفسخ؟ قلنا: إنما تبطل المقاصة عند فسخ الأول إذا لم يتجدد عقد جديد، وهاهنا قد جدد الصرف كما ذكرنا. فإن قيل: فسخ الصرف ضمنًا ينبغي أن يشترط القبض؛ لأن الإقالة بيع في حق الثالث، والشرع ثانيهما، فكان تبعًا في حقه. قلنا: صارت الإقالة هاهنا في ضمن المقاصة، فجاز ألا يثبت حكم البيع لمثل هذه الإقالة؛ بل يثبت حكم البيع إذا كانت الإقالة قصدًا، يكون استبدالا بدل الصرف من حيث إن الدين لا يجب بعينه بالقبض قبل الافتراق، وهذا الدينار يقتضي بدلا يجب تعيينه بالقبض قبل الافتراق، فيكون استبدالا من حيث الوصف. وفي المبسوط: مشتري الدراهم يملك مكان بدل الصرف، وهو مثمن من وجه، فكان استبدالا، وأنه لا يجوز. (وفي الإضافة إلى الدين) أي: الدين الذي عليه، وهو العشرة التي عليه (تقع المقاصة بنفس العقد). فإن قيل: ينبغي ألا يقع؛ لأنه يكون بيع العين بالدين، وبيع العين بالدين لا يصح في الصرف؛ لاشتراط قبض البدلين؛ ولهذا لا يجوز الافتراق بعد قبض أحدهما قبل الآخر.

стр. 5009

نُبَيِّنُهُ، وَالفَسخُ قَدْ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الاِقْتِضَاءِ، كَمَا إِذَا تَبَايَعَا بِأَلف ثُمَّ بِأَلف وَخَمسِمِائَة، وَزُفَرُ يُخَالِفُنَا فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالاقْتِضَاءِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الدِّينُ سَابِقًا. فَإِنْ كَانَ لَاحِقا فَكَذَلِكَ فِي أَصَحُ الرِّوَايَتَينِ، لِتَضَمُّنِهِ انفِسَاخَ الأَوَّلِ، وَالإِضَافَةَ إِلَى دَينِ قَائِم قلنا: إن تعيين أحد العوضين في الصرف إنما اشترط للاحتراز عن الدين بالدين، وتعيين الآخر للاحتراز عن الربا ولا ربا في دين يسقط، وإنما ذلك في دين يقع الخطر في عاقبته؛ ولهذا لا يصح بيع الدين بالدين، ولو تصارفا دراهم دينار بدينار دين - يصح لما قلنا من فوت معنى الخطر. كذا في جامع البزدوي. (لأنه) أي: زفر (لا يقول بالاقتضاء). فإن قيل: يشكل عليه التسري بأن قال: إن تسريتك فإن الملك يثبت عنده فيه بطريق الاقتضاء. قلنا: لا نسلم أنه يثبت بطريق الاقتضاء، بل يثبت بطريق الدلالة. (وهذا) أي: ما ذكرنا من التقاص والفسخ والإضافة إلى الدين (إذا كان الدين سابقًا) أي: على العقد (فإن كان) أي: العقد (لاحقا) بأن اشترى دينارًا بعشرة، ثم باع مشتري الدينار من البائع ثوبًا بعشرة لا تقع المقاصة بنفس العقد؛ لأن في المتقدم لا يقعُ، ففي المتأخر أولى، وكذا لو تقاصا في رواية. قال شمس الأئمة: لا تجوز المقاصة هنا (١)؛ لأن الدين لاحق، والنبي ﵇ جوز المقاصة في دين سابق قبل عقد الصرف لما ذكرنا من حديث ابن عمر، وفي رواية: تقع المقاصة، وهو رواية أبي سليمان وهو الأصح (٢)، واختاره صاحب الكتاب، وفخر الإسلام، واختار شمس الأئمة وقاضي خان عدم الصحة وهو رواية أبي حفص. (لتضمنه) أي: لتضمن التقاص فسخ الصرف الأول، وإنشاء صرف آخر؛ لأنهما لما تقاصا صار كأنهما جددا عقدًا جديدًا مكان الدين سابقا على المقاصة، وهو قوله: (والإضافة) أي: إضافة عقد الصرف (إلى دين قائم) أي:

стр. 5010

وَقتَ تَحويل العَقدِ فَكَفَى ذَلِكَ لِلجَوَازِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ بَيعُ دِرْهَم صَحِيح وَدِرْهَمَي غَلَّة بِدِرْهَمَينِ صَحِيحَينِ وَدِرْهَم غَلَّة) وَالغَلَّةُ: مَا يَرُدُّهُ بَيتُ المَالِ وَيَأْخُذُهُ التَّجَّارُ. وَوَجهُهُ تَحَقُّقُ المُسَاوَاةِ فِي الوَزْنِ وَمَا عُرِفَ مِنْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ الجَودَةِ. ثابت (وقت) تحويل العقد التقابض يضمن فسخ الصرف الأول وإنشاء صرف آخر، فكان صرفا بدين مستحق وجوبه، ومن أحكم ما بينا يتضح له ما ذكر في الزيادات في نظيره. قوله: (بيع در همن صحيحين) إلى آخره، وعند الشافعي لا يجوز (١) هذا أيضًا؛ لما ذكرنا في مسألة درهمين ودينارا. (مَا يَرُدُّهُ بيت المال) أي: لزيافتها، بل لكونها قطعًا. وفي المغرب (٢): الغلة من الدراهم هي المقطعة التي في القطعة منها قيراط وطسوج أو حبة، كذا عن أبي يوسف، حتى قال في الإيضاح: يكره أن يقرضه غلة ليرده عليه صحيحًا. وللشافعي أن البدل مختلف، فانقسم عوضه على قيمته، وصار حصة العلة أقل من وزنها، فلا يجوز، فأصله مطرد فلا يكون البدلان من مال الربا، ولكن بينهما مخالفة. (ووجهه) أي: وجه جواز هذا البيع (تحقق المساواة في الوزن) حاصلة، والجودة ساقطة الاعتبار عند المقابلة بالجنس، فلم تكن المقابلة بالقيمة. وقوله: (وما عُرف) عطف على قوله (تحقق المساواة) أي: الذي عرف من اعتبار سقوط الجودة بقوله ﵇: «جَيْدُهَا ورَدِينَها سَوَاءٌ» (٣)، يعني لوجود علة

стр. 5011

قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَى الدَّرَاهِمِ الفِضَّةَ فَهِيَ فِضَّةٌ، وَإِذَا كَانَ الغَالِبُ عَلَى الدَّنَانِيرِ الذَّهَبَ فَهِيَ ذَهَبٌ، وَيُعتَبَرُ فِيهِمَا مِنْ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الجِيَادِ، حَتَّى لَا يَجُوزُ بَيعُ الخَالِصَةِ بِهَا، وَلَا بَيعُ بَعضِهَا بِبَعض إِلَّا مُتَسَاوِيًا فِي الوَزْنِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ الاسْتِقْرَاضُ بِهَا إِلَّا وَزْنا) لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ غِسٌ عَادَةِ، لِأَنَّهَا الجواز، وهي تحقق المساواة في الوزن وسقوط اعتبار الجودة، لا بتفاوت الحكم بين الصحيح والعلة باعتبار القيمة كما ذكره الخصم. قوله: (وإذا كان الغالب) إلى آخره، قال الشافعي (١): لا يجوز بيع الدراهم المغشوشة بعضها ببعض سواء كان الغش غالبًا أو النقرة، ويجوز أن يشتري بها سلعة في أظهر الوجهين. كذا في الحلية، ووجهه ما مر من اعتبار انقسام العوضين بالقيمة. (أيهما) (٢) أي: بالدرهم الغالب فيه الفضة والدينار الغالب فيه الذهب (إلا وزنا) أي: لا عددًا كما في الفلوس اعتبارًا بالقسمة. وفي شرح الأقطع: هذا الذي ذكره فيما إذا كانت الفضة لا تتخلص من الغش (٣) لأنها صارت مستهلكة، أما إذا كانت تتخلص من الغش فليست بمستهلكة، فتعتبر. وفي الإيضاح: فيما إذا كان الغش غالبًا أن الفضة إذا كانت تتخلص من النحاس في الفلوس ويبقى النحاس على حاله، فاشتراها رجل بأقل ما فيها من الفضة لم يجز، حتى تكون الفضة الخالصة أكثر مما فيها؛ لتكون الفضة بالفضة، والزيادة بإزاء النحاس؛ لأنه إذا أمكن تمييز أحدهما عن الآخر، ويبقى كل واحد منهما بحاله لم يصر أحدهما مستهلكا، فصار جامعًا بين الشيئين في العقد، وإن كان لا يخلص وتحترق الفضة ويبقى النحاس فهو نحاس كله؛ إذ الفضة مستهلكة فلا يعتبر بها، وإن كانت الفضة السوداء يخلص منها النحاس لا

стр. 5012

لَا تَنطَيعُ إِلَّا مَعَ الغِشُ، وَقَدْ يَكُونُ الغِشُ خِلقِيًّا كَمَا فِي الرَّدِيءِ مِنْهُ فَيُلْحَقُ القَلِيلُ بِالرَّدَاءَةِ، وَالجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ عَلَيْهِمَا الغِشَ فَلَيسَا فِي حُكمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ اعْتِبَارًا لِلغَالِبِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهَا فِضَّةٍ خَالِصَةً فَهُوَ عَلَى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرنَاهَا فِي حِلْيَةِ السَّيفِ. (وَإِنْ بِيعَت بِجِنسِهَا مُتَفَاضِلًا جَازَ صَرفًا لِلجِنسِ إِلَى خِلَافِ الجِنسِ) فَهِيَ فِي حُكمِ شَيئَيْنِ فِضَّةٍ وَصُفر، وَلَكِنَّهُ صُرِفَ حَتَّى يُشتَرَطَ القَبضُ فِي المَجْلِسِ لِوُجُودِ الفِضَّةِ مِنْ الجَانِبَينِ، فَإِذَا شُرِطَ القَبْضُ فِي الفِضَّةِ يُشتَرَطُ فِي الصُّفْرِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنهُ إِلَّا بِضَرَر. بد أن تكون الفضة أيضًا فيه أكثر، وإن كان النحاس يحترق فهي فضة تعتبر المماثلة. وبيع النبهرجة والزيوف بالجياد لا يجوز (١) إلا مثلا بمثل؛ لأن الغالب عليهما الفضة، والستوق وما كان فيه الصفر والنحاس غالبًا، فإذا باع الستوقة بالجياد لم يجز إلا على طريق الاعتبار، وهو أن تكون الجياد أكثر، فتكون الفضة بمثلها، والزيادة بإزاء النحاس، وإنما اعتبرنا الفضة التي في الستوق؛ لأنها تخلص ويتميز كل واحد عن الآخر. وقوله: (ويعتبر فيهما) (٢) وفي بعض النسخ: (ويعتبر فيها)، وعلى التقديرين الضمير يرجع إلى الدراهم والدنانير. قوله: (فإن اشترى بها) أي: بالدراهم التي غلب عليها الغش. على الوجوه التي ذكرناها في حلية (السيف) يعني: إن كانت الفضة الخالصة مثل تلك الفضة التي في الدراهم المغشوشة أو أقل أو لا يدري - لا يصح، وإن كانت أكثر يصح (وإن بيعت) أي: المغشوشة (بجنسها) أي: بالدراهم المغشوشة، وخلاف الشافعي يأتي في الكل. قوله: (ولكنه) صرف جواب إشكال، وهو أن يقال: ينبغي ألا يشترط

