المِثْلِ بِالمِثْلِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالصِّفَةِ إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ القَبْضُ فِي المَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ أَوْ إِلَى شَهْرٍ صَحَ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ إِسْقَاطًا لِلدَّنَانِيرِ كُلِّهَا وَالدَّرَاهِم إِلَّا مِائَةً وَتَأْجِيلًا لِلْبَاقِي فَلَا يُجْعَلُ مُعَاوَضَةٌ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَوْ لِأَنَّ مَعْنَى الإِسْقَاطِ فِيهِ أَلْزَمُ. قَالَ: (وَمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفُ دِرْهَم فَقَالَ: أَدْ إِلَيَّ غَدًا مِنهَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ، فَفَعَلَ فَهُوَ بَرِيءٌ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الخَمْسَمِائَةِ غَدًا، عَادَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَعُودُ عَلَيْهِ) (*) لِأَنَّهُ إِبْرَاء مُطْلَقٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ
(ولا معتبر بالصفة)، أي: الجودة ساقطة العبرة في الأموال الربوية بالنص، إلا أنه يشترط القبض في المجلس لأنه صرف.
قوله: (ولأن معنى الإسقاط فيه)، أي: في الصلح، (ألزم)؛ لأنه مبني على الحطيطة، والحط هنا أكثر فيكون الإسقاط ألزم.
ولو صالح عن ألف درهم وعشرة دنانير على ألف درهم وعشرة دراهم على أن ينقد خمسمائة والباقي إلى أجل، ثم نقد خمسمائة في المجلس صح الصلح عند أبي يوسف؛ لأن المقبوض يجعل من الصرف وغيره، وعند محمد لا يصح؛ لأن العقد في الدنانير صرف فقد صار التأجيل شرطا في الصرف فأفسده. قوله: (ومن له على آخر ألف درهم)، قال في جامع البزدوي، والمحبوبي، وقاضي خان: ألف درهم حالة (١).
(وقال أبو يوسف: لا يعود عليه)، سواء دفع الألف غدًا، أو لم يدفع؛ لأن الإبراء حصل مطلقًا فلا يعود بعد النقد؛ لأنه شرط ضائع، إذ النقد واجب عليه اليوم، فكان نقد الخمسمائة لا يصلح عوضًا عن الإبراء؛ لأن النقد واجب عليه اليوم وغدًا؛ لأن المال حال فلا يصلح النقد عوضًا في الصلح، وإذا لم يصلح عوضًا صار ذكره والعدم بمنزلة، فكان الإبراء حاصلا مطلقا فلا يعود بعدم النقد.
стр. 5742
أَدَاءَ الخَمْسِمِائَةِ عِوَضًا حَيْثُ ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ «عَلَى» وَهِيَ لِلْمُعَاوَضَةِ، وَالْأَدَاءُ لَا يَصِحُّ عِوَضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَجَرَى وُجُودُهُ مَجْرَى عَدَمِهِ فَبَقِيَ الإِبْرَاءُ مُطْلَقًا فَلَا يَعُودُ كَمَا إِذَا بَدَأَ بِالْإِبْرَاءِ.
وَلَهُمَا: أَنَّ هَذَا إِبْرَاء مُقَيَّدٌ بِالشَّرْطِ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، لِأَنَّهُ بَدَأَ بِأَدَاءِ الخَمْسِمِائَةِ فِي الغَدِ، وَأَنَّهُ يَصْلُحُ غَرَضًا حِذَارَ إِفْلَاسِهِ وَتَوَسُّلًا إِلَى تِجَارَةٍ أَرْبَحَ مِنهُ، وَكَلِمَةُ «عَلَى» إِنْ كَانَتْ لِلْمُعَاوَضَةِ. ............
قوله: (والأداء لا يصح عوضًا)؛ لأن حد المعاوضة أن يستفيد كل واحد ما لم يكن استفاده قبل ذلك، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
قوله: (إنه إِبْرَاءُ مُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ)، أي: بشرط أن يسلم له خمسمائة في الغد، فكأنه قال: أبرأتك عن خمسمائة بشرط أن تسلم خمسمائة في الغد، فصار دخول كلمة (على) على الإبراء كدخولها في الأداء، كما في قوله: طعني (٢) على ألف، حملا لكلام العاقل على الفائدة، فإذا لم يسلم فات رضاه، وبدون الرضى لا يسقط الحق.
قوله: (وَكَلِمَةُ عَلَى إِنْ كَانَتْ لِلْمُعَاوَضَةِ)، وهاهنا خرج مخرج الأعواض، ولكنه لا يصلح عوضًا فيحمل على الشرط، إذ كلمة (على) تجيء للشرط، [قال تعالى:] (٣) ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فلم يضر الإبراء مطلقا بالشك.
وفي الفوائد الظهيرية لهما أن هذا حط بعض خمسمائة بشرط أن ينقد خمسمائة غدًا، ونقد خمسمائة في الغد يصلح عوضًا عن الحط؛ لأن الطالب ينتفع به لما ذكرنا أن الإنسان قد يحتاج إلى المال لتجارة أربح أو غيره.
وما قال أبو يوسف أن النقد واجب عليه لا يصلح عوضًا، قلنا: فيعتبر واجبا قبل الحط في المداينة، وبعد الشرط جعل عوضًا فيعتبر واجبًا مرةً أخرى؛
стр. 5743
فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلشَّرْطِ لِوُجُودِ مَعْنَى المُقَابَلَةِ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذَّرِ الحَمْلِ عَلَى المُعَاوَضَةِ تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ، وَالإِبْرَاءُ مِمَّا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ
ليصير عوضًا عن الحط فيبطل الحط بفواته؛ إذ الثابت يعتبر ثابتًا مرةً أخرى إذا أفاد اعتباره؛ كما لو ظاهر مرارًا صح؛ لما أن إثباته مرارًا يفيد شيئًا وهو وجوب الكفارة، فكذا هاهنا النقد وإن كان واجبًا قبل الصلح بالمداينة، ويعتبر واجبًا مرةً أخرى عوضًا ليبطل الحط بفواته.
فإن قيل: اعتبار وجوده مرةً أخرى ليصير عوضًا عن الحط موجود فيما لو قال: أبرأتك عن خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة غدًا.
قلنا: قال صدر الإسلام في جامعه: ينبغي أن يكون الجواب فيه عندهما هكذا أيضا.
وفيه إشارة إلى أن للمنع مجالًا فيما إذا بدأ بالإبراء، ولئن سلم فالفرق أنه متى بدأ بالإبراء عن خمسمائة لا يصلح أن يكون نقد خمسمائة عوضًا مطلقا؛ لكونه يصلح شرطًا، فوقع الشك في تقييده، بخلاف ما إذا بدأ بالأداء؛ لأن الإبراء حصل مقرونا به، فمن حيث إنه يصلح عوضًا يقع مطلقا، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا، فلا يثبت الإطلاق بالشك.
قوله: (لوجود معنى المقابلة فيه)، أي: في الشرط؛ إذ الشرط يقابل الجزء، فجاز أن يكون يستعار كلمة المعاوضة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه.
قوله: (أو لأنه)، أي: لأن مثل هذا الشرط، وهو أن يكون تعجيل البعض مقيدا بإبراء الباقي متعارف، والإبراء مما يتقيد إلى آخره والفرق بين التقييد والتعليق أن في التقييد لا يستعمل لفظ الشرط صريحًا، ولهذا لو قال: إن أديت، أو متى، أو إذا أديت لم يصح التقييد، وفي التعليق يستعمل لفظ الشرط صريحًا، هذا من حيث اللفظ.
والفرق من حيث المعنى: أن في تقييد الإبراء بالشرط يحصل الإبراء في الحال بشرط وجود ما قيد به، وفي التعليق لا يحصل في الحال؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، فكان التقييد بمنزلة الإضافة إلى وقت، وبيانه مستقصى في أصول شمس الأئمة.
стр. 5744
لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَا فِي الحَوَالَةِ، وَسَتَخْرُجُ البُدَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ العَبْدُ الضَّعِيفُ: وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهِ: أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: إِذَا قَالَ: صَالَحْتُكَ مِنْ الأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ تَدْفَعُهَا إِلَيَّ غَدًا وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ عَلَى أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَدْفَعْهَا إِلَيَّ غَدًا فَالْأَلْفُ عَلَيْكَ عَلَى حَالِهِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الأَمْرَ عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ التَّقْيِيدِ فَيُعْمَلُ بِهِ. وَالثَّالِثُ: إِذَا قَالَ أَبْرَأَتُكَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ الأَلْفِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي الخَمْسَمِائَةِ غَدًا وَالإِبْرَاءُ فِيهِ وَاقِعٌ أَعْطَى الخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعْطِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الإِبْرَاءَ أَوَّلًا، وَأَدَاءُ الخَمْسِمِائَةِ لَا
ثم في مسألتنا لم يستعمل صريح لفظ الشرط، ولكن فيه معنى الشرط، فكذا سميناه تقييدًا لا تعليقا، وتقييد الإبراء بمعنى الشرط جائز، وتعليق الإبراء بالشرط لا يجوز؛ لأن في الإبراء إسقاط حق شرعي، ومعنى التمليك أيضًا؛ لأنه تعالى سمى إبراء الدين تصدقا في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، والتصدق عبارة عن تمليك المال، ولهذا يرتد إبراء الدين بالرد كما في التمليكات.
ثم التمليك لا يصح تعليقه لما فيه من شبهة القمار، فقلنا: إذا صرح بلفظ الشرط لا يصح اعتبارًا لشبه التمليك، وإذا لم يصرح فيصح، ويصيرا تقييدا عملا بالشبهين بقدر الإمكان، إليه أشار في جامع قاضي خان (١).
قوله: (كما في الحوالة)؛ فإنها إبراء مقيد بشرط السلامة، حتى لو مات المحتال عليه مفلسا يعود الدين إلى ذمة المحيل، سواء كانت الحوالة مقيدة أو مطلقة.
وقوله: (وستخرج البداءة)، جواب عما قاسه أبو يوسف، والتخريج الذي وعده يجيء في قوله: (والثالث إذا قال) إلى آخره، وقد نقلنا الفرق أيضًا بين الإبداء بالإبراء، وبين عدم الإبراء به من جامع صدر الإسلام.
قوله: (وجوابه أن الأمر على ما قال)، أي: بالإجماع.
стр. 5745
يَصْلُحُ عِوَضًا مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ شَرْحًا فَوَقَعَ الشَّكُ فِي تَقْيِيدِهِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَدَأَ بِأَدَاءِ خَمْسِمِائَةٍ، لِأَنَّ الإِبْرَاءَ حَصَلَ مَقْرُونَا بِهِ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا يَقَعُ مُطْلَقًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَصْلُحُ شَرْحًا لَا يَقَعُ مُطْلَقًا فَلَا يَثْبُتُ الإِطْلَاقُ بِالشَّكِّ فَافْتَرَقَا. وَالرَّابِعُ: إِذَا قَالَ: أَدٌ إِلَيَّ خَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ الفَضْلِ وَلَمْ يُؤَقِّتْ لِلْأَدَاءِ وَقْتًا. وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يَصِحُ الإِبْرَاءُ وَلَا يَعُودُ الدَّيْنُ، لِأَنَّ هَذَا إِبْرَاءٌ مُطْلَقٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَقِّتْ لِلْأَدَاءِ وَقْتًا لَا يَكُونُ الأَدَاءُ غَرَضًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي مُطْلَقِ الْأَزْمَانِ فَلَمْ يَتَقَيَّدْ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى المُعَاوَضَةِ وَلَا يَصْلُحُ عِوَضًا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الأَدَاءَ فِي الغَدِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَالخَامِسُ: إِذَا قَالَ: إِنْ أَدَّيْتِ إِلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ، أَوْ قَالَ: إِذَا أَدَّيْت أَوْ مَتَى أَدَّيْت.
