← История

История · id 30183

تاريخ الخلفاء - ت عكاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار». وأخرج عبد اللّه بن أحمد ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار» إسناده حسن. وأخرج البيهقي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إن في الجنة طيرا كأمثال البخاتي، قال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول اللّه؟ قال: أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها»، وقد ورد هذا الحديث في رواية أنس. وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «عرج بي إلى السماء، فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول اللّه وأبو بكر الصديق خلفي» إسناده ضعيف، لكنه ورد من حديث ابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي الدرداء، ﵃! بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير ﵁ قال: قرأت عند النبي ﷺ : ﴿يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١) فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إن هذا لحسن، فقال رسول اللّه ﷺ : «أما إن الملك سيقولها لك عند الموت». وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) الآية قال أبو بكر: يا رسول اللّه لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، فقال: «صدقت». وأخرج أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمر حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال: دخل رسول اللّه ﷺ وأصحابه غديرا فقال: ليسبح كل رجل إلى صاحبه، قال: فسبح كل رجل، حتى بقي رسول اللّه وأبو بكر، فسبح رسول اللّه ﷺ إلى أبي بكر حتى اعتنقه، وقال: «لو كنت متخذا خليلا حتى ألقى اللّه لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه صاحبي». تابعه وكيع (٣) عن عبد الجبار بن

стр. 72

الورد، أخرجه ابن عساكر، وعبد الجبار ثقة، وشيخه ابن أبي مليكة إمام إلا أنه مرسل، وهو غريب جدا. قلت: أخرجه الطبراني في الكبير، وابن شاهين في السنة من وجه آخر موصولا عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي الدنيا (١) في مكارم الأخلاق، وابن عساكر من طريق صدقة ابن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال: قال رسول اللّه ﷺ : «خصال الخير ثلثمائة وستون خصلة، إذا أراد اللّه بعبد خيرا جعل فيه خصلة منها يدخل بها الجنة». قال أبو بكر: يا رسول اللّه أفيّ شيء منها! قال: «نعم جمعا من كل». وأخرج ابن عساكر من طريق أخرى عن صدقة القرشي عن رجل قال: قال رسول اللّه ﷺ : «خصال الخير ثلثمائة وستون، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، لي منها شيء؟ قال: كلها فيك، فهنيئا لك يا أبا بكر». وأخرج ابن عساكر من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: إن كانت حلقة رسول اللّه ﷺ لتشتبك حتى تصير كالأسوار، وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس، فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس، وأقبل عليه النبي ﷺ بوجهه، وألقى إليه حديثه، وسمع الناس. وأخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي». وأخرج مثله في حديث سهل بن سعد. وأخرج عن عائشة ﵂ مرفوعا: «الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر». فصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في فضله أخرج البخاري عن جابر ﵁، قال: قال عمر بن الخطاب: أبو

стр. 73

بكر سيدنا. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ﵁ قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم. وأخرج ابن أبي خيثمة، وعبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد، عن عمر ﵁ قال: إن أبا بكر كان سابقا مبرزا. وقال عمر: لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر، أخرجه مسدد في مسنده. وقال: وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر، أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن عساكر. وقال: لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك، أخرجه أبو نعيم. وأخرج ابن عساكر عن عليّ أنه دخل على أبي بكر وهو مسجّى فقال: ما أحد لقي اللّه بصحيفته أحب إليّ من هذا المسجى. وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول اللّه ﷺ : حدثني عمر بن الخطاب أنه ما سبق أبا بكر إلى خير قط إلا سبقه به. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عليّ قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر. وأخرج في الأوسط أيضا عن جحيفة، قال: قال عليّ: خير الناس بعد رسول اللّه ﷺ أبو بكر وعمر، لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن. وأخرج في الكبير عن ابن عمر قال: ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوها، وأحسنها أخلاقا، وأثبتها جنانا، إن حدثوك لم يكذبوك، وإن حدثتهم لم يكذبوك: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن عفان. وأخرج ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال: كان أبو بكر يسمى «الأواه» لرأفته ورحمته. وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول:

стр. 74

مثل أبي بكر الصديق مثل القطر، أينما وقع نفع. وأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبيا كان له صاحب مثل أبي بكر الصديق. وأخرج عن الزهري قال: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في اللّه ساعة قط. وأخرج عن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: خطباء أصحاب رسول اللّه ﷺ : أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، ﵄!. وأخرج عن أبي حصين قال: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر، ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء. فصل - أخرج الدينوري في المجالسة، وابن عساكر عن الشعبي، قال: خص اللّه ﵎ أبا بكر بأربع خصال لم يخص بها أحدا من الناس: سماه الصديق ولم يسم أحدا الصديق غيره، وهو صاحب الغار مع رسول اللّه ﷺ ، ورفيقه في الهجرة، وأمره رسول اللّه ﷺ بالصلاة والمسلمون شهود. وأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي ﷺ ولا يراه. وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام، وثانيه في الغار، وثانيه في العريش يوم بدر، وثانيه في القبر، ولم يكن رسول اللّه ﷺ يقدم عليه أحدا. فصل في الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته، وكلام الأئمة في ذلك أخرج الترمذي وحسّنه والحاكم وصححه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر». وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء، والحاكم من حديث ابن مسعود ﵁. وأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد اللّه بن عمر ﵁

стр. 75

قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلا قليلا» صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة، وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب، وفي الصحيحين في الحديث السابق أنه ﷺ لما خطب قرب وفاته وقال: «إن عبدا خيره اللّه» الحديث وفي آخره: «ولا يبقين باب إلاّ سد، إلاّ باب أبي بكر» وفي لفظ لهما «لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة: لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين، وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس ﵁ ولفظه «سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر» أخرجه ابن عدي، ومن حديث عائشة ﵂ أخرجه الترمذي وغيره، ومن حديث ابن عباس في زوائد المسند، ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني، ومن حديث أنس أخرجه البزار. وأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم ﵁، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول: الموت - قال: ﷺ «إن لم تجديني فأتي أبا بكر». وأخرج الحاكم وصححه عن أنس ﵁ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول اللّه ﷺ أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك، فأتيته فسألته فقال: «إلى أبي بكر». وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تسأله شيئا؟ فقال لها: تعودين، فقالت: يا رسول اللّه إن عدت فلم أجدك، تعرض بالموت، فقال: «إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي». وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه: «ادعي لي [أبا بكر] أباك وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى اللّه والمؤمنون إلا أبا بكر». وأخرجه أحمد وغيره من طرق، عنها، وفي بعضها: «قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ في مرضه الذي فيه مات: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب

стр. 76

لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه أحد بعدي، ثم قال: دعيه، معاذ اللّه أن يختلف المؤمنون في أبي بكر». وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها سئلت: من كان رسول اللّه ﷺ مستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، قيل لها: من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. وأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، قالت عائشة: يا رسول اللّه إنه رجل رقيق القلب، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالناس، فعادت، فقال: مري أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف، فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول اللّه ﵌. هذا الحديث متواتر، ورد أيضا من حديث عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وعبد اللّه بن زمعة، وأبي سعيد، وعلي بن أبي طالب، وحفصة ﵂، وقد سقت طرقهم في الأحاديث المتواترة، وفي بعضها عن عائشة ﵂: لقد راجعت رسول اللّه ﷺ في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحبّ الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل لذلك رسول اللّه ﷺ عن أبي بكر. وفي حديث ابن زمعة ﵁ «أن رسول اللّه ﷺ أمرهم بالصلاة، وكان أبو بكر غائبا، فتقدم عمر فصلى، فقال رسول اللّه ﷺ : لا لا لا يأبى اللّه والمسلمون إلا أبا بكر، يصلي بالناس أبو بكر». وفي حديث ابن عمر «كبر عمر فسمع رسول اللّه ﷺ تكبيره فأطلع رأسه مغضبا فقال: أين ابن أبي قحافة»؟ قال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق، وأحقهم بالخلافة، وأولاهم بالإمامة، قال الأشعري: قد علم بالضرورة أن رسول اللّه ﷺ أمر الصديق أن يصلي بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللّه» فدل على أنه كان أقرأهم: أي

стр. 77

أعلمهم بالقرآن، انتهى. وقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة، منهم عمر، وسيأتي قوله في فصل المبايعة، ومنهم علي. وأخرج ابن عساكر عنه قال: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس وإني أشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي ﷺ لديننا. قال العلماء: وقد كان معروفا بأهلية الإمامة في زمان النبي ﷺ . وأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ النبي ﷺ ، فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم وقال: يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى. وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة ﵂ أنها قالت لرسول اللّه ﷺ : إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر؟ قال: «لست أنا أقدمه ولكن اللّه يقدمه». وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : «سألت اللّه أن يقدمك ثلاثا فأبى عليّ إلا تقديم أبي بكر». وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال أبو بكر: «يا رسول اللّه، ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس؟ قال: لتكونن من الناس بسبيل، قال: ورأيت في صدري كالرقمتين، قال: سنتين». وأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: «أتيت عمر - وبين يديه قوم يأكلون - فرمى ببصره في مؤخر القوم إلى رجل فقال: ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب؟ قال: خليفة النبي ﷺ صدّيقه». وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال: «أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء، فجئته فقلت له: اشفني فيما اختلف الناس

стр. 78

فيه هل كان رسول اللّه ﷺ استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدا وقال: أو في شك هو؟ لا أبا لك! إي واللّه الذي لا إله إلا هو لقد استخلفه، ولهو كان أعلم باللّه، وأتقى له، وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره. وأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد: يا أبا بكر، كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق؟ قلت: يا أمير المؤمنين، سكت اللّه وسكت رسوله وسكت المؤمنون، قال: واللّه ما زدتني إلا غما، قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي ﷺ ثمانية أيام، فدخل عليه بلال فقال: يا رسول اللّه من يصلي بالناس؟ قال: مر أبا بكر يصلي بالناس، فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول اللّه ﷺ لسكوت اللّه، وسكت المؤمنون لسكوت رسول اللّه ﷺ ، فأعجبه، فقال: بارك اللّه فيك! وقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن، فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١). قال: هو واللّه أبو بكر وأصحابه، لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام. وأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفي النبي ﷺ ارتدت العرب، فذكر قتال أبي بكر لهم، إلى أن قال: فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٢) قال: هم بنو حنيفة، قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة: هذه الآية حجة على خلافة الصديق؛ لأنه الذي دعا إلى قتالهم. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول: خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية، قال: لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن

стр. 79

بعد نزولها قتال دعوا إليه إلا دعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة، قال: فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته؛ إذ أخبر اللّه أن المتولي عن ذلك يعذّب عذابا أليما، قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم، وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان، وهما فرعا الصديق، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ (١)، قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق. وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال: إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب اللّه، يقول اللّه: ﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ الآية. وأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال: أبو بكر الصديق خليفة رسول اللّه ﷺ في القرآن، لأن اللّه تعالى يقول: ﴿لِلْفُقَراءِ اَلْمُهاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولائِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ﴾ (٢) فمن سماه اللّه صديقا فليس يكذب، وهم قالوا: يا خليفة رسول اللّه، قال ابن كثير: استنباط حسن. وأخرج البيهقي عن الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق، وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول اللّه ﷺ فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر فولوه رقابهم. وأخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرّة قال: ما كان أصحاب رسول اللّه ﷺ يشكون أن أبا بكر خليفة رسول اللّه ﷺ ، وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول اللّه ﷺ ، وما كانوا يجتمعون على خطإ ولا ضلال. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود ﵄ قال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللّه سيئ، وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر.

стр. 80

وأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال: جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال: ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلا؟ - يعني أبا بكر - واللّه لئن شئت لأملأنّها عليه خيلا ورجالا، قال: فقال علي: لطالما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا. فصل في مبايعته ﵁ روى الشيخان أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس مرجعه من الحج، فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترنّ امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن اللّه وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول اللّه ﷺ ، وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة، وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلت: نريد إخواننا من الأنصار، فقالا: عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين، فقلت: واللّه لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزّمّل فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: وجع، فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على اللّه بما هو أهله، وقال: أما بعد، فنحن أنصار اللّه وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زوّرت (١) مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني، واللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها وأفضل منها حتى سكت، فقال: أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب

стр. 81

نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، وكان واللّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشيت الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، أما واللّه ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد». وأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول اللّه ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول اللّه ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ باللّه أن نتقدم أبا بكر (١). وأخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري، قال: قبض رسول اللّه ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر، فقام خطباء الأنصار، فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول اللّه ﷺ كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم، فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، فقام زيد بن ثابت فقال: أتعلمون أن رسول اللّه ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن كنا أنصار رسول اللّه ﷺ ؛ فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره، ثم أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم، فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار، وصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم، فلم ير الزبير، فدعا بالزبير فجاء، فقال: قلت ابن عمة رسول اللّه ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللّه، فقام فبايعه، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا به فجاء فقال:

стр. 82

قلت ابن عم رسول اللّه ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول اللّه، فبايعه. وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إن اللّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللّه وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء اللّه، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه، لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم اللّه بالبلاء، أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله، فإذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللّه. وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطب أبو بكر، فقال: واللّه ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة قط، ولا كنت راغبا فيها، ولا سألتها اللّه في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، لقد قلدت أمرا عظيما ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية اللّه، فقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخّرنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول اللّه ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي (١). وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال: لما قبض رسول اللّه ﷺ أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال: أبسط يدك لأبايعك إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول اللّه ﷺ ، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهّة قبلها منذ أسلمت! أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟ (الفهة: ضعف الرأي).