стр. 5013

قَالَ ﵁: وَمَشَايِخُنَا ﵏ لَم يُفتُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي العَدَالَى وَالغَطَارِفَةِ، لِأَنَّهَا أَعَزُّ الأَمْوَالِ فِي دِيَارِنَا، فَلَو أُبِيحَ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَنفَتِحُ بَابُ الرِّبَا، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِالوَزْنِ فَالتَّبَايِعُ وَالاسْتِقْرَاضُ فِيهَا بِالوَزْنِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِالعَدِّ فَبِالعَدِّ، وَإِنْ كَانَتْ تَرُوجُ بِهِمَا فَبِكُلِّ وَاحِد مِنهُمَا، لِأَنَّ المُعتَبَرَ هُوَ المُعتَادُ فِيهِمَا إِذَا لَم يَكُنْ فِيهِمَا نَصُّ، ثُمَّ هِيَ مَا دَامَت تَرُوجُ تَكُونُ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعيِينِ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَرُوجُ فَهِيَ سِلعَةٌ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعيِينِ، وَإِذَا كَانَتْ يَتَقَبَّلُهَا البَعضُ دُونَ البَعْضِ، فَهِيَ كَالزُّيُوفِ لَا يَتَعَلَّقُ العَقدُ بِعَينِهَا بَلْ بِجِنسِهَا زُيُوفا إِنْ كَانَ البَائِعُ يَعْلَمُ بِحَالِهَا لِتَحَقُّقِ الرِّضَا مِنْهُ، وَبِجِنسِهَا مِنْ الجِيَادِ إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لِعَدَمِ الرِّضَا مِنْهُ. القبض في هذه الصورة؛ لأنه لما صرف الجنس إلى خلاف الجنس، أي: الفضة إلى الصفر، لم يبق صرفًا، فكيف يشترط التقابض؟ فقيل في جوابه: قد وجدت الفضة من الجانبين، والأصل في المقابلة المطلقة الشيوع، فكان صرفًا بالنظر إلى ذلك، ولكن صرفنا الجنس إلى خلافه ضرورة تصحيح العقد، فلا يظهر فيما عداه، فيبقى صرفًا على الأصل حالة بقاء الجنس؛ إذ لا ضرورة في حالة البقاء؛ إذ حاجتنا في نفي المفسد المقارن. (بجواز ذلك) أي: بجواز التفاضل. (الغطارفة): الدراهم الغطريفية منسوبة إلى غطريف بن عطاء الكندي أمير خراسان أيام الرشيد. كذا في المغرب (١). وقيل: هو خال هارون الرشيد. فإن قيل: يشكل هذا بقوله: (ويجوز بيع فلس بفلسين). قال ﵀: يجوز أن تكون فتوى مشايخنا على قول محمد، فإن عنده (٢) لا يجوز بيع فلس بفلسين بحالها. (يتقبلها) أي: الدراهم المغشوشة (البعض) أي: بعض الناس. (بحالها) أي: بحال الدراهم الزيفة بأنها زيفة. وفي الكافي: والمتساوي كغالب الفضة في التبايع، والاستقراض في الصرف كغالب الغش.

стр. 5014

(وَإِذَا اشْتَرَى بِهَا سِلْعَة فَكَسَدَت وَتَرَكَ النَّاسُ المُعَامَلَةَ بِهَا، بَطَلَ البَيعُ عِنْدَ أَبِي قوله: (اشترى بها) أي: بالدراهم المغشوشة (فترك الناس المعاملة بها) أي: قبل قبضها (بطل البيع) (١) عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤): لا يبطل البيع؛ لكن عند أبي يوسف ومحمد تجب القيمة، وعند الشافعي [كذلك في وجه] (٥)؛ لأنه مال، وفي وجه عند الشافعي: يخير البائع؛ إن شاء أجاز البيع بذلك وإن شاء فسخه لتعينه، وعند أحمد يجب النقد الجديد بالقيمة. ثم قيل: إنما يبطل البيع عند أبي حنيفة إذا ترك الناس المعاملة بها في كل البلاد، ذكره في عيون المسائل؛ لأنها حينئذ تصير هالكًا، فيبقى البيع بلا ثمن، أما إذا كانت لا تروج في بعض البلاد وتروج في بعضها - لا يفسد البيع؛ لأنها لم تهلك ولكن تعيبت، فكان البائع بالخيار؛ إن شاء أخذ مثل النقد وقع عليه البيع (٦)، وإن شاء أخذ قيمة ذلك دنانير. قالوا: وما ذكر في العيون يستقيم على قول محمد، وأما على قولهما فلا، وينبغي أن ينتفي البيع بالكساد في تلك البلدة بناءً على اختلافهم في بيع الفلس بالفلسين، عندهما يجوز اعتبارًا لاصطلاح عند بعض الناس، وعند محمد لا يجوز اعتبارًا لاصطلاح الكل، والكساد يجب أن يكون على هذا القياس أيضًا. وفي القدوري: إذا اشترى بالفلوس وكسدت قبل العقد؛ فسد البيع (٧) عند أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد، وكذا في الذخيرة وجامع المحبوبي. ثم إذا فسد البيع بالكساد يجب أن يكون على هذا القياس أيضًا، أو بالانقطاع، فإن لم يكن البيع مقبوضًا - فلا حكم لهذا البيع أصلًا، فإن كان مقبوضا؛ إن كان قائما ردَّه على البائع، وإن كان مستهلكا أو هالكًا رجع البائع

стр. 5015

حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَومَ البَيعِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قِيمَتُهَا آخِرُ مَا تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا) (*) لَهُمَا: أَنَّ العَقدَ قَدْ صَحَّ إِلَّا أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ بِالكَسَادِ وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الفَسَادَ، كَمَا إِذَا اشْتَرَى بِالرُّطَبِ فَانقَطَعَ أَوَانُهُ. وَإِذَا بَقِيَ العَقْدُ وَجَبَت القِيمَةُ، لَكِن عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: وَقتَ البَيعِ، لِأَنَّهُ مَضمُون بِهِ، عليه بقيمة المبيع إن لم يكن مثليًا، [وبمثله إن كان مثليا] (١)، هذا إذا كسدت الدراهم أو الفلوس. أما إذا غلبت، بأن ازدادت قيمتها [فالبيع على حاله بالإجماع، ولا يتخير المشتري، وأما إذا نقصت قيمتها] (٢) بأن رخصت فالبيع على حاله، ويطالبه بألف درهم بذلك العيار الذي كان وقت البيع. والذي ذكرنا من الجواب في الكساد هو الجواب في الانقطاع، حتى لو انقطعت الدراهم من أيدي الناس فسد البيع عند أبي حنيفة. (لهما) أي: لأبي يوسف ومُحمّد، والشافعي (أن العقد قد صح) أي: بالإجماع لوجود مبادلة المال بالمال. (إلا أنه) أي: إلا أن الشأن (تعذر التسليم) أي: تسليم الثمن، وهو المغشوشة بالكساد لانعدام الثمنية، ويجوز أن يكون الضمير في (إلا أنه) للثمن، أي: الثمن تعذر التسليم بالكساد، وأنه أي: تعذر التسليم أو الكساد. (لا يوجب الفساد) لأنه صفة عارضة قابلة للزوال ساعة فساعة بالرواج، فصار (كما وإذا اشترى) إلى آخره (فانقطع) أي: في أوانه، بألا يوجد في الأسواق - لا يبطل البيع بالاتفاق وتجب القيمة، وألا ينتظر إلى زمان الرطب في السنة الثانية فكذا هذا. (لأنه) أي: الثمن (مضمون به) أي: بالبيع فكان كالمغصوب تعتبر قيمته يوم الغصب؛ لأنه مضمون وعليه الفتوى، فإنه ذكر في الذخيرة: وعليه قيمة الدراهم يوم وقع البيع في قول أبي يوسف الآخر، وعليه الفتوى.

стр. 5016

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: يَومَ الاِنقِطَاعِ، لِأَنَّهُ أَوَانُ الانتِقَالِ إِلَى القِيمَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الثَّمَنَ يَهْلَكُ بِالكَسَادِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ بِالاصطلاحِ، وَمَا بَقِيَ فَيَبْقَى بَيعًا بِلَا ثَمَن فَيَبْطُلُ، وَإِذَا بَطَلَ البَيعُ يَجِبُ رَدُّ المَبِيعِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَقِيمَتُهُ إِنْ كَانَ هَالِكًا كَمَا فِي البَيعِ الفَاسِدِ. قَالَ: (وَيَجُوزُ البَيعُ بِالفُلُوسِ) لِأَنَّهَا مَالٌ مَعلُومٌ، فَإِنْ كَانَتْ نَافِقَة جَازَ البَيعُ (لأنه) أي: يوم الانقطاع (أوان الانتقال) يعني موجب العقد ورد بما انعقد به العقد، والانتقال إلى القيمة بالانقطاع، فتُعتبر قيمته يوم الانقطاع. وفي المحيط والتتمة والحقائق: وبقول محمد يُفتى رفقًا بالناس. (يهلك بالكساد) وهذا لأن مالية الثمن تخالف مالية المثمن من حيث إنه ينتفع بعينه من الانتفاعات، ومالية الثمن من حيث إنه قيمة الأشياء، ويتوصل به إلى الأعيان، ولكن لا ينتفع بعينه؛ لأنه حجر في نفسه، ومالية الفلوس والدراهم الغالب عليها الغش والرواج، وذلك بالاصطلاح يكون، فإذا كسدت ذهبت الثمنية فهلكت المالية، كمالية العبد لما كانت الحياة، فإذا ذهبت الحياة ذهبت المالية، بخلاف النقدين فإن ثمنيّتهما بالخلقة لا بالاصطلاح. كذا في منتخب الأسرار. (وما بقي) أي: لم يبق الاصطلاح على الثمنية فيبطل البيع، وفي جامع قاضي خان بالكساد خرجت عن الثمنية وعادت مبيعة في الذمة، والمبيع في الذمة لا يجوز إلا في السلم. وأما الجواب عن بيع الرطب: أن الرطب مرجو الوصول في العام الثاني غالبًا، فلم يكن هذا هالكًا من كل وجه، فلم يبطل الثمن أصلا، وفي الدراهم المغشوشة بعد الكساد لا يرجى الوصول إلى ثمنيتهما في ثاني الحال؛ لأن الكساد أصلي، فالشيء إذا رجع إلى أصله قلما ينتقل عنه. قوله: (ويجوز البيع بالفلوس) أي: بالإجماع (١) وإن لم تعين، حتى لو اشترى بالفلوس المعينة فهلكت قبل التسليم لا يبطل العقد، ولو استبدل بها جاز، كالدراهم والدنانير عندنا، أما لو باع فلسا بفلسين، فلو باع فلسا بغير عينه

