← История

История · id 30181

تاريخ الخلفاء - ت عبد الحميد

الجلال السيوطي

Полный текст (524 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والثمانيني وأبو عمرو الداني والخليل صاحب الإرشاد وسليم الرازي وأبو العلاء المعري وأبو عثمان الصابوني وابن بطال شارح البخاري والقاضي أبو الطيب الطبري وابن شيطا المقرئ والماوردي الشافعي وابن باب شاذ (١) والقضاعي صاحب الشهاب وابن برهان النحوي وابن حزم الظاهري والبيهقي وابن سيده صاحب المحكم وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابله والحضرمي من الشافعية والهذلي صاحب الكامل في القراءات والفريابي والخطيب والبغدادي وابن رشيق صاحب العمدة وابن عبد البر. المقتدي بأمر الله أبو القاسم المقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله. مات أبوه في حياة القائم وهو حمل فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر وأمه أم ولد اسمها أرجوان (٢). وبويع له بالخلافة عند موت جده وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وكانت البيعة بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والدامغاني وظهر في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة في البلدان. وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه. ومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطي ببغداد وأمر أن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر وخرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس. وكان ديناً خيراً قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس. وفي هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة وفيها جمع نظام الملك المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم.

стр. 422

وفي سنة ثمان وستين خطب للمقتدي بدمشق وأبطل الأذان بحي على خير العمل وفرح الناس بذلك. وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجاً فوعظ بالنظامية وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة لأنه تكلم على مذهب الأشعري وحط عليهم وكثر أتباعه والمتعصبون له فهاجت فتن وقتلت جماعة. وعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابلة. وفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق. وفي سنة سبع وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد وارتفع الغلاء. وفيها ولى الخليفة أبا الشجاع محمد بن الحسين الوزارة ولقبه ظهير الدين وأظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين. وفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصراء بجيوشه إلى الشام فأخذ إنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره قال الذهبي: وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم وقد امتدت أيامهم وبقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس. وفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء واشتد الرعد والبرق وسقط الرمل وتراب كالمطر ووقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي وأوردها في أماليه. وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخلع

стр. 423

والأعلام والتقليد ولقبه بأمير المسلمين ففرح بذلك وسر به فقهاء المغرب وهو الذي أنشأ مدينة مراكش. وفيها دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة وهو أول من دخوله إليها فنزل بدار المملكة ولعب بالكرة وقد تقاوم (١) الخليفة ثم رجع إلى أصبهان. وفيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين وخطب للمقتدي. وفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتين وقام مقامه ابنه جلال الدين مسعود. وفي سنة ثلاث وثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز ودرس بها أبو بكر الشاشي. وفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية وهي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين وحكم عليها آل الأغلب دهراً إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب. وفيها قدم السلطان ملكشاه بغداد وأمر بعمل جامع كبير بها وعمل الأمراء حوله دوراً ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازماً على الشر وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد وتذهب إلى أي بلد شئت فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهراً قال: ولا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام فاتفق مرض السلطان وموته وعد ذلك كرامة للخليفة وقيل: إن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه وذهب إلى حيث ألقت ولما مات كتمت زوجته تركان خاتون موته وأرسلت إلى الأمراء سراً فاستحلفتهم لولده محمود وهو ابن خمس سنين فحلفوا له وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب ولقبه ناصر الدنيا والدين ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه فقلده الخليفة ولقبه ركن الدين وذلك في المحرم

стр. 424

سنة سبع وثمانين وأربعمائة وعلم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة فقيل: إن جاريته شمس النهار سمته وبويع لولده المستظهر. وممن مات في أيام المقتدى من الأعلام: عبد القادر الجرجاني وأبو الوليد الباجي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والأعلم النحوي وابن الصباغ صاحب الشامل والمتولي وإمام الحرمين والدامغاني الحنفي وابن فضالة المجاشعي والبزدوي شيخ الحنفية. المستظهر بالله أبو العباس المستظهر بالله: أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله. ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة وبويع له عند موت أبيه وله ست عشرة سنة وشهران. قال ابن (١) الأثير: كان لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع في أعمال البر حسن الخط جيد التوقعات ولا يقاربه فيها أحد ويدل على فضل غزير وعلم واسع سمحاً جواداً محباً للعلماء والصلحاء ولم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب. وفي هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر وقام بعده ابنه المستعلي أحمد. وفيها أخذت الروم بلنسية. وفي سنة ثمان وثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند لأنه ظهر منه الزندقة فقبض عليه الأمراء وأحضروا الفقهاء فأفتوا بقتله فقتل لا ﵀ وملكوا ابن عمه. وفي سنة تسع وثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم السيل غرق أكثرهم.

стр. 425

وفي سنة تسعين قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان فتملكها السلطان بركياروق ودانت له البلاد والعباد. وفيها خطب للعبيدي بحلب وإنطاكية والمعرة وشيزر شهراً ثم أعيدت الخطبة العباسية. وفيها جاءت الفرنج فأخذوا نيقية وهو أول بلد أخذوه ووصلوا إلى كفر طاب واستباحوا تلك النواحي فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم وانزعجت الملوك والرعية وعظم الخطب فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوها وكثر النفير على الفرنج من كل جهة. وفي سنة اثنتين وتسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان. وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف وقتلوا به أكثر من سبعين ألفاً منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد وهدموا المشاهد وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم وورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاماً أبكى العيون واختلفت السلاطين فتمكنت الفرنج من الشام والأبيوردي في ذلك: مزجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرصة للمراحم وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإيهاً بني الإسلام إن وراءكم … وقائع يلحقن الذرى بالمناسم أنائمة في ظل أمن وغبطة … وعيش كنوار الخميلة ناعم (١) وكيف تنام العين ملء جفونها … على هبوات أيقظت كل نائم (٢) وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم

стр. 426

فكم من دماء قد أبيحت؟ ومن دمى … تواري حياء حسنها بالمعاصم بحيث السيوف البيض محمرة الظبا … وسمر العوالي داميات اللهازم يكاد لهن المستجن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدين واهي الدعائم ويجتنبون النار خوفاً من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعراب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذا لم يذودوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم وفيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق فانتصر عليه فقلده الخليفة ولقبه غياث الدنيا والدين وخطب له ببغداد ثم جرت بينهما عدة وقعات. وفيها نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق خوفاً عليه وخرج الناس لتلقيه فآووه في خزانة بمقصورة الجامع. وفي سنة أربع وتسعين كثر أمر الباطنية بالعراق وقتلهم الناس واشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم وقتلوا الخلائق منهم الروياني صاحب البحر. وفيها أخذ الفرنج بلد سروج وحيفا وأرسوف وقيسارية. وفي سنة خمس وتسعين مات المستعلي صاحب مصر وأقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور وهو طفل له خمس سنين. وفي سنة ست وتسعين جرت فتن للسلطان فترك الخطباء الدعوة للسلطان واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير. وفي سنة سبع وتسعين وقع الصلح بين السلطانين: محمد وبركياروق وسببه أن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد وصارت الأموال منهوبة والدماء مسفوكة والبلاد مخربة والسلطنة مطموعاً فيها وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين دخل العقلاء بينهما في الصلح وكتبت العهود والأيمان

стр. 427

والمواثيق وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق وأقيمت له الخطبة ببغداد. وفي سنة ثمان وتسعين مات السلطان بركياروق فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه وقلده الخليفة وخطب له ببغداد وله دون خمس سنين فخرج عليه عمه محمد واجتمعت الكلمة عليه فقلده الخليفة وعاد إلى أصبهان سلطاناً متمكناً مهيباً كثير الجيوش. وفيها كان ببغداد جدري مفرط مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون وتبعه وباء عظيم. وفي سنة تسع وتسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة وتبعه خلق فأخذ وقتل. وفي سنة خمسمائة أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية وهدمت وقتلوا وسلخ كبيرهم وحشي جلده تبناً فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد فلله الحمد. وفي سنة إحدى وخمسمائة رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد وكثر الدعاء له وزاد في العدل وحسن السيرة. وفي سنة اثنتين عادت الباطنية فدخلوا شيرز على حين غفلة من أهلها فملكوها وملكوا القلعة وأغلقوا الأبواب وكان صاحبها خرج يتنزه فعاد وأبادهم في الحال وقتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب البحر قتله الباطنية في بغداد كما تقدم. وفي سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين. وفي سنة أربع عظم بلاء المسلمين بالفرنج وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام وطلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا لعنهم الله. وفيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل

стр. 428

يده ونزل على الناس رمل وأيقنوا بالهلاك ثم تجلى قليلاً وعاد إلى الصفرة وكان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب. وفيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس نصر فيها المسلمون وقتلوا وأسروا وغنموا ما لا يعبر عنه وبادت شجعان الفرنج. وفي سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى دمشق فصلى الجمعة يوماً في الجامع وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتاباً فيه: وإن أمه قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها. وفي سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم غرق سنجار وسورها وهلك خلق كثير حتى إن السيل أخذ باب المدينة فذهب به عدة فراسخ واختفى تحت التراب الذي جره السيل وظهر بعد سنين وسلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونة وعاش وكبر. وفيها مات السلطان محمد وأقيم بعده ابنه محمود وله أربع عشرة سنة. وفي سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الأول فكانت مدته خمساً وعشرين سنة وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة وصلى عليه ابنه المسترشد وماتت بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي. قال الذهبي: ولا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا رأت ابنها خليفة ثم ابن ابنها ثم ابن ابن ابنها ومن شعر المستظهر: أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا … لما مددت إلى رسم الوداع يداً وكيف أسلك نهج اصطبار وقد … أرى طرائق في مهوى الهوى قددا

стр. 429

إن كنت أنقض عهد الحب يا سكني … من بعد هذا فلا عاينتكم أبداً (١) وللصارم البطائحي مدحاً: أصبحت بالمستظهر بن المقتدي … بالله ابن القائم ابن القادر مستعصماً أرجو نوال أكفه … وبأن يكون على العشيرة ناصري فيقر مع كبري قراري عنده … ويفوز من مدحي بشعر سائر فوقع المستظهر بجائزتين: بخير بين الصلة والانحدار والمقام والإدرار وقال السلفي: قال لي أبو الخطاب بن الجراح صليت بالمستظهر في رمضان فقرأت: " إن ابنك سرق " " رواية رويناها عن الكسائي فبما سلمت قال: هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب. مات في أيامه من الأعلام: أبو المظفر السمعاني ونصر المقدسي وأبو الفرج وشيذلة والروياني والخطيب التبريزي والكيا الهراسي والغزالي والشاشي (٢) الذي صنف له كتاب الحلية وسماه المستظهري والأبيوردي اللغوي. المسترشد بالله أبو المنصور المسترشد بالله: أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وكان ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأي وهيبة شديدة ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب وأحيا رسم الخلافة ونشر عظامها وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها وباشر الحروب بنفسه وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيراً إلى أذربيجان وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي وروى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي ووزيره علي بن طراد وإسماعيل بن طاهر الموصلي

стр. 430

ذكر ذلك ابن السمعاني وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية ناهيك بذلك فقال: هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابة العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية وقال: كان في أول أمره تنسك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة وخطب له أبوه بولاية العهد ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وكان مليح الخط وما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله يستدرك على كتابه ويصلح أغاليط في كتبهم وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق وانكسر وأخذ ورزق الشهادة. وقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما ولكل مملكة وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود وخلع عليهما ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود فخرج لقتاله فالتقى الجمعان وغدر بالخليفة أكثر عسكره فظفر مسعود وأسر الخليفة وخواصه فحبسهم بقلعة بقرب همذان فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة ومنعوا الصلوات والخطبة. قال ابن الجوزي: وزلزلت بغداد مراراً كثيرة ودامت كل يوم خمس مرات أو ستاً والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو والصفح ويتنصل غاية

