← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرازيانج (١) الرطب أحدت البصر، ودمه إذا اكتحل به نفع من نبات الشعر الزائد في الأجفان بعد ما يقلع، وإن دلك المولود بشحمه مذابا كان له حرزا من كلّ سوء. ولحم الدب لزج مخاطي مذموم الغذاء جدا، وفرو جلد الدب والذئب شديد اليبس، والاكتنان به نافع من الأمطار، وفرو الدبّ الشعراني شديد السخونة واليبس لخشونته، ويصلح أن يتخذ منه مقاعد لأصحاب النقرس والمرطوبين، ولا سيما النقرس البارد. ٢١ - دلق: حيوان شبيه بالسنّور وحشي لا يدجّن البتة، عدو الحمام يدخل برج الحمام ولو كان فيه مئة وأكثر؛ فلا يترك منها واحدة، وهو عدوّ الثعابين أبدا، تموت عند سماع صوته. ذكروا أنّ بأرض مصر ثعابين كثيرة، فلولا وجود الدلق بها وكثرة أكله لها لخرجت أرض مصر عن صلاحية السكنى. قال ابن البيطار (٢): الدلق كالسمّور، وهو أضعف حرّا منه، وأثقل حملا، وإسخانه معتدل، ورائحته غير طيّبة. ٢٢ - ذئب: حيوان كثير الخبث، ذو عادات وغارات وخصومات ومكابرة وختل شديدة، وقلّما يخطئ في وثبه، وعند اجتماعها لا ينفرد أحد عنها لأنه لا يأمن على نفسه منها، وإذا أصاب أحدها جراحة أو ضربة علمت أنه قد ضعف فاجتمعت وأكلته. قال عجير السلولي (٣). فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن يرى … بصاحبه يوما دما فهو آكله وإذا نامت الذئاب واجه بعضها بعضا، وتنام حلقة حتى ينظر أحدها إلى الآخر، حتى يقال: إنه ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، وقال حميد بن ثور الهلالي (٤): ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي … الأعادي بأخرى فهو يقظان هاجع

стр. 37

والأنثى أكثر فسادا من الذكر لأولادها، وإذا عجز عن غلبه من يعاونه يعوي حتى يسمع عواءه الذئاب فيأتون إليه فيعينونه، وإذا مرض انفرد عن الذئاب لعلمه أنها إن أحست بمرضه أكلته، ولا يفزع من شيء من السلاح كالسيف والفأس إلاّ من العصا، ومن رماه بالحجر يتركه، ومن رماه بالنشاب وغيره من النصول لا يتركه، وإن جرح لا يرجع ولا يزال يقاتل ويكافح حتى يقتل أو يجرح الذي رماه، وإذا مرض يأكل من الحشيشة المسماة بالجعدة (١) فيزول مرضه، وإذا دنا من الغنم يعوي حتى يسمع الكلب عواءه فيقصد تلك الجهة، ثم يمشي إلى جهة غير تلك الجهة، فيكون الكلب بعيدا عنها، ويسلب شاة يأخذ بقفاها ويضربها بذنبه، وتبقى الشاة تعدو معه، ولا يفعل ذلك إلا قبل طلوع الشمس، ويعلم إن الكلب بعيد عنها، وكذلك الراعي يحرس طول الليل؛ وفي ذلك الوقت يغلبه النوم، وهو أيضا الوقت الذي ينام فيه الكلب على ما عرف من نومه عند هبوب نسيم السحر. والعرب تزعم أنّ الذئب إذا كان على يسار الإنسان يسمى سائحا يغلبه الإنسان، وإذا كان على يمينه يسمى بارحا (٢) ويغلب الإنسان، والفرس لا يعدو خلف الذئب، فإن ركضه الفارس تقنطر به، ويقال: إن الذئب إذا عضّ البرذون لحقه الحصر، وإذا عضّ الشاة طاب لحمها. قال الجاحظ (٣): السباع القوية ذوات الرئاسة كالأسد والببر والنمر لا تتعرض للإنسان إلاّ بعد الهرم والعجز عن صيد الوحش بخلاف الذئب، فإنه أشد السباع طلبا للإنسان. وقال بلنياس في كتاب الخواص: إذا وقعت عين الذئب على الإنسان قبل أن يراه الإنسان يسترخي الإنسان ويعوي الذئب، وإذا وقعت عين الإنسان على الذئب أولا فبالعكس. أمّا خواص أجزائه فقال ابن البيطار (٤): أما كبد الذئب فقد ألقيت منها مرارا في الدواء المتخذ بالغافث (٥) النافع للكبد ولم أجزم أنه ازداد قوّة بزيادة كبد الذئب فيه أم