стр. 5017

بِهَا، وَإِنْ لَم تَتَعَيَّن، لِأَنَّهَا أَيْمَانُ بِالاصطلاحِ، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَة لَم يَجُز البَيعُ بِهَا حَتَّى يُعَيِّنَهَا، لِأَنَّهَا سِلَعٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعيِينِهَا وَإِذَا بَاعَ بِالفُلُوسِ النَّافِقَةِ ثُمَّ كَسَدَت بَطَلَ البيعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَهُوَ نَظِيرُ الاخْتِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ. (وَلَو اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا نَافِقَة فَكَسَدَت عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا) لِأَنَّهُ إعَارَةٌ، وَمُوجِبُهُ: رَدُّ العَينِ مَعنى وَالثَّمَنِيَّةِ فَضلٌ فِيهِ، إذ القَرْضُ لَا يَحْتَصُّ بِهِ. بفلسين بأعيانهما لا يجوز؛ لأن الفلوس الرائجة أمثال متساوية وضعًا؛ لاصطلاح الناس على سقوط قيمة الجودة منها فيكون. ذكره في المبسوط (١)، وقد مرت المسألة في باب الربا. قوله: (ثم كسدت) إنما قيد الكساد؛ لأنها إذا غلت أو رخصت كان رد المثل بالاتفاق، [كذا] (٢) في شرح الطحاوي وغيره (٣)، يتقدم بذلك، وإنما تتغير رغبات الناس فيها، وذلك غير معتبر كما في البيع. كذا في المبسوط (٤). (وهو نظير الذي) أي: الأصل الذي بيناه في الدراهم المغشوشة. (ولو استقرض فلوسا نافقة فكسدت) وفائدة قيد الكساد قد ذكرناه، ويرد عينها إن كانت قائمة، وإن كانت هالكة فعليه رد مثلها عند أبي حنيفة. (لأنه) أي: الاستقراض (إعارة وموجبه) أي: موجب عقد الإعارة (رد العين معنى) وذا بالمثل. فصل فيه أي في القرض، فإن صحة استقراض الفلس لم يكن باعتبار الثمنية؛ بل لأنه مثلي، وبالكساد لم يخرج من أن يكون مثليًا؛ ولهذا صح استقراضه بعد الكساد. وفي شرح المجمع: الإقراض لا ينعقد الإيجاب المثل في الذمة؛ لأنه حينئذ يكون صرفًا، ولم يقبض عوضه قبل الافتراق، فيكون فاسدًا؛ لكن انعقد لتمليك المنفعة، إلا أن تمليك المنفعة لا يمكن مع بقاء عينها، فيثبت الملك

стр. 5018

وَعِندَهُمَا: تَجِبُ قِيمَتُهَا (*)، لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ وَصفُ الثَّمَنِيَّةِ تَعَذَّرَ رَدُّهَا كَمَا قُبِضَ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهَا، كَمَا إِذَا اسْتَقْرَضَ مِثْلِيًّا فَانقَطَعَ، لَكِن عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀: يَومَ القَبْضِ، وَعِنْدَ مُحَمَّد ﵀: يَومَ الكَسَادِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَأَصلُ الاخْتِلَافِ: فِيمَن غَصَبَ مِثْلِيًّا فَانقَطَعَ، وَقَولُ مُحَمَّد ﵀ أَنظُرُ لِلجَانِبَينِ، للمستقرض ضرورة الانتفاع بها، ثم وجب رد المثل، فتكون العين مردودة حكما؛ لأن أداء المثل بالمثليات في أداء عينها حكمًا؛ ولهذا يجبر المغصوب منه على قبض القيمة في المثلي، والوصف لا يراعى في العين لصحة الرد، كما لو استعار متاعًا فتراجعت قيمته بالسعر لم يمنع صحة الرد بخلاف الدين؛ إذ المخرج له عن العهدة رد المثل، وإنما يكون مثلا بوصفه الذي عرف بثبوته في الذمة فافترقا. (إذ القرض لا يختص به) أي: بمعنى الثمنية؛ لما ذكرنا من صحة الاستقراض بعد الكساد، وصحة استقراض المكيل والعددي المتقارب، وهي لا تكون ثمنًا بعد الكساد؛ لأن الثمنية فيها بالاصطلاح، فإذا لم يكن مختصا بالثمن بل بما هو من ذوات الأمثال، وبطلان الثمنية لا تخرج عن كونه مثليًا، فإذا نفى كونه مثليًا وجب رد مثله، فأعطى رد المثل حكم العين لما ذكرنا. قوله: (تعذر ردها كما قبض) إذ المقبوض فلوس هي ثمن، وقد بطلت صفة الثمنية بالكَسَاد؛ يعني: أن الواجب في الذمة، وهو المثل في المثلي، والفلوس مثلي، ولكن بصفة الثمنية؛ لأنه أخذها بهذا الوصف، والأوصاف معتبرة في الديون؛ لأن تعريفها بالأوصاف، وبالكساد تعذر ردها بوصفها، فتجب القيمة بخلاف ما إذا كانت قائمة، حيث يردها دون القيمة؛ لأن الوصف في الأعيان المشار إليها لغو؛ لكونها معروفة بذواتها لا بأوصافها، فتعلق الرد. (وأصل الاختلاف) أي: بين أبي يوسف ومحمد في اعتبار القيمة يوم القبض أو الكساد، فرع الاختلاف في غصب المثلي إذا انقطع المثل. قوله: (وقول محمد أَنْظَرُ) أي: للجانبين، وفي بعض النسخ: (أنظر للجانبين) جانب المقرض والمستقرض؛ أما جانب المقرض فبالنسبة إلى قول

стр. 5019

وَقَولُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ. قَالَ: (وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصفِ دِرْهَم فُلُوس، جَازَ وَعَلَيْهِ مَا يُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَم من الفُلُوسِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: بِدَانِقِ فُلُوس أَوْ بِقِيرَاطِ فُلُوس جَازَ). وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِالفُلُوسِ، وَأَنَّهَا تُقَدَّرُ بِالعَدَدِ لَا بِالدَّانِقِ وَالدَّرْهَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: مَا يُبَاعُ بِالدَّانِقِ وَنِصْفِ أبي حنيفة؛ لأن في رد المثل إضرارًا به، وأما في حق المستقرض فلا تقاص قيمته يوم الكساد، وفي اعتبار قيمته يوم القبض إضرار به. (وقول أبي يوسف أيسر) أي: للمفتي، وفي بعض النسخ: (أيسر للمفتي)؛ لأن يوم الكساد قيمته غير مضبوطة، ويوم القبض مضبوطة، فاعتبار المضبوط أيسر من اعتبار غير المضبوط، ولأن قيمته يوم الكساد لا تعرف إلا بحرج؛ إذ الناس يختلفون فيه اختلافا كثيرًا، فلا يكون أيسر، بخلاف يوم القرض؛ لأن قيمتها معلومة والناس لا يختلفون فيها. قوله: (ومن اشترى شيئًا بنصف درهم فلوس جاز)، وقيد بنصف درهم؛ لأنه لو قال: بدرهم فلوس - لا يجوز عند محمد على ما يجيء (وعليه) أي: على المشتري. وفي الأوضح: (الدانق): (دانكي)، والقيراط: ست حبات. قوله: (لا بالدانق والدرهم) يعني: تعلق العقد بالفلوس لا بالدانق ونحوه، فلا بد أن تكون معلومة العدد، ولا يحصل ذلك بتسمية الدانق والدرهم؛ لأن الناس قد يستقصون في بيع الفلوس وقد يسامحون، فبعضهم يأخذ الدانق أقل وبعضهم يسأل أكثر، فلا يكون الثمن معلومًا، ولأن الدانق ذكر الوزن، والفلوس عددي فلغى اعتبار ذكر الوزن فيه، فيبقى ذكر الفلوس، فلا يجوز البيع به إلا ببيان العدد. قلنا: المراد به ما يُباع بالدانق وبنصف درهم، وهو معلوم في السوق، فتسمية نصف الدرهم والدانق والدرهم لتسمية ذلك في الإعلام على وجه لا يمكن المنازعة فيه، فإذا كان كذلك صار كأنه صرح بقدر الفلوس، فيصح العقد.

стр. 5020

الدَّرْهَمِ مِنْ الفُلُوسِ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ وَالكَلَامُ فِيهِ، فَأَغْنَى عَنْ بَيَانِ العَدَدِ. وَلَو قَالَ: بِدِرهَم فلوس أو بِدِرهَمَي فُلُوس فَكَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، لِأَنَّ مَا يُبَاعُ بِالدِّرهَمِ مِنْ القُلُوسِ مَعْلُومٌ وَهُوَ المُرَادُ، لَا وَزِنُ الدَّرْهَمِ مِنْ القُلُوسِ. وَعَنْ مُحَمَّد ﵀: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالدّرهَمِ وَيَجُوزُ فِيمَا دُونَ الدَّرْهَمِ، لِأَنَّ فِي قال الإمام الحلواني: هذا إذا كان الدانق والقيراط معلومين عند الناس لا تختلف معاملتهم، فأما إذا كان مختلفًا كما قاله زفر (١) لمكان المنازعة. (وعن محمد) إلى آخره، في المبسوط (٢): لم ينص على حكم الجواز والفساد هنا. وروى هشام عن محمد وفيما دون الدرهم يجوز، وإن كان بدرهم فلوس أو بدرهمين لا يجوز عند محمد؛ لأن فيما دون الدرهم يكثر الاستعمال فيما بين الناس عبارة عما يوجد به من عدد الفلوس (٣) فيقوم مقام تسوية ذلك العدد، وفي الدراهم وما زاد عليه قلما يستعمل هذا اللفظ، فوضح الفرق أن الدانق والدانقين لا يكون معلوم الجنس إلا بالإضافة، وقد يكون ذلك من الذهب والفضة وغيرها من الموزونات، وإنما يصير معلومًا بذكر الفلوس، فأقمنا ذلك مقام تسمية العدد، فأما الدراهم فمعلوم بنفسه غير مضاف إلى شيء منه، فلا يجعل عبارة عن العدد من الفلوس؛ فلهذا قال محمد: فهو في الدراهم أفحش. وفي شرح المجمع لمحمد: أن الدليل يأبى جواز البيع على هذا الوجه لا سيما على صفقتين في صفقة، كأنه اشترى الفاكهة بنصف درهم، واشترى نصف درهم بما يباع به من الفلوس، وأنه لا يجوز؛ لقوله ﵇ لعتاب بن أسيد حين بعثه إلى مكة وقال: «انهَهُمْ عَنْ أَرَبع: عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبَضُوا، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنُوا، وَعَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٌ، وعَنْ بَيْعِ وَشَرْط» (٤) إلا أنا تجوزنا في