فَالجَوَابُ: فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُ الإِبْرَاءُ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ صَرِيحًا، وَتَعْلِيقُ البَرَاآتِ بِالشُّرُوطِ بَاطِلٌ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ مَا أَتَى بِصَرِيحِ الشَّرْطِ فَحُمِلَ عَلَى التَّقْبِيدِ بِهِ.
قَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَا أُقِرُّ لَك بِمَالِك حَتَّى تُؤَخِّرَهُ عَنِّي، أَوْ تَحُطَّ عَنِّي،
(فوقع الشك في تقييده)، أي تقييد الإبراء بالشرط، ثم عند الشافعي (١)، وأحمد (٢): إذا أبرأه عن بعض حقه، أو وهبه بعضه على أن يوفي ما بقي لم يجز، سواء كان معلقا، أو مقيدًا، أما لو قال: وهبتك بعضها فأعطني بقيتها يصح، أما لو قال: وهبتك بعضه بشرط أن توفي الباقي، لا يصح.
ولو قال: صالحتك بشرط أن توفيني، لم يصح الصلح عند بعض أصحاب الشافعي (٣)، وبعض أصحاب أحمد، وعند أكثرهم يجوز الصلح؛ لأن معنى الصلح على ما لم يصح عوضًا الاتفاق والرضا، ويحصل هذا بغير عوض، كذا في المغني لابن قدامة (٤).
стр. 5746
فَفَعَلَ جَازَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكْرَهِ، وَمَعْنَى المَسْأَلَةِ إِذَا قَالَ ذَلِكَ سِرًّا، أَمَّا إِذَا قَالَ عَلَانِيَةٌ يُؤْخَذُ بِهِ.
فَصْلٌ فِي الدَّيْنِ المُشْتَرَكِ
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى ثَوْبٍ،
قوله: (فعل)، أي أخر دينه، أو حطّ شيئًا من دينه جاز عليه أن هذا التصرف وهو التأخير، أو الحط جار على رب الدين حتى لا يتمكن من مطالبته في الحال، ولا مطالبة ما حط عنه.
وعند الشافعي وأحمد يتمكن؛ لأن الدين الحال لا يتأجل بتأجيل صاحبه.
(لأنه)، أي: رب الدين (ليس بمكره)؛ لأنه يمكنه دفع هذا بإقامة البينة، أو بالتحليف فينكل، ألا ترى أن الصلح على الإنكار يجوز فلا يتحقق فيه معنى الإكراه لما قلنا، فكان هذا تصرفًا في حق نفسه باختيار صحيح فيلزمه موجبه، غاية ما في الباب أنه مضطر في هذا التصرف؛ لأنه لا يقر بدونه.
قلنا: تصرف المضطر نافذ كتصرف غيره، ألا ترى أن من أصابه جوع فباع عينًا من أعيان ماله بطعام ليأكله جاز وإن كان مضطرًا فيه، فكذا إذا أخر، أو حط، إليه أشار المرغيناني، والمحبوبي (١).
قوله: (يؤخذ به)، أي: يؤخذ المقر بالمال في الحال بلا خلاف؛ لأنه أقر منه بالحق.
فَصْلٌ فِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ
لما ذكر حكم الدين المفرد شرع في المشترك؛ لأن الاثنين يتلو الواحد أبدًا.
قوله: (إذا كان الدين بين شريكين) إلى آخره، وضع المسألة في الدين؛ لأن في العين المشترك إذا صالح أحدهما عن نصيبه على مال لم يشركه الآخر بلا خلاف بين العلماء، سواء كان المدعى عليه منكرًا أو مقرا؛ لأن الصلح
стр. 5747
فَشَرِيكُهُ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بنِصفِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الثَّوْبِ، إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَرِيكُهُ رُبُعَ الدَّيْنِ وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ الدَّيْنَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْهُ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي المَقْبُوضِ، لِأَنَّهُ ازْدَادَ بِالقَبْضِ، إِذْ مَالِيَّةُ الدَّيْنِ بِاعْتِبَارِ عَاقِبَةِ القَبْضِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلِ الحَقِّ فَتَصِيرُ كَزِيَادَةِ الوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَلَهُ حَقُّ المُشَارَكَةِ، وَلَكِنَّهُ قَبْلَ المُشَارَكَةِ بَاقٍ عَلَى مَالِكِ القَابِضِ، لِأَنَّ العَيْنَ غَيْرُ الدَّيْنِ حَقِيقَةً وَقَدْ قَبَضَهُ بَدَلًا عَنْ حَقِّهِ فَيَمْلِكُهُ حَتَّى يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَضْمَنَ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَهُ، وَالدَّيْنُ المُشْتَرَكُ يَكُونُ وَاجِبًا بِسَبَبٍ مُتَّحِدٍ، كَثَمَنِ المَبِيعِ إِذَا كَانَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةً.
بإقرار معاوضة فيجوز، وبإنكار معاوضة في زعم المدعي، وفداء يمين في زعم المدعى عليه، فلا يثبت للشريك حق الشركة.
وقيد بالصلح بالثوب ليستقيم خيار القابض؛ فإنه لو صالح على جنس حقه من الدراهم، أو الدنانير، أو أخذ نصيبه من هذين الجنسين فالخيار لشريكه لا للقابض، ذكره في المبسوط (١).
قوله: (لأنه)، أي الدين (ازداد بالقبض)؛ لأنه صار عينًا، والعين خير من الدين.
قوله: (ولكنه)، أي المقبوض (باق) إلى آخره، جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: لو كانت زيادة الدين بالقبض كالتمر والولد ينبغي أن لا يجوز تصرف القابض قبل أن يختار الشريك مشاركة القابض؛ لأنه غير الدين، وقبضه بدلًا عن حقه فيملكه لأنه باشر سبب الملك وهو المعاوضة؛ إذ الصلح عليه كالمعاوضة؛ لأنه غير جنس حقه فيجوز تصرفه فيه هبةً، وقضاء دين عن غريمه.
قوله: (إذا كان صفقة واحدة)، قيد به لأنه لو باع أحدهما نصيبه بخمسمائة، والآخر نصيبه بخمسمائة، وكتبا عليه صكا واحدًا بألف، ثم قبض أحدهما شيئًا لم يكن للآخر أن يشاركه، كما لو أقرضه أحدهما خمسمائة، والآخر كذلك وكتبا صكًا واحدًا بألف.
стр. 5748
وَثَمَنِ المَالِ المُشْتَرَكِ وَالمَوْرُوثِ بَيْنَهُمَا وَقِيمَةِ المُسْتَهْلَكِ المُشْتَرَكِ. إِذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الكِتَابِ: لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي عَلَيْهِ الأَصْلُ، لِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ القَابِضَ قَبَضَ نَصِيبَهُ لَكِنَّ لَهُ حَقَّ المُشَارَكَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الثَّوْبِ، لِأَنَّ لَهُ حَقَّ المُشَارَكَةِ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ شَرِيكُهُ رُبُعَ الدَّيْنِ، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: (وَلَوْ اسْتَوْفَى نِصْفَ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا قَبَضَ) لِمَا قُلْنَا (ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الغَرِيمِ بِالبَاقِي) لِأَنَّهُمَا لَمَّا اشْتَرَكَا فِي المَقْبُوضِ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى البَاقِي عَلَى الشَّرِكَةِ.
قَالَ: (وَلَوْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ سِلْعَةٌ، كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ رُبُعَ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا حَقَّهُ بِالمُقَاصَّةِ كَامِلا، لِأَنَّ مَبْنَى البَيْعِ عَلَى المُمَاكَسَةِ بِخِلَافِ الصُّلْحِ، لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الإِغْمَاضِ وَالحَطِيطَةِ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ دَفْعَ رُبْعِ الدَّيْنِ
ولا بد من قيد آخر وهو أن لا يزاد على هذا ويقول: إذا كانت صفقة واحدة ونصيب أحدهما أكثر، ثم قبض أحدهما شيئًا لم يكن للآخر أن يشاركه حتى يستوفي الزيادة، وكذا لو كان نصيب أحدهما دراهم بخية، ونصيب الآخر سود فقبض السود لم يكن للآخر أن يشاركه، ذكره في المبسوط (١).
وفي التتمة، والذخيرة فالحيلة ألا يشاركه الآخر فيما قبض، قال: يصير نهب الغريم له مقدار حصته ويقبض أحد الشريكين، ثم يبرئ الغريم من حصته، وقال أبو بكر: يبيع أحد الشريكين من المطلوب كفا من زبيب بمقدار حصته من الدين ويسلم إليه الزبيب، ثم يبرئ الغريم ويطالبه بثمن الزبيب ويأخذ منه (٢).
وقوله: (لأن مبنى البيع على المماكسة) تعليل لقوله (صار قابضًا حقه كاملا) فيكون لشريكه أن يرجع عليه بربع الدين، بخلاف الصلح؛ لأن مبناه على الحطيطة والإغماض ولهذا لم يملك بيعه مرابحة فكأن المصالح بالصلح أبرأه عن بعض حقه وقبض البعض، فلو ألزمنا دفع ربع الدين يتضرر به المصالح؛ لأنه لم يستوف نصف الدين كاملا فلذلك خيرناه.
стр. 5749
يَتَضَرَّرُ بِهِ فَيَتَخَيَّرُ القَابِضُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا سَبِيلَ لِلشَّرِيكِ عَلَى الثَّوْبِ فِي البَيْعِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِعَقْدِهِ وَالاسْتِيفَاءِ بِالمُقَاصَّةِ بَيْنَ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ الدَّيْنِ.
وَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَتْبَعَ الغَرِيمَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ بَاقٍ، لِأَنَّ القَابِضُ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ حَقِيقَةٌ، لَكِنَّ لَهُ حَقَّ المُشَارَكَةِ فَلَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ، فَلَوْ سَلَّمَ لَهُ مَا قَبَضَ ثُمَّ تَوَى مَا عَلَى الغَرِيمِ، لَهُ أَنْ يُشَارِكَ القَابِضَ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ لِيُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الغَرِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ، وَلَوْ وَقَعَتْ المُقَاصَّةُ بِدَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ
وقوله: (كما ذكرنا)، إشارة إلى قوله (إلا أن يضمن له شريكه) (١)، أي: إلا أن يضمن شريك القابض للساكت ربع الدين.
قوله: (والاستيفاء) بالرفع (بالمقاصة)، جواب سؤال وهو أن يقال: ينبغي أن يكون الثوب مشتركًا لحصوله بدين مشترك؟
فقال: ليس بدين مشترك، بل بدينه الخاص بطريق المقاصة، ولا يقال في المقاصة قسمة الدين قبل القبض وذا لا يجوز؛ لأنا نقول: قسمته قبل القبض لا يجوز قصدًا، أما ضمنا فيجوز، وهاهنا وقعت في ضمن الشراء كما وقعت في المسألة الأولى في ضمن صحة الصلح.
قوله: (في جميع ما ذكرنا)، وهو الصلح من نصيبه بثوب، أو استيفائه، أو شرائه سلعة.
(لكن له)، أي للشريك الساكت.
(فلو سلم)، أي: الشريك الساكت (له)، أي: للقابض (ما قبض)، وهو الثوب الذي هو بدل الصلح، أو الثوب المشترى، أو الدراهم والدنانير، (ثم توى ما على الغريم) بأن مات مفلسا كان له أن يرجع على شريكه، كما لو مات المحتال عليه مفلسا كان للمحتال له أن يرجع على المحيل.
