تقديم
بقلم الدكتور: أحمد محمد فارس
عميد كلية الشريعة الإسلامية في لبنان
وأستاذ اللغة والأدب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية
الفرع الأول - الجامعة اللبنانية
التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ أنه يوقف على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم (١).
وقد اهتم العرب بالتاريخ، لا بتأريخهم فحسب، بل بتاريخ الأمم أيضاً، من ذلك أنهم كانوا يقرأون أخبار الفرس.
وبعد مجيء الإسلام شجع ما في القرآن الكريم من قصص على تتبع ما فيه من قصص الأنبياء، كما أن القرآن روى أحاديث كثيرة تاريخية كقصة الفرس والروم، فاشتاقت النفوس إلى التوسع في فهم الآيات، واتجهوا في التاريخ إلى جمع الأخبار، فحققوا الأماكن والأحوال التي كُتبت بها الآيات، أو قيلت فيها الأحاديث (٢).
_________
(١) مقدمة ابن خلدون ص ٧.
(٢) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢/ ٢٠١.
стр. 2
كما أن الاشتغال بالحديث قد أسهم كثيرا في الاشتغال بالتاريخ، لأن المحدثين كانوا يجمعون أحاديث من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسيرة النبي ﷺ والصحابة، فأسلم ذلك أولاً إلى جمع سيرة النبي، ثم أسهمهم شيئاً فشيئاً إلى كتابة التاريخ وأولع العرب بتدوين تاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين إليها، وافتنوا في ذلك افتتانا يدعو إلى العجب، من ذلك ما ألفوه في تاريخهم السياسي من الكتب والأسفار الطوال، مرتباً على السنين، أو مقسمًا بحسب الدول والإمارات، وضمنوه أخبار ملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وحروبهم وأيامهم، ومظاهر مدينتهم وحضارتهم وصنوف علومهم ومعارفهم، وألوان ثقافتهم مع ذكر مجتمعاتهم وأسواقهم، ولم يخل ذلك من الاستطراد إلى رواية الأشعار والآداب، والاسترواح بالحديث عن بعض المحاورات والأفاكيه، كما في ما كتبه الواقدي واليعقوبي، والطبري والبلاذري، والمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن كثير، وابن خلدون والمقريزي وغيرهم.
ومنه ما وضعوه في تراجم الرواة ورواة الحديث على الخصوص أو ما صنفوه في تاريخ البلدان، وتراجم من نشأ فيها، أو رحل إليها من العلماء وخاصة البلاد التي زخرت بالمدارس والمعاهد، وعمرت مجالسها بصنوف المعارف والآداب كبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وبلاد اليمن، والري ومرو وأربل وبلخ وقزوين والقاهرة وقوص والقيروان وبلاد الأندلس، كانت هذه الكتب مراجع أصيلة في تاريخ الآداب والفنون.
كما ألفوا في طبقات شتى من الناس كالفقهاء والحكماء والأطباء والأعيان والأدباء واللغويين والنحاة.
وبذلك سارت الكتابة التاريخية في اتجاهين: عام وخاص، أما العام فقد انصرف إليه قسم من المؤرخين جريئاً على أسلوب محمد بن جرير الطبري إذ كانوا يؤرخون الأخبار بحسب توالي السنين، وممن نهج هذا المنهج: ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) وابن العبري في كتابه (تاريخ مختصر الدول) وابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان) والملك المنصور صاحب حماة في مؤلفه (المضمار في
стр. 3
التاريخ) والملك المؤيد أبو الفداء في كتابه (المختصر في أخبار البشر).
وأما الخاص فقد انصرف بعض المؤرخين إلى التحدث عن تاريخ دولة عاصرها أو أدرك بعض أيامها، أو تحدث عن تاريخ مدينة معينة، ومن هؤلاء المؤرخين ابن الأزرق الفارقي في كتابه (الفارقي) وهو يضم تاريخ مدينتي آمد وميافارقين، وابن العديم في كتابه (تاريخ حلب)، والعماد الكاتب في كتابه (الفتح القسي في الفتح القدسي) وأبو شامة المقدسي في كتابه (الروضتين في أخبار الدولتين).
ولا تخلو كتب التاريخ من تملق للخلفاء المعاصرين، ففي الدولة العباسية تملّق المؤرخون للعباسيين، وبالغوا في عظمة عبد اللّه بن عباس، وإذا كان المؤرخ ذا مذهب ديني معروف ظهر ذلك في تاريخه من تأييد لمن هم على مذهبه وتحامل على من خالفهم، اللهم إلا القليل النادر الذي يحكمه الدين والضمير كالطبري والبلاذري.
كما أن كثيرا من المؤرخين يؤخذ عليهم عدم تحرجهم من ذكر الألفاظ البذيئة، والأقوال الجارحة إلا القليل منهم كابن خلكان.
روى أبو إسحق الصابي: «أن عضد الدولة ابن بويه أمره أن يؤلف له كتابا في أخبار الدولة الديلمية، فألّف له تاريخا سماه (التاجي) فاتفق وهو يؤلفه أن دخل عليه صديق له، فسأله عما يعمله، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفقها» (١).
وجلال الدين السيوطي (١٤٤٥ - ١٥٠٥ م) مؤلف كتاب (تاريخ الخلفاء) أغنى الباحثين عن تاريخه وذكر شيوخه ومؤلفاته، فقد كتب لنفسه ترجمة عند الكلام على من كان بمصر من الأئمة المجتهدين في كتابه (حسن المحاضرة) قال: ( … وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي فقلّ أن ألّف أحد منهم تاريخا إلا ذكر ترجمته فيه، وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر
_________
(١) ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢٠٢/ ٢.
стр. 4
الفارسي في (تاريخ نيسابور)، وياقوت الحموي في (معجم البلدان)، ولسان الدين الخطيب في (تاريخ غرناطة) … فأقول: أما جدّي الأعلى همّام الدين، فكان من أهل الحقيقة، ومن مشايخ الطرق … وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من الأولياء بجوار المشهد النفيسي، … ونشأت يتيما فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة ومنهاج الفقه والأصول وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين، فأخذت الفقه والنحو من جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة … شهاب الدين الشارمساجي.
وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألّفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألّفته شرح الاستعاذة والبسملة، … وبلغت مؤلفاتي إلى الآن (سنة ست وستين) ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، … ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء).
تنقّل في المدن المصرية والشام والحجاز واليمن والهند والمغرب طلبا للعلم.
ظل السيوطي طوال حياته مشغوفا بالدرس، مشتغلا بالعلم، يتلقاه من شيوخه، أو يبذله لتلاميذه، أو يذيعه فتيا، أو يحرره في الكتب والأسفار، ولما بلغ الأربعين خلا بنفسه في منزله بروضة القياس، واعتزل الناس، وتجرد للعبادة والتأليف، وألّف كتابه: (التنفيس في الاعتذار عن الفتيا والتدريس).
وكان في حياته الخاصة على أحسن ما يكون من العلماء ورجال الفضل والدين، عفيفا، كريما، غني النفس، متباعدا عن ذوي الجاه والسلطان، لا يقف بباب أمير أو وزير، قانعا برزقه، من خانقاه شيخو، لا يطمع فيما سواه.
أما كتبه، قد أحصى السيوطي منها في كتابه نحوا من ثلاثمائة، وذكر تلميذه الداودي المالكي أنها أنافت على خمسمائة مؤلف، وقال ابن أياس في تاريخه (حوادث سنة ٩١١) أنها بلغت ستمائة مؤلف بين كبير في أجزاء، وصغير في أوراق.
стр. 5
وكان في كثير منها يعتمد على الكتب القديمة يغيّر منها يسيرا، ويقدم ويؤخر، ويلخص ويشرح وينظم.
وقد ثار عليه فريق من أقرانه ومعاصريه من العلماء، وكان من أشد الناس خصومة عليه، وأكثرهم تجريحا المؤرخ شمس الدين السخاوي، صاحب كتاب (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) فقد ترجم له في الكتاب، ونال من علمه وخلقه.
وانتصر السيوطي لنفسه في مقامة أسماها: (الكاوي على تاريخ السخاوي).
كما انتصر له فريق من تلاميذه، وفريق من العلماء، منهم الشوكاني، صاحب (البدر الطالع) (١)!.
وتقوم أهمية كتب السيوطي على ما تعطي من معلومات مستمدة من كتب لم تصل إلينا، وله في كل علم كتاب أو أكثر تعتبر عمد ذلك العلم، مثل: (المزهر في اللغة) و (الاتقان في علوم القرآن)، و (الإقتراح في أصول النحو)، و (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة)، و (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة)، و (طبقات المفسرين) وغيرها.
وله مشاركة في الأدب: شعر ومقامات، ويعد السيوطي بين الشعب وخاصة في أسيوط من الأولياء الصالحين، ذوي الكرامات.
وكتاب (تاريخ الخلفاء) تناول فترة زمنية طويلة امتدت تسعمائة سنة تقريبا، وجمع فيها من أخبار الخلفاء بدءا من خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وانتهاء بعهد الملك الأشرف قايتباي.
وهو في تناوله لكل واحد منهم يذكر اسم الخليفة، ولقبه، وصفته، وخلافته، ثم الأحداث التي عرضت إبان خلافته، والصحابة الأعلام الذين توفوا خلال هذه الفترة إلى أن يصل إلى نهاية خلافة كل واحد منهم ويبدأ بالآخر
_________
(١) البدر الطالع للشوكاني ٣٣٢/ ١.
стр. 6
جريا على عادته في ذكر الأحداث والأئمة.
وأثناء عرضه للوقائع التاريخية كان يستطرد أحيانا إلى ذكر حكمة أو مثل أو قصيدة يلوّن فيها السرد التاريخي، ويخفف من وطأته، ويروّح عن القارئ بحيث يبعد عنه الملال، ويشدّه إلى متابعة القراءة.
ومن أهم ما ورد في هذا الكتاب التأريخ لعصر الخلفاء الراشدين الذي له في نفوس المسلمين تقدير خاص لا يتمتع به عصر آخر في تاريخ الإسلام إلا عصر النبوة الصافي.
بيد أن أحداث هذا العصر لم تصل محررة من الزيف والافتراء بل والتناقض الذي يبدو واضحا في الروايات والمدونات التي تكاد لا تحصى.
ذلك أن الحادثة المعينة ترويها الأخبار بعدة أوضاع وأساليب ينبو كثير منها عن مشارب العرب وآداب الإسلام.
ومهما اعترى كتب التاريخ من بعض التلفيق والتمويه، وطمس الحقائق أو تشويهها، فإن الفطن، وذا العقل الصائب يستطيع أن يميز ما بين الخطأ والصواب، والحق والباطل، والحقيقة والإدّعاء، بالإضافة إلى أن الوقائع الحقيقية بحد ذاتها تدل على نفسها وتشد إليها القارئ، وكأن فيها شعاعا يبعث بومضات تنبئ عنها، وتشير إليها من بين الشوائب …
ومن الضروري إعادة طبع بعض الكتب التاريخية التي احتوت وقائع هامة كان لها الأثر الكبير في حياة الأمة وحضارتها ومسارها، لأخذ العظة والإعتبار، وتجنب الزلل والاختبار، وخاصة أن المجتمعات الإسلامية في العصر الحاضر تمر في فترة حالكة من الإنقسامات نتيجة الفتن التي أعدها بإحكام أعداء الإسلام والمسلمين، وبالرغم من ذلك فهناك محاولات جادة من المخلصين الذين يدركون جسامة الخطر الداهم، وذلك بالدعوة للملمة الصف وتوحيد الكلمة، شأنهم في ذلك شأن المجتمعات الإسلامية في العصور المنصرمة.
سائلين المولى تعالى أن يوفّق دعاة الخير والإصلاح من أبناء هذه الأمة وأن يحقق ما يصبون إليه من توحيد الطاقات الإسلامية، وتصحيح المسار، بحيث
стр. 7
يتوجه الجميع إلى ما فيه الخير للإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.
بيروت في ٢٣ شوال ١٤١٢ هـ/ ٢٥ نيسان ١٩٩٢ م.
стр. 8
مؤلّف هذا الكتاب
أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن ناصر الدين بن محمد بن سابق الدين أبي بكر الفخر عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري الأسيوطي.