стр. 5021

العَادَةِ المُبَايَعَةَ بِالقُلُوسِ فِيمَا دُونَ الدَّرْهَمِ، فَصَارَ مَعلُومًا بِحُكمِ العَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الدّرهَمُ، قَالُوا: وَقَولُ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَصَحُّ لَا سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا. قَالَ: (وَمَنْ أَعطَى صَيرَفِيًّا دِرهَمًا وَقَالَ: أَعطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصفًا إِلَّا حَبَّةٍ جَازَ البَيعُ فِي الفُلُوسِ، وَبَطَلَ فِيمَا بَقِيَ عِندَهُمَا لِأَنَّ بَيعَ نِصفِ دِرْهَم بِالفُلُوسِ جَائِزُ، وَبَيعَ النِّصْفِ بِنِصف إِلَّا حَبَّةٍ رِبا فَلَا يَجُوزُ وَعَلَى قِيَاسِ قَولِ أَبِي حَنِيفَةَ بَطَلَ فِي الكُلِّ) (*) لِأَنَّ الصَّفَقَةَ مُتَّحِدَةٌ وَالفَسَادُ قَوِيٌّ فَيَشِيعُ، وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ، وَلَو كَرَّرَ لَفظَ الإعطَاءِ كَانَ جَوَابُهُ كَجَوَابِهِمَا، هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُمَا بَيعَانِ. القليل؛ دفعًا لحاجة الناس اعتبارًا للتعامل، وجرينا في الكثير على قضية الدليل، والدرهم وما فوقه كثير، وما دونه قليل. ولأبي يوسف، وهو الاستحسان، وأبو حنيفة مع أبي يوسف يجوز في الدرهم وما فوقه للتعامل؛ لأن ما يقابل الدرهم وما فوقه معلوم العدد في اصطلاح الناس؛ إذ الكلام فيه فلا يكون الثمن مجهولا، وصار كالنقد الغالب في بلد فيه نقود مختلفة (لا سيما في ديارنا فإن العادة جارية في الدرهم وما فوقه كما في نصف درهم، وهو قياس قول الشافعي وأحمد. (والفساد (١) قوي) لأنه متمكن في صلب العقد، ولأنه مجمع عليه لمعنى الربا، فيشيع، وقد مر نظيره) أي: في البيع، وهو ما إذا جمع بين حر وعبد في البيع يبطل البيع عنده في الكل. (ولو كرر لفظ الإعطاء) بأن قال: أعطني فلوسًا وأعطني بنصفه نصفًا إلا حبة (كان جوابه) أي: جواب أبي حنيفة (كجوابهما) في الأصح؛ لتفرق الصفقة بتكرر لفظ الإعطاء، وفساد أحد البيعين لا يوجب فساد الآخر. وفي المبسوط (٢): ولو افترقا قبل أن يقبض الفلوس والدرهم الصغير - بطل في الدرهم الصغير؛ لأن العقد فيه صرف وقد افترقا قبل قبض أحد البدلين، ولم

стр. 5022

(وَلَو قَالَ: أَعْطِنِي نِصْفَ دِرْهَم فُلُوسًا وَنِصفًا إِلَّا حَبَّةً جَازَ) لِأَنَّهُ قَابَلَ الدَّرْهَمَ بِمَا يُبَاعُ مِنْ الفُلُوسِ بِنِصفِ دِرْهَم وَبِنِصفِ دِرْهَم إِلَّا حَبَّةٍ فَيَكُونُ نِصْفُ دِرْهَم إِلَّا حَبَّة بِمِثْلِهِ وَمَا وَرَاءَهُ بِإِزَاءِ الفُلُوسِ. قَالَ ﵁: وَفِي أَكثَرِ نُسَخِ المُختَصَرِ ذَكَرَ المَسأَلَةَ الثَّانِيَةَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. يَبْطُلُ فِي الفُلُوسِ؛ لأَنَّ العَقْدَ فِيهَا بَيْع لا صَرْف، وَلَو لَمْ يَنْقَدِ الثَّمَن حَتَّى افْتَرَقَا يَبْطُلُ فِي الكُلِّ؛ لأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَنْ دَيْن بِدَيْن. (ولو قال: أعطني) أي: دفع درهما، وقال: أعطني به نصف درهم فلوس. (نسخ المختصر) أي: مختصر القدوري، [وإنما ذكر المصنف هذا دفعًا لمؤاخذة ترد على صاحب القدوري] (١) فإنه ذكر في بعض النسخ المسألة وأجاب بالجواز مطلقًا، [وليس كذلك بالإجماع، أما عنده فظاهر؛ لأنه يبطله في الكل، وأما عندهما يجوز في الفلوس، ويبطل في الباقي، فعلم أن الجواز ليس بمطلق في المسألة الأولى، فذكر الجواز] (٢) في بعض النسخ محمول على خطأ من الكاتب، والدليل عليه أن في أكثر النسخ ذكر المسألة الثانية وأجاب بالجواز مطلقا (٣). وفي المجتبى: قال: ومن أعطى لصيرفي درهما وقال: أعطني بنصفه فلوسا وبنصفه نصفًا إلا حبة، جاز البيع (٤) وكانت الفلوس والنصف إلا حبة بدرهم. قلتُ: هكذا وقع في كثير من النسخ، وهو غلط وقع من الكتبَة الجَهَلَة نقلًا وعقلا؛ أما النقل: فقد ذكر أبو نصر الأقطع في شرحه لمختصر القدوري، وكان تلميذه الواقف على تصانيفه المطلع على مبانيها المحقق لمعانيها، وهذه عبارته: ومن أعطى لصيرفي درهما فقال: أعطني نصف درهم فلوس، لما كان معلومًا صار كأنه قال: أعطني بهذا الدرهم كذا كذا فلسا ونصفًا إلا حبَّة، ولو صرح بذلك جاز البيع، كذا هذا.

стр. 5023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثم قال: وهذا هو الصحيح، وما في بعض النسخ أنه قال: بنصف درهم فلوسًا وبنصفه نصفًا إلا حبة غلط من الناسخ، فإن هذا العقد فاسد في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما جائز في الفلوس فقط. وفي زاد الفقهاء: لو قال: أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه نصفًا إلا حبة فسد البيع، ولو قال: أعطني درهما صغيرًا وزنه نصف درهم إلا حبة والباقي فلوسًا جاز. وفي شرح المختصر لأبي نصر السرخسي ذكر المسألة هكذا، ثم قال: فسد البيع في الكل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يصح البيع في الفلوس، وهكذا ذكر في سائر نسخ الشروح نصا ودلالة. وأما المعقول: فلأنه لما قال: وبنصفه نصفًا إلا حبة فقد صرح بالمقابلة بالربا، فلا يمكن تصحيح تصرفه إلى غيره، فبهذا ثبت أن هذا غلط، والصحيح ما ذكر في النسخ المتقنة، ومن أعطى الصيرفي درهما وقال: أعطني نصف درهم فلوس ونصفًا إلا حبة. مسائل تتعلق بهذا الباب تصارفا جنسًا بجنس متساويًا، فزاد أحدهما أو حطّ شيئًا، وقبل الآخر يلتحق بأصل العقد، ويفسد العقد الأول عنده (١)، وقال أبو يوسف (٢): لا يلتحق ولا يبطل الصرف، وبه قال زفر والشافعي (٣) وأحمد ومحمد في الزيادة، وقال محمد (٤): يصح الحط ولا يفسد الصرف، و [لا] (٥) يجعل الحط هبة مبتدأة. ولو تصارفا بغير الجنس فزاد أو حط جاز، لعدم الربا غير أن الزيادة يعتبر قبضها في مجلس الزيادة؛ لأنها ثمن الصرف.

стр. 5024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال زفر والشافعي وأحمد: الزيادة لا تلحق بأصل العقد فلا يعتبر قبضها في مجلس الزيادة؛ لأنها هبة ابتدائية. ولو افترقا لا عن قبض بطلت بحصتها من الآخر، كأنه باع بالكل ثم فسد في البعض؛ لعدم القبض، والحط جائز (١) سواء كان قبل التفرق أو بعده، ويرد الذي حط ما حط، وإن كان الحط قيراط ذهب فهو شريك في الدينار مثلا؛ لأن في تبعيضه ضررًا، وكل مال ربوي لم يجز بيعه مرابحة ولا مواضعة؛ لأنه ربا إذا اشتراه بجنسه ويجوز بخلاف جنسه. ولو اشترى مصوغًا من فضة بفضة أو من ذهب وتقابضا فوجد المشترى معيبًا؛ له أن يرده بالعيب، فإن رده بقضاء لا بأس إن لم يقبض الثمن من البائع في مجلس الرد؛ لأنه فسخ، وبغير قضاء يشترط القبض في مجلس الرد فإن قبض صح الرد، وإلا بطل، وعاد البيع الأول؛ لأنه بيع في حق الشرع، فإن تعذر الرد؛ بأن هلك في يده أو حدث به عيب آخر، رجع بأرش العيب إن كان الثمن ذهبًا؛ لتعذر الفسخ، وإن كان فضة لا يرجع؛ لأنه يؤدي إلى الربا فإن قبله البائع بعيبه له ذلك، والخيار للمشتري. ولو أبرأ أحد المتصارفين صاحبه قبل قبضه أو تصدق عليه قبل قبضه بطل الصرف وبطل الدين كما في السلم، ولو أخذ بدلًا لا من جنسه إذا اشترى به شيئًا فالشراء فاسد، والصرف بحاله يقبض بدله، وقال زفر: يجوز. كذا في الكافي. في المحيط: اشترى دينارًا بدرهم، ولا دينار لهذا ولا درهم لهذا، ثم نقدا وتقابضا قبل التفرق جاز، وفي المكيل لا يجوز. وعن أبي حنيفة: اشترى فلوسًا بدراهم، ولا فلوس ولا دراهم لهما، ثم نقد أحدهما، ثم تفرقا جاز (٢)، ولو كان مكان الفلوس دينار لم يجز. اشترى سيفا حليته مائة درهم فضة بمائتي درهم، ثم علم أن حليته مائتا درهم قبل التفرق؛ فإن شاء زاد في الثمن مائة أخرى، وإن شاء فسخ، ولو علم بعد التقابض والتفرق بطل العقد، ولو كان ذلك في إبريق فضة يبطل العقد في نصف الإبريق.

стр. 5025

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الكَفَالَةِ كِتَابُ الْكَفَالَةِ أورد الكفالة عقيب البيوع؛ لما أن الكفالة تحتاج في البياعات غالبًا؛ لعدم اعتماد أحد المتبايعين على الآخر، فيكون كأثره، فيعقبه، أو لأنها إذا كانت بالأمر فهي معاوضة انتهاء، ولها بالصرف مناسبة خاصة من حيث إن لكل واحد معاملة فيما يجب في الذمة، وهو الدراهم والدنانير. ثم من محاسن الكفالة إظهار الشفقة ومراعاة الأخوة وتسهيل الأمر على الطالب والمطلوب، وقد من الله تعالى على مريم بقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقد ذكر الله تعالى نبيًّا باسم ذي الكفل إظهارا لمنته عليه. وقيل: إنه كفل عددًا من الأنبياء عن ملك قصد قتلهم. ثم الكفالة لغةً وشرعًا مذكور في الكتاب. وفي المغرب (١): تركيبه دال على الضم والتضمين، حتى يقال: ضمين وكفيل، ومنه: كفل، وهو كساء يُدار حول سنام البعير كالحوية ثم يركب، ومنه كفل الشيطان؛ أي: مركبه. وركنها الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة (٢) ومحمد والشافعي (٣)، وقال أبو يوسف (٤) آخرًا والشافعي في قول (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧): الكفالة تتم بالكفيل وحده، وجد القبول أو لا. اختلف المشايخ على قوله، قيل: يصح من الكفيل موقوفا على إجازة الطالب، وقيل: يصح نافذا وللطالب حق الرد.

