← История

История · id 30182

تاريخ الخلفاء - ط الباز

الجلال السيوطي

Полный текст (437 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد. نحمده ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله وإليه يرجع الأمر كله، بيده مقاليد السموات والأرض، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، وإليه المصير. وأشهد أن سيدنا وإمامنا وحبيبنا وقائدنا محمدا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبيه، أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، ﷺ وبارك ما تزينت الأرض بتوحيد رب العالمين. أما بعد. . . . فإن نبينا المصطفى قد افتتح تاريخ أمتنا الإسلامية، وخط بكفه الشريف أول كلمة في سطور ديوانه وصحائفه الخالدة، بعد هجرته النبوية الشريفة مباشرة، حينما وضع بيده المباركة أول حجر قام عليه مسجده الطاهر الذي أسس سعليه دولته التي امتدت وتوسعت وانتشرت ورفعت راياتها فوق كل بقعة من بقاع أرض الله. وبعد أن أدى النبي ﷺ الرسالة وبلغ الأمانة وصعدت روحه الشريفة الطاهرة إلى بارئها، توكل الله بحفظ دينه، وأوكل برفع قواعده رجالا، حملوا أمر تلك الدولة التي وضع أسسها نبي الله محمد ﷺ وأكملوا بكل ما آتاهم الله من قوة كتابة صحائف تاريخ الإسلام، فبلغ أمر الله شرق الأرض وغربها، ثم تحمل رجال آخرون مسئولية تدوين ما حدث في تلك القرون الماضية من خلافة وملك وما طرأ عليها من استقرار واضطراب، وما شهدت من بداية عهد قوم وانتهاء عهد آخرين. وممن قام بحمل هذه الأمانة الجليلة الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي عنى بحفظ وتدوين تاريخ أمتنا الإسلامية في كتابه هذا الذي يبدأ بخلافة الصديق أبي بكر ﵁ وينتهي بعصر تأليف هذا الكتاب الذي سماه: تاريخ الخلفاء، وهو من الكتب الجليلة النافعة في هذا الميدان.

стр. 2

ولهذا رأت مكتبة نزار مصطفى الباز أن تعيد طباعة هذا الكتاب القيم فشرفتني بتكليفي بتحقيقه ليعم النفع جموع المسلمين وليزداد من أراد الاطلاع على تاريخ دولتنا الإسلامية معرفة بها وإدراكا لجوانب قد تخفى عليه. ١ - لما لم أقف على مخطوطة لهذا الكتاب، فقد قمت بمطابقة النسخ المطبوعة، واستخلصت منها هذه النسخة التي خرجت بهذه الصورة. ٢ - قمت بعمل ترجمة للمؤلف، وحرصت أن تكون على لسانه؛ ولذا نقلتها عنه متحدثا عن نفسه. ٣ - قمت بتخريج الآيات القرآنية. ٤ - قمت بتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب بعزوها إلى مخرجيها. ٥ - توضيح معاني الكلمات الغامضة والصعبة التي وردت في الكتاب. ٦ - عمل فهرس الكتاب. وأتركك عزيزي القارئ بين يدي الكتاب لتطالع ما أسهمت فيه من جهد متواضع بجانب ما بالكتاب من إبداع للمؤلف في سرد الحوادث التاريخية وترتيبها في إطار مادة علمية غزيرة، ومعرفة تاريخية واسعة. المحقق: حمدي الدمرداش محمد المنصورة

стр. 3

ترجمة الإمام السيوطي لم أقف على ترجمة للإمام السيوطي أوفى من ترجمته لنفسه في كتابه: حسن المحاضرة، حيث قال: "وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي فقل أن ألف أحد منهم تاريخا إلا ذكر ترجمته فيه، وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر الفارسي في: تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في: معجم الأدباء، ولسان الدين ابن الخطيب في: تاريخ غرناطة، والحافظ تقي الدين الفارسي في: تاريخ مكة، والحافظ أبو الفضل بن حجر في: قضاة مصر، وأبو شامة في: الروضتين، وهو أورعهم وأزهدهم فأقول: أما جدي الأعلى همام الدين، فكان من أهل الحقيقية ومن مشايخ الطرق ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجرا في صحبة الأمير شيخون، وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان متمولا ولا أعلم من خدم العلم حق خدمته إلا والدي. وأما نسبتنا بالخضيري فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا الخضيرية، محلة ببغداد، وقد حدثني من أثق به أنه سمع والدي ﵀ يذكر أن جده الأعلى كان أعجميا، أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة. وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرك علي، ونشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم، من مستهل سنة أربع وستين فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضى زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي الذي كان يقال: غنه بلغ السن العالية، وجاوز المائة بكثير -والله أعلم بذلك- قرأت عليه في شرحه على المجموع. وأجزت بتدريس اللغة العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته: شرح الاستعاذة والبسملة، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، فكتب عليه تقريظا، ولازمته في الفقه إلى أن مات، فلازمت ولده، فقرأت عليه من أول التدريب لوالده إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول الحاوي الصغير إلى العدد، ومن أول المنهاج إلى الزكاة، ومن أول التنبيه إلى قريب من الزكاة، وقطعة من الروضة، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي، ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها. وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري، فلما توفي لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي، فقرأت عليه قطعة من المنهاج، وسمعته عليه في التقسيم

стр. 4

إلى مجالس فاتتني، وسمعت دروسا في شرح البهجة ومن حاشيته عليها ومن تفسير البيضاوي. ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبت أربع سنين، وكتب لي تقريظا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجردا في حديث، فإنه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الجمرا في الإسراء وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظنته فلم أجده فمررت على الكتاب كله فلم أجده فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده، ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ فأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته وأخذ القلم فضرب على لفظ: ابن ماجه، وألحق: ابن قانع، في الحاشية، فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي واحتقاري في نفسي: فقلت: ألا تصبرون لعلكم تراجعون! فقال: إنما قلدت في قولي: ابن ماجه، البرهان الحلبي، ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات. ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافينجي أربع عشرة سنة، فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك، وكتب لي إجازة عظيمة، وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروسا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه وتلخيص المفتاح والعضد. وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ولما حججت شربت من ماء زمزم لأمور: منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين، وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحدمن أشياخي فضلا عمن دونهم. أما الفقه: فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا، وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب.