стр. 431

التنصل فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها فضلاً عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل ودام ذلك عشرين يوماً وتشويش العساكر وانقلاب البلدان ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور آياته وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله فالله الله تتلافى أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عاداتنا وعادة آبائنا ففعل مسعود جميع ما أمره به وقبل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولاً آخر ومعه العسكر يستحث مسعوداً على إعادة الخليفة إلى مقر عزه فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية فذكر أن مسعوداً ما علم بهم وقيل بل علم بهم وقيل بل هو الذي دسهم فهجموا على الخليفة في خيمته ففتكوا به وقتلوا جماعة من أصحابه فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله وجلس السلطان للعزاء واظهر المساءة بذلك ووقع النحيب والبكاء وجاء الخبر إلى بغداد فاشتد ذلك على الناس وخرجوا حفاة مخرقين الثياب والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي لأن المسترشد كان محبباً فيهم ببره ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم. وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومن شعره: أنا الأشقر المدعو بي في الملاحم … من يملك الدنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى … بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي ومن شعره لما أسر:

стр. 432

ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى … وموت علي من حسام ابن ملجم وله لما كسر وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر: قالوا تقيم وقد أحا … ط بك العدو ولا تفر فأجبتهم المرء ما … لم يتعظ بالوعظ غر لا نلت خيراً ما حيي … ت ولا عداني الدهر شر إن كنت أعلم أن غي … ر الله ينفع أو يضر قال الذهبي: وقد خطب بالناس يوم عيد أضحى فقال: الله أكبر ما سبحت الأنواء وأشرق الضياء وطلعت ذكاء وعلت على الأرض السماء الله أكبر همى سحاب ولمع سراب وأنجح طلاب وسر قادماً إياب وذكر خطبة بليغة ثم جلس ثم قام فخطب وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك ووفقني وانصرني فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده: عليك سلام الله يا خير من علا … على منبر قد حف أعلامه النصر وأفضل من أم الأنام وعمهم … بسريته الحسنى وكان له الأمر وأفضل أهل الأرض شرقاً ومغرباً … ومن جده من أجله نزل القطر (١) لقد شنفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصخر ملأت بها كل القلوب مهابة … فقد رجفت من خوف تخويفها مصر وزدت بها عدنان مجداً مؤثلا … فأضحى بها بين الأنام لك الفخر وسدت بني العباس حتى لقد غدا … يباهي بك السجاد والعالم البحر فلله عصر أنت فيه إمامنا … ولله دين أنت فيه لنا الصدر بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر

стр. 433

وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ … تشرفنا فيه صلاتك والنحر وقال وزيرة جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه: وجدت الورى كالماء طعماً ورقة … وأن أمير المؤمنين زلالة وصورت معنى العقل شخصاً مصوراً … وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام ﷻ وفي سنة أربع وعشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل ناراً أحرقت من البلد مواضع ودوراً كثيرة. وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام الله منصور عن غير عقب وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال. وممن مات في أيام المسترشد من الأعلام شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني وابن بليمة المقرئ والطغرائي صاحب لامية العجم وأبو علي الصدفي الحافظ وأبو نصر القشيري وابن القطاع اللغوي ومحي السنة البغوي وابن الفحام المقرئ والحريري صاحب المقامات والميداني صاحب الأمثال وأبو الوليد بن رشد المالكي والإمام أبو بكر الطرطوشي وأبو الحجاج السرقسطي وابن السيد البطليوسي وأبو علي الفارقي من الشافعية وابن الطراوة النحوي وابن الباذش وظافر الحداد الشاعر وعبد الغفار الفارسي وخلائق آخرون.

стр. 434

الراشد بالله أبو جعفر الراشد بالله: أبو جعفر منصور بن المسترشد. ولد في سنة اثنتين وخمسمائة وأمه أم ولد ويقال: إنه ولد مسدوداً فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب ففعل به ذلك فنفع. وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين. وكان فصيحاً أديباً شاعراً شجاعاً سمحاً جواداً حسن السيرة يؤثر العدل ويكره الشر. ولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضراً فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيراً منه؟ فأفتوا بجواز خلعه وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين. وبلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان وكان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا وعاثوا هناك ومضوا إلى همدان وأفسدوا بها وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين وحلقوا لحى جماعة من العلماء ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا القرى. ومرض الراشد بظاهر أصبهان مرضاً شديداً فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم وذلك في سادس عشر

стр. 435

رمضان سنة اثنتين وثلاثين وجاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوماً واحداً. قال العماد الكاتب: كان للراشد الحسن اليوسفي والكرم الحاتمي. قال ابن الجوزي: وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع فتأملت هذا فرأيته عجباً. قلت: وقد سقت بقية كلامه في الخطبة ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل فأحضرا بعد قتله إلى المقتفي. المقتفي لأمر الله أبو عبيد الله المقتفي لأمر الله: أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله. ولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأمه حبشية وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه وعمره أربعون سنه وسبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله ﷺ وهو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله فلقب المقتفي لأمر الله وبعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب وأثاث وذهب وستور وسرادق ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر. ثم في سنة إحدى وثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة ولم يترك له إلا العقار الخاص وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار فقال المقتفي ما رأينا أعجب من أمرك أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله

стр. 436

فجرى ما جرى وأن الراشد ولي ففعل ما فعل ورحل وأخذ ما تبقى ولم يبق إلا الأثاث فأخذته كله وتصرفت في دار الضرب وأخذت التركات والجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلمها فإني عاهدت الله أن لا آخذ من المسلمين حبة ظلماً فترك السلطان الأخذ من الخليفة وعاد إلى جباية الأملاك من الناس وصادر التجار فلقي الناس من ذلك شدة ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة معاملاته والتركات إليه. وفي هذه السنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضاً وكانت السماء جليلة صاحية ومثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ. وفي سنة ثلاث وثلاثين كان ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها فأهلكت خلائق ثم خسف ببحترة وصار مكان البلد ماء أسود. وفيها استولى الأمراء على مغلات البلاد وعجز السلطان مسعود ولم يبق له إلا الاسم وتضعضع أيضاً أمر السلطان سنجر فسبحان مذل الجبابرة وتمكن الخليفة المفتفي وزادت حرمته وعلت كلمته وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية فلله الحمد. وفي سنة إحدى وأربعين قدم السلطان مسعود بغداد وعمل دار ضرب فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب فقبض مسعود على حاجب الخليفة فغضب الخليفة وغلق الجامع والمساجد ثلاثة أيام ثم أطلق الحاجب فأطلق الضراب وسكن الأمر. وفيها جلس أبن العبادي (١) الواعظ فحضر السلطان مسعود وتعرض بذكر مكس البيع وما جرى على الناس ثم قال يا سلطان العالم أنت تهب في ليلة

стр. 437

لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فاحسبني ذلك المطرب وهبه لي واجعله شكراً لله بما أنعم عليك فأجاب ونودي في البلد بإسقاطه وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس وبين يديه الدباب والبوقات وسمرت ولم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح وقال ما لنا حاجة بآثار الأعاجم. وفي سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي وهو صاحب حلب يومئذ وأخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلون والله الحمد وهزم الفرنج واستمر نور الدين في قتال الفرنج وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين. وفي سنة أربع وأربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله وأقيم ابنه الظافر إسماعيل. وفيها جاءت زلزلة عظيمة وماجت بغداد نحو عشر مرات وتقطع منه جبل بحلوان. وفي سنة خمس وأربعين جاء باليمن بمطر كله دم (١) وصارت الأرض مرشوشة بالدم وبقي أثره في ثياب الناس. وفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود. قال ابن هبيرة وهو وزير المقتفي لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود وأساؤا الأدب ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة اتفق الرأي على الدعاء عليه شهراً كما دعا النبي ﷺ على رعل وذكوان شهراً فابتدأ هو والخليفة سراً كل واحد في موضعه يدعو سحراً من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى واستمر الأمر كل ليلة فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره ولم يزد على الشهر يوماً ولا نقص يوماً.

стр. 438

واتفق العسكر على سلطنة ملكشاة وقام بأمره خاصبك ثم أن خاصبك قبض على ملكشاة وطلب أخاه محمداً من خوزستان فجاءه فسلم إليه السلطنة وأمر الخليفة حينئذ ونهى ونفذت كلمته وعزل من كان السلطان ولاه مدرساً بالنظامية وبلغه أن في نواحي واسط تخبطاً فسار بعسكره ومهد البلاد ودخل الحلة والكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيداً منصوراً وزينت بغداد. وفي سنة ثمان وأربعون خرجت الغز على السلطان سنجر وأسروه وأذاقوه الذل وملكوا بلاده وبقوا الخطبة باسمه وبقي معهم صورة بلا معنى وصار يبكي على نفسه وله اسم السلطنة وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته. وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبياً صغيراً ووهى أمر المصريين فكتب المقتفي عهداً لنور الدين محمود بن زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته فبعث إليه المقتفي تقليداً وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه بالملك العادل وعظم سلطان المقتفي واشتدت شوكته واستظهر على المخالفين وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره ولم يزل أمره في تزايد وعلوا إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. قال الذهبي: كان المقتفي من سروات الخلفاء عالماً أديباً شجاعاً حليماً دمث الأخلاق كامل السؤدد خليقاً للإمامة قليل المثل في الأئمة لا يجري في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه وكتب في خلافته ثلاث ربعات وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني. قال ابن السمعاني: وسمع جزء ابن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم

стр. 439

ابن بيان روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه والوزير ابن هبيرة وزيره وغيرهما وقد جدد المقتفي باباً للكعبة واتخذ من العقيق تابوتاً لدفنه وكان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع إلى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة جدد معالم الإمامة ومهد رسوم الخلافة وباشر الأمور بنفسه وغزا غير مرة وامتدت أيامه. وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية: كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل زاهرة بفعل الخيرات وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه وكان في أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت. وقال ابن الجوزي: من أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خرسان والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام وكان جواداً كريماً محباً للحديث وسماعه معتنياً بالعلم مكرماً لأهله. قال ابن السمعاني: حدثنا أبو منصور الجواليقي حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني حدثنا المخلص حدثنا إسماعيل الوراق حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا أبو سحيم حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " لا يزداد الأمراء إلا شدة ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ".

стр. 440

ولما عاد المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماماً يصلى به دخل عليه فما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائماً فقال ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي صدقت وأحسنت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه. وممن مات في أيام المقتفي من الأعلام ابن الأبرش النحوي ويونس بن غيث وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي وأبو القاسم الأصفهاني صاحب الترغيب وابن برجان والمازري المالكي صاحب كتاب المعلم بفوائد مسلم والزمخشري والرشاطي صاحب الأنساب والجواليقي وهو إمامه وابن عطيه صاحب التفسير وأبو السعادات ابن الشجري والإمام أبو بكر ابن العربي وناصح الدين الأرجاني الشاعر والقاضي عياض والحافظ أبو الوليد بن الدباغ وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري وابن علام الفرس المقرئ والرفاء الشاعر والشهرستاني صاحب الملل والنحل والقيسراني الشاعر ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي وأبو الفضل بن ناصر الحافظ وأبو الكرم الشهرزوري المقرئ والوأواء الشاعر وابن الجلاء إمام الشافعية وخلائق آخرون. المستنجد بالله أبو المظفر المستنجد بالله: أبو المظفر يوسف بن المقتفي. ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأمه أم ولد كرجية اسمها طاوس خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين.