стр. 38

لا، وقد جربت كبد الذئب بأن سحقت وسقي منها مثقال مع شراب حلو فانتفع به من كل سوء مزاج يحدث للكبد من غير أن يضر الحارّ أو البارد، وإذا كانت بالعليل حمّى فيسقى بماء بارد. وكان بعض الأطباء يسقي زبل الذئب للقولنج، ويسقيه في وقت هيجان الوجع، وربما سقاه من قبل الوجع، وخلصه إذا عرض ذلك من غير نفخة، ورأيت من شرب هذا الزبل لم يعرض له ذلك الوجع بعد ذلك، فإن عرض له لم يكن بالشديد المؤذي، وكان ذلك الطبيب يأخذ من هذا الزبل إذا تغذى الذئب بالعظام فكنت أعجب من نفعه إذا عولج به المرضى، وكان ربّما علقه على المريض فنفعه نفعا بيّنا، وكان إذا سقاه لمن يكون متفززا ممن به وجع القولنج يخلط به شيئا من الملح والفلفل وما أشبه من البزور ويجيد سحقها ويسقيه بشراب أبيض لطيف، وربّما سقاه بما وجده، وربّما علق الزبل على فخذ الرجل الموجع مشدودا بخيط من صوف كبش قد افترسه الذئب، وهو أبلغ في المنفعة إن وجد، فإن لم يقدر عليه يأخذ سيورا من جلد أيل ويشد بها الزبل ويعلقها على فخذ الرجل. قال: وأما نحن فكنّا نجعل من ذلك الزبل في أنبوب صغير في مقدار الباقلي أتخذه من فضّة بعروتين وأعلقه على الوجع وجربته فنفع، والذئاب لا تأكل التراب، والذئب من بين الحيوان لا يأكل العشب إلاّ عند مرضه كما تفعل الكلاب، فإنها إذا اعتلّت أكلت عشبا من الأعشاب، وما خبث من الذئاب وفسد أصله أكل الناس وسائرها لا تأكل. وذكر الذئب والثعلب من عظم لا كسائر الحيوان من عضل وعصب، وإن علّق ذنب ذئب على معلف البقر لم يتقرّب إليه ما دام معلقا عليه ولو جهدها الجوع، وإن بخّر موضع بزبل ذئب اجتمع إليه الفار. وزعموا أنه من لبس ثوبا من صوف شاة قد افترسها ذئب لم تزل به حكة شديدة ما دام عليه أو ينزعه. وإن بالت امرأة على بول ذئب لم تحبل أبدا، وإن أخذت خصيته اليمنى ودقتها بزيت وغمس فيه صوفة واحتملتها المرأة أذهبت عنها شهوة الجماع. وإن شرب صاحب الحمّى العتيقة من مرارة الذئب وزن دانق مع عسل أو طلا أذهبها. وعين الذئبة تنفع من الصرع، ولا يقرب من علقت عليه شيء من السباع والهوام واللصوص، ومرارة الذئب تمنع التشنج والكزاز اللذين يتبعان جراحات العصب، خصوصا من البرد، وإذا سعط بها من به النزلات العظام نفعته، وإذا نهش الذئب فرسا وأفلت منه جاد سيره وسهل قياده وسبق الخيل. وشحمه ينفع من داء الثعلب وداء الحيّة لطوخا، وإن دمي إنسان فشم الذئب رائحة الدم منه قاتل عليه حتى يبلغ إليه فيأكله،