وفي الإيضاح: إلا أنه ليس له أن ير- يرجع في عين تلك الدراهم، وللقابض أن يمسكها ويعطيه مثلها؛ لأن حقه سقط عن ذلك العين بالتسليم، فإذا توى حقه كان حقه في مثله لا في عينه.
قوله: (بدين كان عليه)، أي على أحد الشريكين.
стр. 5750
مِنْ قَبْلُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ، لِأَنَّهُ قَاضٍ بِنَصِيبِهِ لَا مُقْتَضِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ نَصِيبِهِ: فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِتْلَافُ وَلَيْسَ بِقَبْضِ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ البَعْضِ: كَانَتْ قِسْمَةُ البَاقِي عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ السِّهَامِ، وَلَوْ أَخَّرَ أَحَدَهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِالإِبْرَاءِ المُطْلَقِ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمَا (*)، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ القَبْضِ،
(من قبل) أي: قبل الدين المشترك بأن أقر أحد الشريكين أن للمديون عليه دينا قبل ثبوت الدين للمشترك.
(لأنه)، أي: القابض (قاض)، أي: مُؤَدِّ دينه (بنصيبه لا مقتض)، أي: لا مستوف دينه، ولما أن آخر الدينين يصير قضاء عن أولهما.
قوله: (لأنه)، أي: الإبراء إتلاف وليس بقبض، فلم يزدد له شيء بالبراءة فلا يرجع عليه.
قوله: (على ما بقي من السهام؛ لأن الحق عاد إلى هذا القدر.
قوله: (ولا يصح عندهما)، ما ذكره الشيخ من صفة الاختلاف مخالف لعامة روايات الكتب من المبسوط، والأسرار، والإيضاح وغيرها، حيث ذكر فيها قول محمد مع قول أبي يوسف (١).
ثم هذا الاختلاف في إنشاء التأخير، أما لو أقر أحد الشريكين أن الدين مؤجل وأنكر الآخر صح إقراره في نصيبه بالإجماع. وفي المبسوط: وهو حجة أبي يوسف ومحمد فإنهما يقيسان الإنشاء على الإقرار.
قوله: (لأنه)، أي: التأخير، يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض)، وذا لا يجوز، وهذا لأن نصيب أحدهما يصير مخالفا لنصيب الآخر وصفا وحكما.
أما وصفا: فإن أحدهما معجل، والآخر مؤجل.
وأما حكما: فلساكت أن يطالب بنصيبه لا للآخر، والقسمة ليست إلا أن
стр. 5751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يتميز أحدهما عن الآخر، وقد صار كذلك، إليه أشار في المبسوط (١).
قال في الأسرار: عامة مشايخنا يحتجون في المسألة بقسمة الدين قبل القبض، وهذا كلام ظاهر الاختلال؛ لأن أبا يوسف ومحمدًا يقولان: التأجيل لا يوجب القسمة؛ لأنه تصرف في المطالبة، فأصل الدين يبقى على ما كان مشتركًا، فتغير صفة الدين وهو المطالبة، وتغير صفة النصيب لا يدل على انقطاع الشركة.
ألا ترى أن أحدهما لو أقر بأن نصيبه لفلان صح وقد تغير صفة الملك؛ فإنه كان مضافًا إليه، والآن صار مضافًا إلى غيره، وكذا لو كان عينًا لا تحتمل القسمة فوهب أحدهما نصيبه لأجنبي وسلم صح، والشركة باقية.
لكن قال شمس الأئمة السرخسي: أن نصيب أحدهما يصير مخالفًا لنصيب الآخر وصفا وحكمًا (٢)، إلى آخر ما ذكرنا، وبهذا تتحقق الشركة.
قال في النهاية:
وَالْقَوْلُ مَا قَالَتْ حَذَامِ (٣)
فإن قيل: لم جعل أبو حنيفة الإبراء المطلق قسمة الدين قبل القبض مع أن التمييز حاصل لأحد النصيبين.
قلنا: لا يلزم من إبراء نصيبه قسمة الدين قبل القبض؛ لأنه لا يبقى نصيبه بعد الإبراء أصلا، والقسمة تكون مع بقاء نصيبهما.
أما في التأخير يبقى، ولأن في جواز التأخير إضرار لشريكه، وأحد الشريكين إذا تصرف في نصيبه على وجه يُلْحِقُ الضرر بآخر لم ينفذ تصرفه في حق شريكه، كما لو كاتب أحدهما نصيبه في العبد المشترك كان للآخر أن يبطل الكتابة.
стр. 5752
وَلَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا عَيْنًا مِنهُ أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا وَهَلَكَ فِي يَدِهِ: فَهُوَ قَبْضُ، وَالِاسْتِنْجَارُ بِنَصِيبِهِ قَبْضٌ، وَكَذَا الإِحْرَاقُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي
وبيان الضرر في التأخير أنه يجعل مؤنة المطالبة بجميع الدين على شريكه؛ لأن الساكت إذا استوفى نصيبه فهو يشاركه عند حلول الأجل في المقبوض فلا يزال يفعل هكذا حتى تكون المطالبة في جميع الدين على شريكه، وفيه من الضرر ما لا يخفى، بخلاف الإبراء فإنه ليس يتضرر به شريكه؛ لأنه لا يشاركه فيما قبض بعد ذلك.
وإنما لا يجوز قسمة الدين قبل القبض؛ لأن في القسمة معنى التمليك؛ لأن ما يأخذ أحدهما بعضه كان له، وبعضه كان لشريكه فهو يأخذه عما بقي من حقه في نصيب صاحبه.
وتمليك الدين لغير من عليه الدين لا يصح؛ لأن في ذلك نقلا للوصف من محل إلى محل آخر، والانتقال على الأوصاف محال، والدين وصف شرعي يظهر أثره عند المطالبة إليه أشار في المبسوط (١).
قوله: (فهو قبض)؛ لأن الضمان يجب عند الهلاك مستندا إلى سببه فثبت الملك فله أن يضمنه.
(والاستئجار قبض)، حتى يرجع إليه شريكه عندهم لحصول القبض بالمقاصة.
في المبسوط: استأجر بنصيبه دارًا من الغريم وسكنها، يرجع الشريك عليه بنصف نصيبه، وروى ابن سماعة، عن محمد: هذا إذا استأجر بخمسمائة مطلقا، أما لو استأجر بحصته من الدين لا يرجع الآخر عليه بشيء، وجعل هذا بمنزلة النكاح؛ لأن المنفعة ليست بمال مطلقا، فإذا كان بدل نصيبه المنفعة لا يضمن باعتباره مالًا مطلقا لشريكه (٢).
قوله: (وكذا الإحراق)، وفي بعض النسخ: (وكذا الإصداق)، ولكن في المبسوط وغيره: (الإحراق)، ولأنه عطف عليه.
стр. 5753
يُوسُفَ ﵀ وَالتَّزَوُّجُ بِهِ إِتْلَافُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا الصُّلْحُ عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةِ العَمْدِ.
قوله: (والتزوج به)، أي بنصيبه (إتلاف)، فيجب أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه قبل المسألة المختلف فيها ما إذا رمى بالنار على ثوب المديون فأَحْرَقَهُ، أما إذا أخذ الثوب ثم أحرقه فالساكت يتبع المحرق بالإجماع؛ لأنه حينئذ يكون الاستهلاك بعد الغصب، وقد ذكر حكم الغصب لمحمد أن بالإحراق صار قابضًا متلفًا لمال مضمون كالغصب، فيصير المحرق مستوفيا نصيبه بطريق المقاصة، وأبو يوسف يقول: إنه متلف نصيبه لا قابضًا.
قوله: (والتزوج به)، أي: بنصيبه (إتلاف) في ظاهر الرواية، وإنما قيد به لأنه لو تزوج أحدهما المديونة على خمسمائة ونصيبه خمسمائة، ولكن لم يضف النكاح إلى الدين فإن الساكت يرجع عليه؛ لأنه صار مستوفيا بطريق المقاصة.
أما لو أضافه إلى الدين فالنكاح يتعلق به فيسقط بنفس القبول، فصار بمنزلة الإبراء، وهناك لا يتبع فكذا هنا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
وبقوله: (في ظاهر الرواية)، يحترز عن رواية بشر عن أبي يوسف أنه يرجع بنصف حقه لوقوع القبض بطريق المقاصة.
وجه الظاهر أنه لم يسلم له شيء يمكنه المشاركة فيه؛ إذ البضع لا يحتمل الشركة، فلم يظهر معنى الزيادة فصار كما [لو] (٢) أبرأ.
قوله: (وكذا الصلح عن جناية العمد)، أي: الصلح عن جناية العمد إتلاف لا قبض؛ لأنه لم يملك شيئًا بمقابلته يمكن المشاركة فيها فصار إتلافا لنصيبه فلا يرجع.
وقيل: قيد بجناية العمد لأن في جناية الخطأ يرجع، ولكن ذكر في الإيضاح مطلقا فقال: ولو شج المطلوب موضحة فصالحه على حصته لم يرجع شريكه بشيء؛ لأن الصلح عن الموضحة بمنزلة النكاح (٣).
стр. 5754
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ السَّلَمُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَصَالَحَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَصِيبِهِ عَلَى رَأْسِ المَالِ: لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ الصُّلْحُ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الدُّيُونِ، وَبِمَا إِذَا اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَقَالَ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ لَوْ جَازَ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةٌ يَكُونُ قِسْمَةُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ، وَلَوْ جَازَ فِي نَصِيبِهِمَا لَا بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الآخَرِ بِخِلَافِ شِرَاءِ العَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ المُسْلَمَ فِيهِ صَارَ وَاجِبًا بِالعَقْدِ، وَالعَقْدُ قَامَ
قوله: (وإذا كان السَّلَمُ)، أي المسلم فيه بين الشريكين.
(فصالح من نصيبه) أي: من نصيبه من المسلم فيه على أن يأخذ نصيبه من رأس المال ويفسخ لعقد السلم في نصيبه.
(لم يجز عندهما) أي: بدون إجازة الشريك، والحاصل أن الصلح يتوقف عندهما على إجازة صاحبه، فإن أجازه نفذ عليهما كأنهما صالحاه، وكان ما قبض بينهما، وما بقي من السلم بينهما، وإن رده يبطل أصلًا، وبقي المسلم فيه كله بينهما.
وعند أبي يوسف يجوز صلحه، أجاز صاحبه أو لم يجز، وصاحبه بالخيار إن شاء شاركه فيما قبض، ثم يتبعان المطلوب فيما بقي، وإن شاء أتبع المطلوب بحقه له أنه دين، فيجوز صلحه كسائر الديون، ويخير الساكت؛ لأنه عاقد فيملك الفسخ في نصيبه كما لو اشتريا عبدًا فأقال أحدهما في نصيبه فإنه يجوز بدون رضا الآخر.
قوله: (بخلاف العبد والإقالة فيه)، وهذا جواب عما قال: (كما لو اشتريا عبدا) إلى آخره؛ لأن ذلك يصرف في الحكم في حالة البقاء فلم يكن متعديًا إلى إبطال العقد؛ إذ الحكم في حالة البقاء يستغني عن العقد، وهنا التصرف في إبطاله واقع في العقد وهو منعقد بهما، فلا يجوز أن ينفرد بالإبطال باعتبار تصرفه في حكمه في حال ثبوته إدخاله الدين كحالة الوجود إلى أن يقبض، والحكم يفتقر إلى العلة ثبوتا.
قوله: (فصار واجبًا بالعقد)، أي: موجودًا بالعقد دين يثبت بالعقد، وقبل العقد لم يكن موجودًا، فكان تصرف أحدهما كشطر العلة، وبشطر العلة لا يثبت شيء من الحكم ما لم يتم ذلك الشطر الآخر.