стр. 5026

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفائدة الاختلاف تظهر فيما إذا مات الطالب قبل القبول لا يؤاخذ به الكفيل عند من قال بالتوقف. وشرطها أن يكون الدين صحيحًا في الذمة عندنا، وأن يكون الكفيل من أهل التبرع حتى لا يصح ضمان العبد المحجور عند عامة العلماء. وأما ألفاظها مذكور في المتن. وأما حكمها توجه المطالبة بما التزم وحكمها ثبوت المطالبة ممن شاء من الأصيل والكفيل عند عامة الفقهاء، وعن مالك في رواية (١) أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر عليه المطالبة من المضمون عنه، وعن أبي ثور (٢) مثله، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأبو ثور: ينقل الحق إلى ذمة الكفيل فلا يطالب الأصيل كما في الحوالة (٣). ونقل صاحب المنظومة عن مالك: يسقط الدين عن ذمة الأصيل، وهذا خلاف ما ذكر في مشاهير كتبه، واحتج ابن أبي ليلى ومن تبعه بما روى أبو سعيد الخدري أنه ﵇ حضر جنازة وقال: «هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ»؟ قالوا: نعم، درهمان، فقال ﵇: «صَلُّوا على صَاحِبِكُم»، فقال علي ﵁: أنا لهما ضامن، فقام ﵇ وصلى عليه. ثم أقبل على عليٍّ وقال: «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، وَفَكَ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ»، فقيل يا رسول الله: لعليٍّ خاصةً هذا أم للناس كافة؟ فقال: «لِلنَّاس كَافَّةً» (٤)، فدل أن المضمون عنه بريء من الضمان. وللعامة قوله ﵇: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعلّقةٌ بِدَينِهِ حتّى يُقضَى عَنْهُ» (٥)، وقوله

стр. 5027

الكَفَالَةُ: هِيَ الضَّمُّ لُغَة، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] ثُمَّ قِيلَ: هِيَ ضَمُّ الذِّمَّةِ إِلَى الذُّمَّةِ فِي المُطَالَبَةِ، وَقِيلَ: فِي الدِّينِ، في خبر أبي قتادة: «الآنَ بَرَدَتْ جَلْدَتُهُ» (١) وصلاة النبي ﷺ على المضمون عنه؛ فلأنه بالضمان صار له وفاءً، إنما امتنع من الصلاة على مديون لم يخلف وفاء، وأما قوله ﵇: «فك الله رهانك … » الحديث، فإنه كان بحال لا يصلى عليه، فلما ضمنه علي فكه عن ذلك. ثم الكفالة مشروعة بالكتاب، فقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢]، قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل، وبالسنة، قال ﵇: «الزعيم غارم»، رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن (٢)، وبالإجماع (٣) فإن الأمة اجتمعت على جواز الضمان، وإنما اختلفوا في فروع تذكر. قوله: (وقيل في الدين) فيثبت الدين في ذمة الكفيل، ولا يسقط عن المضمون، وبه قال الشافعي (٤) ومالك (٥) وأحمد (٦) في رواية.

стр. 5028

وَالأَوَّلُ أَصَحٌ. قَالَ: (الكَفَالَةُ ضَربَانِ: كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَكَفَالَةٌ بِالمَالِ. فَالكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ جَائِزَةٌ، وَالمَضمُونُ بِهَا إِحضَارُ المَكفُولِ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ وفي المبسوط (١): ذكر هذين القولين من غير ترجيح فقال: الكفالة ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل على وجه التوثق، وفيه طريقان: أحدهما: الضم في المطالبة دون أصل الدين، إذ تنفصل المطالبة عن أصل الدين، فإن الوكيل بالشراء يطالب بالثمن، مع أن الثمن على الموكل. والثاني: الضم في أصل الدين، فإن الكفالة إقراض للذمة، والتزام المطالبة يبتنى على التزام أصل الدين، وليس من ضرورة ثبوت المال في ذمة الكفيل مع بقائه في ذمة الأصيل ما يوجب زيادة حق المطالب؛ لأن الدين وإن ثبت في ذمة الكفيل فالاستيفاء لا يكون إلا من أحدهما، كالغاصب مع غاصب الغاصب فإن كل واحد ضامن للقيمة، ولا يكون حق المالك إلا في قيمة واحدة؛ لأنه لا يستوفي إلا من أحدهما، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة الآخر فكذا هنا؛ ولهذا لو وهب الدين للكفيل صح، ويرجع على الأصيل، مع أن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تصح (٢). ولو اشترى من الكفيل بالدين شيئًا يصح، مع أن الشراء بالدين من غير من عليه الدين لا يصح. (والأول أصح) لأن جعل الدين الواحد في حكم الدينين قلب الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة؛ لأن التوثق يحصل بالمطالبة، كالوكيل بالشراء فتتعدد المطالبة بدون الثمن. وأما الجواب عن مسألة الهبة والشراء: فإنا جعلناه في حكم الدينين تصحيحا لتصرف صاحب الحق؛ ضرورة تصحيحه، وقبله لا ضرورة. قوله: (وقال الشافعي (٣): لا يجوز).

стр. 5029

لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسلِيمِهِ، إِذْ لَا قُدرَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِ المَكْفُولِ بِهِ، بِخِلَافِ الكَفَالَةِ بِالمَالِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَة عَلَى مَالِ نَفْسِهِ. وَلَنَا: قَولُهُ ﵊: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَهَذَا يُفِيدُ مَشرُوعِيَّةَ الكَفَالَةِ بِنَوعَيهِ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بِطَرِيقِهِ، بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ مَكَانَهُ، فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَوْ يَستَعِينَ بِأَعْوَانِ القَاضِي فِي ذَلِكَ، وَالحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَحَقُّقُ مَعنَى الكَفَالَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فِي المُطَالَبَةِ فِيهِ. وفي الحلية: الكفالة بالنفس صحيحة على المنصوص، وهو قول عامة الفقهاء، فبعض أصحابنا قال: فيه قولان وأصحهما الصحة، وبعضهم قال: يصح قولا واحدًا، وما قال في الدعوى والبينات: إن الكفالة بالبدن ضعيفة؛ يعني في القياس، وإن كانت ثابتة بالإجماع والأثر. قوله: (لأنه) أي: الكفيل (كفل بما لا يقدر على تسليمه) فكان كبيع الطير في الهواء؛ وهذا لأن المكفول عنه حر لا ينقاد تسليمه؛ إذ لا ولاية له عليه، خصوصا إذا كفل بغير أمره، وكذا لو كفل بأمره؛ لأن أمره بالكفالة لا يثبت له الولاية عليه، وصار كالكفالة ببدن الشاهدين. قوله: (بنوعيه) أي: بنوعي الكفالة على تأويل عقد الكفالة. فإن قيل: قوله ﵇: «الزَّعِيم غَارِم» (١) يدل على غرم الكفيل، والكفيل بالنفس لا يغرم شيئًا، فكيف يصح الاستدلال به؟ قلنا: الغرم يبتنى على لزوم شيء يضره، وعلى الكفيل بالنفس يلزم الإحضار. كذا في شرح الأقطع. وقوله: (ولأنه يقدر على تسليمه) إلى آخره جواب عن قياس الشافعي. قوله: (والحاجة ماسة) أي: مهمة (إليه) أي: إلى عقد الكفالة بالنفس، وهي ضرورة إحياء حقوق العباد؛ لأنه ربما يغيب بنفسه فيتوى حق صاحب

стр. 5030

قَالَ: (وَتَنعَقِدُ إِذَا قَالَ: تَكَفَّلت بِنَفْسِ فُلَان أَوْ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِرُوحِهِ أَوْ بِجَسَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ، وَكَذَا بِبَدَنِهِ وَبِوَجْهِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الأَلفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ البَدَنِ إِمَّا حَقِيقَة أَوْ عُرفًا، عَلَى مَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، كَذَا إِذَا قَالَ: بِنِصفِهِ أَوْ بِثُلُثِهِ أَوْ بِجُزء مِنهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ الوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ، فَكَانَ ذِكرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكرِ كُلِّهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: تَكَفَّلْتُ بِيَدِ فُلَان أَوْ بِرِجْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ البَدَنِ حَتَّى لَا تَصِحُ إِضَافَةُ الطَّلَاقِ إِلَيْهِمَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ تَصِحُ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: ضَمِنته) الحق، ولأنه ﵇ كفل رجلا في تهمة، وكان بين علي وعمر ﵄ خصومة فكفلت أم كلثوم ﵂ بنفس علي (١). ولأن الظاهر أنه بنفاذه خصوصًا إذا كانت الكفالة بأمره، فإنه هو الذي أدخله في هذه الورطة، فعليه إخراجه، وإن كان بغير أمره يمكنه احضاره بأعوان القاضي، ولأن إلزام شيء يصح وإن كان لا يقدر عليه غالبًا، كمن نذر أن يحج عنه ألف حجة يلزمه، وإن كان لا يعيش ألف سنة، فكذا هنا يصح إلزام الإحضار، وإن كان الكفيل ربما يعجز عنه. إليه أشار في المبسوط (٢). قوله: (ولا يصح إضافة الطلاق) إلى اليد والرجل خلافًا للشافعي، وقال الشافعي (٣): يجوز الكفالة بما يعبر به عن البدن وجزء شائع، أو بجزء لا يمكن فصله عنه، كالقلب والكبد، وبه قال أحمد في رواية (٤)، وقال مالك (٥): يصح لكل عضو من بدنه، حتى لو قال بوجهه أو بعينه فهو كفالة بالنفس، وبه قال الشافعي في وجه (٦) وأحمد. وعندنا لو كفل بعينه - لم يذكره محمد عن أبي بكر البلخي - لا يصح، كما في الطلاق، ولو نوى البدن يصح كذا في المحيط، وفيه: الألفاظ التي تقع بها الكفالة: صريح وكناية، فالصريح كقوله: كفلت وضمنت وزعيم وقبيل وحميل وإليَّ وعليَّ، أو قال: لك عندي لهذا الرجل، أو قال: علي أن أوفيك به، أو عليَّ أن ألقاك به، أو دعه إليَّ فهو كفالة.

стр. 5031

لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُوجِبِهِ أَوْ قَالَ: هُوَ عَلَيَّ لِأَنَّهُ صِيغَةُ الانْتِزَامِ أَوْ قَالَ: إِلَيَّ لِأَنَّهُ فِي مَعنَى عَلَيَّ فِي هَذَا المَقَامِ. قَالَ ﵊: ﴿وَمَنْ تَرَكَ مَا لا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلَّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ﴾ (وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ بِهِ) لِأَنَّ الزَّعَامَةَ هِيَ الكَفَالَةُ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ. وَالقَبِيلُ هُوَ الكَفِيلُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّلُّ قَبَالَة، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ لِمَعرِفَتِهِ، لِأَنَّهُ التَزَمَ المَعْرِفَةَ دُونَ المُطَالَبَةِ. قوله: (لأنه تصريح بموجبه) أي: بموجب عقد الكفالة؛ لأنه يصير به ضامنًا للتسليم، والعقد ينعقد بالصريح بموجبه، كالبيع ينعقد بلفظ التمليك. والكلُّ: اليتيم هنا، والكل: العيال أيضًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَهُ﴾ [النحل: ٧٦] والجمع الكلول، والعيال: من تعوله؛ أي: تقويه وتنفق عليه. قوله: (أنا زعيم) وفي بعض النسخ: (أنا زعيم به). (وقد روينا فيه) وفي بعض النسخ: (الحديث) أي: في أن الزعامة الكفالة، الحديث. قوله: (أنا ضامن لمعرفته)، وفي الذخيرة: لو قال: أنا ضامن [لمعرفته، أو بمعرفته لا يصير كفيلا، وكان بمنزلة ما لو قال: أنا ضامن] (١) لك على أن أدلك عليه، أوقفك عليه، وذلك لا يكون كفالة. كذا هاهنا. وفي المنتقى: يكون كفيلا، وعلى هذا معاملة الناس، ولو قال بالفارسية: اشناني فلان تر من است قال الهندواني: يكون كفيلا، وهكذا ذكر شيخ الإسلام، وقال أبو الليث: لا يصير كفيلا، وبه أخذ الصدر الشهيد. وفي فتاوى قاضي خان ما قاله الهندواني أقرب إلى عُرف الناس، ثم قال: ولو قال: (اشناني منشت)، أو قال: (اشناشت) قالوا: يكون كفيلا بالنفس، وعامة المشايخ قالوا: لو قال: (اشناني فلان بر منشت)، أو قال: (فلان اسنا ست) يكون كفيلا،، فكأنهم فرقوا بين العربية والفارسية بالعرف.