стр. 5

وأما علم الحساب: فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت إلى مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله. وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى. أقول ذلك، تحدثا بنعمة الله علي، لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخر! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها العقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئا في المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم. وأما مشايخي في الرواية سماعا وإجازة فكثير، أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مائة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية؛ لاشتغالي بما هو أهم، وهو قراءة الدراية (١). _________ (١) حسن المحاضرة "١: ٥٣٣ - ٩٣٣".

стр. 6

خطبة المؤلف وفيها بيان الداعي إلى تأليف الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد حمد الله الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء، ومسود الخلفاء، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء؛ فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة، من عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى عهدنا هذا، على ترتيب زمانهم الأول فالأول، وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع أيامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة. منها: أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارب محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال، فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة، وأسهل في التحصيل، فأفردت كتابا في الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- وكتابا في الصحابة ملخصا من: الإصابة، لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر (١)، وكتابا حافلا في طبقات المفسرين، وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي (٢)، وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغوين لم يؤلف قبله مثله، وكتابا في طبقات الأصوليين، وكتابا جليلا في طبقات الأولياء، وكتابا في طبقات الفرضيين، وكتابا في طبقات البيانيين، وكتابا في طبقات الكتاب -أعني أرباب الإنشاء- وكتابا في طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية. وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك؛ لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم؛ ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم؛ فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا مما ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين. ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين؛ لأن إمامتهم غير صحيحة، لأمور: منها: أنهم غير قرشيين. وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلا فجدهم مجوسي،

стр. 7

قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه حدادا يهوديا نشابة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القداح جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب، وادعى أنه علوي ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وسماهم جهلة الناس الفاطميين، وقال ابن خلكان: أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز بالله بن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات: إنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقا … فاذكر أبا بعد الأب السابع وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطائع أولا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي: "أما بعد: فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك" فاشتد ذلك على العزيز، فأفحمه عن الجواب -يعني أنه دعي لا تعرف قبيلته. قال الذهبي: المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قاله حفيده المعز صاحب القاهرة -وقد سأله طباطبا العلوي عن نسبهم- فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي، ونثر على الأمراء والحاضرين وقال: هذا حسبي. ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سب الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له، والخير منهم رافضي (١) خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃ ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصح لهم إمامة. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد الله باطنيا (٢) خبيثا حريصا على إزالة

стр. 8

ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء؛ ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض. وقال الذهبي: كان القائم بن مهدي شرا من أبيه، زنديقا، معلونا، أظهر سب الأنبياء وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التتر. وقال أبو الحسن القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فياحبذا لو كان رافضيا فقط، ولكنه زنديق. وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد -يعني خلفاء مصر- على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار؛ فلا يعذر أحد بالخوف من إقامته؛ لأن المقام في موضع يطلب من أهل تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما قام من أقام من الفقهاء على المباينة؛ لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم. وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بين عبيد حال المرتدين والزنادقة؛ لما أظهروا من خلاف الشريعة. وقال ابن خلكان: وقد كانوا يدعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد المنبر يوما فرأى ورقة فيها مكتوب: بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة إن كنت أعطيت علم الغيب … بين لنا كاتب البطاقة وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا، والنصارى بابن نسطورا، وأذل المسلمين بك، إلا نظرت في أمري، وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام، وابن نسطورا النصراني بمصر. ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة فلا تصح؛ إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم. ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى ابن مريم أو المهدي؛ فعلم أن من تسمى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ. فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج، وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته وعقد بيعته، وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة، وما أوردته من الوقائع الغريبة، والحوادث العجيبة، فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي، والعهدة في أمره عليه والله المستعان.

стр. 9

فصل: في بيان كونه ﷺ لم يستخلف وسر ذلك قال البزار في مسنده: حدثنا عبد الفتاح بن وضاح الكوفي، حدثنا يحيى بن اليماني، حدثنا إسرائيل، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علينا؟ قال: "إني أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب" أخرجه الحاكم في المستدرك (١)، وأبو اليقظان ضعيف. وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني رسول الله ﷺ (٢). وأخرج أحمد والبيقهي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر على يوم الجمل قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها. وأخرج الحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في الدلائل، عن أبي وائل قال: قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (٣). قال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي ﵁ وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمر على علي وصي رسول الله ﷺ وود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله ﷺ فخزم (٤) أنفه بخزام؟. أخرجه ابن سعد، والبيهقي في الدلائل (٥). وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي: لما قبض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة؛ فرضينا لدنيانا عمن رضي رسول الله ﷺ عنه لديننا؛ فقدمنا أبا بكر. وقال البخاري في تاريخه: روي عن ابن جمهان عن سفينة: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر

стр. 10

وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدي قال البخاري: ولم يتابع على هذا؛ لأن عمر وعليا عثمان قالوا: لم يستخلف النبي ﷺ انتهى. والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الجماني حدثنا حشرج عن سعيد بن جهمان عن سفينة: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: "ضع حجرك إلى جنب حجري". ثم قال لعمر: "ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر". ثم قال لعثمان: "ضع حجرك إلى جنب حجر عمر". ثم قال: "هؤلاء الخلفاء بعدي" قال أبو زرعة: إسناده لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في الدلائل وغيرها (١). قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي: إنه لم يستخلف؛ لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد، وهذا إشارة وقعت قبل ذلك؛ فهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٢) أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية، وكقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٣) وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.

стр. 11

فصل: في بيان أن الأئمة من قريش والخلافة فيهم قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيار بن سلامة عن أبي برزة أن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا" أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني (٤). وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة" (٥) إسناده صحيح. وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان، أن النبي ﷺ قال: "الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة" (٦) رجاله موثقون.

стр. 12

وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الفيض بن الفضل حدثنا مسعر عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي بن أبي طالب، قال صلى الله عليه سلم: "الأمراء من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها" (١).