стр. 5755
بِهِما فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُما بِرَفْعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَشَارَكَهُ فِي المَقْبُوضِ، فَإِذَا شَارَكَهُ فِيهِ رَجَعَ المُصَالِحُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَيُؤَدِّي إِلَى عَوْدِ السَّلَمِ بَعْدَ سُقُوطِهِ. قَالُوا: هَذَا إِذَا خَلَطَا رَأْسَ المَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا قَدْ خَلَطَاهُ فَعَلَى الوَجْهِ الْأَوَّلِ، هُوَ عَلَى الخِلَافِ، وَعَلَى الوَجْهِ الثَّانِي: هُوَ عَلَى الاتِّفَاقِ.
وحاصله أنهما اعتبرا جانب العقد؛ لأن به يصير المسلم فيه موجودًا بخلاف شراء العين؛ فإنه موجود قبل العقد، وأبو يوسف [اعتبر] (١) جانب الدين، فما قاله أبو يوسف ظاهر؛ لأن المسلم فيه دين كسائر الديون، وما قالاه أدق في الفرق، كذا في المبسوط، والأسرار (٢).
قوله: (رجع المصالح على من عليه)، يعني لو جاز الصلح بغير رضا الآخر لشاركه الساكت في المقبوض، فإذا شاركه كان ما بقي من المسلم فيه مشتركًا بينهما، وقد سقط بالصلح حق المُصالح في المسلم فيه، ويقدر في رأس المال، فلا يجوز أن يعود حقه بعد ذلك في المسلم فيه؛ لأنه لو عاد لعاد بعد بطلان الإقالة، والإقالة في باب السلم تحتمل الإبطال.
قوله: (قالوا)، أي: المشايخ هذا إذا خلطا رأس المال وعقدا السلم، أما إذا لم يخلطا وعقدا السلم، وصالح أحدهما على رأس المال بغير إجازة، فعلى الوجه الأول وهو: (أنه لو جاز لشاركه) إلى آخره.
(على الاتفاق)، أي: جائز بلا خلاف، وجوابهما كجواب أبي يوسف؛ لأن ذلك إنما يتحقق باعتبار مشاركة الساكت مع المصالح في المقبوض، وليس له حق المشاركة، هذا إذا لم يكن بينهما شركة فيما نقدا من رأس المال، والصحيح أن الخلاف في الفصلين ثابت، إلا أن عدم جواز الصلح ثم لعلتين، وهنا بعلة واحدة، كذا في الكافي.
وذلك لأن طعام المسلم وجب بالعقد مشتركا بينهما والعقد صفقة واحدة فيشارك أحدهما صاحبه فيما قبض من الدين المشترك بينهما (٣).
стр. 5756
فَصْلٌ فِي التَّخَارُج
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَ وَرَثَةٍ، فَأَخْرَجُوا أَحَدَهُمْ مِنْهَا بِمَالٍ أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ، وَالتَّرِكَةُ عَقَارٌ أَوْ عُرُوضُ، جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَعْطَوْهُ إِيَّاهُ أَوْ كَثِيرًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بَيْعًا … ... ..
وفي النهاية: إنما وقع الاختلاف بين المتأخرين في أن اختلاف المتقدمين في صورة الخلط، أو الإطلاق بسبب وضع المبسوط؛ فإن محمدًا ذكر هذه المسألة في البيوع على الاختلاف مع ذكر الخلط (١)، وذكرها في باب الصلح في السلم مع تصريح عدم الخلط.
فَصْلٌ فِي التَّخَرُجِ
أخر هذا لوقوعه بعد الحياة فلأن الصلح في التركة قليل الوقوع. ثم التخارج لغة: إخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه، كذا في الصحاح (٢). وشرعًا: إخراج بعض الورثة عما يستحقه من التركة بمال يدفع إليه. وسببه: طلب الخارج من الورثة عند رضا غيره. وشرطه: أن لا تكون التركة مشغولاً بالدين كلها، أو بعضها، وأن يكون ما أعطاه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس. وشرطه عند البعض أيضًا: أن يكون أعيان التركة معلومة بأنها من أي جنس هي عند الصلح. قوله: (أمكن تصحيحه بيعًا)، وإنما تعين البيع فيه للجواز دون الإبراء عما زاد من نصيبه؛ لأن الإبراء عن الأعيان غير المضمونة لا يصح فتعين البيع. فإن قيل: لو كان تصحيحه على وجه البيع لشرط معرفة مقدار حصة المخرج من التركة، وفي هذا الصلح ذلك ليس بشرط بالاتفاق، ذكره في التتمة. قلنا: هذا بيع لا يحتاج فيه إلى التسليم، وفي مثله لا يحتاج إلى معرفة
стр. 5757
وَفِيهِ أَثَرُ عُثْمَانَ، … ... … ... … .
مقداره، كما لو أقر أنه غصب من فلان، أو أودعه فلان شيئًا، ثم المقر اشترى ذلك الشيء من فلان جاز وإن كانا لا يعرفان مقداره، ذكره في الذخيرة. وهذه هي المسألة التي ذكرها في آخر الكتاب بقوله: (لكنها أعيان غير معلومة).
قوله: (وفيه أثر عثمان) إلى آخره، روي عن عمرو بن دينار: كان لابن عوف أربع نسوة، فصالح عثمان إحدى نسائه تماضر كان طلقها في المرض على ثلاثة وثمانين ألف دينار، ذكره في كتب الحديث (١).
وفي المبسوط: بعث النبي ﷺ عبد الرحمن وتحته سرية مائتي رجل إلى قتال بعض المشركين، فذهب وهزمهم وغلبهم، وكتب إلى النبي ﵊ وسأل أن يتزوج ابنة ملكهم تماضر وهي أم سلمة بن عبد الرحمن، فتزوجها وطلقها في مرضه الذي مات فيه، فجعل عثمان لها الميراث في ماله، ثم صالحها الورثة على ثلاثة وثمانين ألفًا، ولم يروا أنها كانت ألف دينار.
واختلفت الصحابة في ميراثها منه، وله أربع نسوة وأولاد، وحظها من ميراث النساء ربع الثمن، فصالحها على نصف حقها وكان ذلك بمحضر من الصحابة فحلَّ محلَّ الإجماع، فهذا دليل ثروة عبد الرحمن، وكان قد قاسم ماله في حياته أربع مرات في كل مرة تصدق بنصفه وأمسك بنصفه، فيدل ذلك على أنه لا بأس بجمع المال، واكتساب الغنى من الحل؛ فإن عبد الرحمن من عِلْية الصحابة، والعشرة المبشرة، ولكن ترك الجمع والاستكثار وإنفاق المال أولى؛
стр. 5758
فَإِنَّهُ صَالَحَ تَمَاضُرَ الأَشْجَعِيَّةَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ عَنْ رُبُعِ ثَمَنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ.
قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِضَّةٌ، فَأَعْطَوْهُ ذَهَبًا أَوْ كَانَ ذَهَبًا فَأَعْطَوْهُ فِضَّةٌ، فَهُوَ كَذَلِكَ) لِأَنَّهُ بَيْعُ الجِنْسِ، بِخِلَافِ الجِنْسِ فَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي، وَيُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ، لِأَنَّهُ صَرْفٌ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ بَقِيَّةُ التَّرِكَةِ إِنْ كَانَ جَاحِدًا يَكْتَفِي بِذَلِكَ القَبْضِ، لِأَنَّهُ قَبْضُ ضَمَانٍ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ القَبْضِ، لِأَنَّهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصُّلْحِ وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ ذَهَبًا وَفِضَّةٌ
لأنه طريق اختاره رسول الله ﷺ ، قال ﵇: «أَحْيِنِي مِسكينًا» (١)، الحديث (٢).
قوله: (غير أن الذي)، أي: الوارث الذي في يده بقية التركة.
(إن كان جاحدا)، أي: للتركة في يده (يكتفي بذلك القبض)، أي: القبض السابق.
قوله: (لا بد من تجديد القبض)، وهو الانتهاء إلى مكان يتمكن من قبضه.
وفي شرح الطحاوي: لو كان الشيء في يده بالوديعة، أو العارية فباعه المالك منه فهاهنا يحتاج إلى قبض جديد، ولا ينوب القبض الأول عن الثاني، فإذا انتهى إلى مكان يتمكن من قبضه يصير قابضًا بالتخلية (٣).
وفي الكافي: وتجديد القبض أن يرجع إلى موضع فيه العين ويمضي وقت يتمكن من قبضه، والأصل أنه متى تجانس القبضان ناب أحدهما عن الآخر، وإن اختلفا ناب المضمون عن غير المضمون، ولا ينوب غير المضمون عن المضمون.
стр. 5759
وَغَيْرَ ذَلِكَ فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَوْهُ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الجِنْسِ، حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ بِمِثْلِهِ وَالزِّيَادَةُ بِحَقِّهِ مِنْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ احْتِرَازًا عَنِ الرِّبَا، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقَابُضِ فِيمَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي هَذَا القَدْرِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الصُّلْحِ عَرَضًا جَازَ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الرِّبَا، وَلَوْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَبَدَلُ الصُّلْحِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ أَيْضًا، جَازَ الصُّلْحُ كَيْفَمَا كَانَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إِلَى خِلَافِ الجِنْسِ كَمَا فِي البَيْعِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ لِلصَّرْفِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ، فَأَدْخَلُوهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا المُصَالِحَ عَنْهُ، وَيَكُونَ الدَّيْنُ لَهُ: فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ) لِأَنَّ فِيهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِنْ
قوله: (فلا بد أن يكون أكثر من نصيبه)، إذ لو كان مساويًا، أو أقل يلزم الربا، وإن كان لا يعلم يلزم شبهة الربا؛ لاحتمال الزيادة والمساواة والأقل.
وفي الذخيرة، والتتمة: قال أبو الفضل: هذا في حالة التصادق، أما في حالة المناكرة بأن ادعت امرأة ميراثها، والورثة جاحدون أنها امرأة الميت يجوز الصلح بالأقل، والمساوي، وكذا إن كان لا يعلم؛ لأن حالة المناكرة المعطي يعطي لقطع المنازعة، ولفداء اليمين فلا يتمكن فيه الربا، وقيل إنه باطل في الوجهين؛ لأنه معاوضة في حق المدعي فيتمكن فيه الربا.
قوله: (احترازًا عن الربا)؛ لأنه لا يمكن تجويز الصلح بطريق الإبراء؛ لأن الإبراء عن الأعيان باطل؛ لأن الإسقاط إنما يستعمل في الديون لا في الأعيان، وهاهنا عين فتعين تجويزه بطريق المعاوضة فيلزم الربا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (١).
قوله: (جاز مطلقا)، أي: قلَّ، أو كَثُر، وجد التقابض في المجلس أو لا.
قوله: (على أن يخرجوا المصالح)، بكسر اللام على صيغة اسم الفاعل.
(عنه)، أي: عن الدين، (فالصلح باطل)، أي: في الكل في العين والدين.
أما في الدين لكونه تمليك من غير من عليه الدين، أما في العين؛ لأنه لما
стр. 5760
غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ، وَهُوَ حِصَّةُ المُصَالِحِ (وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَبْرَأُ الغُرَمَاءُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِنَصِيبِ المُصَالِحِ: فَالصُّلْحُ جَائِزٌ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ وَهُوَ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَهَذِهِ حِيلَةُ الجَوَازِ، وَأُخْرَى: أَنْ يُعَجِّلُوا قَضَاءَ نَصِيبِهِ مُتَبَرِّعِينَ، وَفِي الوَجْهَيْنِ: ضَرَرٌ بِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ. وَالأَوْجُهُ: أَنْ يُقْرِضُوا المُصَالِحَ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَيُصَالِحُوا عَمَّا وَرَاءَ الدَّيْنِ.