أمّا جدّه الأعلى همام الدين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطريق، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرئاسة، فمنهم من وليّ الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان في صحبة الأمير شيخو وبنى مدرسة بسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان تاجرا متموّلا. ولم يكن منهم من خدم العلم حقّ الخدمة إلاّ والد عبد الرحمن. ونسبته الخضيري، فإننا لا نعلم ما يكون إليه أمر هذه النسبة إلاّ الخضيرية، وهي محلّة ببغداد، وقد نقل عن راو ثقة حدّث الأسيوطي أنه سمع الكمال أبا بكر يذكر أن جدّه الأعلى كان أعجميّا أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.
ولد عبد الرحمن أبو الفضل بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وحمل في حياة والده إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرّك عليه، ونشأ يتيما بعد وفاة والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وعرض محافيظه على قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني الحنبلي فسأله عن كنيته فقال: لا كنية لي، فقال: أبو الفضل وكتبه بخطه، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التحريم، فأسندت
стр. 9
وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر دون ثمان سنين. ثم حفظ عمدة الأحكام ومنهاج النووي وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي، وعرض كل ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحلي والزين العقبي، وحضر مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم ابتداء من ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة. فقرأ على الشمس السيرافي صحيح مسلم والشفا وألفية ابن مالك، فما أتمها إلا وقد صنّف وأجازه بالعربية، وقرأ عليه قطعة من التسهيل، وسمع عليه الكثير من ابن المصنّف والتوضيح وشرح الشذور والمغني في أصول فقه الحنفية، وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشرحها، ومقدمة إيساغوجي وشرحها للكاتي، وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها للجاربردي، ومن ألفية العراقي، ولزمه حتى مات سنة سبع وسبعين وثمانمائة. ثم قرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه الشهاب الشارمساحي (١).
ثم دروس العلم البلقيني وقرأ عليه ما لا يحصى كثرة، ولزم أيضا الشرف المناوي إلى أن مات وقرأ عليه الكثير، ولزم دروس محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي، ودروس العلامة التقي الشمني، ودروس الكافيجي، وقرأ على العزّ الكناني، وفي الميقات على مجد الدين بن السباع والعز بن محمد الميقاتي، وفي الطب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الروم، وقرأ على التقي الحصكفي والشمس البابي وغيرهم. وقد شرع عبد الرحمن في التصنيف من سنة ست وستين وثمانمائة، وقد قال عن نفسه معرّفا على عادة المؤلفين ممن سبقوه (٢): «وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب سوى ما غسلته ورجعت عنه، ودخلت بحمد اللّه إلى بلاد الشام والروم والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، ولما حججت شربت ماء زمزم لأمور منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وعقدت مجلس إملاء الحديث من مستهل سنة
_________
(١) وردت في الكواكب السائرة «الشارساجي»، وفي الأصل «السارساجي»، والصحيح «الشار مساحي».
(٢) حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، الأول ص ١٥٧.
стр. 10
اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريق العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التي اطّلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلا عمّن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطبّ، وأما الحساب فأعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللّه، أقول ذلك تحدّثا بنعمة اللّه لا فخرا … ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللّه ومنّه لا بحولي ولا بقوّتي .. ».
وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا، واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت على خمسمائة مؤلف، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف، حتى قال الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا ومسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، وقال: لو وجدت أكثر لحفظته ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك.
ولما بلغ الأربعين سنة أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سمّاه بالتنفيس. ثم أقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه. وكانت وفاته في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى
стр. 11
الأولى سنة إحدى وعشرة وتسعمائة، في منزله بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلّي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب من السنة المذكورة، وقيل أخذ الغاسل قميصه وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير.
وقد قيلت فيه المراثي الحافلة، ولم نقف إلاّ على واحدة منها ذكرت في تاريخ ابن طولون، ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، ومنها:
مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود
وحافظ السنّة مهدي الهدى … ومرشد الضالّ بنفع يعود
فيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود
واظلمي يا دنيا إذ حقّ ذا … بل حقّ أن ترعد فيك الرعود
عاش الأسيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) في عصر المماليك المتوسط، وهو عصر جمع وشرح وتفسير، لا عصر إبداع واستنباط، وكانت حياته ومؤلفاته أفضل أنموذج عن الحياة العلمية في ذلك العصر، ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية (الأنسيكلوبيدية) في موضوعاتها ودائرة اتساعها وشمولها، محصلة العلوم الإسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي. فبراعة عبد الرحمن التي لم تعرف الملل، لم تترك موضوعا في حقل المعرفة والعلوم إلا تناولته بإسهاب، فقد برز في العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، ثم تناول علوم الفلسفة والتاريخ، وأنشأ في العلوم الفنية والأدبية واللغوية، إلى غير ذلك من مختلف العلوم الرائجة.
وقد قال عن نفسه في ترجمة حياته في «حسن المحاضرة»: إنه وضع ثلاثمائة مؤلّف، وذكر تلميذه ابن إياس في «تاريخ مصر» أن مصنّفات أستاذه بلغت ستمائة مؤلف. وجمع له العالم الألماني فلوغل (Flugel) قائمة حوت خمسمائة وواحد وستين مصنّفا. وهو عدد يكاد يكون غير قابل للتصديق، لولا أن بعضها كراريس قصيرة تدل على رغبة الأسيوطي في طرق مواضيع غريبة واهية كما تدل عناوينها.
стр. 12
أما أهم مؤلفاته فهي:
- الإتقان في علوم القرآن.
- حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة.
- المزهر في اللغة.
- تاريخ الخلفاء (وهو كتابنا هذا).
- طبقات الحفاظ.
- لب اللباب في تحرير الأنساب.
- الأشباه والنظائر.
- الإكليل في استنباط التنزيل.
- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.
- تحفة المجالس ونزهة المجالس.
- تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك.
- الجامع الصغير.
- جمع الجوامع، ويعرف بالجامع الكبير.
- الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
- شرح شواهد المغني.
- الشماريخ في علم التاريخ.
- طبقات المفسّرين.
- عقود الجمان في المعاني والبيان.
- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة.
- النقول في أسباب النزول.
- متشابه القرآن.
- المستطرف من أخبار الجواري.
- مصباح الزجاجة في شرح سنن ابن ماجة.