стр. 83

وأخرج ابن سعد أيضا عن محمد أن أبا بكر قال لعمر: أبسط يدك لأبايعك، فقال له عمر: أنت أفضل مني، فقال له أبو بكر: أنت أقوى مني، ثم كرر ذلك، فقال عمر: فإن قوتي لك مع فضلك، فبايعه. وأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفي رسول اللّه ﷺ وأبو بكر في طائفة من المدينة، فجاء فكشف عن وجهه، فقبله وقال: فداء لك أبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا، مات محمد ورب الكعبة - فذكر الحديث - قال: وانطلق أبو بكر وعمر يتفاودان حتى أتوهم، فتكلم أبو بكر، فلم يترك شيئا أنزل على الأنصار ولا ذكره رسول اللّه ﷺ في شأنهم إلا ذكره، وقال: لقد علمت أن رسول اللّه ﷺ قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول اللّه ﷺ قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبرّ الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء. وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: لما بويع أبو بكر رأى من الناس بعض الانقباض، فقال: أيها الناس، ما يمنعكم؟ ألست أحقكم بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست؟ ألست؟ فذكر خصالا. وأخرج أحمد عن رافع الطائي، قال: حدثني أبو بكر عن بيعته، وما قالته الأنصار، وما قاله عمر، قال: فبايعوني وقبلتها منهم، وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة. وأخرج ابن إسحاق وابن عايد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر: ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بدّا، خشيت على أمة محمد ﷺ الفرقة. وأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال: إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول اللّه ﷺ بشهر، فذكر قصته، فنودي في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس لوددت أن هذا كفانيه غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها، إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء.

стр. 84

وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال: لما بويع أبو بكر قام خطيبا فقال: أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، وواللّه لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول اللّه ﷺ لم أقم به، كان رسول اللّه ﷺ عبدا أكرمه اللّه بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر، ولست بخير من أحدكم، فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم. وأخرج ابن سعد والخطيب في رواية مالك عن عروة قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني قد وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن، وسن النبي ﷺ السنن، وعلّمنا فعلمنا؛ فاعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع؛ فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أنا زغت فقوموني، أقول قولي هذا واستغفر اللّه لي ولكم. قال مالك: لا يكون أحد إماما أبدا إلا على هذا الشرط. وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ﵁ قال: لما قبض رسول اللّه ﷺ ارتجت مكة، فسمع أبو قحافة ذلك، فقال: ما هذا؟ قالوا: قبض رسول اللّه ﷺ ، قال: أمر جلل، فمن قام بالأمر بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت. وأخرج الواقدي من طرق عن عائشة، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وغيرهم ﵃ أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول اللّه ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول اللّه ﷺ على المنبر حتى لقي اللّه، ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي اللّه، ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي اللّه.

стр. 85

فصل فيما وقع في خلافته والذي وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة (١)، وقتال أهل الردة، ومانعي الزكاة، ومسيلمة الكذاب، وجمع القرآن. أخرج الإسماعيلي (٢) عن عمر ﵁ قال: لما قبض رسول اللّه ﷺ ارتد من ارتد من العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول اللّه تألّف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جبارا في الجاهلية جوازا في الإسلام، بماذا عسيت أن أتألفهم؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترى؟ هيهات هيهات مضى النبي ﷺ وانقطع الوحي واللّه لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وآدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤونتهم حين وليتهم. وأخرج أبو القاسم البغوي، وأبو بكر الشافعي في فوائده، وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: لما توفي رسول اللّه ﷺ اشرأبّ النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها وفضلها، قالوا: أين يدفن النبي ﷺ ؟ فما وجدنا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه، قالت: واختلفوا في ميراثه، فما وجدوا عند أحد من ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. (قال الأصمعي: الهيض الكسر للعظم، والاشرئباب رفع الرأس).

стр. 86

قال بعض العلماء: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة ﵃، فقال بعضهم: ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها، وقال آخرون: بل بمسجده، وقال آخرون: بل بالبقيع، وقال آخرون: بل في بيت المقدس مدفن الأنبياء، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم. قال أبو زنجويه (١): وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد اللّه، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مه يا أبا هريرة، فقال: إن رسول اللّه ﷺ وجّه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي ﷺ وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول اللّه ﷺ فقالوا: رد هؤلاء، توجّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ﷺ ما رددت جيشا وجهه رسول اللّه ﷺ ، ولا حللت لواء عقده، فوجه أسامة، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوهم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام. وأخرج عن عروة، قال: جعل رسول اللّه ﷺ يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة، فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل، فإن رسول اللّه ﷺ ثقل، فلم يبرح حتى قبض رسول اللّه ﷺ ، فلما قبض رجع إلى أبي بكر، فقال: إن رسول اللّه ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوف أن تكفر العرب، وإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت فإن معي سروات الناس وخيارهم، فخطب أبو بكر الناس، ثم قال: واللّه لأن تخطفني الطير أحبّ إليّ من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول اللّه ﷺ ، فبعثه. قال الذهبي: لما اشتهرت وفاة النبي ﷺ بالنواحي ارتدت طوائف كثيرة من

стр. 87

العرب عن الإسلام، ومنعوا الزكاة، فنهض أبو بكر الصديق لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم، فقال: واللّه لو منعوني عقالا أو عتاقا كانوا يؤدونها إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللّه ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على اللّه؟» فقال أبو بكر: واللّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وقد قال «إلا بحقها» قال عمر: فو اللّه ما هو إلا أن رأيت اللّه شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. أخرجه الشيخان وغيرهما. وعن عروة قال: خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعا حذاء نجد، وهربت الأعراب بذراريهم، فكلم الناس أبا بكر، وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء، وأمر رجلا على الجيش، ولم يزالوا به حتى رجع، وأمر خالد بن الوليد، وقال له: إذا أسلموا وأعطوا الصدقة، فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول اللّه؟ أقول لك ما قال لك رسول اللّه ﷺ يوم أحد: شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فو اللّه لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا. وعن حنظلة بن علي الليثي أن أبا بكر بعث خالدا وأمره أن يقاتل الناس على خمس من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعا: على شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وسار خالد ومن معه في جمادى الآخرة، فقاتل بني أسد، وغطفان، وقتل من قتل وأسر من أسر، ورجع الباقون إلى الإسلام، واستشهد بهذه الواقعة من الصحابة عكّاشة بن محصن، وثابت بن أقرم. وفي رمضان من هذه السنة ماتت فاطمة (١) بنت رسول اللّه ﷺ سيدة نساء