стр. 13

فصل: في مدة الخلافة في الإسلام قال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك (٢) ". أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره. قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن. وقال البزار: حدثنا محمد بن سكين حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول دينكم بدء نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية" (٣). حديث حسن. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن الشعبي عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر عزيزا، ينصرون على من ناوأهم (٤) عليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (٥) ". أخرجه الشيخان وغيرهما، وله طرق وألفاظ منها: "لا يزال هذا الأمر صالحا"، ومنها: "لا يزال الأمر ماضيا" رواهما أحمد (٦)، ومنها عند مسلم: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا" (٧)، ومنها عنده: "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة" (٨)، ومنها عنده: "لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة" (٩). ومنها عند البزار: "لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" (١٠)، ومنها عند أبي داود زيادة: "فلما رجع إلى منزله أتته قريش قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: "ثم

стр. 14

يكون الهرج (١) " (٢)، ومنها عنده: "لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع الأمة عليه" (٣) وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود: أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقال: "اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل" (٤). قال القاضي عياض: لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة، وقوة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم. قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: "كلهم يجتمع عليه الناس"، وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين (٥) في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر، بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك: اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولى نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن، وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فقتله مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل. ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد، بعد أن كان في أيام

стр. 15

بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسملون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة. ومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد خارجا عمن كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج (١). قال: فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله: "ثم يكون الهرج" يعني القتل الفاشي عن الفتن وقوعا فاشيا، ويستمر ويزداد، وكذا كان. وقيل: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم، ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير عن أبي الخلد أنه قال: "لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد ﷺ " وعلى هذا فالمراد بقوله: "ثم يكون الهرج" أي: الفتن المؤذنة بقيام الساعة: من خروج الدجال، وما بعده، انتهى. قلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهتدى من العباسيين؛ لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي؛ لأنه من آل بيت محمد ﷺ .

стр. 16

فصل: في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية قال الترمذي: حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا القاسم بن الفضل المدني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله؛ فإن النبي ﷺ رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] ونزلت: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ١ - ٣] يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص، قال الترمذي (٢): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم، وهو ثقة، ولكن شيخه مجهول، وأخرج هذا الحديث الحاكم في مستدركه، وابن جرير في تفسيره، قال الحافظ أبو الحجاج المزي: وهو حديث منكر، وكذا قال ابن كثير.

стр. 17

وقال ابن جرير في تفسيره، حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثت عن المهيمن بن عباس بن سهل حدثني أبي عن جدي، قال: رأى رسول الله ﷺ بني الحكم بن أبي العاص ينزون (١) على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، وأنزل الله في ذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠] إسناده ضعيف، ولكن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر، ويعلى بن مرة، والحسين بن علي، وغيرهم، وقد أوردتها بطرقها في كتاب التفسير والمسند، وأشرت إليها في كتاب أسباب النزول.

стр. 18

فصل: في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس قال البزار: حدثنا يحيى بن يعلى بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "فيكم النبوة والمملكة" (٢). العامري ضعيف، وقد أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، وابن عدي في الكامل، وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك. وقال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: "إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك، حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك"، فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء ثم قال: "اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم احفظه في ولده" (٣) هكذا أخرجه الترمذي في جامعه، وزاد رزين العبدري في آخره: "واجعل الخلافة باقية في عقبه" (٤). قلت: هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت بني مروان يتعاورون (٥) على منبري، فساءني ذلك، ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري، فسرني ذلك" (٦). وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا عمر بن الحسن بن علي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا ابن جعفر التميمي،

стр. 19

حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ فتلقاه العباس، فقال: "ألا أبشرك يا أبا الفضل؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: "إن الله افتتح بي هذا الأمر، وبذريتك يختمه" (١) إسناده ضعيف. وقد ورد من حديث علي بإسناد أضعف من هذا: أخرجه ابن عساكر من طريق محمد يونس الكديمي -وهو وضاع- عن إبراهيم بن سعيد الأشقر عن خليفة عن أبي هاشم عن محمد ابن الحنفية عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للعباس: "إن الله فتح هذا الأمر بي، ويختمه بولدك". وورد أيضا من حيث ابن عباس أخرجه الخطيب في التاريخ ولفظه: "بكم يفتح هذا الأمر، وبكم يختم" (٢) وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي بالله، وورد أيضا من حديث عمار بن ياسر أخرجه الخطيب. وقال في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا نصر بن محمد، حدثنا علي بن أحمد السواق، حدثنا عمر بن راشد، حدثنا عبد الله بن محمد بن صالح، عن أبيه عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي، يعز الله بهم الدين" (٣) عمر بن راشد ضعيف. وقال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر، حدثنا أحمد بن راشد بن خثيم، ثنا عمي سعيد بن خثيم عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني أم الفضل ﵂ قالت: مررت بالنبي ﷺ فقال: "إنك حامل بغلام، فإذا ولدت فأتيني به"، فلما ولدته أتيت به النبي ﷺ فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وألبأه (٤) من ريقه، وسماه عبد الله، وقال: "اذهبي بأبي الخلفاء"، فأخرت العباس -وكان رجلا لباسا- فلبس ثيابه، ثم أتى إلى النبي ﷺ فلما بصر به قام فقبل بين عينيه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هو ما أخبرتك، هو ابن الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم ﵇". وقال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا عبدوس بن عبد الله كتابة، أخبرنا الحسين بن فتحويه حدثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقري، حدثنا العباس بن علي النسائي، حدثنا يحيى بن يعلى الرازي، حدثنا سهل بن تمام، حدثنا الحارث بن شبل، حدثنا أم النعمان عن