وَيُحِيلُهُمْ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ مِنْ الغُرَمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَأَعْيَانُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَالصُّلْحُ عَلَى المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِاحْتِمَالِ الرِّبَا، وَقِيلَ:
فسد في حصة الدين يفسد في حصة العين أيضًا لاتحاد الصفقة.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: وهذه المسألة ترد نقضا على أبي يوسف ومحمد فيما إذا أسلم حنطة في شعير وزيت حيث قالا: يصح في حصة الزيت، ويفسد في حصة الشعير، وهاهنا أفسد الكل، وهذا مما يحفظ.
وفي الكافي: قيل هذا عند أبي حنيفة، أما عندهما يبقى العقد صحيحًا فيما وراء الدين، وقيل هو قول الكل، والفرق لهما أن بيع الدين باطل لا فاسد فصار كبيع الحر والقن بثمن واحد.
قوله: (أن يبرأ الغرماء منه)، أي: من نصيبه من الدين، (لا يرجع عليهم)، أي على الغرماء وهم المديون.
قوله: (وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة)، أما في الوجه الأول: لعدم تمكنهم من الرجوع على الغرماء، وفي الوجه الثاني: لزوم النقد عليهم بمقابلة الدين الذي هو نسيئة، والنقد خير من الدين.
قوله: (قيل: لا يجوز)، وهو قول المرغيناني لاحتمال الربا؛ لأنه يحتمل أن يكون في التركة مكيل وموزون، ونصيبه من ذلك مثل بدل الصلح فيكون ربا.
وقيل: يجوز، وهو قول أبي جعفر الهندواني؛ لأنه شبهة الشبهة؛ لأنه يحتمل أن يكون في التركة مكيل أو موزون، ويحتمل أن لا يكون، وإن كان فيحتمل أن يكون أكبر من نصيبه، ويحتمل أن يكون أقل، فكان القول بعدم الجواز مؤديا إلى اعتبار شبهة الشبهة وهي ساقطة الاعتبار.
стр. 5761
يَجُوزُ، لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، وَلَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ غَيْرَ المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، لَكِنَّهَا أَعْيَانٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، قِيلَ: لَا يَجُوزُ لِكَوْنِهِ بَيْعًا، إِذْ المُصَالَحُ عَنْهُ عَيْنٌ، وَالْأَصَحُ أَنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إِلَى المُنَازَعَةِ لِقِيَامِ المُصَالَحِ عَنْهُ فِي يَدِ البَقِيَّةِ مِنْ الوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى المَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقُ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ وَلَا القِسْمَةُ، لِأَنَّ التَّرِكَةَ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا الوَارِثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِفًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحُوا مَا لَمْ يَقْضُوا دَيْنَهُ، فَتُقَدَّمُ حَاجَةُ المَيِّتِ، وَلَوْ فَعَلُوا، قَالُوا: يَجُوزُ. وَذَكَرَ الكَرْخِيُّ ﵀ فِي القِسْمَةِ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، وَتَجُوزُ قِيَاسًا.
وفي فتاوى قاضي خان: والصحيح ما قاله أبو جعفر (١).
قوله: (لكونه بيعًا)، أي: لكون الصلح بيعًا؛ لأن المصالح عنه عين، وبيع المجهول لا يصح، وهو قياس مذهب الشافعي (٢).
قوله: (والأصح أنه يجوز)، وبه قال أحمد (٣)؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنه لا يحتاج إلى التسليم، وبيع ما لم يعلم البائع والمشتري مقداره إذا كان لا يحتاج إلى تسليمه جائز كما ذكرنا من رواية الذخيرة، والتتمة.
قوله: (في يد البقية من الورثة)، إذ المسألة موضوعة فيه، حتى لو كان بعض التركة في يد المصالح ولا يعرفون مقداره لا يجوز؛ لأنه يحتاج إلى التسليم فيفضي إلى المنازعة، ذكره في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: (لا يجوز الصلح ولا القسمة)، وكذا البيع، وبه قال الشافعي في وجه؛ لأن القليل لا يمنع الإرث في كل التركات، وفيه ضرر بين بالورثة.
قوله: (وذكر الكرخي في القسمة أنها لا تجوز استحسانًا، وتجوز قياسًا)، وذكر في الذخيرة: القياس والاستحسان من غير نسبة إلى الكرخي، وهكذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفيه: إذا كان الدين غير مستغرق فالقياس أن لا يقسم، ولكن يوقف الكل.
стр. 5762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الاستحسان يحبس قدر الدين للغرماء، ويقسم الباقي بينهم بناءً على أن الدين إذا لم يكن مستغرقًا هل يمنع ملك الوارث في التركة أو لا؟ فالقياس أن يمنع؛ لأن ما من جزء إلا وهو مشغول بالدين.
وفي الاستحسان لا يمنع حتى لو كان الموروث جارية حل وطؤها نفيًا للضرر عن الورثة؛ إذ لا تخلو التركة عن قليل الدين، فلو امتنع الإرث به لامتنع في كل التركات وفيه ضرر بين (١).
وإذا ملكوا التركة كان يجب أن يقسم الكل بينهم إلا أنه لا يقسم بقدر الدين حتى لا يحتاج إلى نقص فاته، ولا يأخذ القاضي كفيلا بشيء من ذلك.
وفي فتاوى قاضي خان: فلو كان على الميت دين فصولحت المرأة عن ثمنها لا يجوز الصلح؛ لأن الدين القليل يمنع جواز التصرف في التركة، فإن طلبوا الجواز فطريق ذلك أن يضمن الوارث دين الميت من مال آخر بشرط ألا يرجع في التركة، أو يضمن الأجنبي بشرط براءة الميت، أو يؤدوا أرش الميت من مال آخر، ثم يصالحوها عن ثمنها؛ لأن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة فتخلو التركة عن الدين فيجوز الصلح (٢).
стр. 5763
كِتَابُ المُضَارَبَةِ
كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ
وجه مناسبة المضاربة للصلح قد مرَّ، ومحاسنها مذكور في المتن.
والمضاربة لغة: مفاعلة من الضرب في الأرض وهو السير فيها، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، عنى بالضرب السفر للتجارة.
وشرعًا: عقد على الشركة بمال من أحد الجانبين، والعمل من الجانب الآخر، والمراد الشركة في الربح، ولا مضاربة بدون الشركة في الربح كما ذكر في المتن.
وسمى أهل المدينة هذا العقد: مقارضة - وذلك مروي عن عثمان - مشتقة من القرض وهو القطع، فصاحب المال يقطع قدرًا من المال عن تصرفه ويجعل التصرف فيه للعامل بهذا العقد، ولهذا سمى كتاب المضاربة غير أصحابنا: كتاب القراض، إلا أنا نأخذ لفظ المضاربة؛ لأنه موافق لكتاب الله.
وسببها: تعلق بقاء المقدور كما في سائر المعاملات.
وركنها: الألفاظ التي تثبت بها المضاربة، وهي قوله: دفعت إليك المال مضاربة، أو مقارضة، أو: خذه واعمل به على أن ما رزق الله بيننا نصفان، أو على أن لك خمسه، أو ربعه، أو عشره.
وشروطها: كثيرة تذكر في أثناء المسائل. وحكمها: صيرورة العامل وكيلا بعد تسليم رأس المال إليه قبل ظهور الربح وبعده كونه شريكا، كذا في المبسوط (١)، والذخيرة (٢)، والمغرب (٣).
стр. 5764
المُضَارَبَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ؛ سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّ المُضَارِبَ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَإِنَّ النَّاسَ بَيْنَ غَنِيٌّ بِالمَالِ غَبِيٌّ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَبَيْنِ مُهْتَدٍ فِي التَّصَرُّفِ صِفْرِ اليَدِ عَنْهُ، فَمَسَّتِ الحَاجَةُ إِلَى شَرْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ لِيَنْتَظِمَ مَصْلَحَةُ الغَبِيِّ وَالذَّكِيَّ وَالفَقِيرِ وَالغَنِيِّ. وَبُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يُبَاشِرُونَهُ فَقَرَّرَهُمْ عَلَيْهِ وَتَعَامَلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ المَدْفُوعُ إِلَى المُضَارِبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِ مَالِكِهِ.
وفي الأسرار: قال أصحابنا: هي تنعقد الإيجاب الشركة في الربح. قوله: (وهي)، أي المضاربة مشروعة بما تلونا؛ لأن الضرب للتجارة، وقد يكون بمال نفسه، وقد يكون بمال غيره، والأفضل فيه فهو عليهما. قوله: (غبي) على (فعيل) إذا كان قليل الفطنة وهو واوى (١) كالشقي. الصفر: بكسر الصاد الخالي يقال بيت صفر من المتاع ورجل صفر اليدين. قوله: (وبعث النبي ﵇ والناس يباشرونه)، أي: لعقد المضاربة، روي أن عباس بن عبد المطلب (٢) إذا دفع المال مضاربة شرط على المضارب ألا يسلك به بحرًا، ولا ينزل واديًا، ولا يشتري به ذات كبد رطب، فإن فعل ذلك ضمن فبلغ رسول الله ﷺ ذلك فاستحسنه (٣).
ومست الحاجة إلى شرعيته كما ذكر في المتن، وانعقد الإجماع أيضًا عليها؛ فإن الصحابة تعاملت به من غير نكير عن أحد فصار إجماعًا. قوله: (ثم المدفوع إليه أمانة)، أي: إلى المضارب من المال أمانة، ولا يعلم فيه خلاف.
وفي شرح الطحاوي: فالحيلة أن يصير المال مضمونًا عند المضارب أن يقرض من المضارب، ويشهد عليه، ويسلمه إليه، ثم يأخذه منه مضاربة.
стр. 5765
لَا عَلَى وَجْهِ البَدَلِ وَالوَثِيقَةِ، وَهُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَمْرِ مَالِكِهِ، وَإِذَا رَبِحَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لِتَمَلْكِهِ جُزْءًا مِنْ المَالِ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا فَسَدَتْ ظَهَرَتْ الإِجَارَةُ حَتَّى اسْتَوْجَبَ العَامِلُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَإِذَا خَالَفَ كَانَ غَاصِبًا لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنهُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ. قَالَ: (المُضَارَبَةُ: عَقْدٌ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ) وَمُرَادُهُ، الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِالمَالِ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ (وَالعَمَلِ مِنْ الجَانِبِ الْآخَرِ) وَلَا مُضَارَبَةَ بِدُونِهَا؛
بالنصف، أو بالثلث، ثم يدفع إليه يستعين به في العمل، حتى لو هلك في يده هلك كالقرض، وإذا ربح ولم يهلك يكون الربح بينهما على الشركة.
وحيلة أخرى: أن يقرض جميع المال من المضارب إلا درهما واحدًا ويسلمه إليه، ثم أنهما يشتركان في ذلك شركة عنان، على أن يكون رأس مال المقرض درهما، ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض، على أن يعملا جميعا وشتى، على أن الربح بينهما، ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال، فإن هلك المال في يده فالقرض عليه، ولو ربح فالربح بينهما على الشرط (١).
وقوله: (لا على وجه البدل)، احتراز عن المقبوض على سوم الشراء.
وقوله: (والوثيقة)، احتراز عن الرهن؛ لأنه قبضه وثيقة.
(وكيل فيه)، أي في العمل؛ لأنه ينصرف له بأمره، ولهذا يرجع عليه بما لحقه من العهدة على رب المال كالوكيل، وعند ظهور الربح شريك له في الربح؛ لأنه يحصل بالمال والعمل فاشتركا فيه.