стр. 441

وبويع له يوم موت أبيه وكان موصوفاً بالعدل والرفق أطلق من المكوس شيئاً كثيراً بحيث لم يترك بالعراق مكساً وكان شديداً على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضره رجل وبذل في عشرة آلاف دينار فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس. قال ابن الجوزي: وكان المستنجد موصوفاً بالفهم الثاقب والرأي الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب وغير ذلك. ومن شعره: عيرتني بالشيب وهو وقار … ليتها عيرت بما هو عار إن تكن شابت الذوائب مني … فالليالي تزينها الأقمار وله في بخيل: وباخل أشعل في بيته … تكرمه منه لنا شمعة فما جرت من عينها دمعة … حتى جرت من عينه دمعة وله في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين: صفت نعمتان خصتاك وعمتا … بذكرهما حتى القيامة تذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس منكر فلو رام يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا … المظفر إلا كنت أنت المظفر مات في ثمان ربيع الآخر سنة ست وستين. وكان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر وقام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد. وفي سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه

стр. 442

في ألفي فارس إلى مصر فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه وقتل من الفرنج ألوفاً ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد وقصد الفرنج الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ابن أخ أسد الدين فحاصروها أربعة أشهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام. وفي سنة أربع وستين قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم فملكوا بلبيس وحاصروا القاهرة فأحرقها صاحبها خوفاً منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله ودخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة وخلع عليه فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة وستين يوماً فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب وقلده الأمور ولقبه الملك الناصر فقام بالسلطنة أتم قيام. ومن أخبار المستنجد قال الذهبي: ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض وكان يرى ضوؤها على الحيطان. وممن مات في أيامه من الأعلام الديلمي صاحب مسند الفردوس والعمراني صاحب البيان من الشافعية وابن البرزي شافعي أهل الجزيرة والوزير ابن هبيرة والشيخ عبد القادر الجيلي والإمام أبو سعيد السمعاني وأبو النجيب السهروردي وأبو الحسن بن هذيل المقرئ وآخرون. المستضيء بأمر الله الحسن المستضيء بأمر الله الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله ولد سنة ست وثلاثين

стр. 443

وخمسمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها غضة بويع له بالخلافة يوم موت أبيه. قال ابن الجوزي: فنادى برفع المنكوس ورد المظالم وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا وفاق مالا عظيماً على الهاشمين والعلويين والعلماء والمدارس والربط وكان دائم البذل للمال وليس له عنده وقع ذا حلم وأناه ورأفة ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفاً وثلثمائة قباء إبريسم وخطب له على منابر بغداد ونثرت الدنانير كما جرت العادة وولى روح بن الحديثي القضاء وأمر سبعة عشر مملوكاً وللحيص بيص فيه: يا أمام الهدى علوت على الجو … د بمال وفضة ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبل … دان في ساعة مضت من نهار فماذا يثني عليك وقد جا … وزت فضل البحور والأمطار إنما أنت معجز مستقل … خارق للعقول والأفكار جمعت نفسك الشريفة بالبأ … س وبالجود بين ماء ونار قال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم ولا يدخل عليه غيرهم. وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه وجاء البشير بذلك فعلقت الأسواق ببغداد وعملت القباب وصنفت كتاباً سميته النصر على مصر هذا كلام ابن الجوزي. وقال الذهبي: في أيامه ضعف الرفض ببغداد ووهى وأمن الناس ورزق سعادة عظيمة في خلافته وخطب له باليمن وبرقة وتوزر ومصر إلى أسوان ودانت الملوك بطاعته وذلك سنة سبع وستين. وقال العماد الكاتب: استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني

стр. 444

العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه وسير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبي عصرون إلى بغداد وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام فأنشأت بشارة أولها: الحمد الله معلي الحق ومعلنه وموهي الباطل وموهنه ومنها ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين وتمهدت جوامع الجمع وتهدمت صوامع البدع إلى أن قال وطالما مرت عليها الحقب الخوالي وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد ومكن لنا في الأرض وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك. وللعماد قصيدة في ذلك منها: قد خطبنا للمستضيء بمصر … نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصره العضد العا … ضد والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدعي يدعو ثبوراً … وهو بالذل تحت حجر وحصر وأرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتشريفات لنور الدين وصلاح الدين وأعلامنا وبنوداً للخطباء بمصر وسير للعماد الكاتب خلعة ومائة دينار فعمل قصيدة أخرى منها: أدالت بمصر لداعي الهدا … ة وانتقمت من دعي اليهود وقال ابن الأثير: السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يصغ

стр. 445

إلى قوله وأرسل يلزمه بذلك واتفق أن العاضد مرض فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق ومنهم من خاف وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال أنا أبتدئ بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان والعضد شديد المرض فتوفي في يوم عاشوراء. وفي سنة تسع وستين أرسل نور الدين إلى الخليفة بتقادم وتحف منها حمار مخطط وثوب عتابي وخرج الخلق للفرجة عليه وكان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوي وهو بليد ناقص الفضيلة فقال رجل إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار. وفيها وقع برد بالسواد كالنارنج هدم الدور وقتل جماعة وكثيراً من المواشي وزادت دجلة زيادة عظيمة بحيث غرقت بغداد وصليت الجمعة خارج السور وزادت الفرات أيضاً وأهلكت قرى ومزارع وابتهل الخلق إلى الله تعالى ومن العجائب أن هذا الماء عل هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارع بالعطش. وفيها مات السلطان نور الدين وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبي فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا. وفيها أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين. وفي سنة اثنتين وسبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة وجعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش. قال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلثمائة ذراع بالهاشمي. وفيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم وهي التي صارت دار السلطنة