- مفحمات الأقران في مبهمات القرآن.
- مناقب أبي حنيفة.
- مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا.
стр. 13
- نزهة الجلساء في أشعار النساء.
- همع الهوامع.
- الوسائل إلى معرفة الأوائل.
- عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد.
- زهر الربى على المجتبى في شرح سنن النسائي.
- الحاوي للفتاوي.
- التحبير لعلم التفسير.
- التاج في إعراب مشكل المنهاج.
- إنباه الأذكياء لحياة الأنبياء.
- الألفية في النحو.
- الأرج في الفرج.
- إتمام الدراية لقراء النقاية.
- الأخبار المروية في سبب وضع العربية.
- إسعاف المبطأ في رجال الموطأ.
- الاقتراح في علم أصول النحو.
- الخصائص الكبرى، أو كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب.
- الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير.
- الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة.
- الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج.
- الرحمة في الطب والحكمة.
- عقود الجمان في علم المعاني والبيان.
стр. 14
أهمية الكتاب
المطلع على مؤلفات جلال الدين الأسيوطي ورسائله يتبيّن أن المؤلف كان جمّاعة، ملخّصا، مختصرا، فلقد حفظ القرآن وهو دون الثمان، وشرع في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين وثمانمائة، وكان عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة، وأجيز تدريس اللغة في مستهل سنة ست وستين وثمانمائة، وفي هذه السنة أيضا بدأ التأليف والشرح والتفسير. وكان أول ما ألفه «شرح الاستعاذة والبسملة». ثم إنه سافر إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، وأفتى ورزق التبحّر في علوم سبعة.
فلا عجب إذا، إذا وجدنا كتاباته وتآليفه موسوعية مطوّلة، انتشرت في جميع الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع اللّه له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه.
وكعادته في جميع مؤلفاته، فقد حاول جلال الدين أن يكون سبّاقا فريدا في كتابه «تاريخ الخلفاء» واتبع فيه طريقا على غير ما جرت العادة في تآليف سابقة، موجبة للتطويل دونما استيفاء، فقد كانت مختلطة اجتمعت فيها أخبار الأمة كلها، ولم يستوف فيها مؤلفوها ذكر كل طائفة خاصة، يسهل للمطلعين تناول أخبارها، والتعرف على أحوالها. ولذلك عمد الأسيوطي إلى إفراد كتاب في تاريخ الخلفاء، وكان من قبل تناول الأنبياء، والصحابة، والتابعين، والنحاة، والمفسرين، والفقهاء، والشعراء، والأصوليين، كل طائفة منهم في كتاب مفرد، فسهّل بذلك طريق الباحثين، وكان أول المرشدين إلى معرفة الخلفاء وأخبارهم، ولم يورد في مؤلفه هذا أحدا ممّن ادعى الخلافة، خروجا، ولم يتم له الأمر من العلويين
стр. 15
والعباسيين.
والكتاب انسحب على فترة زمنية طويلة، وجمع من أخبار الخلفاء على مدى تسعمائة سنة تقريبا، فقد بدأ بخلافة أبي بكر الصدّيق، وانتهى بعهد الملك الأشرف قايتباي. وهو في تناوله لكل منهم، يذكر اسم الخليفة ولقبه وصفته وخلافته، ثم الأحداث التي عرضت إبان خلافته، والصحابة والأعلام الذين توفوا في خلال هذه الفترة، إلى أن يصل إلى نهاية خلافة أحدهم ويبدأ بالآخر، جريا على عادته في ذكر الأحداث والأئمة.
وقد استهل الأسيوطي الكتاب بذكر أنّ النبي ﷺ لم يستخلف، والأحاديث الواردة في هذا الموضوع، ومدة الخلافة في الإسلام، والأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية، وخلافة بني العباس، ثم عرض للبردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت، إلى أن يبدأ بالخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁.
وهو في كل هذا يجمع الحكمة السائرة، والمثل المشهور، والقصيدة الرائعة، والمواقف التي تحتاج إلى إعمال الفكر والروية حينا، والقوة والبأس أحيانا أخر، فلا يخلص القارئ المطلع من قراءة الكتاب، إلا وقد جمع من أخبار الخلفاء نتفا مفيدة، وأحداثا فريدة، كان للأسيوطي الفضل في اجتماعها بين دفتي الكتاب.
وتجدر الإشارة هنا - بعد هذا التقديم - أنه وقع بين أيدينا، وفي أثناء مطالعاتنا وأبحاثنا، مخطوط يحمل عنوان كتابنا نفسه «تأريخ الخلفاء»، وهو لمؤلف مجهول من القرن الحادي عشر، صدر عن أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفياتي، قسم العلم التأريخي، معهد الشعوب الآسيوية، ضمن سلسلة «آثار الآداب الشرقية» رقم ١١، وعن دار النشر والعلم. وقد قام بنشر النسخة المصورة للمخطوطة الوحيدة وكتابة المقدمة بطرس غريازينويج، وعني بفهارسها ميخائيل بيوتروفسكي والمقدم المذكور في موسكو عام ١٩٦٧ م.
وقد بدأ المؤلف كتابه بذكر أخبار الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وانتهى عند ذكر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في الشام، أي حوالى عام ١٣٢ هـ.
د. رحاب عكاوي
بيروت - كانون الثاني ١٩٩٢ م
стр. 16
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد حمد اللّه الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا (١)، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء، ومسود الخلفاء، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء، فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم الأول فالأول، وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة.
والداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور: منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال، فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة وأسهل في التحصيل، فأفردت كتابا في الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه، وكتابا في الصحابة ملخصا من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر، وكتابا حافلا في طبقات المفسرين، وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي، وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله، وكتابا في طبقات الأصوليين، وكتابا جليلا في طبقات الأولياء، وكتابا في طبقات الفرضيّين، وكتابا في طبقات البيانيين، وكتابا في طبقات الكتّاب - أعني أرباب الإنشاء - وكتابا في
стр. 17
طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية. وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القرّاء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم، ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم، فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين.
ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديين (١) لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور:
منها: أنهم غير قرشيين، وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلاّ فجدهم مجوسي، قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه يهوديا حدادا نشابة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القدّاح جد عبيد اللّه الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد اللّه المغرب، وادعى
стр. 18
أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وسماهم جهلة الناس الفاطميين.