стр. 20

عائشة ﵂ مرفوعا: "سيكون لبني العباس راية، ولن تخرج من أيديهم ما أقاموا الحق" (١). وقال الدارقطني في الأفراد: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي، حدثنا محمد بن هارون السعدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري، عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي، قال: سمعت المنصور يقول: حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال للعباس: "إذا سكن بنوك السواد، ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان، لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى ابن مريم" (٢). أحمد بن إبراهيم ليس بشيء وشيخه مجهول، و الحديث ضعيف، حتى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات، وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكي عن محمد بن إسماعيل بن عون النيلي عن الحارث بن معاوية بن الحارث عن أبيه عن جده أبي أمه عن سلمة ﵂ مرفوعا: "الخلافة في ولد عمي وصنو أبي (٣) حتى يسلموها إلى المسيح". وأخرجه الديلمي من وجه آخر عن أم سلمة ﵂. وقال العقيلي في كتاب الضعفاء: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي، حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري، حدثنا عبد العزيز بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أبي بكرة ﵁ مرفوعا: "يلي ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين، ومن كل شهر شهرين" (٤). هذا حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعله ببكار، وليس كما قال، فإن بكارا لم يتهم بكذب ولا وضع، بل قال فيه ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، ثم قال: وأرجو أنه لا بأس به، ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد؛ فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا ما عدا أقصى المغرب، كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين، حتى تولى المقتدر، وفي أيامه انخرم النظام، وخرجت المغرب بأسرها عن أمره، ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي، فكانت أيام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعا وستين سنة، وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة؛ فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة، منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير، فصفت ثلاثة وثمانين وكسرا، وهي ألف شهر سواء. ثم وجدت للحديث شاهدا، قال الزبير بن بكار في الموفقيات: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أنه قال لمعاوية: لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا ملكنا شهرين، ولا حولا إلا ملكنا حولين.

стр. 21

وقال الزبير في الموفقيات: حدثني علي بن المغيرة عن ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: الرايات السود لنا أهل البيت، وقال: لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب. وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أنبأنا أبو القاسم بن بنان، أخبرنا أبو علي بن شاذان، حدثنا جعفر بن محمد الواسطي، حدثنا محمد بن يوسف الكديمي، حدثنا عبد الله بن سوار العنبري، حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن أبي رجاء العطاردي، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: "اللهم انصر العباس وولد العباس"، قالها ثلاثا، ثم قال: "يا عم، أما شعرت أن المهدي من ولدك موفقا راضيا مرضيا" (١) الكديمي وضاع. وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا ابن عمر، حدثنا عمر بن عقبة الليثي، عن شعبة مولى ابن العباس، عن ابن عباس ﵄ قال: أرسل العباس بن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب، فجمعهم عنده، وكان علي عنده بمنزلة لم يكن أحد بها، فقال العباس: يابن أخي، إن قد رأيت رأيا لم أحب أن أقطع فيه شيئا حتى أستشيرك، فقال علي: ما هو؟ قال: تدخل على النبي ﷺ تسأله: إلى من هذا الأمر من بعده؟ فإن كان فينا لم نسمله والله ما بقي في الأرض منا طارق، وإن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبدا، قال علي: يا عم، وهل هذا الأمر إلا إليك؟ وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟ (٢). فصل قال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبو منصور بن خيرون، حدثنا أحمد بن علي، حدثنا بشرى بن عبد الله الرومي، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي -يعرف بغندر- قال: قرئ على أبي شاكر مسرة بن عبد الله: حدثنا الحسن بن يزيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري، حدثنا أنس بن مالك مرفوعا: "إذا أراد الله أن يخلق خلقا للخلافة مسح على ناصيته بيمينه". مسرة ذاهب الحديث متروك، وقد ورد من حديث أبي هريرة، أخرجه الديلمي من ثلاث طرق، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٣)، من حديث ابن عباس ﵄.

стр. 22

فصل: في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت أخرج السلفي في الطوريات بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن

стр. 23

زهير ﵁ لما أنشد النبي ﷺ قصيدته -بانت سعاد- رمى إليه ببردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية ﵁ كتب إلى كعب؛ بعنا بردة رسول الله ﷺ بعشرة آلاف درهم. فأبى عليه، فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم، وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس، وهكذا قال خلائق آخرون. وأما الذهبي فقال في تاريخه: أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، في قصة غزوة تبوك: إن النبي ﷺ أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار. قلت: فكانت التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد (١)، عن عروة بن الزبير ﵁: أن ثوب رسول الله ﷺ الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر. في إسناده ابن لهيعة. وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركبوا، وكانت على المقتدر حين قتل، وتلوثت بالدم، وأظن أنها فقدت في فتنة التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 24

فصل: في فوائد منثورة تقع في التراجم ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد قال ابن الجوزي: ذكر الصولي أن الناس يقولون، إن كل سادس يقوم للناس يخلع، قال: فتأملت هذا فرأيته عجبا، اعتقد الأمر لنبينا ﷺ ثم قام به بعده أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن فخلع؛ ثم معاوية، ويزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك بن مروان، وابن الزبير فخلع؛ ثم الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، والوليد فخلع، ثم لم ينتظم لبني أمية أمر، فولي السفاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين فخلع، ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين فخلع، ثم المعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمستكفي، والمقتدر، فخلع مرتين ثم قتل؛ ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع فخلع، ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد فخلع، هذا آخر كلام ابن الجوزي، قال الذهبي: وما ذكره ينخرم بأشياء:

стр. 25

أحدهما: قوله وعبد الملك، وابن الزبير، وليس الأمر كذلك، بل الزبير خامس، وبعده عبد الملك، أوكلاهما خامس، أو أحدهما خليفة، والآخر خارج؛ لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير. والثاني: تركه لعد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا. قلت: قد تقدم أن مروان ساقط من العدد؛ لأنه باغ، ومعاوية بن يزيد كذلك؛ لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد، وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد، وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر؛ فإن قوما بايعوه بالخلافة، وآخرين لم يبايعوه، وقوم كانوا يدعونه بالإمارة دون الخلافة، ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما؛ فعلى هذا مروان الحمار سادس؛ لأنه الثاني عشر من معاوية، والأمين بعده سادس. والثالث: أن الخلع ليس مقتصرا على كل سادس؛ فإن المتعزر خلع، وكذا القاهر، والمتقي، والمستكفي. قلت: لا انخرام (١) بهذا؛ فإن المقصود أن السادس لابد من خلعه، ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع. ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي: ولي بعد الراشد المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والناصر، والظاهر، والمستنصر، وهو السادس فلم يخلع، ثم المستعصم، وهو الذي قتله التتار، وكان آخر دولة الخلفاء، وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة، بل بويع بمصر، وسار إلى العراق، فصادف التتار فقتل أيضا، وتعطلت الخلافة بعده سنة، ثم أقيمت الخلافة بمصر، فأولهم الحاكم ثم المستكفي، ثم الواثق، ثم الحاكم، ثم المعتضد، ثم المتوكل وهو السادس فخلع، وولي المعتصم، ثم خلع بعده بخمسة عشر يوما، وأعيد المتوكل ثم خلع، وبويع الواثق، ثم المعتصم، ثم خلع وأعيد المتوكل، فاستمر إلى أن مات، ثم المستعين، ثم المعتضد، ثم المستكفي، ثم القائم، وهو السادس من المعتصم ومن المعتصم الثاني فخلع، ثم المستنجد خليفة العصر، وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس. فوائد ١ - يقال: لبني العباس فاتحة، وواسطة، وخاتمة؛ فالفاتحة المنصور، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد. ٢ - خلفاء بني العباس كلهم أبناء سراري، إلا السفاح، والمهدي، والأمين. ٣ - ولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلا علي بن أبي طالب ﵁ وابنه الحسن، والأمين، قاله الصولي.

стр. 26

٤ - ولم يل الخلافة من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب، وعلي المكتفي. ٥ - قال الذهبي: قلت: غالب أسماء الخلفاء أفراد، والمثنى منهم قليل والمتكرر كثير: عبد الله، وأحمد، ومحمد، وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر خلفاء العراقيين. ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين، فكرر المستنصر، والمستكفي، والواثق، والحاكم، والمعتضد، والمتوكل، والمستعصم، والمستعين، والقائم، والمستنجد، وكلها لم يتكرر غير مرة واحدة إلا المستكفي، والمعتضد فكررا مرة أخرى؛ فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة، ولم يتلقب أحد من خلفاء بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، وأما المهدي والمنصور فسبق التلقب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد. قال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح، لا من الخلفاء ولا من الملوك. قلت: وكذا المستكفي والمستعين، لقب بكل منهما اثنان من بني العباس فخلعا ونفيا. والمعتضد من أجل الألقاب وأبركها لمن يلقب به. ٦ - ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفي بعد الراشد، والمستنصر بعد المعتصم، قاله الذهبي. ٧ - قال: ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلا أولاد الرشيد: الأمين، والمأمون، والمعتصم، وأولاد المتوكل: المستنصر، والمعتز، والمعتمد، وأولاد المقتدر: الراضي، والمقتفي، والمطيع. ٨ - قال: وولي الأمر من أولاد عبد الملك أربعة، ولا نظير لذلك إلا في الملوك. قلت: بل له نظير في الخلفاء بعد النبي ﷺ فولي الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة، بل خمسة: المستعين، والمعتضد، والمستكفي، والقائم، والمستنجد خليفة العصر. ٩ - ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق، وأبو بكر الطائع بن المطيع، حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا. ١٠ - قال العلماء: أول من ولي الخلافة وأبوه حي أبو بكر، وهو أول من عهد بها، وأول من اتخذ من بيت المال، وأول من سمى المصحف مصحفا، وأول من سمي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأول من اتخذ الدرة، وأول من أرخ من الهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح، وأول من وضع الديوان، وأول من حمى الحمى عثمان، وهو أول من أقطع الإقطاعات أي أكثر من ذلك، وأول من زاد الأذان في الجمعة، وأول من رزق المؤذنين، وأول من أرتج عليه في الخطبة، وأول من اتخذ صاحب الشرطة، وأول من استخلف ولي العهد في حياته معاوية، وهو أول من أخذ الخصيان لخدمته، وأول من حملت إليه الرءوس عبد الله بن الزبير، وأول من ضرب اسمه على السكة عبد الملك بن مروان، وأول من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك، وأول ما حدثت الألقاب لبني العباس

стр. 27

وقال ابن فضل الله: زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس. قلت: وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية الناصر لدين الله، ولقب يزيد المستنصر، ولقب معاوية ابنه الراجح إلى الحق، ولقب مروان المؤتمن بالله، ولقب عبد الملك الموفق لأمر الله، ولقب ابنه الوليد المنتقم بالله، ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم بالله، ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع الله، ولقب يزيد الناقص الشاكر لأنعم الله. ١١ - أول ما تفرقت الكلمة في دولة السفاح، وأول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم المنصور، وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب، أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين المهدي، أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة الهادي، أول من لعب بالصوالجة في الميدان الرشيد. أول من دعي وكتب للخليفة بلقبه في أيامه الأمين. وأول من أدخل الأتراك الديوان المعتصم. وأول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم المتوكل. أول من تحكمت الأتراك في قتله المتوكل، وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء" (١). أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس (٢) المستعين. أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب المعتز. أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به المعتمد. أول من ولي الخلافة من الصبيان المقتدر. ١٢ - آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الراضي، وهو آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما. وآخر خليفة جالس الندماء. وآخر خليفةكانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجارياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولية، وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء. ١٣ - أول ما كررت الألقاب من المستنصر الذي تولى بعد المعتصم. ١٤ - في الأوائل للعسكري: أول خليفة ولي في حياة أمه عثمان بن عفان ﵁ ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين، ثم المتوكل، ثم المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتز، ثم المعتضد، ثم المطيع، ولم يل الخلافة في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق ﵁، وزيد عليه الطائع. ١٥ - وقال الصولي: لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وشاهين أم يزيد الناقص وإبراهيم ابني الوليد والخيزران أم الهادي والرشيد. قلت: ويزاد أم العباس، وحمزة، وأم داود وسليمان أولاد المتوكل الأخير.