стр. 5032

قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ فِي الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ تَسْلِيمَ المَكفُولِ بِهِ فِي وَقت بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ إحضَارُهُ إِذَا طَالَبَهُ فِي ذَلِكَ الوَقتِ) وَفَاء بِمَا التَزَمَهُ، (فَإِنْ أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا حَبَسَهُ الحَاكِمُ) لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إِيفَاءِ حَقٌّ مُستَحِقٌ عَلَيْهِ، وَلَكِن لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ مَا دَرَى لِمَاذَا يَدَّعِي. وَلَو غَابَ المَكْفُولُ بِنَفْسِهِ أَمهَلَهُ الحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَإِنْ مَضَت وَلَم يُحضِرُهُ يَحْبِسُهُ لِتَحَقَّقِ امْتِنَاعِهِ عَنْ إِيفَاءِ الحَقِّ. قَالَ: (وَكَذَا إِذَا ارتَدَّ - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَلَحِقَ بِدَارِ الحَربِ) وَهَذَا لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فِي المُدَّةِ فَيُنظَرُ كَالَّذِي أُعسِرَ، قوله: (وإلا حبسه الحاكم) هذا إذا لم يظهر عجزه، حتى لو ظهر عجزه فلا معنى للحبس، إلا أنه لا يحال بينه وبين الكفيل، فيلازمه ويطالبه ولا يحول بينه وبين أشغاله، وهكذا المفلس إذا أخرجه القاضي من السجن. كذا في الإيضاح. قوله: (ولو غاب المكفول بنفسه) أي: المدعى عليه (أمهله). وفي الذخيرة: هذا إذا علم مكانه، وإن لم يعلم مكانه سقطت المطالبة عن الكفيل للحال؛ لعجزه. ولو كان الكفيل يعرف مكانه أمهله قدر ذهابه ومجيئه، ويستوثق منه بكفيل، وحبسه بعد مضي تلك المدة إذا لم يخبره ويحضره، ولو وقع الاختلاف فقال الطالب: يعرف مكانه، وقال الكفيل: لا أعرف، فإن كانت له خرجة معروفة يخرج إلى موضع معلوم للتجارة في كل وقت - فالقول للطالب، ويؤمر الكفيل بالذهاب إليه؛ لأن الظاهر شاهد له، وإن لم يكن ذلك معروفًا منه - فالقول للكفيل؛ لأنه متمسك بالأصل، وهو الجهل، ومنكر للزوم المطالبة. وقيل: لا يلتفت إلى قول الكفيل، ويحبسه القاضي إلى أن يظهر عجزه؛ لأن المطالبة كانت متوجهة فلا يصدق على دعوى إسقاطها، فإن أقام المطالب بينة أنه في موضع كذا يؤمر الكفيل بالذهاب إليه. وفي بعض النسخ: وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب، وهذه المسألة ليست في بعض النسخ، إلى قوله: وإذا أحضره وسلمه، ثم معنى قوله: (وكذا إذا ارتد ولحق بدار الحرب) يعني: يمهله الحاكم مدة ذهابه إلى دار الحرب ومجيئه، وينبغي أن يبرأ الكفيل كما في الموت؛ لأن التحاق مرتد موت حكمي.

стр. 5033

وَلَو سَلَّمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَرِئَ، لِأَنَّ الأَجَلَ حَقَّهُ فَيَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ كَمَا فِي الدِّينِ المُؤَجَّلِ. قَالَ: (وَإِذَا أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ فِي مَكَان يَقْدِرُ المَكفُولُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مِصرٍ: بَرِئَ الكَفِيلُ مِنْ الكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا التَزَمَهُ وَحَصَلَ المَقْصُودُ والفرق أن اللحاق موت حكمي في قسمة ماله بين ورثته؛ لظهور عدم العصمة في ماله، كمال أهل الحرب، وأقرب الناس إليه وارثه فيعطى له، أما الحقوق الثابتة في ذمته كلزوم التوبة ورجوعه إلى الإسلام وتسليم النفس إلى من يستحق تسليمه فباقية كما كانت لبقاء ذمته حقيقة، والكفيل قادر على رده بأن يتقدم موادعة بيننا وبين أهل الحرب أن من لحق بهم مرتدا يردونهم علينا إذا طلبنا، وإن لم يتقدم موادعة على الوجه الذي قلنا فالكفيل لا يؤاخذ به. كذا في الذخيرة والمبسوط (١). وقال الشافعي (٢): لو غاب المكفول بنفسه غيبة منقطعة، بأن لا يعرف موضعه وينقطع خبره، سقط الطلب عن كفيله لعجزه. ولو غاب مسافة القصر، [وعلم مكانه ففيه وجهان: أظهرهما: لا يسقط الطلب عنه كما فيما دون مسافة القصر] (٣)، وهو قولنا (٤) وأحمد (٥) كما في اللحاق بدار الحرب، والثاني: أنه لا يطالب به إلحاقا بالغيبة المنقطعة (٦)، وقال مالك: لو سافر إلى موضع بعيد وليس من شأنه السفر إلى مثله سقط الطلب. ذكره في الجواهر. (ولو سلمه قبل ذلك) الوقت أي: الوقت الذي عينه (برئ؛ لأن الأجل حقه) أي: حق الكفيل. وفي المبسوط: كفله إلى شهر ثم سلمه قبل الشهر برئ (٧). قوله: (لأن التأجيل حق الكفيل) وقد أسقطه، كدين مؤجل قضاه قبل الأجل، ولم يكن للطالب أن يأبى القبول فكذا هذا، وقال أحمد (٨): إن كان في

стр. 5034

بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا التَزَمَ التَّسْلِيمَ إِلَّا مَرَّة. قال: (وَإِذَا كَفَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مَجْلِسِ القَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ بَرِئَ) لِحُصُولِ المَقصُودِ، وَقِيلَ فِي زَمَانِنَا: لَا يَبْرَأُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ المُعَاوَنَةُ عَلَى الامْتِنَاعِ لَا عَلَى الإِحْضَارِ فَكَانَ التَّقْبِيدُ مُفِيدًا (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّة لَم يَبْرَأ) لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهَا فَلَم يَحصُل المَقْصُودُ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ فِي سَوَاد لِعَدَمِ قَاضِ يَفْصِلُ الحُكمَ فِيهِ، وَلَو سَلَّمَ فِي مِصر آخَرَ غَيرِ المِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ، بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلقُدرَةِ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهِ. وَعِندَهُمَا: لَا يَبرَأُ (*)، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ. تسليمه قبل الأجل ضرر، مثل ألا يكون يوم مجلس الحكم، أو دين مؤجل لا يكون تسليمًا، وإلا يكون تسليمًا. قوله: (وفي زماننا لا يبرأ) قال مشايخنا المتأخرون: هذا الجواب على عادتهم في ذلك الزمان؛ لغلبة المعاونة على الحق، أما في زماننا فأكثر الناس يعينون على الامتناع من الحضور لغلبة أهل الفسق والفساد فلا يبرأ، وقالت الأئمة الثلاثة (١): إذا عيّن مكانًا، وفي تسليمه في غيره ضرر يتعين ذلك المكان. قوله: (وعندهما لا يبرأ) (٢) وبه قالت الأئمة الثلاثة (٣)، وعن بعض أصحاب أحمد (٤) مثل قول أبي حنيفة. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حُجّة وبرهان، فأبو حنيفة في القرن الثالث والغلبة لأهل الصلاح، والقضاة لا يرغبون في الميل إلى الرشوة، وعامل كل مصر ينقاد لأمر الخليفة، فلا يقع التفاوت بين مصر ومصر، وتغير الحال في زمنهما، وظهر الفساد والميل من القضاة إلى الرشوة، وعامل كل مصر لا ينقاد لأمر الخليفة فيُفيد التقييد ولهما ما ذكر في الكتاب.

стр. 5035

وَلَو سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى المُخَاصَمَةِ فِيهِ. قَالَ: (وَإِذَا مَاتَ المَكفُولُ بِهِ بَرِئَ الكَفِيلُ بِالنَّفْسِ مِنْ الكَفَالَةِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ إحضَارِهِ، وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الحُضُورُ عَنْ الأَصِيلِ فَيَسقُطُ الإِحْضَارُ عَنْ الكَفِيلِ، وَكَذَا إِذَا ولأبي حنيفة أنه سلمه في موضع أمن وغياث فيبرأ، كما لو سلمه في ذلك المصر؛ إذ يقدر على محاكمته عند القاضي ليثبت الحق أو يأخذ الكفيل، ويمكن أن يكون شهوده في ذلك، ويمكن ألا يكون فيقابل الموهومات، وبقي التسليم متحققا من الكفيل على الوجه الذي التزمه. كذا في المبسوط (١). قوله: (ولو سلمه في السجن) إلى آخره، وعند مالك يبرأ، وعند أحمد (٢) إن كان في سجن القاضي الذي يُرفع الحكم إليه يبرأ، وإلا فلا. قوله: (فإذا مات المكفول به) وهو المدعى عليه (برئ الكفيل بالنفس من الكفالة) وبه قال الشافعي في وجه (٣) وأحمد (٤)، وقال في أصح الوجهين: يطالب بإحضار الميت ما لم يدفن، إذا أراد المكفول إقامة الشهادة على صورته، كما لو تكفل ابتداء ببدن الميت، وهل يطالب الكفيل بما عليه أو لا؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، وبه قال أصحابنا (٥) وأحمد (٦) والشعبي وشريح وحماد بن أبي سليمان، وقال (٧) مالك والليث: يلزمه ما عليه، وبه قال ابن شريح من أصحاب الشافعي (٨)؛ لأن الكفالة وثيقة فيستوفى الحق منها إذا تعذر تحصيله ممن عليه، كالرهن. وقلنا: التزم إحضاره لا بما عليه، كما لو ضمن المسلم فيه فانقطع، لا يطالب برأس المال الضمين. كذا في شرح الوجيز.