стр. 88

العالمين وعمرها أربع وعشرون سنة. قال الذهبي: وليس لرسول اللّه ﷺ نسب إلا منها؛ فإن عقب ابنته زينب انقرضوا، قال الزبير بن بكار، وماتت قبلها بشهر أم أيمن (١). وفي شوال مات عبد اللّه (٢) بن أبي بكر الصديق. ثم سار خالد بجموعه إلى اليهامة لقتال مسيلمة (٣) الكذاب في أواخر العام، والتقى الجمعان، ودام الحصار أياما، ثم قتل الكذاب لعنه اللّه، قتله وحشيّ قاتل حمزة، واستشهد فيها خلق من الصحابة: أبو حذيفة بن عتبة، وسالم مولى أبي حذيفة، وشجاع بن وهب، وزيد بن الخطاب، وعبد اللّه بن سهل، ومالك بن عمرو، والطفيل بن عمرو الدوسي، ويزيد بن قيس، وعامر بن البكير، وعبد اللّه بن مخرمة، والسائب بن عثمان بن مظعون، وعباد بن بشر، ومعن بن عدي، وثابت بن قيس بن شماس، وأبو دجانة سماك بن حرب (٤)، وجماعة آخرون تتمة سبعين، وكان لمسيلمة يوم قتل مائة وخمسون سنة، ومولده قبل مولد عبد اللّه والد النبي ﷺ . وفي سنة اثنتي عشرة بعث الصديق العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وكانوا قد ارتدوا، فالتقوا بجواثي، فنصر المسلمون، وبعث عكرمة بن أبي جهل

стр. 89

إلى عمان، وكانوا قد ارتدوا، وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى أهل النجير، وكانوا قد ارتدوا، وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة؛ وفيها مات أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول اللّه ﷺ ، والصعب بن جثّامة الليثي، وأبو مرثد الغنوي. وفيها بعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى أرض البصرة، فغزا الأبلّة، فافتتحها وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحا وحربا، وفيها أقام الحج أبو بكر الصديق، ثم رجع فبعث عمرو بن العاص والجنود إلى الشام، فكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، ونصر المسلمون وبشّر بها أبو بكر وهو بآخر رمق، واستشهد بها عكرمة بن أبي جهل، وهشام بن العاصي في طائفة. وفيها كانت وقعة مرج الصفر، وهزم المشركون، واستشهد بها الفضل بن العباس في طائفة. ذكر جمع القرآن أخرج البخاري عن زيد بن ثابت (١) قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بالناس، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثيرا من القرآن إلا أن يجمعوه، وإني لأرى أن يجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه ﷺ ؟ فقال عمر: هو واللّه خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح اللّه لذلك صدري، فرأيت الذي رأى عمر، قال زيد: - وعمر عنده جالس لا يتكلم - فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل، ولا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه ﷺ ؛ فتتبع القرآن فاجمعه؛ فو اللّه لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن؛ فقلت: كيف تفعلان

стр. 90

شيئا لم يفعله النبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو واللّه خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من الرّقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) إلى آخرها، فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه اللّه، ثم عند عمر حتى توفاه اللّه، ثم عند حفصة بنت عمر ﵂. وأخرج أبو يعلى عن علي قال: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر؛ إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين. فصل في أولياته منها أنه أوّل من أسلم، وأول من جمع القرآن، وأول من سماه مصحفا، وتقدم دليل ذلك، وأول من سمي خليفة. أخرج أحمد عن أبي بكر بن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر: يا خليفة اللّه، قال: أنا خليفة رسول اللّه ﷺ ، وأنا راض به. ومنها أنه أول من ولي الخلافة وأبوه حي، وأول خليفة فرض له رعيته العطاء. أخرج البخاري عن عائشة ﵂، قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين. وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق، فقال عمر: أين تريد؟ قال: إلى السوق، قال: تصنع ما ذا؟ وقد وليت أمر المسلمين، قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة، فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقت

стр. 91

شيئا رددته وأخذت غيره، ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن. وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، فقال: زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة. وأخرج الطبراني في مسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: لما احتضر أبو بكر قال: يا عائشة، انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها، والجفنة التي كنا نصطبغ فيها، والقطيفة التي كنا نلبسها؛ فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين. فإذا مت فاردديه إلى عمر، فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر، فقال عمر: رحمك اللّه يا أبا بكر! لقد أتبعت من جاء بعدك. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال: قال أبو بكر - لما احتضر - لعائشة ﵂: يا بنية، إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا دينارا ولا درهما، ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر. ومنها أنه أول من اتخذ بيت المال. أخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: عليه قفل، فكان يعطي ما فيه حتى يفرغ، فلما انتقل إلى المدينة حوّله فجعله في داره، فقدم عليه مال، فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوي بين الناس في القسم، وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل اللّه، واشترى قطائف أتى بها من البادية ففرقها في أرامل المدينة، فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت مال أبي بكر منهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئا لا دينارا ولا درهما. قلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر، وإنه لم يكن للنبي ﷺ بيت مال، ولا لأبي بكر ﵁، وقد رددته عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل، ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر

стр. 92

من كتابه، فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر. ومنها قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقب أبي بكر ﵁ «عتيق». فصل: أخرج الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا» فلما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول اللّه ﷺ قال أبو بكر: من كان له عند رسول اللّه ﷺ دين أو عدة فليأتنا، فجئت وأخبرته، فقال: خذ، فأخذت، فوجدتها خمسمائة، فأعطاني ألفا وخمسمائة. فصل في نبذ من حلمه وتواضعه أخرج ابن عساكر عن أنيسة قالت: نزل فينا أبو بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف، فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن. وأخرج أحمد في الزهد عن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه، قال: من بين هؤلاء أجمعين. وأخرج ابن عساكر عن أبي صالح الغفاري: «أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها؛ فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كي لا يسبق إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها - وهو يومئذ خليفة - فقال عمر: أنت هو لعمري». وأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال: جاء الحسن بن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول اللّه ﷺ ، فقال: انزل عن مجلس أبي، فقال: صدقت إنه مجلس أبيك، وأجلسه في حجره، وبكى، فقال علي: واللّه ما هذا عن أمري، فقال: صدقت واللّه ما أتهمك. فصل: أخرج ابن سعد عن ابن عمر قال: استعمل النبي ﷺ أبا بكر على الحج في أول حجة كانت في الإسلام ثم حج رسول اللّه ﵌ في