стр. 28

١٦ - فائدة: المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر: ثلاثة بالمغرب: المهدي والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد. وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين، وانقراضها في سنة سبع وستين وخمسمائة. قال الذهبي: وهي الدولة المجوسية واليهودية، لا العلوية، والباطنية لا الفاطمية، وكانوا أربعة عشر متخلفا، لا مستخلفا. انتهى. ١٧ - فائدة: المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير إسلاما وسنة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا، وهم كثير حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة. ١٨ - فائدة: أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين: منها تاريخ الخلفاء لنفطويه النحوي، مجلدان، انتهى إلى أيام القاهر. والأوراق للصولي ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إليه. قلت: وقد وقفت عليه وتاريخ خلفاء بني العباس لابن الجوزي، رأيته أيضا، انتهى إلى أيام الناصر، وتاريخ الخلفاء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشعراء مات في سنة ثمانين ومائتين، وتاريخ خلفاء بني العباس للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي. ١٩ - فائدة: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عبادة قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان ﵁ والمأمون. قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصديق ﵁ على الصحيح، وصرح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعلي ﵁ وورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ . ٢٠ - فائدة: قال ابن الساعي: حضرت مبايعة الخليفة الظاهر؛ فكان جالسا في شباك القبة بثياب بيض، وعليه الطرحة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ والوزير قائم بين يديه على منبر، وأستاء الدار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس. ولفظ المبايعة: أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمدا الظاهر بأمر الله، على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه، انتهى.

стр. 29

الخلفاء الراشدون: أبو بكر الصديق (١) ﵁ أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة. قال النووي في تهذيبه: وما ذكرناه -من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله- هو الصحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقا لقب له لا اسم، ولقب عتيقا لعتقه من النار، كما ورد في حديث رواه الترمذي (٢)، وقيل: لعتاقة وجهه -أي: حسنه وجماله- قاله مصعب بن الزبير، والليث بن سعد، وجماعة. وقيل: لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به. قال مصعب بن الزبير وغيره: وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديق رسول الله ﷺ ولازم الصدق، فلم تقع منه هناة، ما، ولا وقفة في حال من الأحوال، وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة مخنها قصته ليلة الإسراء، وثباته، وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول الله ﷺ وترك عياله وأطفاله، وملازمته في الغار وسائر الطريق، ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة، ثم بكاؤه حين قال رسول الله ﷺ : "إن عبدا خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة"، ثم ثباته يوم وفاة رسول الله ﷺ وخطبته الناس وتسكينهم، ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل، وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق -وهو قتال أهل الردة- ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوح وإمدادهم بالأمداد، ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله، وهو استخلافه على المسلمين عمر ﵁ وتفرسه فيه، ووصيته له، واستيداعه الله الأمة، فخلفه الله فيهم أحسن الخلافة، وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام، وإعزاز الدين، وتصديق وعد الله تعالى بأنه يظهره على الدين كله، وكم للصديق من مناقب ومواقف وفضائل لا تحصى؟ هذا كلام النووي. وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصديق بعض البسط، ذاكرا فيه جملة كثيرة مما وقفت عليه من حاله، وأرتب ذلك فصولا.

стр. 30

فصل: في اسمه ولقبه تقدمت الإشارة إلى ذلك. قال ابن كثير: اتفقوا على أن اسمه عبد الله بن عثمان، إلا أن ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق، والصحيح أنه لقبه، ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه، فقيل: لعتاقة وجهه -أي: لجماله- قاله الليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير، وقيل: لعتاقة نسبه -أي: طهارته، إذ لم يكن في نسبه شيء يعاب به- وقيل: سمي به أولا، ثم سمي بعبد الله. وروى الطبراني (١) عن القاسم بن محمد أنه سأل عائشة ﵂ عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد الله. فقال: إن الناس يقولون: عتيق. قالت: إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم: عتيقا، ومعتقا، ومعيتقا، وأخرج ابن منده، وابن عساكر عن موسى بن طلحة، قال: قلت لأبي طلحة: لم سمي أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللهم إن هذا عتيق من الموت فهبه لي. وأخرج الطبراني (٢) عن ابن عباس قال: إنما سمي عتيقا لحسن وجهه. وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله، ولكن غلب عليه اسم عتيق، وفي لفظ: ولكن النبي ﷺ سماه عتيقا. وأخرج أبو يعلى في مسنده، وابن سعد، والحاكم وصححه، عن عائشة ﵂ قالت: والله إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله ﷺ وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر، فقال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر" (٣)، وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله، فغلب عليه اسم عتيق. وأخرج الترمذي والحاكم، عن عائشة ﵂ أن أبا بكر دخل على رسول الله ﵊ فقال: "يا أبا بكر، أنت عتيق النار" (٤)، فمن يومئذ سمي عتيقا، وأخرج البزار، والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير، قال: كان اسم أبي بكر عبد الله، فقال له رسول الله ﵊: "أنت عتيق الله من النار" فسمي عتيقا. وأما الصديق فقيل: كان يلقب به في الجاهلية؛ لما عرف منه من الصدق ذكره ابن مسدي.

стр. 31

وقيل: لمبادرته إلى تصديق رسول الله ﵊ فيما كان يخبر به. قال ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة: وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء. وأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة ﵂ قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لقد صدق، إني لأصدقه بأبعد من ذلك -بخبر السماء غدوة وروحة، فلذلك سمي الصديق، إسناده جيد، وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة، أسندهما ابن عساكر وأم هانئ أخرجه الطبراني (١). قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معشر عن وهب مولى أبي هريرة، قال: لما رجع رسول الله ﷺ ليلة أسري به، فكان بذي طوى، قال: "يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني"، قال: "يصدقك أبو بكر، وهو الصديق"، أخرجه الطبراني في الأوسط موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة (٢). وأخرج الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة قال: قلنا لعلي: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر، قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل، وعلى لسان محمد، كان خليفة رسول الله ﷺ على الصلاة، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا، إسناده جيد. وأخرج الدارقطني والحاكم عن أبي يحيى، قال: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر: إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقا (٣). وأخرجه الطبراني بسند جيد صحيح عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليا يقول ويحلف: لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق، وفي حديث أحد: "اسكن فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان" (٤). وأم أبي بكر بنت عم أبيه، اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، وتكنى أم الخير، قاله الزهري، أخرجه ابن عساكر. فصل: في مولده، ومنشئه ولد بعد مولد النبي ﷺ بسنتين وأشهر؛ فإنه مات وله ثلاث وستون سنة. قال ابن كثير: وأما ما أخرجه خليفة بن الخياط، عن يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ قال