стр. 5036

مَاتَ الكَفِيلُ، لِأَنَّهُ لَم يَبْقَ قَادِرًا عَلَى تَسلِيمِ المَكفُولِ بِنَفْسِهِ، وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الوَاجِبِ بِخِلَافِ الكَفِيلِ بِالمَالِ. وَلَو مَاتَ المَكفُولُ لَهُ فَلِلوَصِيِّ أَنْ يُطَالِبَ الكَفِيلَ، فَإِنْ لَم يَكُنْ فَلِوَارِثِهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ المَيِّتِ. قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ آخَرَ وَلَم يَقُل: إِذَا دَفَعْتُ إِلَيْكَ فَأَنَا بَرِيءٌ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَهُوَ بَرِيءٌ) لِأَنَّهُ مُوجِبُ التَّصَرُّفِ فَيَثْبُتُ بِدُونِ التَّنصِيصِ عَلَيْهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ قوله: (لإيفاء هذا الواجب) وهو الإحضار وتسليم المكفول به، فإن مال الكفيل لا يصلح لذلك، بخلاف الكفالة بالمال، فإن المال لا يقوم مقام النفس؛ إذ المال غير النفس، والواجب (١) بهذه الكفالة إحضار النفس، على أن الورثة إنما يخلفونه فيما له لا فيما عليه، بخلاف الكفيل بالمال، حيث لا تبطل الكفالة بموته؛ إذ المقصود هنا إيفاء حق المكفول به بالمال، ومال الكفيل صالح له، فلا تبطل الكفالة، ويؤخذ من تركته، وترجع ورثته على المكفول عنه، إذا كانت الكفالة بأمره كما في حال الحياة. ولو كان الدين مؤجلا، ومات الكفيل قبل الأجل يؤخذ من تركته حالا، ولكن ورثته ترجع على الذي عليه الأصل بعد حلول الأجل؛ لأن الأجل باق في حق الأصيل؛ لبقاء حاجته، أما الكفيل استغنى عن الأجل بالموت. كذا في المبسوط (٢). وبقولنا قال الشافعي (٣) وأحمد (٤)، وعن زفر (٥) أن للورثة مطالبته حالا؛ لأنه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته. وقلنا: إنه دين مؤجل، فلا تجوز مطالبته قبل الأجل، وإنما أدخله في الدين المؤجل وحلوله بسبب من جهته، فصار كما لو قضى قبل الأجل. قوله: (لأنه) أي: دفع المكفول به إلى الطالب (موجب التصرف) الكفالة

стр. 5037

الطَّالِبِ التَّسْلِيمَ كَمَا فِي قَضَاءِ الدِّينِ، وَلَو سَلَّمَ المَكفُولُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ صَحَّ، لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالخُصُومَةِ فَكَانَ لَهُ وِلَايَةُ الدَّفْعِ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِ وَكِيلُ الكَفِيلِ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ. والموجبات تثبت بدون ذكرها صريحًا، كثبوت الملك بالشراء وإن لم يصرح به. قوله: (كما في قضاء الدين) إذا سلمه - ولا مانع هاهنا من القبض برئ المديون وإن لم يقبضه، وكالغاصب إذ ردَّ المغصوب على المالك، والبائع إذا سلم المبيع إلى المشتري، وبه قال مالك (١) وأحمد (٢). وقال الشافعي (٣): لزمه القبول، ولو امتنع من القبول؛ قال بعض أصحابه: رُفِعَ الأمر إلى القاضي، ويسلمه حتى يبرأ، فإن لم يجد حاكمًا أحضر شاهدين ليشهدوا على امتناعه، وبه قال بعض أصحاب أحمد (٤). قوله: (لأنه مطالب) أي: لأن المكفول به مطالب (بالخصومة) وفي بعض النسخ (بالحضور). وفي المبسوط: لو دفع نفسه، وقال: دفعت نفسي إليك من كفالة فلان - برئ الكفيل، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن للكفيل أن يطالبه بالحضور ويسلمه إذا طولب به؛ فهو إنما يبرئ نفسه عن ذلك بهذا التسليم، فلا يكون متبرعًا فيه، كالمحيل إذا قضى الدين بنفسه يصح تسليمه قبل الطالب أو لم يقبله (٥). وفي شرح الوجيز ولو قال: سلمتُ نفسي إليك من جهة الكفيل يبرأ الكفيل، ولو لم يسلم نفسه من جهة الكفيل لم يبرأ الكفيل، ولو سلمه أجنبي لا عن جهة الكفيل لم يبرأ الكفيل، وهذا لا خلاف فيه، ولو سلمه الأجنبي من جهة الكفيل؛ إن كان بأمر الكفيل يبرأ الكفيل؛ لأنه وكيل الكفيل ورسوله، وإلا لا، ولكن لو قبل الطالب برئ الكفيل، ولا نعلم فيه خلافًا.

стр. 5038

قالَ: (فَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ إِلَى وَقتِ كَذَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَلفُ: فَلَم يُحضِرهُ إِلَى ذَلِكَ الوَقتِ لَزِمَهُ ضَمَانُ المَالِ لِأَنَّ الكَفَالَةَ بِالمَالِ مُعَلَّقَةٌ بِشَرط عَدَمِ المُوَافَاةِ، وَهَذَا التَّعلِيقُ صَحِيحٌ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرطُ لَزِمَهُ المَالُ وَلَا يَبْرَأُ عَنْ الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ) لِأَنَّ وُجُوبَ المَالِ عَلَيْهِ بِالكَفَالَةِ لَا يُنَافِي الكَفَالَةَ بِنَفْسِهِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّوَثُقِ. قوله: (وإن لم يواف به أَيْ: إن لم يأت به، وافاه: أتاه، مفاعلة من الوفاء، ومنه كفل بنفس رجل على أن يوافي به المسجد الأعظم. كذا في المغرب (١). والتقييد بما عليه مفيد، لأنه إذا قال ما عليه ولم يُسَمِّ كم هو جاز؛ لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحتها، لأنها مبنية على التوسع، ولأن ما عليه معلوم في نفسه، وإن لم يكن معلومًا فإعلامه ممكن؛ ألا ترى أنه قال: لو تكفلت بما أدركك في هذه الجارية المشتراة من درك كان جائزا، وأصل اللحوق في الدرك، وقدر ما يلحقه فيه الدرك مجهول، وقد اعتاد الكفالة بهذه الصفة، وكذا الكفالة بالشجة صحيحة، مع أن الشجة غير معلومة: هل تبلغ النفس أم لا تبلغ؟ وبقولنا قال أحمد (٢). قوله: (ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس)، فإن قيل: ينبغي أن يبرأ؛ إذ وجوب الكفالة بالمال بطريق البدلية من الكفالة بالنفس، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله ﵇: «التُرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ إِلى عَشْرِ حُجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ المَاءَ» (٣)، فإن قوله: (إن لم يواف به غدًا فأنا ضامن) - وزانه. قلنا: الكفالة بالمال ليست ببدل عن الكفالة بالنفس؛ لأن كل واحد منهما مشروع للتوثق) فالتوثق بالكفالة بالنفس لا ينافي التوثق بالكفالة بالمال، وهذه

стр. 5039

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الكَفَالَةُ، لِأَنَّهُ تَعلِيقُ سَبَبِ وُجُوبِ المَالِ بِالخَطَرِ فَأَشبَهَ البيع. الصنعة هنا لم تكن لإظهار البدلية؛ بل هي لتعلق الكفالة بالمال، وهي مما تتعلق بالشروط الملائمة كما يجيء. وفي المبسوط: لا منافاة بين الكفالتين، ولهذا لو كفل بهما جميعًا كان صحيحًا، وبعدما صحت الكفالة بالنفس لا يبرأ عنها إلا بالموافاة بالنفس، ولم يوجد، وهذا نظير ما لو وكل رجلا أن يخلع امرأته، وقال له: إن أبت الخلع فطلقها، فأبت فطلقها الوكيل - وقع، ولا تبطل الوكالة بالخلع، حتى لو خلع في العدة جاز الخلع. قوله: (وقال الشافعي) (١) وفي المبسوط ذكر ابن أبي ليلى مكان الشافعي. ثم التقييد بقوله: (هذه الكفالة) للاحتراز عن سائر الكفالات بالمال بدون التعليق بالشروط، لا للاحتراز عن الكفالة بالمال، فإن عنده كلتاهما باطلتان، ذكره الإمام قاضي خان والمرغيناني؛ لما أن الكفالة بالنفس لا تصح عنده؛ لما مر. كذا في النهاية. قلتُ: على قوله: المنصوص بصحة الكفالة بالنفس تبطل الكفالة بالمال فقط، ويفهم ذلك من كتبهم، وتعليل الكتاب يدل أيضًا عليه. (لأنه) أي: هذا التعليق (تعليق وجود (المال) (٢) أي: سبب وجوب المال، وبه صرح في بعض النسخ فأشبه البيع) أي: تعليق البيع، وصار كما لو قال: إن دخلت الدار فأنا كفيل بمالك على فلان. ولنا قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢] علق الكفالة بالشرط، وهو المجيء بالصاع، وشريعة من قبلنا تلزمنا قبل النسخ، ولأن القياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع، وقد يتامل الناس تعليق الكفالة بعدم الموافاة.

стр. 5040

وَلَنَا: أَنَّهُ يُشبِهُ البَيعَ وَيُشبِهُ النَّذَرَ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ التِزَامُ. فَقُلْنَا: لَا يَصِحُ تَعلِيقُهُ بِمُطلَقِ الشَّرطِ، كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ. وَيَصِحُ بِشَرط مُتَعَارَف عَمَلًا بِالشَّبَهَينِ، وَالتَّعْلِيقُ بِعَدَمِ المُوَافَاةِ مُتَعَارَفٌ. قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ رَجُل وَقَالَ: إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ المَالُ، فَإِنْ مَاتَ المَكفُولُ عَنهُ: ضَمِنَ المَالَ) لِتَحَقُّقِ الشَّرطِ وَهُوَ عَدَمُ المُوَافَاةِ. (ولنا أنه) أي: عقد الكفالة (يشبه البيع) أي: انتهاء، من حيث إن الكفيل يرجع على الأصيل إذا كان بأمره (ويشبه النذر) من حيث إنه التزام شيء غير لازم؛ فلشبهه بالبيع ألا يجوز تعليقه بالشرط كما في البيع، ولشبهه بالنذر ينبغي أن يجوز بالشروط كلها، فقلنا: يجوز بشرط متعارف ولا يجوز بشرط غير متعارف؛ عملا بالشبهين، وتعليقه بعدم الموافاة متعارف، وبدخول الدار غير متعارف، وما قال الشافعي: إن هذا التعليق التزام المال، غير مسلم، فإن الكفالة عندنا التزام المطالبة لالتزام المال. كذا في الفوائد الظهيرية. قوله: (ومن كفل بنفس رجل) إلى قوله: (وهو عدم الموافاة). فإن قيل: هذه المسألة عين الأولى، غير أن في الأولى لم يذكر موت المكفول به، وهاهنا ذكره، وبه لا يقع الفرق؛ إذ لزوم المال بموته وعدم موته لا يتفاوت. قلنا: بل بينهما فرق، وهو أنه لم يذكر في بعض نسخ الجامع لفظ الغد في هذه المسألة، فكان تعليق الكفالة بالمال بعدم الموافاة مطلقا، وهناك مقيدًا، فكان بينهما فرق؛ إذ المطلق غير المقيد، وعلى ذكر الغد فالفرق بينهما بوجه آخر: وهو أن المكفول به مات قبل مجيء الغد، فوجب المال على الكفيل عند مجيء الغد فيتوهم متوهم بافتراق الحكم في عدم الموافاة بين كونه حيًّا أو ميتا، فأزال ذلك الوهم بذكرها. فإن قيل: شرط الكفالة بالمال عند عدم الموافاة بقاء الكفالة بالنفس على حالها؛ ولهذا لو أبرأ الكفيل عن الكفالة بالنفس عند عدم الموافاة، فانفسخت الكفالة بالنفس قبل وجود شرط الكفالة بالمال في مسألة: (شرب ماء الكوز اليوم فأهريق قبل الليل)، لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد.