стр. 93

السنة المقبلة، فلما قبض رسول اللّه ﷺ واستخلف ابو بكر استعمل عمر بن الخطاب على الحج، ثم حج أبو بكر من قابل، فلما قبض أبو بكر واستخلف عمر استعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج، ثم لم يزل عمر يحج سنيه كلها حتى قبض، فاستخلف عثمان، واستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج. فصل في مرضه، ووفاته، ووصيته، واستخلافه عمر أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال: كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول اللّه ﷺ ، كمد فما زال جسمه يجري حتى مات. يجري: أي ينقص. وأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول اللّه، واللّه إن فيها لسمّ سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فرفع يده، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة. وأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدّنيّة وقد سمّ رسول اللّه ﷺ وسمّ أبو بكر؟ وأخرج الواقدي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة. وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر، قال: دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يا خليفة رسول اللّه، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ قال: قد نظر إليّ، فقالوا: ما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. وأخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو واللّه أفضل من رأيك فيه، ثم

стр. 94

دعا عثمان بن عفان، فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك، فقال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، وشاور معهما سعيد بن زيد، وأسيد بن الحضير، وغيرهما من المهاجرين والأنصار، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخير بعدك، يرضى للرضا ويسخط للسخط، الذي يسرّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه. ودخل عليه بعض الصحابة، فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: باللّه تخوفني؟ أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك. ثم دعا عثمان، فقال: اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل اللّه ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته». ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما، فبايع الناس ورضوا به، ثم دعا أبو بكر عمر خاليا، فأوصاه بما أوصاه، ثم خرج من عنده، فرفع أبو بكر يديه، وقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيا، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم، فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح اللهمّ ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين، وأصلح له رعيته. وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود، قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين استخلف عمر، وصاحبة موسى حين قالت: استأجره، والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه. وأخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس

стр. 95

من كوة، فقال: أيها الناس، إني قد عهدت عهدا، أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول اللّه، فقام علي، فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر. وأخرج أحمد عن عائشة ﵂ قالت: إن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين، قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي لغد، فإن أحبّ الأيام والليالي إليّ أقربها من رسول اللّه ﷺ . وأخرج مالك عن عائشة ﵂ أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: يا بنية، واللّه ما من الناس أحد أحبّ إليّ غنى منك، ولا أعز عليّ فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا، فلو كنت جددته واحترزته كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هو أخواك وأختاك فاقسموه على كتاب اللّه، فقالت: يا أبت واللّه لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء؛ فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن ابنة خارجة (١)، أراها جارية، وأخرجه ابن سعد، وقال في آخره: ذات بطن ابنة خارجة، قد ألقي في روعي أنها جارية، فاستوصي بها خيرا، فولدت أمّ كلثوم. وأخرج ابن سعد عن عروة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله، وقال: آخذ من مالي ما أخذ اللّه من فيء المسلمين. وأخرج من وجه آخر عنه قال: لأن أوصي بالخمس أحبّ إليّ من أن أوصي بالربع، وأن أوصي بالربع أحبّ إليّ من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئا. وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الضحاك أن أبا بكر وعليا أوصيا بالخمس من أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما. وأخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة ﵂ قالت: واللّه ما ترك أبو بكر دينارا ولا درهما ضرب اللّه سكته. وأخرج ابن سعد وغيره عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل أبو بكر

стр. 96

تمثلت بهذا البيت (١): لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فكشف عن وجهه، وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢)؛ أنظروا ثوبيّ هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحيّ أحوج إلى الجديد من الميت. وأخرج أبو يعلى عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر وهو في الموت، فقلت: من لا يزال دمعه مقنعا … فإنه في مرة مدفوق فقال: لا تقولي هذا، ولكن قولي: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾؛ ثم قال: في أيّ يوم توفي رسول اللّه ﷺ ؟ قلت: يوم الاثنين؛ قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فتوفي ليلة الثلاثاء. ودفن قبل أن يصبح. وأخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد، عن بكر بن عبد اللّه المزني قال: لما احتضر أبو بكر قعدت عائشة ﵂ عند رأسه، فقالت: وكل ذي إبل يوما سيوردها … وكل ذي سلب لا بد مسلوب ففهمها أبو بكر فقال: ليس كذلك يا ابنتاه، ولكنه كما قال اللّه: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ﴾ الآية. وأخرج أحمد عن عائشة ﵂! - أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٣) فقال أبو بكر: ذاك رسول اللّه ﷺ . وأخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال: لما حضرت

стр. 97

أبا بكر الوفاة قال لعائشة: اغسلي ثوبيّ هذين وكفنيني بهما؛ فإنما أبوك أحد رجلين: إما مكسو أحسن الكسوة، أو مسلوب أسوأ السلب. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر. وأخرج ابن سعد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر ﵁ صلّى على أبي بكر بين القبر والمنبر، وكبر عليه أربعا. وأخرج عن عروة، والقاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول اللّه ﷺ ، فلما توفي حفر له، وجعل رأسه عند كتف رسول اللّه ﷺ ، وألصق اللحد بقبر رسول اللّه ﷺ . وأخرج عن ابن عمر قال: نزل في حفرة أبي بكر: عمر، وطلحة، وعثمان، وعبد الرحمن بن أبي بكر. وأخرج من طرق عدة: أنه دفن ليلا. وأخرج عن ابن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة، فقال أبو قحافة: ما هذا، قالوا: مات ابنك، قال: رزء جليل، من قام بالأمر بعده؟ قالوا: عمر، قال: صاحبه. وأخرج عن مجاهد أن أبا قحافة ردّ ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر، ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياما، ومات في المحرم سنة أربع عشرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. قال العلماء: لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر، ولم يرث خليفة أبوه إلا أبا بكر. وأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: ولي أبو بكر سنتين وسبعة أشهر. وفي تاريخ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال: قال خفاف بن ندبة السّلمي (١) يبكي أبا بكر:

стр. 98

ليس لحي فاعلمنه بقا … وكل دنيا أمرها للفنا والملك في الأقوام مستودع … عارية فالشرط فيه الأدا والمرء يسعى وله راصد … تندبه العين ونار الصدا يهرم أو يقتل أو يقهره … يشكوه سقم ليس فيه شفا إن أبا بكر هو الغيث إن … لم تزرع الجوزاء بقلا بما تاللّه لا يدرك أيامه … ذو مئزر ناش ولا ذو ردا من يسع كي يدرك أيامه … مجتهدا شذّ بأرض فضا فصل فيما روي عنه من الحديث المسند قال النووي في تهذيبه: روى الصديق عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث واثنين وأربعين حديثا، وسبب قلة روايته - مع تقدم صحبته وملازمته النبي ﷺ أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها. قلت: وقد ذكر عمر ﵁ في حديث البيعة السابق أن أبا بكر لم يترك شيئا أنزل في الأنصار أو قد ذكره رسول اللّه ﷺ في شأنهم إلا ذكره، وهذا أدل دليل على كثرة محفوظه من السنة وسعة علمه بالقرآن، وروى عنه عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي، وابن عوف، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو، وابن عباس، وأنس، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعقبة بن الحارث، وعبد الرحمن ابنه، وزيد بن أرقم، وعبد اللّه بن مغفل، وعقبة بن عامر الجهني، وعمران بن حصين، وأبو برزة الأسلمي، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وأبو الطفيل الليثي، وجابر بن عبد اللّه، وبلال، وعائشة ابنته، وأسماء ابنته، ومن التابعين أسلم مولى عمر، وواسط البجلي، وخلائق. وقد رأيت أن أسرد أحاديثه هنا على وجه وجيز مبينا عقب كل حديث من خرجه، وسأفردها بطرقها في مسند إن شاء اللّه تعالى: الأول: حديث الهجرة، الشيخان وغيرهما. الثاني: حديث البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» الدارقطني.

стр. 99

الثالث: حديث «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» أحمد. الرابع: حديث «أن رسول اللّه ﷺ أكل كتفا ثم صلى ولم يتوضأ» البزار، وأبو يعلي. الخامس: حديث «لا يتوضّأنّ أحدكم من طعام أكله حل له أكله» البزار. السادس: حديث «نهى رسول اللّه ﷺ عن ضرب المصلين» أبو يعلى، والبزار. السابع: حديث «أن آخر صلاة صلاها النبي ﷺ خلفي في ثوب واحد» أبو يعلى. الثامن: حديث «من سره أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». أحمد التاسع: حديث «أنه قال لرسول اللّه ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» البخاري، ومسلم. العاشر: حديث «من صلى الصبح فهو في ذمة اللّه فلا تخفروا اللّه في عهده فمن قتله طلبه اللّه حتى يكبه في النار على وجهه» ابن ماجه. الحادي عشر: حديث «ما قبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته» البزار. الثاني عشر: حديث «ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر اللّه إلا غفر له» أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وابن حبان. الثالث عشر: حديث «ما قبض اللّه نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» الترمذي. الرابع عشر: حديث «لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبول أنبيائهم مساجد» أبو يعلى. الخامس عشر: حديث «أن الميت ينضج عليه الحميم ببكاء الحي» أبو يعلى. السادس عشر: حديث «اتّقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان» أبو يعلى. السابع عشر: حديث فرائض الصدقات بطوله، البخاري وغيره.

стр. 100

الثامن عشر: حديث عن ابن أبي مليكة قال: «كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق، فيضرب بذراع ناقته فينيخها فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ فقال: «إن حبّي رسول اللّه ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئا؟» أحمد. التاسع عشر: حديث «أمر رسول اللّه ﷺ أسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر أن تغتسل وتهل» البزار، والطبراني. العشرون: «سئل رسول اللّه ﷺ أي الحج أفضل؟ فقال: العج والثج» الترمذي وابن ماجه. الحادي العشرون: حديث «أنه قبل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول اللّه ﷺ يقبلك ما قبلتك» الدارقطني. الثاني والعشرون: حديث «أن رسول اللّه ﷺ بعث ببراءة إلى أهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» الحديث، أحمد. الثالث والعشرون: حديث «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة» أبو يعلي. الرابع والعشرون: حديث انطلاقه ﷺ إلى دار أبي الهيثم بن التيهان بطوله، أبو يعلى. الخامس والعشرون: حديث «الذهب بالذهب مثلا بمثل، والفضة بالفضة مثلا بمثل، والزائد والمستزيد في النار» أبو يعلى، والبزار. السادس والعشرون: حديث «ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به» الترمذي. السابع والعشرون: حديث «لا يدخل الجنة بخيل ولا خبّ ولا خائن ولا سيئ الملكة، وأول من يدخل الجنة المملوك إذا أطاع اللّه وأطاع سيده». الثامن والعشرون: حديث «الولاء لمن أعتق» الضياء المقدسي في المختارة. التاسع والعشرون: حديث «لا نورث، ما تركناه صدقة» البخاري. الثلاثون: حديث «إن اللّه إذا أطعم نبيا طعمه ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده» أبو داود. الحادي والثلاثون: حديث «كفر باللّه من تبرأ من نسب وإن دق» البزار. الثاني والثلاثون: حديث «أنت ومالك لأبيك» قال أبو بكر: وإنما يعني

стр. 101

بذلك النفقة، البيهقي. الثالث والثلاثون: حديث «من أغبرت قدماه في سبيل اللّه حرمهما اللّه على النار» البزار. الرابع والثلاثون: حديث «أمرت أن أقاتل الناس» الحديث، الشيخان وغيرهما. الخامس والثلاثون: حديث «نعم عبد اللّه وأخو العشيرة خالد بن الوليد وسيف من سيوف اللّه سله اللّه على الكفار والمنافقين» أحمد. السادس والثلاثون: حديث «ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر» الترمذي. السابع والثلاثون: حديث «من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة اللّه لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم، ومن أعطى أحدا حمى اللّه فقد انتهك من حمى اللّه شيئا بغير حقه فعليه لعنة اللّه» أحمد. الثامن والثلاثون: حديث قصة ما عز ورجمه، أحمد. التاسع والثلاثون: حديث «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» الترمذي. الأربعون: حديث «أنه ﷺ شاور في أمر الحرب» الطبراني. الحادي والأربعون: حديث «لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾» الحديث، الترمذي، وابن حبان، وغيرهما. الثاني والأربعون: حديث «إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الحديث، أحمد، والأربعة، وابن حبّان. الثالث والأربعون: حديث «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» الشيخان. الرابع والأربعون: حديث «اللهم طعنا وطاعونا» أبو يعلى. الخامس والأربعون: حديث «شيبتني هود» الحديث، الدارقطني في العلل. السادس والأربعون: حديث «الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل» الحديث، أبو يعلى وغيره.