стр. 32

لأبي بكر: "أنا أكبر أو أنت؟ " قال: أنت أكبر وأنا أسن منك. فهو مرسل غريب جدا، والمشهور خلافه، وإنما صح ذلك عن العباس. وكان منشؤه بمكة، لا يخرج منها إلا لتجارة، وكان ذا مال جزيل في قومه، ومروءة تامة، وإحسان، وتفضل فيهم، كما قال ابن الدغنة: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر، وتقري الضيف. قال النووي: وكان من رؤساء قريش في الجاهلية، وأهل مشاورتهم، ومحببا فيهم، وأعلم لمعالمهم، فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول. وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خربوذ قال: إن أبا بكر الصديق ﵁ أحد عشرة من قريش اتصل بهم شرف الجاهلية والإسلام فكان إليه أمر الديات والغرم، وذلك أن قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلها إليه، بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها، فكانت في بني هاشم السقاية، والرفادة، ومعنى ذلك أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم، وكانت في بني عبد الدار: الحجابة، واللواء، والندوة -أي: لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم- وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار، وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقصا لا يكون اجتماعهم إلا بدار الندوة، ولا ينفذ إلا بها، وكانت لبني عبد الدار. فصل: كان أبو بكر ﵁ أعف الناس في الجاهلية أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: والله ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهلية ولا إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية. وأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها، قالت: لقد حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية. وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال: ما قال أبو بكر شعرا قط. وأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي، قال: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ : هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله، فقيل: ولم؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعا في عرضه ومروءته، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﵊ فقال: "صدق أبو بكر، صدق أبو بكر" مرتين، مرسل غريب سندا ومتنا. فصل: في صفته ﵁ أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ أن رجلا قال لها: صفي لنا أبا بكر، فقالت:

стр. 33

رجل أبيض، نحيف، خفيف العارضين (١)، أجنأ (٢)، لا يستمسك إزاره يسترخي على حقويه (٣)، معروق الوجه (٤)،، غائر العينين، ناتئ الجبهة (٥)، عاري الأشاجع (٦). هذه صفته. وأخرج عن عائشة ﵂: أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم (٧). وأخرج عن أنس قال: قدم رسول الله ﵊ المدينة وليس في أصحابه أشمط (٨) غير أبي بكر، فلفها بالحناء والكتم (٩). فصل: في إسلامه ﵁ أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها؟ أي الخلافة، ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا (١٠). وأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي ﵁، قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق (١١). وأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي ﵁ قال: أول من أسلم أبو بكر الصديق. وأخرج الطبراني في الكبير، وعبد الله بن أحمد في زوائده الزهد، عن الشعبي، قال: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلاما؟ قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

стр. 34

خير البرية، أتقاها وأعدلها … إلا النبي، وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده … وأول الناس منهم صدق الرسلا وأخرج أبو نعيم (١) في الحلية عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران، قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما، لله درهما! كانا رأس الإسلام. قلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم علي؟ قال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيهما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي. وقد قال: إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين غيرهم، بل ادعى بعضهم الإجماع عليه. وقيل: أول من أسلم علي، وقيل: خديجة. وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعلي أول من أسلم من الصبيان، وخديجة أول من أسلمت من النساء، وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة ﵀ أخرجه عنه. وأخرج ابن أبي شيبة (٢) وابن عساكر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: هل كان أبو بكر أول القوم إسلاما؟ قال: لا، قلت: فبم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما من حين أسلم حتى لحق بربه. وأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاما؟ قال: لا، ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة، ولكن كان خيرنا إسلاما. قال ابن كثير (٣): والظاهر أن أهل بيته ﷺ آمنوا قبل كل أحد: زوجته خديجة، ومولاه زيد، وزوجة زيد أم أيمن، وعلي، وورقة، انتهى. وأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد، قال: قال أبو بكر الصديق، كنت جالسا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعدا، فمر به أمية بن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال: كل دين يوم القيامة إلا … ما قضى الله في الحقيقة بور أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت من قبل ذلك بني ينتظر ويبعث، قال: فخرجت إلى ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء، كثير همهمة الصدر، فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبا -ولي علم بالنسب- وقومك

стр. 35

أوسط العرب نسبا، قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم، ولا يظلم، ولا يظالم، فلما بعث رسول الله ﷺ آمنت به وصدقته. وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال: "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته، وما تردد فيه" (١) عتم: أي لبث. قال البيهقي (٢): وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله ﷺ ويسمع آثاره قبل دعوته، فحين دعاه كان قد سبقه له فيه تفكر ونظر، فأسلم في الحال؛ ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول الله ﷺ كان إذا برز سمع من يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت ولى هاربا، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان صديقا له في الجاهلية. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما كلمت في الإسلام أحدا إلا أبا علي، وراجعني الكلام، إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه" (٣). وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلت: أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت" (٤). فصل: في صحبته ومشاهده قال العلماء: صحب أبو بكر النبي ﵊ من حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارقه سفرا ولا حضرا، إلا فيما أذن له ﵊ في الخروج فيه من حج وغزو، وشهد معه المشاهد كلها، وهاجر معه، وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله ﷺ وهو رفيقه في الغار، قال تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠] وقام بنصر رسول الله ﷺ في غير موضع، وله الآثار الجميلة في المشاهد، وثبت يوم أحد ويوم حنين، وقد فر الناس، كما سيأتي في فصل شجاعته. أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر، فقالوا: أما ترون الصديق مع رسول الله ﷺ في العريش؟ وأخرج أبو يعلى، والحاكم، وأحمد، عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم بدر ولأبي بكر: "مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل" (٥).