стр. 39

ولو كان أتمهم سلاحا وأشجعهم قلبا، وإن دفن رأس ذئب في موضع فيه غنم هلكت جميعا في موضعها، وإن علّق في برج حمام لم تقربه حيّة ولا شيء يؤذي الحمام، وإن كتب صداق في جلد شاة قد افترسها الذئب لم يكن بين الزوجين اتفاق البتة، وأنيابه وجلده وعيناه إذا حملهم الإنسان. معه غلب خصمه، وكان محبوبا عند الناس. ٢٣ - سنّور: حيوان ألوف متملّق، خلقه اللّه تعالى لدفع الفار، وقد ذكر أن الفأر كثر في سفينة نوح ﵇ حتى آذاهم، فشكوا ذلك إلى نوح فمسح على جبهة الأسد؛ فرمى من منخريه زوجي سنّور، فلذلك كان السنّور أشبه شيء بالأسد. وهو يحبّ النظافة فيمسح وجهه بلعابه، وإذا تلطخ شيء من بدنه لا يلبث حتى ينظفه، وعند هيجانه ينال ألما شديدا من لذع مائه فتحرقه نطفته، وتقوى عليه شهوته، فلا يزال يصيح حتى تسمع الأنثى صياحه، وهي محتاجة (١) إلى نقص تلك المادة أيضا، فيأتيها فيقضي حاجتها، وإذا ولدت يغلب عليها جوع شديد، فإن لم تجد ما تأكل أكلت أولادها. ويدفن جعره كي لا يراه أحد، قيل: إنّما يفعل ذلك لئلا يشمّ الفأر رائحته فيمعن في الهرب، ولذلك إذا دفنه شمّه فإن وجد رائحته زاد عليه التراب، وإذا مرّ الفأر في السقف استلقى السنّور على ظهره وحرّك يديه ورجليه ليراه الفار؛ فيسقط من السقف فزعا، وإذا صار شيئا من الفأر يلعب به زمانا، وربّما يخليها حتى تمعن في الهرب وتظن أنها نجت، ثم يثب عليها ويأخذها، فلا يزال يخدعها بالسلامة، ويورثها الحسرة والندامة، ويلتذّ بتعذيبها ثم يأكلها، وقد جعل اللّه تعالى في طبع الفيل الهرب من السنّور. قال ابن البيطار (٢): الفرو المتخذ من السنّور حار يابس، شبيه في حرّه ويبسه بجلد الثعلب، ومقاربتها وشمّ نفسها يورث الذبول والسلّ، وإذا طبخ سنّور وألقي بدمه في قدر كما هو وطيّن عليه وأحرق حتى يعود رمادا؛ وأخذ ذلك الرماد وخلط بعسل نحل وطلي منه بريشة على الشقاق الكائن بين الأصابع والرجلين أبرأه وحيا، ولحمه ينفع من أوجاع البواسير ويسخن الكلى، وينفع من وجعها، وزبل القطاط يسقط المشيمة بخورا كان أو حمولا، ولحم السنّور إذا جفّف ودقّ استخرج النصول، وله جذب شديد.