стр. 446

ولم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل بن أخي صلاح الدين وهو أول من سكنها. وفيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي. وفي سنة أربع وسبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء واستغاث الناس استغاثة شديدة وبقي الأمر على ذلك إلى السحر. وفي سنة خمسة وسبعين مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال وعهد إلى ابنه أحمد. وممن مات في أيام المستضيء من الأعلام ابن الخشاب النحوي وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي والحافظ أبو العلاء الهمذاني وناصح الدين ابن الدهان النحوي والحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعي والحيص بيص الشاعر والحافظ أبو بكر بن خير وآخرون. الناصر لدين الله أحمد الناصر لدين الله. أحمد أبو العباس بن المستضيء بأمر الله ولد يوم الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد وبويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة سنة خمس وسبعين وأجاز له جماعة: منهم أبو الحسن عبد الحق اليوسفي وأبو الحسن علي بن عساكر البطايحي وشهدة وأجازه هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته ويتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الاسناد. وقال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد أطول مدة منه فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك ولم يجد ضيماً ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه ولا مخالف إلا دفعه وكل من أضمر له سوءاً رماه الله بالخذلان وكان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم وأصحاب أخباره

стр. 447

في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة وكانت له حيل لطيفة ومكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون ويوقع العداوة بين ملوك متفقين وهم لا يفطنون ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل فصار يبالغ في التكتم والورقة تأتيه بذلك فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك وفيها كان عليكم دواج فيه صورة الفيل فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار وأنى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم فقيل له ارجع فقد عرفنا ما جئت به فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب. قال الذهبي: قيل إن الناصر كان مخدوماً من الجن. ولما ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النهر وتجبر وطغى واستعبد الملوك الكبار وأباد أمماً كثيرة وقطع خطبة بني العباس من بلاده وقصد بغداد فوصل إلى همذان فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوماً فغطاهم في غير أوانه فقال له بعض خواصه إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة. وبلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه وطمعوا في البلاد لبعده عنها فكان ذلك سبب رجوعه وكفي الناصر شره بلا قتال. وكان الناصر إذا أطعم أشبع وإذا ضرب أوجع وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ " قل هو الله أحد " تحفة للخليفة من الهند فأصبحت ميتة وأصبح حيران فجاءه فراش يطلب منه الببغاء فبكى وقال الليلة ماتت فقال قد عرفنا هاتها ميتة وقال كم كان ظنك أن يعطيك

стр. 448

الخليفة قال خمسمائة دينار قال هذه خمسمائة دينار خذها فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند. وكان صدرجهان قد صار إلى بغداد ومعه جماعة من الفقهاء وواحد منهم لما خرج من داره من سمرقند على فرس جميلة فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد فقال الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني فأمر بعض القوادين انه حين يدخل بغداد يضربه ويأخذها منه ويهرب في الزحمة ففعل فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان وأصحابه وخلع على ذلك الفقيه وقدمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق وقيل له لم يأخذ فرسك الخليفة إنما أخذها أتوني فخر مغشياً عليه وأسجل بكرامتهم. وقال المرفق عبد اللطيف كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد فأحيا بهيبته الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ثم ماتت بموته. وكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا وورد بغداد تاجر ومعه قناع دمياط المذهب فسألوه عنه فأنكر فأعطى علامات فيه: من عدده وألوانه وأصنافه فازداد إنكاره فقيل له: من العلامات أنك نقمت على مملوكك التركي فلان فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة وقتلته ودفنته هناك ولم يشعر بذلك أحد. قال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر ودخل في طاعته من كان من المخالفين وذلت له العتاة والطغاة وانقهرت بسيفه الجبابرة واندحض أعداؤه وكثر أنصاره وفتح البلاد العديدة وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدمه من الخلفاء والملوك وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين وكان أشد بني العباس تنصدع لهيبته الجبال وكان حسن الخلق لطيف الخلق كامل

стр. 449

الظرف فصيح اللسان بليغ البيان له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة وكانت أيامه غرة في وجه الدهر وردة في تاج الفخر. وقال ابن واصل: كان الناصر شهماً شجاعاً ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزيئات الأمور حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك فكتب في جواب ذلك سوء أدب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة قال وكان مع ذلك رديء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم والعسف ففارق أهل البلاد بلادهم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل أفعالا متضادة وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه حتى إن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ فقال أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته (١) ولم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر. وقال ابن الأثير: كان الناصر يسئ السيرة خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل الشيء وضده وكان يرمي بالبندق ويغوي الحمام. وقال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث واستناب نواباً في الإجازة عنه والتسميع وأجرى عليهم جرايات وكتب للملوك والعلماء إجازات وجمع كتاباً سبعين حديثاً ووصل إلى حلب وسمعه الناس. قال الذهبي: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه: منهم ابن سكينة

стр. 450

وابن الأخضر وابن النجار وابن الدامغاني وآخرون. قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي وغيره: قل بصر الناصر في آخر عمره وقيل ذهب كله ولم يشعر بذلك أحد من الرعية حتى الوزير وأهل الدار وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع. وقال شمس الدين الجزري: كان الماء يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلي سبع غلوات كل يوم غلوة ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام ثم يشرب منه ومع هذا ما مات حتى سقي المرقد مرات وشق ذكره وأخرج منه الحصى ومات منه يوم الأحد سلخ من رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة. ومن لطائفه أن خادماً اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب فوقع فيها بمن يمن يمن بمن ثمن ثمن ولما تولى الخليفة بعث إلى السلطان صلاح الدين بالخلع والتقليد وكتب إليه السلطان كتابا يقول فيه والخادم ولله الحمد يعدد سوابق فى الإسلام والدولة العباسية لا يعمرها أولية ابى مسلم لأنه والى ثم وارى ولا آخريه طغرلبك لأنه نصر ثم حجر والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها وأساغ الغصة التى أذخر الله للاساغة في سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر وأعز بتأييد إبراهيمى فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر ومن الحوادث في أيامه منشورة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميه بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق وحصل بذلك مفاسد وفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر واربع أصابع وله أذن واحدة