وقال ابن خلكان: أكثر أهل العلم لا يصحّحون نسب المهدي عبيد اللّه جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز باللّه ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:
إنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقا … فاذكر أبا بعد الأب السابع
وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطائع
أولا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي «أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» فاشتد ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب - يعني أنه دعيّ لا تعرف قبيلته - قال الذهبي:
المحققون متفقون على أن عبيد اللّه المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة - وقد سأله ابن طباطبا العلوي عن نسبهم - فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي - ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال:
هذا حسبي.
ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سبّ الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له، والخيّر منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃، ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصح لهم إمامة.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد اللّه باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض.
وقال الذهبي: كان القائم بن المهدي شرا من أبيه زنديقا ملعونا سبّ الأنبياء، وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التّتر.
стр. 19
وقال أبو الحسن القابسي (١): إن الذين قتلهم عبيد اللّه وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فيا حبذا لو كان رافضيا فقط، ولكنه زنديق.
وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني (٢) من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد (٣) على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.
وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، لما أظهروا من خلاف الشريعة.
وقال ابن خلكان: وقد كانوا يدّعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب:
بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقه
إن كنت أعطيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقه
وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا، والنصارى بابن نسطور، وأذل المسلمين بك، إلا نظرت في أمري، وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام، وابن نسطور النصراني بمصر.
ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسيّ قائم موجود سابق البيعة فلا نصح، إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم.
стр. 20
ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدي، فعلم أن من تسمّى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ.
فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج، وإنما ذكرت الخليفة المتفق في صحة إمامته وعقد بيعته، وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة، وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي والعهدة في أمره عليه، واللّه المستعان.
стр. 21
فصل في بيان كونه ﷺ لم يستخلف، وسر ذلك
قال البزار (١) في مسنده: حدثنا عبد اللّه بن وضاح الكوفي، حدثنا يحيى بن اليماني، حدثنا إسرائيل، عن أبي اليقظان عن أبي وائل عن حذيفة، قال: قالوا:
يا رسول اللّه ألا تستخلف علينا؟ قال: «إني إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب» أخرجه الحاكم في المستدرك، وأبو اليقظان ضعيف (٢).
وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: «إن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني» - يعني رسول اللّه ﷺ (٣) - وأخرج أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر عليّ يوم الجمل قال: أيها الناس، إن رسول اللّه ﷺ
стр. 22
لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي اللّه فيها.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل عن أبي وائل قال:
قيل لعلي: «ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول اللّه ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد اللّه بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم» (١).
قال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي ﵁، وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمر على علي وصيّ رسول اللّه ﷺ وودّ أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول اللّه ﷺ فخزم أنفه بخزام؟ أخرجه ابن سعد والبيهقي في الدلائل، وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي: لما قبض رسول اللّه ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا عمن رضي رسول اللّه ﷺ عنه لديننا، فقدمنا أبا بكر.
стр. 23
وقال البخاري في تاريخه: روي عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدي، قال البخاري: ولم يتابع على هذا، لأن عمر وعليا وعثمان قالوا: لم يستخلف النبي ﷺ ، انتهى.
والحديث المذكور أخرجه أبن حبان قال: حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الجماني، حدثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة: لما بنى رسول اللّه ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال: «هؤلاء الخلفاء بعدي» قال أبو زرعة: إسناد لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١) وصححه البيهقي في الدلائل وغيرهما.
قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي إنه لم يستخلف، لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد، وهذا إشارة وقعت قبل ذلك فهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية، وكقوله ﷺ : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر (٢) وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.
فصل في بيان أن الأئمة من قريش، والخلافة فيهم
قال أبو داود الطيالسي (٣) في مسنده: حدثنا سكين بن عبد العزيز عن
стр. 24
سيار بن سلامة عن أبي برزة (١) أن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا ووعدوا فوفوا واسترحموا فرحموا» أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني.
وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة» إسناده صحيح.
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عيّاش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان، أن النبي ﷺ قال: «الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة» رجاله موثقون.
وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الفيض بن الفضل حدثنا مسعر عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي بن أبي طالب قال:
قال رسول اللّه ﷺ : «الأمراء من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجّارها أمراء فجارها».
فصل في مدة الخلافة في الإسلام
قال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك» (٢) أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره.
قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن.
стр. 25
وقال البزار: حدثنا محمد بن سكين حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية» حديث حسن.
وقال عبد اللّه بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن الشعبي عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر عزيزا ينصرون على من ناوأهم عليه إثنا عشر خليفة كلهم من قريش» أخرجه الشيخان وغيرهما، وله طرق وألفاظ: منها «لا يزال هذا الأمر صالحا»، ومنها «لا يزال الأمر ماضيا» رواهما أحمد، ومنها عند مسلم «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا»، ومنها عنده «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة»، ومنها عنده «لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة»، ومنها عند البزار «لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»، ومنها عند أبي داود زيادة «فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ما ذا؟ قال: ثم يكون الهرج، ومنها عنده «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع الأمة عليه» وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود «أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال:
سألنا عنها رسول اللّه ﷺ ؟ فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل».
قال القاضي عياض: لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.
قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: «كلهم يجتمع عليه الناس» وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم
стр. 26
علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين (١) فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم إجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك، لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فقتله مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيّين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد بعد أن كان في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقا وغربا يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة.
ومن انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد خارجا عمن كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج.
قال: فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله: «ثم يكون الهرج» يعني القتل الفاشي عن الفتن وقوعا فاشيا ويستمر ويزداد، وكذا كان.
وقيل: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة
стр. 27
يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم، ويؤيد هذا ما أخرجه مسدّد (١) في مسنده الكبير عن أبي الخلد أنّه قال: «لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد ﷺ » وعلى هذا فالمراد بقوله: «ثم يكون الهرج» أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة: من خروج الدجال وما بعده، انتهى.
قلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين؛ لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الطاهر لما أوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمد ﷺ .