(ولا مضاربة بدونها)، أي بدون الشركة.
قوله: (وإذا خالف كان غاصبا)، وبه قالت الأئمة الثلاثة وأكثر أهل العلم، وعن علي: لا ضمان على من شورك في الربح، وبه قال الحسن، والزهري.
стр. 5766
أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّبْحَ لَوْ شُرِطَ كُلُّهُ لِرَبِّ المَالِ كَانَ بِضَاعَةٌ، وَلَوْ شُرِطَ جَمِيعُهُ لِلْمُضَارِبِ كَانَ قَرْضًا. قَالَ: (وَلَا تَصِحُ إِلَّا بِالمَالِ الَّذِي تَصِحُ بِهِ الشَّرِكَةُ) … ... … ... … ... ..
وقلنا: هذا تصرف في مال الغير بغير إذنه يلزمه الضمان كالغاصب بالنصوص.
قوله: (لو شرطه كله)، أي: كل الربح لرب المال كان بضاعة، ولو شرط جميع الربح للمضارب كان قرضًا.
وقال مالك: يكون مضاربة صحيحة في الصورتين؛ لأنهما دخلا في القراض، فإذا شرط لأحدهما كله فكأنه وهب للآخر نصيبه فلم يمنع صحة العقد (١).
وقال الشافعي (٢)، وأحمد (٣): إذا قال: خذه مضاربة والربح لي، أو لك، يفسد عقد المضاربة؛ لأنه يقتضي أن يكون الربح بينهما، فإذا شرط اختصاص الربح لأحدهما فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد فيفسد، كما لو شرط الربح كله في شركة العنان.
وقلنا: لما أثبت له حكم الإبضاع أو القرض ينصرف إليه، كما لو قال: خذه قرضًا، أو بضاعة، أو قال: خذه واتجر به والربح لي، أو لك؛ لأن اللفظ يصلح لهما، فكذا هذا، ولا يفسد بهذه الألفاظ بلا خلاف، وما ذكره مالك لا يصح؛ لأن الهبة لا تصح قبل وجود الموهوب.
قوله: (إلا بالمال الذي تصح به الشركة)، وبه قال الشافعي (٤)، ومالك (٥)، وأحمد (٦)، وما كتب في بعض كتب أصحابنا أن عند مالك تصح المضاربة بالعروض لم نجده في كتبهم، بل ذكر فيها: لا تصح بالعروض.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز بكل مال، فإن كان له مثل رد مثله، وإن لم يكن
стр. 5767
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَرْضًا وَقَالَ: بِعْهُ وَاعْمَلْ مُضَارَبَةٌ فِي ثَمَنِهِ: جَازَ لَهُ،
له مثل رد قيمته؛ لأن العروض مال متقوم يستربح عليه بالتجارة عادة فيكون كالنقد فيما هو المقصود من التجارة، وكما يجوز إبقاء المضاربة على العروض فكذا يجوز ابتداؤها بها.
وقلنا: نهى النبي ﵊ عن ربح ما لم يضمن (١)، والمضاربة بها تؤدي إلى ذلك؛ لأنها أمانة في يد المضارب، وربما ترتفع قيمتها بعد العقد، فإذا باعها وحصل الربح واستحق المضارب نصيبه من غير أن يدخل شيء في ضمانه، بخلاف النقد فإنه يشتري بها، وإنما يقع الشراء بثمن مضمون في ذمته، فما يحصل يكون ربح ما قد ضمن.
والمكيل والموزون يتعين في القبض كالعروض، وأول التصرف بها يكون بيعًا، وقد يحصل بهذا البيع ربح بأن يبيعه ثم يرخص سعره بعد ذلك فيظهر ربحه بدون الشراء فيكون هذا استئجارًا للبيع بأجرة مجهولة، وذلك باطل، كما في العروض، كذا في المبسوط (٢).
قوله: (وقد تقدم بيانه من قبل، أي: في باب الشركة، وقد بينا الخلاف هنا بتمامه.
قوله: واعمل مضاربة في ثمنه جاز)، وقال الشافعي، ومالك، وأحمد: لا يجوز؛ لجهالته، ورأس المال إذا كان مجهولاً لا يصح العقد، والعرض لا يصلح رأس المال.
وقلنا: لم نضف المضاربة إلى العرض بل إضافة إلى ثمنه وثمنه يصلح رأس مال المضاربة، وعقد المضاربة يقبل الإضافة إلى زمان في المستقبل؛ لأنه
стр. 5768
لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الإِضَافَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِجَارَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لَهُ: اقْبِضْ مَالِي عَلَى فُلَانٍ، وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةٌ جَازَ لِمَا قُلْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِك، حَيْثُ لَا تَصِحُ المُضَارَبَةُ، لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَصِحُ هَذَا التَّوْكِيلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي البُيُوعِ وَعِنْدَهُمَا: يَصِحُ، لَكِنْ يَقَعُ
وديعة، ووكالة، وإجارة، وشيء من ذلك ليس مما يمنع صحة الإضافة إلى المستقبل، ولا جهالة في زمان انعقاد العقد، بخلاف ما إذا قال: اعمل بالدين الذي في ذمتك، حيث لا تصح المضاربة بلا خلاف.
أما لو قال: اقبض الدين الذي على زيد واعمل به مضاربة، جاز؛ لأنه أضاف العقد إلى زمان القبض، وفي تلك الحالة يصير الدين عينا فيصلح أن يكون رأس المال.
أما في قوله: (بالدين الذي عليك لا يصير عينًا، بل دينا، والمضارب أمين ابتداءً، ولا يتصور أن يكون أمينا فيما عليه من الدين؛ لأن الدين مضمون على المديون.
قوله: (لما قلنا)، إشارة إلى قوله لأنه يقبل الإضافة)، عند أبي حنيفة لا يصح هذا التوكيل، وهو أنه لو وكله بشراء شيء بما في ذمته لا يصح عندنا، خلافًا لهما؛ لأن الدراهم أو الدنانير إذا كان عينا لا يتعين بالتعيين في العقد فالدين أولى، وإذا لم يتعين بقي الأمر بالشراء، ثم أمره أن ينقد ما عليه فكان جائزا.
وأبو حنيفة يقول: لا يتعين في الشراء، ولكنها تتعين في الوكالة، فإذا أمره بالشراء بها قيد أمره بما لا يتصور؛ لأن المضاربة تقتضي أن يكون رأس المال فيها مما لا يتعين بالتعيين فلم يصح الأمر فوقع الشراء للمأمور؛ وقد مر في باب الوكالة في البيوع.
وقوله: (وقد مر في البيوع)، أي: بيوع الوكالة، لا في كتاب البيوع.
وفي الخبازية: على ما مر في البيوع أنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن، وهو حرام، وعندهما يصح التوكيل كما ذكرنا، ومع هذا لا تصح المضاربة عندهما أيضًا؛ لأن الشراء وقع للموكل فتكون المضاربة بعد ذلك بالعروض.
стр. 5769
المِلْكُ فِي المُشْتَرَى لِلْآمِرِ فَيَصِيرُ مُضَارَبَةٌ بِالعَرَضِ.
قَالَ: (وَمِنْ شَرْطِهَا: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُشَاعًا، لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٌ) مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، وَلَا بُدَّ مِنهَا كَمَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ. قَالَ: (فَإِنْ شَرَطَ زِيَادَةَ عَشَرَةٍ: فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِفَسَادِهِ، فَلَعَلَّهُ لَا يَرْبَحُ إِلَّا هَذَا القَدْرَ فَتَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ ابْتَغَى عَنْ مَنَافِعِهِ عِوَضًا وَلَمْ يَنَلْ لِفَسَادِهِ، وَالرِّبْحُ لِرَبِّ المَالِ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَهَذَا هُوَ الحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ لَمْ تَصِحٌ المُضَارَبَةُ وَلَا تُجَاوِزُ بِالأَجْرِ القَدْرَ المَشْرُوطَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا بَيَّنَّا فِي الشَّرِكَةِ (*)، وَيَجِبُ الأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي رِوَايَةِ الأَصْلِ، لِأَنَّ أَجْرَ الأَجِيرِ يَجِبُ بِتَسْلِيمِ المَنَافِعِ، أَوِ العَمَلِ، وَقَدْ وُجِدَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ اعْتِبَارًا بِالمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ
(ولا بد منها)، أي: من الشركة في الربح.
قوله: (فإن شرط)، الفاء للتفسير، زيادة عشرة، أي: على ما شرطنا، (فله)، أي: للعامل أجر مثله (لفساده)، أي: لفساد عقد المضاربة، ولا خلاف في فساد العقد لأحدٍ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ منه من أهل العلم على فساد المضاربة إذا شرط لأحدهما دراهم مسماة (١).
قوله: (كما بينا في الشركة)، وقد بينا تمام خلاف الأئمة فيه في الشركة.
قوله: (في رواية الأصل)، أي: المبسوط، وبه قال الشافعي (٢)، وأحمد في رواية (٣).
(لأن أجر الأجير يجب بتسليم المنافع، أو العمل وقد وجد)، وعن أبي يوسف: لا يجب إذا لم يربح، وبه قال مالك في رواية، وبعض أصحاب أحمد.
(اعتبارًا بالمضاربة الصحيحة)؛ فإنه إذا لم يربح لا يستحق شيئًا.
стр. 5770
مَعَ أَنَّهَا فَوْقَهَا، وَالمَالُ فِي المُضَارَبَةِ الفَاسِدَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالهَلَاكِ اعْتِبَارًا بِالصَّحِيحَةِ، وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي يَدِهِ، … ... .
(مع أنها) أي: الصحيحة (فوقها)، أي: فوق الفاسدة في إمضاء حكمها، وفي استحقاق الربح؛ إذ الفاسد يأخذ حكمه بدءًا من الصحيح في العقود.
وقلنا: نعم كذلك إذا كان انعقاد الفاسد مثل انعقاد الجائز كالبيع، وهاهنا المضاربة الصحيحة تنعقد شركةً لا إجارة والمضاربة الفاسدة تنعقد إجارة، فتعتبر بالإجارة الصحيحة في استحقاق الأجر عند إيفاء العمل، ولو تلف المال في يده فله أجر مثله فيما عمل، كذا في المبسوط (١).
وحكي عن مالك: لا أجر له في المضاربة الفاسدة، ويرجع إلى قراض المثل، وعنه: يجب أجر المثل. والفرق على رواية القراض أنه لا يستحق شيئًا إن لم يكن في المال ربح، وفي أجر المثل يستحق.
قوله: (غير مضمون بالهلاك اعتبارا بالصحة)، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد.
وفي المبسوط: عن ابن سماعة عن محمد أنه يضمن المال، فقيل: ما ذكر في الكتاب قول أبي حنيفة، وهو بناء على اختلافهم في الأجير المشترك إذا تلف المال في يده، هل يضمن؟ وهذا العقد إجارة، وهو بمنزلة الأجير المشترك؛ لأن له أخذ المال بهذا الطريق من غير واحد، ولا ضمان على الأجير المشترك عنده، خلافًا لهما، وبه قال الطحاوي.
قوله: (ولأنه)، أي: رأس المال (عين مستأجرة)، وفي بعض النسخ: (عين مستأجر) يعني استؤجر المضارب ليعمل هو لا غير، فلا يضمن، كأجير الواحد، وهذا التعليل يشير إلى أن المضارب أجير وجد من حيث إنه لا يمكنه أن يؤاجر نفسه لمستأجرين في الوقت الواحد.