стр. 40

وأمّا سنّور البرّ فعلى شكل الأهلي، إلاّ [أنه] أكبر حجما، ولكثرة أعدائه من الوحوش يبالغ في حفظ نفسه حتى إنها تحفظ بعضها بعضا في النهار، فإذا كان الليل أقاموا منهم حارسا لا ينام، فإن نام قتلوه. وليس في أجزائه غير ما ذكر في السنّور الأهلي إلاّ ما ذكر صاحب كتاب العجائب: أن مخّه عجيب في وجع الكلى وأسر البول إذا أديفت بماء الحرير وسحق على النار؛ وشرب في الحمّام على الريق. ٢٤ - ضبع: حيوان قبيح المنظر قليل العدد ينبش القبور ويجرّ الجيف، والعرب تقول: لم يزل يأكل لحوم الشجعان، ولهذا قال عبد اللّه بن الزبير (١): خذي وجرّيني جعار وابشري … بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصرا وقال الشنفرى (٢): فلا تقبروني إنّ قبري محرّم … عليكم ولكن أبشري أمّ عامر أمّ عامر كنية الضبع، وجعار اسمه. وذكروا أنّ للضبع آلة الذكور وآلة الإناث، وهو في سنة ذكر وفي أخرى أنثى، وبين الضبع والكلب عداوة، قالوا: إذا وقع ظلّ الضبع على الكلب لا يقدر أن يمشي حتى يأتي الضبع ويأكله، وإذا مرض الضبع يأكل لحم الكلب فيزول عنه مرضه. وبين الضبع وبين الذئب مصادقة والذئب إذا سفد بالضبع جاءت بولد يقال له: العسبار (٣)، والضبع إذا سفد بالذئب جاءت أيضا بولد يقال له: السّمع، ويكون شكله عجيبا بين الكلب والضبع. وزعموا أنّ الضبع إذا هلكت جاء الذئب يربي (٤) أولادها، ولهذا قال الكميت (٥): كما خامرت في حضنها أمّ عامر … لذي الخبل حتى عال أوس عيالها

стр. 41

وفي العرب قوم يقال لهم: الضبعيّون لو كان أحدهم في قافلة مئة ألف نفس؛ فإنّ الضبع لا يقصد أحدا غيره أما خواص أجزائه فقال ابن البيطار (١): لحمه حار يابس مثل لحم الكلب، وإذا أمسك الإنسان بيده حنظلة فرّت الضبعان عنه، وإذا أمسك أحد أسنانها معه؛ ومرّ بالكلاب لم تنبح عليه، وإذا أطعم الموسوس دمها نفعه، وإذا أديفت مرارتها مع مثلها دهن أقحوان ووضعا في إناء نحاس ثلاثة أيام ثم طلي بها العين المستكنة في كل شهر مرتين أزالت بياضها بيانا، وكلّما عتق هذا الدهن كان أجود، وإذا طلي الوجه بمرارتها مع شحم أسد صفّى اللون وصقله، وإذا اكتحل بمرارتها وحدها أحدّت البصر، ويقال: إن الجلد الذي حول خاصرتها إذا أحرق وسحق بزيت ودهن به دبر المأبون أذهب الأبنة عنه، وإذا قطعت يدها اليمنى وهي حيّة وأمسكها من يدخل على الملوك عظم عندهم وقضيت حوائجه، وإذا لقيت الضبعة في دهن وقتلت غرقا وطبخت في الدهن أو بالماء والشبت (٢) والحمّص نفع من وجع المفاصل وتعقدها، وإن جلس العليل الزّمن في ذلك الزيت نفع من جميع علل المفاصل، وأزال النقرس، ونفع الرياح الغليظة. وهذا الحيوان أبغى الحيوان (٣)، وذلك أنه لا يمر به حيوان من جنسه إلاّ وينزو عليه، ومخ ساق الضبع إذا ديف بزيت أنفاق (٤) وطلي به على النقرس نفع منه نفعا عظيما، وجلد الضبع إن شدّ على بطن امرأة حامل لم تسقط وإن كانت مسقطة، وإن جلّد به مكيال وكيل به البذار أمن ذلك الزرع من جميع آفات الزرع، وإن جلّد به قدح وجعل فيه ماء وقرّب ممّن نهشه كلب كلب شربه ولم يفزع منه. ٢٥ - فهد: حيوان ضيّق الخلق، شديد الغضب، ذو وثبات بعيدة، كثير النوم، يستأنس بالناس، بخلاف النمر، قال بعضهم: إنّ الفهد يتولد من الأسد والنمر، كالبغل [يتولد] من الفرس والحمار، والسباع تحب رائحته، وهو يؤثر الأسد بفريسته، فإذا أكل الأسد وفرغ يأكل الفهد البقية. قال الجاحظ (٥): الفهد إذا سمن عرف أنّ حركته ثقيلة وأنه مطلوب، وعرف أنّ