فصل في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية
قال الترمذي (٢): حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود الطّيالسي حدثنا القاسم بن الفضل المدني عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك اللّه فإن النبي ﷺ رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ اَلْكَوْثَرَ﴾، ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ، * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ، * لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث
стр. 28
القاسم، وهو ثقة، ولكن شيخه مجهول. وأخرج هذا الحديث الحاكم في مستدركه (١)، وابن جرير في تفسيره، قال الحافظ أبو الحجاج (٢): وهو حديث منكر، وكذا قال ابن كثير، وقال ابن جرير في تفسيره: حدثت عن محمد بن زبالة (٣) حدثت عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل حدثني أبي عن جدي، قال:
«رأى رسول اللّه ﷺ بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، وأنزل اللّه في ذلك ﴿وَما جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْناكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٤) إسناده ضعيف، لكن له شواهد من حديث عبد اللّه بن عمر، ويعلى بن مرة، والحسين بن علي، وغيرهم. وقد أوردتها بطرقها في كتاب التفسير والمسند، وأشرت إليها في كتاب أسباب النزول.
стр. 29
فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس (١)
قال البزار: حدثنا يحيى بن يعلى بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه ﷺ للعباس: «فيكم النبوة والمملكة»، العامريّ ضعيف، وقد أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، وابن عدي في الكامل، وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك.
وقال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس ﵄ قال:
قال رسول اللّه ﷺ للعباس: «إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك اللّه بها وولدك، فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللهم احفظه في ولده» هكذا أخرجه الترمذي في جامعه، وزاد رزين العبدري في آخره «واجعل الخلافة باقية في عقبه».
قلت: هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب.
وقال الطبراني (٢): حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النّضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «رأيت بني مروان يتعاورون على منبري، فساءني ذلك، ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري، فسرني ذلك».
وقال أبو نعيم في الحلية (٣): حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا عمر بن
стр. 30
الحسن بن علي، حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا ابن جعفر التميمي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّيّ، أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج رسول اللّه ﷺ ، فتلقّاه العباس، فقال: ألا أبشرك يا أبا الفضل؟ قال: بلى يا رسول اللّه، قال: إن اللّه افتتح بي هذا الأمر، وبذريتك يختمه» إسناده ضعيف.
وقد ورد من حديث علي بإسناد أضعف من هذا أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن يونس الكديمي - وهو وضّاع - عن إبراهيم بن سعيد الأشقر عن خليفة عن أبي هاشم عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال للعباس: «إن اللّه فتح هذا الأمر بي، ويختمه بولدك». وورد أيضا من حديث ابن عباس أخرجه الخطيب في التاريخ ولفظه «بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم» وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي باللّه، وورد أيضا من حديث عمار بن ياسر، أخرجه الخطيب.
وقال في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا نصر بن محمد، حدثنا علي بن أحمد السواق، حدثنا عمر بن راشد، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن صالح، عن أبيه عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد اللّه ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي يعزّ اللّه بهم الدين» عمر بن راشد ضعيف.
وقال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر، حدثنا أحمد بن راشد بن خثيم، ثنا عمي سعيد بن خثيم عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس ﵄، قال:
حدثتني أم الفضل ﵂ قالت: مررت بالنبي ﷺ فقال: «إنّك حامل بغلام، فإذا ولدت فأتيني به، فلما ولدته أتيت به النبي ﷺ ، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وألبأه من ريقه، وسماه عبد اللّه، وقال: اذهبي بأبي الخلفاء، فأخبرت العباس - وكان رجلا لبّاسا - فلبس ثيابه ثم أتى إلى النبي ﷺ فلما بصر به قام فقبّل بين عينيه فذكر ذلك لرسول اللّه ﷺ ، فقال: هو ما أخبرتك، هو
стр. 31
أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم ﵇».
وقال الديلمي (١) في مسند الفردوس: أخبرنا عبدوس بن عبد اللّه كتابة، أخبرنا الحسين بن فتحويه حدثنا عبد اللّه بن أحمد بن يعقوب المقري حدثنا العباس ابن علي النسائي، حدثنا يحيى بن يعلى الرازي، حدثنا سهل بن تمام، حدثنا الحارث بن شبل، حدثتنا أم النعمان عن عائشة ﵂ مرفوعا: «سيكون لبني العباس راية، ولن تخرج من أيديهم ما أقاموا الحق».
وقال الدارقطني في الأفراد: حدثنا عبد اللّه بن عبد الصمد بن المهتدي، حدثنا محمد بن هرون السعدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري، عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي، قال: سمعت المنصور يقول: حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال للعباس: «إذا سكن بنوك السواد (٢)، ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان، لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم».
أحمد بن إبراهيم ليس بشيء، وشيخه مجهول، والحديث ضعيف، حتى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات، وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكي عن محمد بن إسماعيل بن عون النبلي عن الحارث بن معاوية بن الحارث عن أبيه عن جده أبي أمه عن أم سلمة ﵂ مرفوعا «الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها إلى المسيح»، وأخرجه الديلمي من وجه آخر عن أم سلمة ﵂!.
стр. 32
وقال العقيلي (١) في كتاب الضعفاء: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي، حدثنا إبراهيم ابن المستمر العروقي، حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري، حدثنا عبد العزيز بن بكار (٢) بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أبي بكرة ﵁ مرفوعا «يلى ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين، ومن كل شهر شهرين».
هذا حديث أورده ابن الجوزي (٣) في الموضوعات وأعله ببكار وليس كما قال؛ فإن بكارا لم يتهم بكذب ولا وضع، بل قال فيه ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، ثم قال: وأرجو أنّه لا بأس به، ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد، فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا ما عدا أقصى المغرب، كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين، حتى تولى المقتدر، وفي أيامه انخرم النظام، وخرجت المغرب بأسرها عن أمره، ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي، فكانت أيام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعا وستين سنة، وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة، فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة، منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير، فصفت ثلاثة وثمانين سنة وكسرا، وهي ألف شهر سواء.