стр. 102

السابع والأربعون: حديث قلت: «يا رسول اللّه علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت» الحديث، الهيثم بن كليب في مسنده، وهو عند الترمذي وغيره من مسند أبي هريرة. الثامن والأربعون: حديث «عليكم بلا إله إلا اللّه والاستغفار فإن إبليس قال: أهلكت الناس الذنوب وأهلكوني بلا إله إلا اللّه والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون» أبو يعلى. التاسع والأربعون: حديث «لما نزلت: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ﴾ قلت: يا رسول اللّه واللّه لا أكلمك إلا كأخي الهرم السّرار» البزار. الخمسون: حديث «كل ميسّر لما خلق له» أحمد. الحادي والخمسون: حديث «من كذب عليّ متعمدا أو ردّ عليّ شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم» أبو يعلي. الثاني والخمسون: حديث «ما نجاة هذا الأمر - الحديث - في لا إله إلا اللّه» أحمد وغيره. الثالث والخمسون: «أخرج فناد في الناس من شهد أن لا إله إلا اللّه وجبت له الجنة، فخرجت فلقيني عمر» الحديث، أبو يعلى، وهو محفوظ من حديث أبي هريرة، غريب جدا من حديث أبي بكر. الرابع والخمسون: حديث «صنفان من أمتي لا يدخلان الجنة المرجئة والقدرية» الدارقطني في العلل. الخامس والخمسون: حديث «سلوا اللّه العافية» أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وله من طرق كثيرة عنه. السادس والخمسون: حديث «كان رسول اللّه ﷺ إذا أراد أمرا قال: اللهم خر لي واختر لي» الترمذي. السابع والخمسون: حديث «دعاء الدين اللهم فارج الهم» الحديث، البزار والحاكم. الثامن والخمسون: حديث «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به» وفي لفظ «لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام» أبو يعلى. التاسع والخمسون: حديث «ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو ذرب

стр. 103

اللسان» أبو يعلى. الستون: حديث «ينزل اللّه ليلة النصف من شعبان فيغفر فيها لكل بشر ما خلا كافرا أو رجلا في قلبه شحناء» الدارقطني. الحادي والستون: حديث «إن الدجال يخرج بالمشرق من أرض يقال لها خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجانّ المطرقة» الترمذي، وابن ماجه. الثاني والستون: حديث «أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب» الحديث، أحمد. الثالث الستون: حديث الشفاعة بطوله في تردد الخلائق إلى نبي بعد نبي، أحمد. الرابع والستون: حديث «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار» أحمد. الخامس والستون: حديث «قريش ولاة هذا الأمر برّهم تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم» أحمد. السادس والستون: حديث أنه ﷺ أوصى بالأنصار عند موته وقال: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» البزار والطبراني. السابع والستون: حديث «إني لأعلم أرضا يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر» أحمد وأبو يعلى. الثامن والستون: حديث أن أبا بكر مرّ بالحسن وهو يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته وقال: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي (١)، البخاري، وقال ابن كثير: وهو في حكم المرفوع لأنه في قوة قوله إن رسول اللّه ﷺ كان يشبه الحسن. التاسع والستون: حديث «أن النبي ﷺ كان يزور أم أيمن» مسلم. السبعون: حديث قتل السارق في الخامسة، أبو يعلى والديلمي. الحادي والسبعون: حديث قصة أحد، الطيالسي والطبراني.

стр. 104

الثاني والسبعون: حديث «بينا أنا مع رسول اللّه ﷺ إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا قلت: يا رسول اللّه، ما الذي تدفع؟ قال: الدنيا تطولت لي فقلت: إليك عني، فقالت لي: أما إنك لست بمدركي» البزار. هذا ما أورده ابن كثير في مسند الصديق من الأحاديث المرفوعة، وقد فاته أحاديث أخرى نتبعها لتكملة العدة التي ذكرها النووي. الثالث والسبعون: حديث «اقتلوا القرد كائنا ما كان من الناس» الطبراني في الأوسط. الرابع والسبعون: حديث «انظروا دور من تعمرون، وأرض من تسكنون، وفي طريق من تمشون» الديلمي. الخامس والسبعون: حديث أكثروا من الصلاة عليّ؛ فإن اللّه وكل بقبري ملكا فإذا صلى رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: إن فلان ابن فلان صلى عليك الساعة» الديلمي. السادس والسبعون: حديث «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، والغسل يوم الجمعة كفارة» الحديث، العقيلي في الضعفاء. السابع والسبعون: حديث «إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام» الطبراني. الثامن والسبعون: حديث «إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب للإيمان» ابن لال في مكارم الأخلاق. التاسع والسبعون: حديث «بشر من شهد بدرا بالجنة» الدارقطني في الأفراد. الثمانون: حديث «الدين راية اللّه الثقيلة من ذا الذي يطيق حملها» الديلمي. الحادي والثمانون: حديث «سورة يس تدعى المعمة المطعمة» الحديث، الديلمي، والبيهقي في الشعب. الثاني والثمانون: حديث «السلطان العادل المتواضع ظل اللّه ورمحه في الأرض ويرفع له في كل يوم وليلة عمل ستين صديقا» أبو الشيخ والعقيلي في الضعفاء، وابن حبان في كتاب الثواب. الثالث والثمانون: حديث «قال موسى لربه: ما جزاء من عزّى الثّكلى؟

стр. 105

قال: أظله في ظلي» ابن شاهين في الترغيب، والديلمي. الرابع والثمانون: حديث «اللهم أشدد الإسلام بعمر بن الخطاب» الطبراني في الأوسط. الخامس والثمانون: حديث «ما صيد صيد ولا عضدت عضاة ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح» ابن راهويه في مسنده. السادس والثمانون: حديث «لو لم أبعث فيكم لبعث عمر» الحديث، الديلمي. السابع والثمانون: حديث «لو اتجر أهل الجنة لا تجروا بالبز» أبو يعلى. الثامن والثمانون: حديث «من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس إمام فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين؛ فاقتلوه» الديلمي في التاريخ. التاسع والثمانون: حديث «من كتب عني علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث» الحاكم في التاريخ. التسعون: حديث «من مشى حافيا في طاعة اللّه لم يسأله اللّه يوم القيامة عما افترض عليه» الطبراني في الأوسط. الحادي والتسعون: حديث «من سره أن يظله اللّه من فور جهنم ويجعله في ظله فلا يكن على المؤمنين غليظا، وليكن بهم رحيما» ابن لال في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ، وابن حبان في الثواب. الثاني والتسعون: حديث «من أصبح ينوي للّه طاعة كتب اللّه له أجر يومه وإن عصاه» الديلمي. الثالث والتسعون: حديث «ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم اللّه بالعذاب» الطبراني في الأوسط. الرابع والتسعون: حديث «لا يدخل الجنة مفتر» الديلمي ولم يسنده. الخامس والتسعون: حديث «لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند اللّه كبير» الديلمي. السادس والتسعون: حديث «يقول اللّه: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي» أبو الشيخ وابن حبان والديلمي. السابع والتسعون: حديث «سألت رسول اللّه ﷺ عن الإزار، فأخذ