стр. 42

رائحته شهيّة إلى الأسد والنمر فيختفي حتى يمضي الزمان الذي تسمن فيه الفهود، ولا يكاد يقعد على طريق الريح لئلاّ تحمل رائحته إلى السباع وإذا مرض الفهد يأكل لحم الكلب فيزول مرضه، ويحبّ الأصوات الحسنة ويصغي إليها، ويتولد من الفهد والدبّ حيوان عجيب الشكل يقال له: كوشال. أمّا خواصه فقال في كتاب العجائب (١): إنّ مرارته إذا خلطت بالعسل والملح وجعلت على الجراحة التي تسيل دمها تنقطع، ومن داوم على أكل لحمه أورثه حدّة الذهن وقوّة البدن، ودمه ينفع من وجع المفاصل طليا، ومن سقي منه غلب عليه النوم والبلاهة، وإذا ترك بزيته في موضع هرب الفأر منه. ٢٦ - قرد: حيوان قبيح مليح، يضحك ويفهم سريعا، ويعلم الصناعات الرفيعة كالنسج، فإنّ الثياب العريضة لا يحوكها صانع واحد، فيعلّم الصانع قردا، ويرمي المكوك إلى جانب القرد، فيأخذ القرد المكوك فيرميه إليه. وأهدى ملك النوبة إلى المتوكل قردين أحدهما خيّاط والآخر صائغ، وأهل اليمن يعلمون القرود قضاء حوائجهم حتى إنّ البقال والقصاب إذا غاب سلّم دكانه إلى القرد فيحفظها أشدّ الحفظ حتى يرجع صاحبها إليها. والأنثى تلد من واحد إلى اثني عشر، ويحكى عنها من الغيرة على الأزواج ما لا يحكى إلاّ عن الإنسان، وحكى بعض أهل صنعاء أنه مرّ بقرد في سفح جبل وهو نائم وقد وضع رأسه في حجر زوجته، وقد غاص في نومه، وإذا بقرد قد جاء ووقف بحذائها، فوضعت القردة رأس زوجها رويدا رويدا، وقامت (٢) إلى ذلك القرد فضاجعها كما يضاجع الرجل المرأة، فانتبه القرد فلم يرها، فتتبع أثرها حتى رآها، فلما دنا منها شم جباءها فعلم أنها زنت، فصاح صيحة شديدة، فاجتمع عليه قرود كثيرة فأخبرهم بفعلها، فحفروا لها حفيرة ورجموها حتى ماتت. وأما خواص أجزائه فقال في كتاب العجائب (٣): إذا علّقت عينه على أحد مزح معه كلّ من رآه، ومن حمل سنّه لم يغلبه النوم، وتسحق ويكتحل بها فتذهب بياض العين، وإذا أكل من مخّه صاحب الجذام نفعه نفعا بيّنا، وعرف ذلك من الأسد، فإنّ الجذام داء الأسد، فإذا اعتراه وأكل القرد براه، وإذا سقي إنسان من دم الأسد خرس،