ثم وجدت للحديث شاهدا قال الزبير بن بكار (٤) في الموفقيات: حدثني علي بن صالح عن جدي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄! - أنه قال لمعاوية: لا تملكون يوما إلا ملكنا يومين، ولا شهرا إلا
стр. 33
ملكنا شهرين، ولا حولا إلا ملكنا حولين. وقال الزبير في الموفقيات: حدثني علي بن المغيرة عن ابن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄! - قال: الرايات السود لنا أهل البيت، وقال: لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب.
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أنبأنا أبو القاسم بن بنان، أخبرنا أبو عليّ بن شاذان، حدثنا جعفر بن محمد الواسطي، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا عبد اللّه بن سوار العنبري، حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن أبي رجاء العطاردي، عن عبد اللّه بن عباس، عن أبيه ﵄! - أن رسول اللّه ﷺ قال له: «اللهم انصر العباس وولد العباس»، قالها ثلاثا، ثم قال: «يا عم، أما شعرت أن المهدي من ولدك موفقا راضيا مرضيا» الكديمي وضاع (١).
وقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا عمر بن عقبة الليثي، عن شعبة مولى ابن العباس، عن ابن عباس ﵄! - قال:
أرسل العباس بن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب، فجمعهم عنده، وكان عليّ عنده بمنزلة لم يكن أحد بها، فقال العباس: يا ابن أخي إني قد رأيت رأيا لم أحب أن أقطع فيه شيئا حتى أستشيرك، فقال عليّ: ما هو؟ قال: تدخل على النبي ﷺ تسأله إلى من هذا الأمر من بعده؟ فإن كان فينا لم نسلمه واللّه ما بقي في الأرض منا طارق، وإن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبدا، قال عليّ: يا عمّ وهل هذا الأمر إلا إليك؟ وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟.
فصل: قال الدّيلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبو منصور بن خيرون، حدثنا أحمد بن عليّ، حدثنا بشرى بن عبد اللّه الرومي، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي - يعرف بغندر - قال: قرئ على أبي شاكر مسرّة بن عبد اللّه: حدثنا الحسن بن يزيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم بن جعفر
стр. 34
الأنصاري، حدثنا أنس بن مالك مرفوعا: «إذا أراد اللّه أن يخلق خلقا للخلافة مسح على ناصيته بيمينه».
مسرّة ذاهب الحديث متروك (١)، وقد ورد من حديث أبي هريرة، أخرجه الديلمي من ثلاث طرق، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التّوأمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا، وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن عباس ﵄.
فصل في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت
أخرج السلفي في الطوريات بسنده إلى الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن زهير ﵁ لما أنشد النبي ﷺ قصيدته - بانت سعاد - رمى إليه ببردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية ﵁ كتب إلى كعب: بعنا بردة رسول اللّه ﷺ بعشرة آلاف درهم، فأبى عليه، فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم، وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس، وهكذا قاله خلائق آخرون.
وأما الذهبي فقال في تاريخه: أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، في قصة غزوة تبوك: «إن النبي ﷺ أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار».
قلت: فكانت التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية.
стр. 35
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد، عن عروة بن الزبير ﵁! - أن ثوب رسول اللّه ﷺ الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر، في إسناده ابن لهيعة، وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل، وتلوّثت بالدم، وأظن أنها فقدت في فتنة التتار، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.
فصل في فوائد منثورة تقع في التراجم، ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد
قال ابن الجوزي: ذكر الصولي أن الناس يقولون: إن كل سادس يقوم للناس يخلع. قال: فتأملت هذا فرأيته عجبا، اعتقد الأمر لنبينا ﷺ ، ثم قام به بعده أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن فخلع، ثم معاوية، ويزيد بن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك بن مروان، وابن الزبير فخلع، ثم الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، والوليد فخلع، ثم لم ينتظم لبني أمية أمر، فولي السفاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين فخلع، ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين فخلع، ثم المعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر فخلع مرّتين ثم قتل، ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع فخلع، ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد فخلع. هذا آخر كلام ابن الجوزي، قال الذهبي: وما ذكره ينخرم بأشياء.
أحدها: قوله وعبد الملك، وابن الزبير، وليس الأمر كذلك، بل ابن الزبير خامس، وبعده عبد الملك، أو كلاهما خامس، أو أحدهما خليفة، والآخر خارج، لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير.
والثاني: تركه لعد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا.
стр. 36
قلت: قد تقدم أن مروان ساقط من العدد، لأنه باغ، ومعاوية بن يزيد كذلك، لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد، وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد، وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر، فإن قوما بايعوه بالخلافة، وآخرين لم يبايعوه، وقد كانوا يدعونه بالإمارة دون الخلافة، ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما، فعلى هذا مروان الحمار سادس، لأنه الثاني عشر من معاوية، والأمين بعده سادس.
والثالث: أن الخلع ليس مقتصرا على كل سادس، فإن المعتز خلع، وكذا القاهر، والمتقي، والمستكفي.
قلت: لا انخرام بهذا، فإن المقصود أن السادس لا بد من خلعه، ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع.
ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي: ولي بعد الراشد المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والناصر، والظاهر، والمستنصر وهو السادس فلم يخلع؛ ثم المستعصم، وهو الذي قتله التتار، وكان آخر دولة الخلفاء، وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف؛ ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة، بل بويع بمصر، وسار إلى العراق، فصادف التتار فقتل أيضا، وتعطلت الخلافة بعده سنة، ثم أقيمت الخلافة بمصر، فأولهم الحاكم، ثم المستكفي، ثم الواثق، ثم الحاكم، ثم المعتضد، ثم المتوكل وهو السادس فخلع، وولي المعتصم، ثم خلع بعده بخمسة عشر يوما، وأعيد المتوكل ثم خلع، وبويع الواثق، ثم المعتصم، ثم خلع وأعيد المتوكل، فاستمر إلى أن مات، ثم المستعين، ثم المعتضد، ثم المستكفي، ثم القائم، وهو السادس من المعتصم الأول ومن المعتصم الثاني فخلع، ثم المستنجد خليفة العصر، وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس.
فوائد:
يقال: لبني العباس فاتحة، وواسطة، وخاتمة: فالفاتحة المنصور، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد.
خلفاء بني العباس كلهم أبناء سراري، إلا السفاح، والمهدي والأمين.