стр. 36

وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين: أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر، فانصرفت عنك ولم أقتلك، فقال أبو بكر: لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك. قال ابن قتيبة: معنى أهدفت: أشرفت، ومنه قيل للبناء المرتفع: هدف. فصل: في شجاعته وأنه أشجع الصحابة ﵁ أخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال: أخبروني من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر، إنه لما كان يوم بدر، فجعلنا لرسول الله ﵊ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﵊ لئلا يهوى إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله ﵊ لا يهوى إليه أحد إلا هوى إليه؛ فهو أشجع الناس، قال علي ﵁: لقد رأيت رسول الله ﵊ وأخذته قريش، فهذا يجبأه (١)، وهذا يتلتله (٢)، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا؟ قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجبأ هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم! أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع على بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت (٣) لحيته ثم قال: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه. وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﵊ فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﵊ وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيانات من ربكم؟ (٤). وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده عن أبي بكر، قال: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن رسول الله ﵊ فكنت أول من فاء، وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه.

стр. 37

وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا، ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: يا أبا بكر، إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله ﷺ حتى ظهر رسول الله ﷺ وتفرق المسلمون في نواحي المسجد، كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، وضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا (١). وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر ﵁. وأخرج ابن عساكر عن علي ﵁ قال: لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ . فصل: في إنفاقه ماله على رسول الله ﷺ وأنه أجود الصحابة قال الله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ [الليل: (١٨)، ١٧] إلى آخر السورة. قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟ (٢). وأخرج أبو يعلى من حديث عائشة ﵂ مرفوعا مثله. قال ابن كثير: وروى أيضا من حديث علي، وابن عباس، وأنس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، ﵃، وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلا، وزاد: وكان رسول الله ﵌ يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه (٣). وأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة ﵂ وعروة بن الزبير: أن أبا بكر ﵁ أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار -وفي لفظ: أربعون ألف درهم- فأنفقها على رسول الله ﷺ . وأخرج أبو سعيد الأعرابي عن ابن عمر ﵄ قال: أسلم أبو بكر ﵁ يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وما له غير خمسة آلاف، كل ذلك ينفقه في الرقاب والعون على الإسلام. وأخرج ابن عساكر عن عائشة ﵂ أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله.

стр. 38

وأخرج ابن شاهين في السنة، والبغوي في تفسيره، وابن عساكر عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ فقال: "يا جبريل أنفق ماله علي قبل الفتح"، قال: فإن الله تعالى يقرأ عليه¬ السلام، ويقول: قل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أسخط علي ربي!! أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض. غريب، وسنده ضعيف جدا. وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، وابن مسعود مثله، وسندهما ضعيف أيضا. وأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس. وأخرج الخطيب بسند واه أيضا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "هبط علي جبريل ﵇ وعليه طنفسة (١) وهو متخلل بها، فقلت له: يا جبريل، ما هذا؟ قال: إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض". قال ابن كثير: وهذا منكر جدا، وقال: ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى. وأخرج أبو داود والترمذي، عن عمر بن الخطاب، قال: أمرنا رسول الله ﵊ أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي، قلت: اليوم أسبق أبا بكر -إن سبقته يوما- فجئت بنصف مالي، فقال رسو الله ﵊: "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدا (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن البصري: أنا أبا بكر أتى النبي ﷺ بصدقته فأخفاها، فقال: يا رسول الله هذه صدقتي ولله عندي معاد، وجاء عمر بصدقته فأظهرها، فقال: يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله معاد، فقال رسول الله ﵊: "ما بين صدقتيكما كما كلمتيكما" (٣). إسناده جيد لكنه مرسل. وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵊: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر، فإن له عندنا يد يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر" (٤).

стр. 39

وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: جئت بأبي قحافة إلى النبي ﷺ فقال: "هلا تركت الشيخ حتى آتيه"، قال: بل هو أحق أن يأتيك، قال: "إننا نحفظه لأيادي ابنه عندنا" (١). وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵊: "ما أحد عندي أعظم يدا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته". فصل: في علمه، وأنه أعلم الصحابة، وأذكاهم قال النووي في تهذيبه، ومن خطه نقلت: استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الثابت في الصحيحين: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق ﵁ أعلم الصحابة؛ لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو، ثم ظهرت لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب، فرجعوا إليه. وروينا عن ابن عمر أنه سئل: من كان يفتي الناس في زمن رسول الله ﵊؟ فقال: أبو بكر وعمر ﵄ ما أعلم غيرهما. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسول الله ﵊ الناس وقال: "إن الله تعالى خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله". فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله ﵌ عن عبد خير، فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﵊: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر" (٢). هذا كلام النووي. وقال ابن كثير: كان الصديق ﵁ أقرأ الصحابة -أي: أعلمهم بالقرآن- لأنه ﵊ قدمه إماما للصلاة بالصحابة ﵁ مع قوله: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله". وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵊: "لاينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره" (٣).

стр. 40

وكان -مع ذلك- أعلمهم بالسنة، كلما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي ﷺ يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها، ليست عندهم، وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول ﵊ من أول البعثة إلى الوفاة؟ وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم، وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مدته، وسرعة وفاته بعد النبي ﷺ وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا، ولم يترك الناقلون عنه حديثا إلا نقلوه، ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قدر شاركه هو في روايته؛ فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم. وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبوب بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﵌ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﵊ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله ﵊ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله ﵊ جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رءوس المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر قضى به. وكان الصديق ﵁ مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب، لا سيما قريش، أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب. وكان الصديق مع ذلك غاية في علم تأويل الرؤيا، وقد كان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ وقد قال محمد بن سيرين -وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق-: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ . أخرجه ابن سعد (١). وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أأول الرؤيا وأن أعلمها أبا بكر" (٢). قال ابن كثير: وكان من أفصح الناس وأخطبهم؛ قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر ﵁: وكان من أعلم الناس
следующие страницы →