стр. 5041

قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مِائَةَ دِينَارٍ بَيَّنَهَا أَوْ لَم يُبَيِّنَهَا، قلنا: الإبراء وضع لفسخ الكفالة، والموت لم يوضع له، فبالإبراء تنفسخ الكفالة من كل وجه، وبالموت ينفسخ فيما يرجع إلى المطالبة بتسليم النفس ضرورة عجز الكفيل عنه، ولا ضرورة بالقول بانفساخها في حق الكفالة بالمال؛ لأن عدم الموافاة بالعجز عن تسليم النفس يتحقق. كذا في الفوائد الظهيرية. ثم قال: وهذا إذا مات المكفول به فإن مات الكفيل قبل انقضاء المدة فأشار في الأصل أن المال يجب دينًا في تركة الكفيل إذا مضت المدة. وذكر المحبوبي في جامعه جواب تلك الشبهة بوجه آخر فقال: تصحيح الكفالة هاهنا بطريق التقديم والتأخير، وهو أن يجعل كأنه كفل بالمال في الحال، ثم علق الإبراء منها بالموافاة بالنفس، والموافاة بالنفس لا توجد بالموت، فبقي المال واجبًا، ولا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير في اليمين بالطلاق، ولأن الطلاق يحتمل التعليق بالشرط، وبعد الوقوع لا يحتمل الرفع؛ فلهذا افترقا. قوله: (وبيَّنها) أي: صفة مائة دينار؛ أنها جيدة أو رديئة، أو خليفية أو ركنية (أو لم يبينها) أو معناه، وبين المائة بدعواه مائة دينار، ولم يبين قدر الدينار، ولم يذكر المائة؛ إذ صورة المسألة في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام: رجل ادعى عليه مائة دينار، أو لزمه ولم يدع عليه المائة دينار، وقال رجل: دعه أنا كفيل بنفسه إلى غد، فإن لم أوافك به غدًا فعلي المائة دينار، فَرَضِيَ به ولم يواف به. قال: عليه المائة دينار في الوجهين جميعًا إذا ادعى صاحب الحق، وهذا قول أبي يوسف. وقال محمد (١): إذا ادعاها ولم يسمها حتى كفل به بمائة دينار، ثم ادعى بعد ذلك لا يلتفت إلى دعواه، وبقول محمد قال الشافعي (٢)، وبقولهما قال أحمد (٣).

стр. 5042

حَتَّى تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ رَجُلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ المِائَةُ، فَلَم يُوَافِ بِهِ غَدًا: فَعَلَيْهِ المِائَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ لَم يُبَيِّنَهَا حَتَّى تَكَفَّلَ بِهِ رَجُلٌ ثُمَّ ادَّعَى بَعدَ ذَلِكَ لَم يُلتَفَت إِلَى دَعوَاهُ (*) لِأَنَّهُ عَلَّقَ مَالًا مُطلَقًا بِخَطَر؛ أَلَا وفي شرح المجمع: هاهنا ثلاث مسائل: إحداها: أن يكفل بنفس زيد، وقال: إن لم أوافك غدًا فعلي ألف درهم، ولم يقل التي لك على زيد. والثانية: أن يقول: الألف التي لك على زيد. والثالثة: أن يقول: تكفلتُ لك بنفس زيد إن لم أوافك به غدًا فعلي نفس عمرو، وعمرو غريم آخر للطالب، أو مالك على عمرو. فعند محمد تصح الكفالة في التي قال: عليَّ الألف التي لك على زيد فقط، وفي القياس: لم تصح الكفالة الثانية؛ لما أنه تعليق وجوب المال بالخطر، وفي الاستحسان يجوز في العرف ولا تعارف في غيرها. قوله: (إن لم يبينها) أي: صفة المائة، أو نفس المائة بأن لم يذكرها (لم يلتفت إلى دعواه) أي: دعوى الطالب (لأنه) أي: الكفيل (علق مالا مطلقًا) أراد بإطلاقه عدم نسبة المائة المدعى به، حيث لم يقل: تكفلت بمالك عليه (بخطر) أي: بتردد، وهو شرط عدم الموافاة، فلا تصح الكفالة على هذا الوجه، وإن بين المائة لاحتمال أن يلزم المائة على وجه الرشوة للمدعي حتى يترك المدعى عليه في الحال. هكذا ذكر الماتريدي. وذكر الكرخي (١): إن لم يدع مالا مقدرًا لم يستوجب إحضاره إلى مجلس القاضي؛ لفساد الدعوى لجهالة المدعى به فلم تصح الكفالة بالنفس، فلم تصح الكفالة بالمال؛ لأنها بناء على الكفالة بالنفس، وهذا يوجب أن تصح الكفالة بالنفس إذا بين المال. ولهما أن المال معرّف فينصرف إلى ما عليه؛ تصحيحا لكلام العاقل إذا

стр. 5043

يَرَى أَنَّهُ لَم يَنسُبُهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَلَا تَصِحُ الكَفَالَةُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ وَإِنْ بَيَّنَهَا، وَلِأَنَّهُ لَم تَصِحَ الدَّعَوَى مِنْ غَيْرِ بَيَان، فَلَا يَجِبُ إِحضَارُ النَّفْسِ، وَإِذَا لَمْ يَجِب لَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَلَا تَصِحُ بِالمَالِ، لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَيَّنَ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَالَ ذُكِرَ مُعَرَّفا فَيَنصَرِفُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَالعَادَةُ جَرَت بِالإِجْمَالِ فِي الدَّعَاوَى فَتَصِحٌ الدَّعْوَى عَلَى اعْتِبَارِ البَيَانِ، فَإِذَا بَيَّنَ التَحَقَ البَيَانُ بِأَصلِ الدَّعْوَى، فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ الكَفَالَةِ الأُولَى فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ. قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ: كان المال معلومًا عند الدعوى، وأما إذا لم يكن معلومًا عند الدعوى؛ فلأن العادة جرت فيما بين الناس أنهم يحملون الدعوى أولا في غير مجلس القاضي، ويبينون عند القاضي دفعًا لحيل الخصوم، وصونًا لكلامهم إلى وقت الحاجة، فصحت الدعوى والملازمة على احتمال البيان من جهته، فإذا بين انصرف بيانه إلى ابتداء الدعوى فتظهر به صحت الكفالة بالنفس، فتصح الكفالة بالمال؛ لأنها بناء على الكفالة بالنفس، ويكون القول له في هذا البيان؛ لأنه يدعي صحة الكفالة، والكفيل يدعي الفساد. ذكر في الذخيرة: وجه قولهما في المسألة: أن بين الكفالتين اتصالا؛ لأن التعليق بعدم الموافاة صحيحة كما في المسألة الأولى، وفي تصحيح الكفالة الثانية تأكيد موجب الأولى فكذا هاهنا؛ لأن الكفالتين بشخص، واحد ففي تصحيحه تأكيد موجب الأولى، لأن موجبها الموافاة، فمتى عُلم أنه لم يواف به لزمته الكفالة الثانية، جد في طلبه ليوافي به؛ دفعا لضرر التزام الثانية. قوله: (ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود) إلى آخره (١)، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي في قول (٢)، وأحمد (٣) وأكثر أهل العلم، وعندهما يجبر في حد القذف والقصاص، وبه قال الشافعي في المشهور عنه (٤)، وعن مالك مثله (٥).

стр. 5044

لَا يُجبَرُ عَلَيْهَا عِندَهُ، وَقَالَا: يُجبَرُ فِي حَدِّ القَدْفِ (*)، لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبدِ وَفِي القِصَاصِ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقَّ العَبدِ وصورة المسألة: أن تكفل بنفس من عليه حد أو قصاص حتى يحضره في مجلس القاضي إذا جاء الشهود أو عدلوا، أما لو كفل بنفس الحد والقصاص لا يجوز بالإجماع (١)؛ لأن الكفالة إنما تصح فيما تجري فيه النيابة، وفي إيفاء الحد لا تجري النيابة، لأنه من العقوبات، وفيها لا تجري النيابة؛ لعدم حصول المقصود، وهو الزجر. قوله: (وقالا: يجبر … . لأن فيه) أي: في حد القذف (حق العبد) وإن كان المغلب حق الله تعالى؛ ولهذا شرط فيه الدعوى، والمدعي يحتاج إلى أن يجمع بين الشهود وبين المطلوب، والمطلوب قد يخفي نفسه، فيحتاج إلى أن يأخذ منه كفيلا. وألحق الإمام المحبوبي حد السرقة بحد القذف في الجبر بالكفالة على قولهما، وفي الجواز بغير الجبر على قول أبي حنيفة؛ لأنه من الحدود التي يتعلق بها حق العباد. وقال المرغيناني: ليس تفسير الجبر هنا الحبس، لكن يأمره بالملازمة، وليس تفسير الملازمة المنع من الذهاب؛ لكن يذهب الطالب مع المطلوب فيدور معه أينما دار؛ كيلا يتغيب، فإذا انتهى إلى باب الدار وأراد الدخول يستأذنه الطالب في الدخول، فإن أذن له يدخل معه ويسكن حيث سكن، وإن لم يأذن يجلسه في باب داره ويمنعه من الدخول. (لأنه) أي: القصاص (خالص حق العبد) أي: المغلب، فيجري الجبر في أخذ الكفيل كما في سائر حقوقه؛ بخلاف الحدود الخالصة، كحد الزنا وشرب الخمر حيث لا تجوز الكفالة بها، وإن طابت نفس الكفيل به، سواء أعطى الكفيل قبل إقامة البينة أو بعدها؛ لأن قبلها لم يستحق عليه حضور مجلس

стр. 5045

فَيَلِيقُ بِهِمَا الاستيثَاقُ كَمَا فِي التَّعزِيرِ، بِخِلَافِ الحُدُودِ الخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَولُهُ ﵊: «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٌ» مِنْ غَيْرِ فصل، وَلِأَنَّ مَبْنَى الكُلِّ عَلَى الدَّرءِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الاسْتِيثَاقُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الحُقُوقِ، لِأَنَّهَا لَا تَندَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَيَلِيقُ بِهَا الاستِيثَاقُ كَمَا فِي التَّعْزِيرِ (وَلَو سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِهِ يَصِحُ بِالإِجْمَاعِ)، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَرتِيبُ مُوجِبِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ الحكم بسبب الدعوى؛ لأنه لا تسمع دعوى أحد في الزنا والشرب، فهذا لو تكفل بحق واجب على الأصيل، وبعد قيام البينة قبل التعديل يحبس، وبه يحصل الاستيثاق، فلا معنى لأخذ الكفيل، بخلاف ما فيه حق العبد فإن حضوره مجلس الحكم مستحق عليه، فتصح الكفالة بإحضاره. قوله: (فلا يجب فيها الاستيثاق)، فإن قيل: ينبغي ألا يحبس بعد إقامة شاهد عدل؛ لأن معنى الاستيثاق فيه أكثر. قلنا: الحبس ليس للاحتياط؛ بل لتهمة الدعارة والفساد، فيحبس تعزيرا به. كذا في الفوائد الظهيرية. وفي جامع البرهاني: فإذا لم يكفل عنده ماذا يصنع به؟ قال: يلازمه إلى وقت قيام القاضي عن المجلس، فإن أحضر البينة فيها وإلا خلى سبيله، هذا إذا لم يقم شاهدًا عدلًا أو شاهدين مستورين، فإن أقام يحبس لا للتكفيل بل للتهمة، والحبس للتهمة مشروع فإنه ﵇ «حَبَسَ رَجُلًا بِالتَّهْمَةِ» (١). قوله: (كما في التعزير) أي: يجبر المطلوب في إعطاء الكفيل في الشيء الذي فيه التعزير؛ لأن هذه الدعاوى ودعوى المال سواء؛ لأن التعزير يخص حق العبد، ويثبت مع الشبهات، وبالشهادة على الشهادة، ويحلف فيه، فيجبر فيه، كالأموال. قوله: (ولو سمحت نفسه) أي: نفس المدعى عليه بإعطاء الكفيل للطالب من غير جبر عليه في القصاص والحدود يصح بالإجماع.
следующие страницы →