стр. 451

أترى مناما ما بعينى أبصر … القدس يفتح والنصارى تكسر وقمامة قمت من الرجس الذى بزواله وزوالها يتطهر … ومليكهم فى القيد مصفود ولم وعد الرسول فسبحوا واستغفروا يا يوسف الصديق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر ومن الغرائب أن ابن برجان ذكر فى التفسير ﴿الم غلبت الروم﴾ أن بيت المقدس يبقى فى يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد أخذا من حساب الآية فكان كذلك وقال ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست وثلاثين وخمسمائة وفى سنة تسع وثمانين مات السلطان صلاح الدين ﵀ فوصل إلى بغداد الرسول وفى صحبته لأمة الحرب التى لصلاح الدين وفرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهما لم يخلف من المال سواها واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين على وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازى وفى سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغربلك بن محمد بن ملك شاه وهو آخر ملوك السلجوقية قال الذهبى وكان عددهم نيفا وعشرين ملكا أولهم طغرلبك الذى أعاد القائم إلى بغداد ومدة دولتهم مائة وستون سنة وفى سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا ووقع على الناس رمل أحمر ووقع من الركن اليمانى قطعة وفيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفا وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت وأن يجئ إلى بغداد

стр. 452

ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة ورد رسوله بلا جواب ثم كفى شره كما تقدم وفى سنة ثلاث وتسعين أنقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء وظنوا ذلك من أمارات القيامة وفى سنة ست وتسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين وفشا أكل بنى آدم واشتهر ورؤى من ذلك العجب العجاب وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى وتمزق أهل مصر كل ممزق وكثر الموت من الجوع بحيث كان نالماشى لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو فى السياق وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى وقد حكى الذهبى وى ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال وصارت الطرق مزرعة بالموتى وصارت لحومها للطير ولاسباع وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة واستمر ذلك إلى أثناء سمة ثمان وتسعين وفى سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة فأخرجت أماكن كثيرة وقلاعا وخسفت قرية من أعمال بصرى وفى سنة تسع وتسعين فى سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت تطاير الجراد ودام ذلك إلى الفجر وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول ﷺ

стр. 453

وفى سنة ستمائة هجم لفرنج غلى النيلل من رشيد ودخلوا بلد فوة فنهبوها واستباحوا ورجعوا وفى سنة إحدى وستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها وكانت بأيدى الروم من قبل الإسلام واستمرت بيد الفرنج غلى سنة ستين وستمائة فاستطلقها منهم الروم وفيها أى سنة إحدى وستمائة ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل ولم يعش وفى سنة ست وستمائة كان ابتداء أمر التتار وسيأتى شرح حالهم وفى سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة قال أبو شامة وهذا البرج كان قفل الديار المصرية وهو برج عال فى وسط النيل ودمياط بحذائه من شرقية والجزيرة بحذائه من غربيه وفى ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط والأخرى على النيل غلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من نمالبحر المالح وفى سنة ست عشر أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها وجعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل عن مدينة عند مرق البحرين سموها المنصورة وبنى ليها سورا ونزلها بجيشه وفى هذه السنة كاتبه قاضى القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق فى نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس فى مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام ودخل داره ولزم بيته ومات بعد أشهر قهلرا ورمى قطعا من كبده وتأسف الناس لذلك واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف ابن عنين حين تزهد خمرا وبردا وقال

стр. 454

يا أيها الملك المعظم سنة … أحدثتها تبقي على الآباد تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهاد وفي سنة ثمان عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد. وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية وكانت الكعبة تكسي الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجاً أخضر ثم كساها ديباجاً أسود فاستمر إلى الآن. وممن مات في أيام الناصر من الأعلام الحافظ أبو طاهر السلفي وأبو الحسن ابن القصار اللغوي والكمال أبو البركات بن الأنباري والشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد وابن بشكوال ويونس والد يونس الشافعي وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي وأبو الفضل والد الرافعي وابن ملكون النحوي وعبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام وأبو زيد السهيلي صاحب الروض الأنف والحافظ أبو موسى المديني وابن بري اللغوي والحافظ والعتابي والحافظ أبو بكر الحازمي والشرف ابن أبي عصرون وأبو القاسم البخاري والعتابي صاحب الجامع الكبير من كبار الحنفية والنجم الحبوشاني المشهور بالصلاح وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة وفخر الدين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي أول من وضع الفرائض على شكل المنبر والبرهان المرغيناني صاحب الهداية من الحنفية وقاضي خان صاحب الفتاوى منهم وعبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد وأبو الوليد ابن رشد صاحب العلوم الفلسفية وأبو بكر بن زهر الطبيب والجمال بن فضلان من الشافعية والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والترسل والشهاب الطوسي وأبو الفرج بن الجوزي والعماد الكاتب وابن عظيمة المقري والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب العمدة والبركي الطاوسي صاحب الخلاف وتميم