стр. 43

وإن سقي من دم القرد خرس وقبح في أعين الناس، وأمّا جلده فيتخذ منه غربال ويغربل به البذار، فإنّ نباته يأمن من الآفات كالجراد وغيره. واللّه أعلم. ٢٧ - كلب: حيوان كثير الرياضة، شديد المجاهدة، كثير الوفاء، دائم الجوع والسّهر، يخدم بأدنى مراعاة خدمة كثيرة من الملازمة والحراسة. ودفع اللص. قال الجاحظ (١): من دهاء الكلب إذا أرسل على الظباء يترك العنز ويتبع التيس؛ وإن كان التيس أشدّ عدوا، وذلك لعلمه أنّ التيس يعتريه البول من الفزع فلا يستطيع الإراقة مع شدة الحضر فيقلّ عدوه لإراقته فيلحقه الكلب، وأمّا المعز فإنّها إذا اعتراها البول من الفزع قذفت به لسعة المخرج فلا يثقل عدوها، وهذا شيء عرف من الكلب مرارا. قال (٢): ومن عجائبه أنه يخرج يوم الثلج ووجه الأرض مغطّى بالثلج ومعه الصيّاد المجرّب، فلا يعرف موضع الصيد البتّة مع عقله وتجربته، فيذهب يمينا ويسارا حتى يقف على موضع الصيد يستدلّ بالنفس الخارج منها، فيذيب ما والاه من الثلج حتى يرقّ ويخرج منه البخار، وهذا غامض جدا يعرفه الكلب ولا يعرفه الصياد الماهر، وإذا ألحّت السحائب بالثلوج لقي الكلب منها الجهد، فمتى أبصر غيما قد نشأ في السماء نبح عليه لأنه يذكر ما لقي من مثله، حتى يقال في المثل: لا يضرّ السحاب نباح الكلاب، وكذلك قال الفرزدق (٣): وقد نبح الكلب السحاب ودونها … مهامه تغشي نظرة المتأمّل وإذا نبح الكلب على إنسان بالليل لم ينجه منه إلاّ أن يقعد، فإنّه إذا رأى منه ذلك تركه كأنه ظفر به وآذاه، وإذا جاء الصيف وقوي الحرّ أصاب الكلب شبه الجنون فيكلب لأنّ مزاجه حارّ يابس، ويزيده الصيف حرارة، ويبوسة، فتغلب عليه الحرارة فيحدث به هذا المرض، فيصير ريقه سمّا قاتلا صعب المداواة، وعلامة ذلك دوام الالتهاب وحمرة العينين وإطراق الرأس واعوجاج الرقبة وجعل الذنب بين فخذيه، وإذا مشى مشى خائفا متذللا مائلا كأنّه سكران كئيبا مغموما ويتعثر في خطوه، وإذا لاح له شبح (٤) عدا إليه حاملا عليه سواء كان شجرا أو حيوانا، ولا تكون حملته مع النباح

стр. 44

بخلاف سائر الكلاب، بل هو سكّيت زمّيت، وإذا نبح يكون في صوته بحوحة، والكلاب تعرفه فتهرب منه، ومن عضه في هذا الوقت من حاله نبح كالكلب، ويرى في بوله دسيسا على صورة الكلاب، وإذا نظر في الماء رأى صورته كهيئة صورة الكلب، ويهرب من الماء فلا يستطيع شربه حتى يهلك عطشا. ومن العجب ما رواه بليناس أن كلبا عضّ بغلة فعضّت راكبها فصار أيضا مكلوبا، وإذا كان في جوف الكلب داء يأكل سنابل القمح فيبرأ، وإذا سمع صوت الحمار أوجعه رأسه، ومن العجائب أنّ من يخضب بالحنّاء وسمع صوت كلب أصفر أو أبيض فإنّ الحنّاء لا تعلق على جسده ولا يحمرّ، وإذا رمي الكلب بحجر وأخذه بفمه ورماه فإن تركته في برج الحمام نفر طيرها عنها، وإذا ألقيته في النبيذ فمن شرب منه عربد. ومن عجيب ما يحكى عن وفائه أن شخصا قتل شخصا بأصفهان ورماه في بئر وطمّه عليه، وكان للمقتول كلب يشاهد ذلك، فكان الكلب كلّ يوم يأتي ينبش موضع المقتول بيديه، وكلما رأى القاتل نبح عليه حتى تكرر ذلك وأنكر عليه، ففهم أهل المقتول أمره فجاؤوا بالشرطة، ونبشوا المكان فظهر القتيل، وأخذ الرجل وعذّب فاعترف أنه قتله فقتل ودفن معه. وحكي أيضا أن شخصا نزع ثيابه ليخوض في ماء ومعه كلب له، فجاء الكلب وعضّ رجله فأوجع الرجل وضربه بالسيف؛ فوقع في الماء، فإذا تحت الماء تمساح يريد أن يخطف الرجل قد أحسّ به الكلب، فعضّه ليتأخر عن الماء وينتبه لنفسه، فأخذ التمساح الكلب وغاص. وأمّا خواص أجزائه فقال ابن البيطار (١): القول في كبد الكلب مستفيض أنه إذا شوي وأكل نفع الذين يعرض لهم الفزع من الماء، ونفع من نهشه الكلب الكلب، ودم الكلام إذا شرب أيضا وافق من عضّها ومن سمّ السهام الأرمينية، وخرء الكلب إذا أخذ في الصيف بعد غروب نجم الكلب أو جفّف في الظلّ وشرب بشراب أو بماء عقل البطن، وزعموا أنّ لبن الكلبة في أول بطن تضع إذا لطخ على الشعر حلقه، وإذا شرب كان باذزهر للأدوية القتالة، ويخرج الأجنّة الميتة، وقيل: إن ذلك لم يصحّ. وكان من المعلمين من يأخذ زبل الكلاب التي اعتلفت العظام؛ فإنه يكون أبيض جافا غير منتن فيجففه ويخزنه، فإذا أراد أن يستعمله سحقه ناعما وعالج به من الخوانيق وأورام الحلق، وخلطه مع غيره من الأدوية النافعة لذلك، فإذا أراد استعمالها