стр. 37
ولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلا علي بن أبي طالب ﵁، وابنه الحسن، والأمين، قاله الصولي.
ولم يل الخلافة من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب، وعلي المكتفي.
قال الذهبي: قلت: غالب أسماء الخلفاء أفراد، والمثنى منهم قليل، والمتكرر كثير: عبد اللّه، وأحمد، ومحمد. وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر خلفاء العراقيين، ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين، فكرر المستنصر، والمستكفي، والواثق، والحاكم، والمعتضد، والمتوكل، والمستعصم، والمستعين، والقائم، والمستنجد. وكلها لم يتكرر غير مرة واحدة إلا المستكفي، والمعتضد، فكررا مرة أخرى؛ فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة، ولم يتلقب أحد من خلفاء بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، وأما المهدي والمنصور فسبق التلقب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد.
قال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح، لا من الخلفاء ولا من الملوك.
قلت: وكذا المستكفي والمستعين لقّب بكل منهما اثنان من بني العباس فخلعا ونفيا، والمعتضد من أجلّ الألقاب وأبركها لمن يلقب به.
ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفي بعد الراشد، والمستنصر بعد المعتصم، قاله الذهبي.
قال: ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلا أولاد الرشيد: الأمين، والمأمون، والمعتصم، وأولاد المتوكل: المستنصر، والمعتز، والمعتمد، وأولاد المقتدر:
الراضي، والمقتفي، والمطيع.
قال: وولي الأمر من أولاد عبد الملك أربعة، ولا نظير لذلك إلا في الملوك.
قلت: بل له نظير في الخلفاء بعد النبي ﷺ ، فولي الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة، بل خمسة: المستعين، والمعتضد، والمستكفي، والقائم، والمستنجد خليفة العصر.
ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق، وأبو بكر الطائع بن المطيع، حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا.
стр. 38
قال العلماء: أول من ولي الخلافة وأبوه حي أبو بكر، وهو أول من عهد بها وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سمّى المصحف مصحفا. وأول من سمي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو أول من اتخذ الدرة، وأول من أرّخ من الهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح، وأول من وضع الديوان. وأول من حمى الحمى عثمان، وهو أول من أقطع الإقطاعات أي أكثر من ذلك، وأول من زاد الأذان في الجمعة، وأول من رزق المؤذنين، وأول من أرتج عليه في الخطبة، وأول من اتخذ صاحب شرطة. وأول من استخلف وليّ العهد في حياته معاوية، وهو أول من اتخذ الخصيان لخدمته. وأول من حملت إليه الرؤوس عبد اللّه بن الزبير. وأول من ضرب اسمه على السكة عبد الملك بن مروان. وأول من منع من ندائه بإسمه الوليد بن عبد الملك. وأول ما حدثت الألقاب لبني العباس.
وقال ابن فضل اللّه: زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس.
قلت: وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية الناصر لدين اللّه، ولقب يزيد المستنصر، ولقب معاوية ابنه الراجع إلى الحق، ولقب مروان المؤتمن باللّه، ولقب عبد الملك الموفق لأمر اللّه، ولقب ابنه الوليد المنتقم باللّه، ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم باللّه، ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع اللّه، ولقب يزيد الناقص الشاكر لأنعم اللّه.
أول ما تفرقت الكلمة في دولة السفاح. أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم المنصور، وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب. أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين المهدي. أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة الهادي. أول من لعب بالصوالجة في الميدان الرشيد. أول من دعى وكتب للخليفة بلقبه في أيامه الأمين. وأول من أدخل الأتراك الديوان المعتصم. وأول من أمر بتغيير أهل الذمة زيّهم المتوكل. أول من تحكمت الأتراك في قتله المتوكل، وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه ﷺ «اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خوّلهم اللّه بنو قنطوراء». أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس المستعين. أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب المعتز. أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به المعتمد. أول من ولي
стр. 39
الخلافة من الصبيان المقتدر.
آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الراضي، وهو آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولية، وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء.
أول ما كررت الألقاب من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم.
في «الأوائل» للعسكري (١): أول خليفة ولي في حياة أمه عثمان بن عفان ﵁، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين، ثم المتوكل، ثم المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتز، ثم المعتضد، ثم المطيع، ولم يل الخلافة في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق ﵁ وزيد عليه الطائع.
وقال الصولي (٢): لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولاّدة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وشاهين أم يزيد الناقص وإبراهيم ابني الوليد، والخيزران أم الهادي والرشيد.
قلت: ويزاد أم العباس، وحمزة، وأم داود وسليمان أولاد المتوكل الأخير.
فائدة - المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر: ثلاثة بالمغرب:
المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد، وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين، وانقراضها في سنة سبع وستين وخمسمائة، قال الذهبي: وهي الدولة المجوسية واليهودية، لا
стр. 40
العلوية، والباطنية لا الفاطمية، وكانوا اربعة عشر متخلفا لا مستخلفا، انتهى.
فائدة - المتسمون بالخلافة من الأمويين العرب بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير إسلاما وسنة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا، وهم كثير حتى إنه إجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمّى بالخلافة.
فائدة - أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين: منها تاريخ الخلفاء لنفطويه النحوي، مجلدان انتهى إلى أيام القاهر، و «الأوراق» للصولي ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إليه. قلت: وقد وقفت عليه، و «تاريخ خلفاء بني العباس» لابن الجوزي، رأيته أيضا انتهى إلى أيام الناصر، و «تاريخ الخلفاء» لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشعراء مات في سنة ثمانين ومائتين، و «تاريخ خلفاء بني العباس» للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي.
فائدة - أخرج الخطيب (١) في التاريخ بسنده عن محمد بن عبادة قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان ﵁، والمأمون.
قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصديق ﵁ على الصحيح وصرح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعلي ﵁ ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ .
فائدة - قال ابن الساعي (٢): حضرت مبايعة الخليفة الظاهر فكان جالسا في شباك القبة بثياب بيض، وعليه الطرحة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ ، والوزير قائم بين يديه على منبر، وأستاذ الدار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس، ولفظ المبايعة: أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر اللّه، على كتاب اللّه وسنة نبيه واجتهاد المؤمنين وأن لا خليفة سواه، انتهى.