стр. 455

الحلي وأبو ذر الخشني النحوي والإمام فخر الدين الرازي وأبو السعادات ابن الأثير صاحب جامع الأصول ونهاية الغريب والعماد بن يونس صاحب شرح الوجيز والشرف صاحب التنبيه والحافظ أبو الحسن بن المفضل وأبو محمد بن حوط الله وأخوه أبو سليمان والحافظ عبد القادر الرهاوي والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا والوجيه ابن الدهان النحوي وتقي الدين بن المقترح وأبو اليمن الكندي النحوي والمعين الحاجري صاحب الكفاية من الشافعية والركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف وأبو البقاء العكبرى صاحب الإعراب وابن أبي أصيبعة الطبيب وعبد الرحيم بن السمعاني (١) ونجم الدين الكبري وابن أبي الصيف اليمني وموفق الدين بن قدامة الحنبلي وفخر الدين بن عساكر وخلائق آخرون. الظاهر بأمر الله أبو نصر الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله. ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وبايع له أبوه بولاية العهد واستخلف عند الموت والده وهو ابن اثنين وخمسون سنة فقيل له ألا تتفسح؟ قال: لقد يبس الزرع فقيل يبارك الله في عمرك قال: من فتح دكاناً بعد العصر إيش يكسب؟. ثم إنه أحسن إلى الرعية وأبطل المكوس وأزال المظالم وفرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة. وقال ابن الأثير في الكامل: لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه ما ولي الخلافة بعد عمر ابن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً فإنه أعاد الأموال المغصوبة

стр. 456

والأملاك المأخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيراً وأبطل المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدده أبوه وكان ذلك كثيراً لا يحصى. فمن ذلك أن قرية بعقوبا (١) كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول. ولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق وذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة. ومن عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير وأوله " ويل للمطففين " الآيات وفيه: قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتاً كثيراً وقد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول يبطل ولو أنه ثلثمائة ألف وخمسون ألف دينار. ومن عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها وأخرج أهل الحبوس وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مائة ألف دينار وقيل له هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير فكم بقيت أعيش؟. ووجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له لم لا تفتحها قال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات وهذا كله كلام ابن الأثير.

стр. 457

وقال سبط ابن الجوزي: لما دخل إلى الخزائن قال له خادم: كانت في أيام آبائك تمتلئ فقال ما جعلت الخزائن لتمتلئ بل تفرغ وتنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجار؟. وقال ابن واصل: أظهر العدل وأزال المكس وظهر للناس وكان أبوه لا يظهر إلا نادراً. توفي ﵀ في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته تسعة أشهر وأياماً. وقد روي الحديث عن والده بالإجازة وروي عنه أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي. ولما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية أولها ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حدثها وما للشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما: فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة … ووحدة من فيها لمصرع واحد وهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمه للعالمين إلى آخر الرسالة. المستنصر بالله أبو جعفر المستنصر بالله: أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله. ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وأمه جارية تركية. قال ابن النجار: وبويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة فنشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف في القضايا وقرب أهل العلم والدين وبني المساجد والربط والمدارس والمارستانات وقام منار الدين

стр. 458

وقمع المتمردة ونشر السنن وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن وقام بأمر الجهاد أحسن قيام وجمع الجيوش لنصرة الإسلام وحفظ الثغور وافتتح الحصون. وقال الموفق عبد اللطيف: بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة وعمر طرق المعروف الدائرة وأقام شعار الدين ومنار الإسلام واجتمعت القلوب على محبته والألسن على مدحه ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معاباً. وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر. وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم (١) المنذري: كان المستنصر راغباً في فعل الخير مجتهداً في تكثير البر وله في ذلك آثار جميلة وأنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم. وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بنى على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر منها وقوفاً وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وعمل فيها مارستاناً ورتب فيها مطبخاً للفقهاء ومزملة للماء البارد ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك وللفقيه بعد ذلك في الشهر ديناراً ورتب لهم حماماً وهو أمر لم يسبق إلى مثله واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده وكان ذا همة عالية وشجاعة وإقدام عظيم وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون وآخذ البلاد من أيدي التتار واستأصلهم فلما مات المستنصر لم يرد الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر ليقضي الله

стр. 459

أمراً كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته وتغلب التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال الذهبي وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفاً وسبعين ألف مثقال وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين وتمت في سنة إحدى وثلاثين ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا من الكتب النفيسة وعدد فقهائها مائتان وثمانية أربعون فقيهاً من المذاهب الأربعة وأربعة مدرسون وشيخ حديث وشيخ نحو وشيخ طب وشيج فرائض ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة وجعل فيها ثلاثين يتيماً ووقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقوفة عليها وقال: وفتحت يوم الخميس في رجب وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة وكان يوماً مشهوداً. ومن الحوادث في أيام المستنصر في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية وفرغت في سنة ثلاثين. وفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذا الدراهم عوضاً عن قراضة الذهب رفقاً بكم وإنقاذاً لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد: لا عدمنا جميل رأيك فينا … أنت باعدتنا عن التطفيف ورسمت اللجين حتى ألفنا … هـ وما كان قبل بالمألوف ليس للجمع كان منعك للصر … ف ولكن للعدل والتعريف وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم.

стр. 460

وفيها مات الإخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق والكامل صاحب دمشق والكامل صاحب مصر بعده بشهرين وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة ولقب العادل ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين. وفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين ابن عبد السلام فخطب خطبة عرية من البدع وأزال الأعلام المذهبة وأقام هو عوضها سوداً بأبيض ولم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد. وفيها قدم رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستين وثمانمائة. وفي سنة تسع وثلاثين وستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالروضة ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستمائة. وفي سنة أربعين وستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ورثاه الشعراء فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل (١). ومن مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها: لو كنت في يوم السقيفة حاضراً … كنت المقدم والإمام الأورعا فقال له قائل بحضرته: أخطأت قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين ولم يكن المقدم إلا أبو بكر فأقر ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة وأمر بنفي الوجيه فخرج إلى مصر حكاها الذهبي. وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرافعي والجمال المصري وابن معزوز النحوي وياقوت الحموي والسكاكي صاحب المفتاح والحافظ أبو الحسن بن القطان ويحيى بن معطي صاحب الألفية في النحو والموفق عبد اللطيف البغدادي والحافظ أبو بكر بن نقطة
следующие страницы →