стр. 106

بعضلة الساق، فقلت: يا رسول اللّه زدني؟ فأخذ بمقدم العضلة، فقلت: زدني، قال: لا خير فيما هو أسفل من ذلك، قلت: هلكنا يا رسول اللّه، قال: يا أبا بكر سدّد وقارب تنج» أبو نعيم في الحلية. الثامن والتسعون: حديث «كفّي وكفّ عليّ في العدل سواء» الديلمي وابن عساكر. التاسع والتسعون: حديث «لا تغفلوا التعوذ من الشيطان؛ فإنكم إن لم تكونوا ترونه فإنه ليس عنكم بغافل» الديلمي ولم يسنده. المائة: حديث «من بنى للّه مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة» الطبراني في الأوسط. الحادي والمائة: حديث «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنّ مسجدنا» الطبراني في الأوسط. الثاني والمائة: حديث رفع اليدين في الافتتاح والركوع والسجود والرفع، البيهقي في السنن. الثالث والمائة: حديث «أنه ﵌ أهدى جملا لأبي جهل» الإسماعيلي في معجمه. الرابع والمائة: حديث «النظر إلى علي عبادة» ابن عساكر. فصل فيما ورد عن الصديق من تفسير القرآن أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر عن آية، فقال: أيّ أرض تسعني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب اللّه ما لم يرد اللّه. وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) ؟ فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلني (٢) إن قلت في كتاب اللّه ما لا أعلم. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: إني سأقول

стр. 107

فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي أن أراد شيئا قاله أبو بكر. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ (١)، و ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٢)؟ قالوا: ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة، قال: لقد حملتموهما على غير المحمل، ثم قال: قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا فلم يميلوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. وأخرج ابن جرير عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر الصديق في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (٣) قال: النظر إلى وجه اللّه تعالى. وأخرج ابن جرير عن أبي بكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ قال: قد قالها الناس فمن مات عليها فهو ممن استقام. فصل في ما روي عن الصديق ﵁ من الآثار الموقوفة قولا، أو قضاء، أو خطبة، أو دعاء أخرج اللاّلكائي في السنة عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإن اللّه قدره عليّ ثم يعذبني، قال: نعم يا ابن اللّخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزبير أن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يا معشر الناس، استحيوا من اللّه؛ فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطيا رأسي استحياء من اللّه.

стр. 108

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن دينار قال: قال أبو بكر: استحيوا من اللّه؛ فو اللّه إني لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط حياء من اللّه. وأخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد اللّه الصّنّابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، وقرأ في الثالثة: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ (١) الآية. وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن ابن عيينة قال: كان أبو بكر إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، الموت أهون مما قبله، وأشد مما بعده، اذكروا فقد رسول اللّه ﷺ تصغر مصيبتكم وأعظم اللّه أجركم. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن سالم بن عبيد - وهو صحابي - قال: كان أبو بكر الصديق يقول لي: قم بيني وبين الفجر حتى أتسحر. وأخرج عن أبي قلابة وأبي السفر قالا: كان أبو بكر الصديق يقول: أجيفوا الباب حتى نتسحر (٢). وأخرج البيهقي وأبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الزيادات عن حذيفة بن أسيد قال: لقد أدركت أبا بكر وعمر وما يضحّيان إرادة أن يستن بهما. وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: شهدت على أبي بكر الصديق أنه قال: كلوا الطافي من السمك. وأخرج الشافعي في الأم عن أبي بكر الصديق أنه كره بيع اللّحم بالحيوان. وأخرج البخاري عنه أنه جعل الجدّ بمنزلة الأب، يعني في الميراث. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء عن أبي بكر قال: الجد بمنزلة الأب ما لم يكن أب دونه، وابن الابن بمنزلة الابن ما لم يكن ابن دونه. وأخرج عن القاسم أن أبا بكر أتى برجل انتفى من أبيه، فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس.

стр. 109

وأخرج عن ابن أبي مالك قال: كان أبو بكر إذا صلى على الميت قال: اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة، والذنب عظيم، وأنت غفور رحيم. وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر أن أبا بكر قضى بعاصم بن عمر بن الخطاب لأم عاصم، وقال: ريحها وشمها ولطفها خير له منك. وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله يجتاحه، فقال لأبيه: إنما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة رسول اللّه، أليس قد قال رسول اللّه ﷺ : أنت ومالك لأبيك؟ فقال: نعم، وإنما يعني بذلك النفقة. وأخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد. وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة عن جده أن رجلا عضّ يد رجل فأندر ثنّيته فأهدرها أبو بكر. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عكرمة أن أبا بكر قضى في الأذن بخمس عشرة من الإبل، وقال: يواري شينها الشّعر والعمامة. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي عمران الجوني أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام وأمّر عليهم يزيد بن أبي سفيان، فقال إني موصيك بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقر شاة ولا بعيرا إلا لمالكة، ولا تفرقن نخلا ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي برزة الأسلمي، قال: غضب أبو بكر من رجل، فاشتد غضبه جدا، فقلت: يا خليفة رسول اللّه اضرب عنقه، قال: ويلك! ما هي لأحد بعد رسول اللّه ﷺ . وأخرج سيف في كتاب الفتوح عن شيوخه أن المهاجر بن أبي أمية - وكان أميرا على اليمامة - رفع إليه امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي ﷺ فقطع يدها، ونزع ثنيّتها، وغنت الأخرى بهجاء المسلمين، فقطع يدها، ونزع ثنيتها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي فعلت في المرأة التي تغنت بشتم النبي ﷺ ، فلولا ما

стр. 110

سبقتني فيها لأمرتك بقتلها، لأن حدّ الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر، وأما التي تغنت بهجاء المسلمين: فإن كانت ممن يدعي الإسلام فأدب وتعزير دون المثلة، وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم، ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها، فاقبل الدّعة، وإياك والمثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص. وأخرج مالك والدارقطني عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر، واعترف، فأمر به فجلد، ثم نفاه إلى فدك. وأخرج أبو يعلى عن محمد بن حاطب قال: جيء إلى أبي بكر برجل قد سرق، وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئا إلا ما قضى فيك رسول اللّه ﷺ يوم أمر بقتلك، فإنه كان أعلم بك، فأمر بقتله. وأخرج مالك عن القاسم بن محمد أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنهم افتقدوا حليا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر، فجعل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحليّ عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر، فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: واللّه لدعاؤه على نفسه أشدّ عندي عليه من سرقته. وأخرج الدارقطني عن أنس أن أبا بكر قطع في مجنّ قيمته خمسة دراهم. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا، ثم قست القلوب. قال أبو نعيم: أي قويت واطمأنت بمعرفة اللّه تعالى. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال أبو بكر: ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته. وأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر قال: طوبى لمن مات في النأنأة: أي في أوّل الإسلام قبل تحرك الفتن.
следующие страницы →