قال أبو جعفر الهندواني: غير مضمون عند الكل، والفرق لهما بين الأجير
стр. 5771
وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ جَهَالَةٌ فِي الرِّبْحِ يُفْسِدُهُ لِاخْتِلَالِ مَقْصُودِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ لَا يُفْسِدُهَا،
المشترك، وبين المضارب؛ أن المضاربة متى فسدت فهي إجارة معنى من حيث إن المضارب ابتغى بعمله عوضًا ومضاربة لفظًا، فعملنا بالمعنى فأوجبنا له أجر المثل ربح أو لا، كما لو استأجره، وعملنا باللفظ وجعلنا المال أمانة في يده.
فأما الإجارة الفاسدة إجارة لفظًا ومعنى، فيكون المال مضمونًا عند الأجير المشترك عندهما، إلا أن يكون الهلاك بأمر لا يمكن التحرز عنه، كذا في الذخيرة.
قوله: (وكل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده) أي: عقد المضاربة، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك نحو أن شرط المضارب أن يسكن رب المال داره سنة، أو يزرع أرضه سنة؛ لأنه جعل نصف الربح عوضًا عن عمله وأجرة الدار، فصارت حصة العمل مجهولة، فلم يصح، وكذا لو تردد في الربح يفسد أيضًا، نحو أن يقول: لك نصفه، أو ربعه.
قوله: (وغير ذلك من الشروط الفاسدة)، أي: الشروط التي لا توجب الجهالة في الربح (لا يفسدها)، أي: المضاربة، بل يبطل نفس ذلك الشرط، وبه قال مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وعن الشافعي وأحمد: يفسد العقد؛ لأنه شرط فاسد، فصار كما لو شرط لأحدهما دراهم مسماة.
وقلنا: لا تفسد بالشرط كالوكالة، ولأن صحتها تتوقف بالقبض، فلا تبطل بالشرط كالهبة، ولأنه لا يؤثر في جهالة الربح فلم تفسد به، كما لو شرط لزوم المضاربة، بخلاف شرط يوجب جهالة في الربح؛ لأن ذلك يمنع موجب العقد، فلا ينعقد العقد؛ إذ العقد شرع لإثبات، موجبه، ولهذا لو شرط عمل رب المال يفسد العقد وإن لم يوجب جهالة في الربح؛ لأنه شرط يمنع موجب العقد؛ إذ موجبه تسليم المال إلى المضارب وذا يمنعه، ذكره في الذخيرة.
стр. 5772
وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الوَضِيعَةِ عَلَى المُضَارِبِ.
قَالَ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المَالُ مُسَلَّمًا إِلَى المُضَارِبِ، وَلَا يَدَ لِرَبِّ المَالِ فِيهِ) لِأَنَّ المَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْمَالَ فِي المُضَارَبَةِ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، وَالعَمَلَ مِنْ الجَانِبِ الآخَرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْلُصَ المَالُ لِلْعَامِلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ. أَمَّا العَمَلُ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ الجَانِبَيْنِ، فَلَوْ شَرَطَ خُلُوصَ اليَدِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ تَنْعَقِد الشَّرِكَةُ، وَشَرْطُ العَمَلِ عَلَى رَبِّ المَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ خُلُوصَ يَدِ المُضَارِبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَتَحَقَّقُ المَقْصُودُ سَوَاءٌ كَانَ المَالِكُ عَاقِدًا أَوْ غَيْرَ عَاقِدٍ كَالصَّغِيرِ، … ... … .
قوله: (كاشتراط الوضيعة)، أي: الخسران (على المضارب).
وفي الإيضاح، والذخيرة عليهما، وفي التحفة: عليه أو عليهما (١).
قوله: (ولا بد أن يكون المال مسلما إليه)، ولا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (لم تنعقد الشركة) لأن الشركة انعقدت على العمل منهما، فمتى شرط انتفاء تدرب المال لم ينعقد أصلا، كذا في الإيضاح.
قوله: (وشرط العمل على رب المال مفسد)؛ لما ذكرنا أنه شرط يمنع موجب العقد، ولا نعلم فيه خلافًا.
وفي الذخيرة: حكي عن الفقيه محمد بن إبراهيم الضرير أنه لو شرط رب المال لنفسه أن يتصرف في المال بانفراده متى بدا له، وأن يتصرف المضارب في جميع المال متى بدا له جازت المضاربة، وإنما لا يجوز شرط عمل رب المال مع المضارب إذا شرط العمل جملة؛ لأنه حينئذ لا يصير المال مسلما إلى المضارب.
قوله: (أو غير عاقد كالصغير)، صورته أن الأب أو الوصي لو دفع مال الصغير مضاربة وشرط عمل الصغير لا يجوز؛ لأن الصغير إذا كان مالكا كانت يده على المال بجهة الملك كالكبير، فبقاء يده يمنع كونه مسلما إليه.
стр. 5773
لِأَنَّ يَدَ المَالِكِ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَبَقَاءُ يَدِهِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إِلَى المُضَارِبِ، وَكَذَا أَحَدُ المُتَفَاوِضَيْنِ وَأَحَدُ شَرِيكَي العِنَانِ، إِذَا دَفَعَ المَالَ مُضَارَبَةٌ وَشَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِهِ لِقِيَامِ المِلْكِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِدًا، وَاشْتِرَاطُ العَمَلِ عَلَى العَاقِدِ مَعَ المُضَارِبِ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكِ يُفْسِدُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ المُضَارَبَةِ فِيهِ كَالمَأْذُونِ، بِخِلَافِ الأَبِ وَالوَصِيِّ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ أَنْ يَأْخُذَا مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةٌ بِأَنْفُسِهِمَا، فَكَذَا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِمَا بِجُزْء مِنْ المَالِ.
قوله: (وَشَرَطَ عَمَلَ صاحبه)، أي: يفسد العقد؛ لأن للشريك فيه ملكا وإن لم يكن عاقدًا، فيمنع صحة الدفع مع قيام يد المالك.
قوله: (وإن لم يكن من أهل المضاربة فيه)، أي: في المال (كالمأذون) يدفع ماله مضاربة، ويشترط عمله مع المضارب، فيفسد العقد؛ لأن يد التصرف ثابتة له في هذا المال، ويده يد نفسه فينزل منزلة المالك فيما يرجع إلى التصرف، فكان قيام يده مانعا لصحة المضاربة.
ولو كان العاقد ممن يجوز أن يأخذ ذلك المال مضاربة لم تفسد المضاربة، كالأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة وشرطا أن يعملا بأنفسهما بجزء من الربح يصح، فكذا إذا شرطا عملهما مع المضارب بجزء من الربح؛ لأن كل مال يجوز أن يكون المرء فيه مضاربًا وحده جاز أن يكون مضاربًا فيه مع غيره، وهذا لأن تصرف الأب أو الوصي واقع للصغير حكما بطريق النيابة، فصار دفعه كدفع الصغير، وشرطه كشرطه، فتشترط التخلية من قبل الصغير؛ لأنه رب المال، وقد تحققت.
وفي الإيضاح: لو شرط المأذون عمل مولاه مع المضارب لا دين عليه يفسد العقد؛ لأن المولى مالك للمال، فإذا حصل في يده فقد وجد يد المالك، فلا تتم المضاربة، وإن كان عليه دين تصح المضاربة في قول أبي حنيفة؛ لأنه حق للمولى فيه، فصار كالأجنبي، أما لو شرط المكاتب عمل مولاه لا يفسد؛ لأن المولى لا يملك أن ينزع المال من يده أصلا، فكان كالأجنبي (١).
стр. 5774
قالَ: (وَإِذَا صَحَّتْ المُضَارَبَةُ مُطْلَقَةً، جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ وَيُودِعَ) لِإِطْلَاقِ العَقْدِ، وَالمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِرْبَاحُ، وَلَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ، فَيَنْتَظِمُ العَقْدُ صُنُوفَ التِّجَارَةِ وَمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التَّجَّارِ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الإِبْضَاعُ وَالإِيدَاعُ وَالمُسَافَرَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ المُودِعَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَالمُضَارِبُ أَوْلَى، كَيْفَ وَأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ، وَهُوَ السَّيْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ. وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَنَّهُ إِنْ دَفَعَ فِي بَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ (*)، لِأَنَّهُ تَعْرِيضُ عَلَى الهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ دَفَعَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى بَلَدِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ المُرَادُ فِي الغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الكِتَابِ.
قوله: (وإذا صحت المضاربة مطلقة)، أي: بأن لا تكون مقيدة بزمان ولا مكان.
في الذخيرة: دفع المال مضاربة بالنصف ولم يزد على هذا، فهذه مضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يعمل ما هو من عادة التجار، أن يبيع ويشتري بثمن المثل، وبما يتعين الناس فيه عند أبي يوسف، ومحمد، والشافعي، ومالك، وأحمد؛ لأنه وكيل، وعند أبي حنيفة يجوز بأي ثمن كان. ولو باع بالنسيئة يجوز عندنا كما يجيء في فصل ما يفعله المضارب.
وعن أبي يوسف: ليس له أن يسافر بغير الإذن، وبه قال الشافعي، وأحمد في رواية؛ لأن فيه تعريض المال على التوى بلا ضرورة.
قوله: (والظاهر ما ذكر في الكتاب) أي: ظاهر الرواية، وبه قال مالك، وهو أن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض إلى آخره، ولأن العادة جارية بالتجارة سفرا وحضرا، فتدخل تحت مطلق المضاربة، ولأن المودع يجوز أن يسافر بالو ديعة مع عدم تمكنه من التصرف فيه، فالمضارب أولى؛ لقدرته على التصرف فيه.
стр. 5775
قَالَ: (وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ المَالِ أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي القُوَّةِ، … ... …
قوله: (ولا يضارب إلا بإذن رب المال)، وبه قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ولا يعلم فيه خلاف عن غيرهم.
قوله: (اعمل برأيك)، يعني يجوز له أن يضارب حينئذ عندنا، وعند أحمد (٣)، والشافعي (٤): لا يجوز في هذه الصورة بغير الإذن أيضًا.
قوله: (لأن الشيء لا يتضمن مثله، أي: لا يستتبعه، التساويهما في القوة) كالوكيل لا يملك أن يوكل غيره.
وهذا بخلاف المستعير، والمكاتب والمستأجر؛ فإنه يجوز للمستعير أن يعير، وللمستأجر أن يؤاجر، وللمكاتب أن يكاتب، وكذا العبد المأذون يجوز له أن يأذن عبده في التجارة؛ لأن الكلام في التصرف نيابة، وهؤلاء يتصرفون بحكم المالكية؛ إذ المستعير والمستأجر ملكا المنفعة، والمكاتب صار حرًا يدا، والعبد المأذون يتصرف بحكم المالكية الأصلية؛ إذ الإذن بالتجارة فك الحجر عن التجارة، ثم بعد ذلك العبد يتصرف بحكم المالكية، ولهذا الإذن بالتجارة لا يتخصص عندنا.
أما المضارب يعمل بطريق النيابة؛ لأن في المضاربة معنى الوكالة والوديعة، والوكيل لا يوكل غيره، فكذا المضارب.
стр. 5776
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ أَوْ التَّفْرِيضِ المُطْلَقِ إِلَيْهِ وَكَانَ كَالتَّوْكِيلِ، فَإِنَّ الوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إِلَّا إِذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، بِخِلَافِ الإِيدَاعِ وَالإِبْضَاعِ، لِأَنَّهُ دُونَهُ فَيَتَضَمَّنُهُ، وَبِخِلَافِ الإِقْرَاضِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ، لِأَنَّ المُرَادَ مِنهُ التَّعْمِيمُ فِيمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التَّجَارِ وَلَيْسَ الإِقْرَارُ مِنْهُ، وَهُوَ تَبَرُّعُ كَالهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ وَهُوَ الرِّبْحُ، لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، أَمَّا الدَّفْعُ مُضَارَبَةٌ فَمِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالخَلْطُ بِمَالِ نَفْسِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا القَوْلِ.
ولأن الإذن في التجارة لما كان بناؤه على التعميم في أنواع التجارة يتناول الإذن أيضًا؛ لأن الإذن من صنيع التجارة، فملكه المأذون، أما المضاربة فليست من اقتضاء التعميم مثل الإذن، ألا ترى أنها تخصص بهما.
ولأن المضاربة وإن كانت تتناول المضاربة من حيث إنها من صنيع التجار لكن لا يتناولها من حيث إن فيها معنى الأمانة والوكالة، والأصل عدم التناول، فلا يتناول المضاربة بالشك، كذا في الذخيرة وغيرها.
فإن قيل: المضارب يأذن لعبد من مال المضاربة في التجارة، والإذن في التجارة بمنزلة الدفع أو فوقه، كما ذكرنا.
قلنا: قد روى ابن رستم، عن محمد أنه لا يملك الإذن في التجارة، بمنزلة الدفع مضاربة، والفرق على الظاهر أن المأذون لا يصير شريكا في الربح، فيكون الإذن نظير الإبضاع لا نظير الدفع مضاربة والشركة به، كذا في المبسوط (١).
قوله: (لأنه لا تجوز الزيادة عليه) أي: على القرض، فإنه لو أقرض عشرة ليستوفي أحد عشر لا يجوز، فلما لم يحصل الربح به لا يكون من صنيع التجار، فلا تتناوله المضاربة.
قوله: (تحت هذا القول)، وهو قوله: اعمل برأيك؛ لأن الشركة والخلط من صنيع التجار، وقد يرى الخلط والشركة أصلح له، فيملك بهذا القول، وبه قال مالك، والثوري وأحمد، وقال الشافعي: ليس له الشركة والخلط، ولو فعل
стр. 5777
قَالَ: (وَإِنْ خَصَّ لَهُ رَبُّ المَالِ التَّصَرُّفَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ. وَفِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، فَيَتَخَصَّصُ، وَكَذَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِضَاعَةٌ إِلَى مَنْ يُخْرِجُهَا مِنْ تِلْكَ البَلْدَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِخْرَاجَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
يضمن؛ لأن ذلك ليس من التجارة.
قوله: (لم يجز أن يتجاوزها)، وبه قال أحمد (١)، وقال الشافعي (٢)، ومالك (٣): إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه، أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده لا تصح المضاربة؛ لأنه يمنع مقصود المضاربة، وهو التقلب وطلب الربح، فلم يصح، كما لو شرط أن لا يبيع ولا يشتري إلا من فلان، وأن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به فلان.
وقلنا: إنه يملك التصرف بتفويضه، فيتقيد بما فوض إليه، وهذا التقييد مفيد، وهذا معنى قوله: (وفي التخصيص (فائدة) والفائدة من وجوه:
أحدها: صيانة ماله عن خطر الطريق، فإن المال في السفر بعرضية التلف، إليه أشار النبي ﵊ في قوله: «المسافرُ وماله على قلب» - أي: هلاك - «إِلَّا ما وَقَاهُ اللهُ تَعَالَى».
وثانيها: صيانة ماله عن خيانة المضارب، فإنه لو عين عليه بلدًا لو قصد الخيانة لمنعه عنها.
وثالثها: أن الأسعار بحسب الغلاء والرخص تختلف باختلاف البلدان، وكذا النقود تختلف باختلافها، فكان الشرط مقيدًا، كذا ذكره المحبوبي، وقاضي خان (٤).
وأما قولهم: إنه بمنع المقصود ممنوع، بل يقلله، وتقليله لا يمنع الصحة، كتخصيصه بالنوع، ويحترز بقوله: (في بلد بعينه) عن السوق بعينه، فإنه لا يتقيد
стр. 5778
قَالَ: (فَإِنْ خَرَجَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ البَلَدِ فَاشْتَرَى ضَمِنَ) وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ رِبْحُهُ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الكُوفَةِ وَهِيَ الَّتِي عَيَّنَهَا بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، كَالمُودَعِ إِذَا خَالَفَ فِي الوَدِيعَةِ ثُمَّ تَرَكَ وَرَجَعَ المَالُ مُضَارَبَةٌ عَلَى حَالِهِ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ بِالعَقْدِ السَّابِقِ، وَكَذَا إِذَا رَدَّ بَعْضَهُ وَاشْتَرَى بِبَعْضِهِ فِي المِصْرِ، كَانَ المَرْدُودُ وَالمُشْتَرَى فِي المِصْرِ عَلَى المُضَارَبَةِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ شَرَطَ الشَّرَاءَ بِهَا هَاهُنَا وَهُوَ رِوَايَةُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي كِتَابِ المُضَارَبَةِ: ضَمِنَهُ بِنَفْسِ الإِخْرَاجِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ بِالشِّرَاءِ يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ، لِزَوَالِ احْتِمَالِ الرَّدِّ إِلَى المِصْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ، أَمَّا الضَّمَانُ: فَوُجُوبُهُ بِنَفْسِ الإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ الشَّرَاءَ لِلتَّقَرُّرِ لَا لِأَصْلِ الوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ فِي سُوقِ الكُوفَةِ، حَيْثُ لَا يَصِحُ التَّقْيِيدُ، لِأَنَّ المِصْرَ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُفِيدُ التَّقْيِيدُ، إِلَّا إِذَا صَرَّحَ بِالنَّهْيِ.
بذلك بالإجماع إلا إذا صرح التخصيص بالنهي صريحا، بأن قال: لا تعمل في غير هذا السوق، فحينئذ يتقيد كما يجيء.
قوله: (فاشترى ضمن) لم يرد به ابتداء، بل الضمان واجب عليه بمجرد الإخراج، لكن أراد به استقرار الضمان على ما ذكر في الكتاب.
(وكان ذلك) أي: المشترى (له)، أي: للمضارب خاصا.
(لأنه تصرف)، أي: الإخراج أو الشراء تصرف في ملك غيره، (بغير أمره) فيصير غاصبا، فلم يبق مضاربا.
(واشترى ببعضه في المصر)، أي: في المصر الذي عينه.
وقوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لبقائه في يده بالعقد السابق).
قوله: (إلا إذا صرح بالنهي) إلى آخره. فإن قيل: يشكل على هذا ما ذكره في الذخيرة أنه قال: بع بالنسيئة [ولا تبع بالنقد، أو اعكس حيث لو باع بالنقد أو بالنسيئة] (١) لا يكون مخالفا، مع صريح
стр. 5779
بِأَنْ قَالَ: اعْمَلْ فِي السُّوقِ وَلَا تَعْمَلْ فِي غَيْرِ السُّوقِ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالحَجْرِ وَالوِلَايَةُ إِلَيْهِ، وَمَعْنَى التَّخْصِيصِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ كَذَا أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا المَالَ تَعْمَلُ بِهِ فِي الكُوفَةِ، لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ،
النهي، إذا كان السعر بالنقد، والنسيئة لا يتفاوت (١).
قلنا: هذا مخالفة بالخبر، فلا يكون يتخالفه، خلافًا لزفر؛ [وهذا كما لو وكله بأن يبيع عبده بألف فباعه بألفين يجوز عندنا خلافًا لزفر لأنه مخالفة بالخبر] (٢).
ولأن التقييد بالسوق، والنهي عن غير السوق مفيد من وجه، من حيث إن الكوفة ذات أماكن مختلفة حقيقةً وحكمًا، فإنه إذا شرط الحفظ على المودع في محلة ليس له أن يحفظها في محلة أخرى، وقد تكون الأسعار مختلفة باختلاف الأماكن في مصر واحد.
وغير مفيد من وجه من حيث إن المصر مع تباين أطرافها كبقعة واحدة، كما في السلم إذا شرط الإيفاء صح وإن لم يبين المحلة.
فلما كان كذلك اعتبرنا ذكر السوق حالة النهي، ولا نعتبره حالة الأمر، بخلاف الأمر بالبيع نسيئة، والنهي عن البيع بالنقد، فإنه غير مفيد من كل وجه، فلم يعتبر في الحالتين؛ كالأمر بحفظ الوديعة، والنهي عن الوضع عن يده ليلا ولا نهارًا، وهذا النهي لغو، كذا هذا، كذا في الذخيرة، وجامع المحبوبي (٣).
قوله: (ومعنى التخصيص)، أي: اللفظ الذي يستفاد منه التخصيص هذه الألفاظ: دفعت إليك المال مضاربة على أن تعمل به بالكوفة، أو: لتعمل به بالكوفة، أو: لتعمل به بالكوفة، مجزومًا أو مرفوعًا، أو قال: فاعمل به بالكوفة، أو قال: دفعته مضاربة بالنصف بالكوفة.
وقوله: (تعمل) يجوز مرفوعًا على الحال، ومجزوما على جواب الأمر.
стр. 5780
أَوْ قَالَ: فَاعْمَلْ بِهِ فِي الكُوفَةِ، لِأَنَّ الفَاءَ لِلْوَصْلِ. أَوْ قَالَ: خُذْهُ بِالنِّصْفِ بِالكُوفَةِ، لِأَنَّ البَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا المَالَ وَاعْمَلْ بِهِ بِالكُوفَةِ: فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ الوَاوَ لِلْعَطْفِ،
ثم اعلم أن مجموع الألفاظ ثمانية، ستة تعتبر شرطًا، وهو قوله: دفعته إليك مضاربة بالنصيب على أن تعمل بها بالكوفة، أو لتعمل بها بالكوفة، أو: تعمل بالكوفة بالجزم أو تعمل بالرفع، أو فاعمل به بالكوفة، أو دفعته مضاربة بالنصف بالكوفة.
واثنان مشورة وهو قوله: خذه مضاربة بالنصف اعمل بالكوفة، بغير الواو، أو قال: واعمل بالكوفة، بالواو.
والضابط أن رب المال متى ذكر عقيب المضاربة ما لا يمكن التلفظ به ابتداء، ويمكن جعله مبنيا على ما قبله، يجعل مبنيا عليه كيلا يلغو الكلام، كما في الألفاظ الستة، وإن استقام الابتداء به لا يبنى على ما قبله، ويجعل مبتدأ؛ كما في اللفظين الأخيرين، وحينئذ تكون الزيادة مشورة، وكان له أن يعمل بالكوفة وبغيرها، فلا يصير ضامنًا بالإخراج منها إليه أشار في الذخيرة، وجامع المحبوبي (١).
وفي المبسوط: في قوله: فاعمل به أن قوله: فاعمل به، تفسير لقوله خذه مضاربة، والكلام المبهم إذ أعقبه تفسير فالحكم لذلك التفسير، وقوله: (فاعمل به) في معنى التفسير أيضًا؛ لأن الفاء للوصل، والتعقيب الذي يتصل بالكلام المبهم ويتعقبه تفسيره، وكذا قوله: خذه مضاربة بالنصف بالكوفة؛ لأن الباء للإلصاق، فكذلك ينبغي أن يكون موجب كلامه ملصقا بالكوفة، وموجب كلامه العمل، وإنما يتحقق إلصاقه إذا عمل بها وكذا لو قال: خذه مضاربة بالنصف في الكوفة؛ لأن (في) للظرف والمكان، وإنما يكون ظرفًا للعمل إذا كان حاصلا فيه فهذا كله اشتراط العمل في الكوفة (٢).
قوله: (لأن الواو للعطف)، والشيء لا يعطف على نفسه بل على غيره،