стр. 45

للدوسنطاريا خلطها باللبن الذي طبخ بالحجارة أو بالحديد المحمي، وإن سقي المعضوض من الكلب الكلب النفحة جرو صغير براه، وبول الكلبة من أخذه وتركه حتى ينعقد وغسل به الشعر سوّده وكان كأحسن ما يكون من الخضاب، وزعموا أنّ شعر الأسود البهيم إذا علّق على المصروع نفعه، وإن أطعم كلب عجينا فيه دارصيني مدقوق رقص وطرب، وإذا أحرق رأسه وسحق وعجن بخلّ وضمّد به عضّة الكلب الكلب نفع ذلك، وزعموا أن الكلب إذا أكل لحم كلب مثله كلب، وقد يأخذ قوم ناب الكلب إذا عضّ إنسانا فيجعلونه في قطعة من جلد ويشدّونه في العضد ليحفظ من شدّ عليه من الكلاب الكلبة، وناب الكلب إذا علّق على من يتكلم في منامه أزاله، وإن علقت أنيابه على صبي خرجت أسنانه بلا وجع وبغير تعب، وإن علّق نابه على من به يرقان نفعه، ومن حمله معه لم تنبحه الكلاب. ٢٨ - نمر: حيوان ذو قوّة وقهر وسطوات صادقة، وهو أعدى عدوّ للحيوانات، وهو ذو شبه (١) وألوان حسنة لا تردعه سطوة أحد، ولا ينصرف عن العسكر الدهم، وخلقه في غاية الضيق، ولا يستأنس البتّة، وعنده كبر وعجب بنفسه، إذا شبع نام ثلاثة أيام، فإذا انتبه انتبه جائعا، فيجرّ جرّا شديدا فيعرف ما حوله من الحيوان أنه يريد الصيد، ورائحة فمه طيّبه بخلاف الأسد، وخرزات ظهره تنكسر بأدنى شيء أصابها، وزعموا أنّ بين النمر والأفعى صداقة، وإذا خدش النمر نثر الفار عليه التراب فتعفن جراحاته ويهلك، فإذا أكل الفأر زال مرضه. والنمر يتعرض لكل حيوان رآه في جوعه وشبعه بخلاف الأسد فإنه لا يتعرض للحيوان إلاّ عند جوعه، وأما خواص أجزائه: فقال ابن البيطار (٢): دمه إذا لطخ به الكلف وترك إلى أن يجفّ أبرأه، وإن احتيج إليه فليعد لطخه، ويقال: إن مخّه إذا ديف بدهن زنبق واحتمل به نفع من أوجاع الأرحام، وشحمه حارّ يابس إذا دهن به الفالج نفعه، لا يعدله فيه دواء، والنمر يحب شرب الخمر متى وضع في مكانه، يشرب حتى يسكر ولا يمنع عن نفسه من قصده ويقال: إنه متى لطخ إنسان جسده وجوارحه بشحم ضبعة عرجاء ودخل على النمر في مكانه وقعد أمامه لم يقدر النمر على النهوض إليه والحركة. ومرارة النمر لا يجب أن تقرب لرداءتها، ولذلك قيل: لا يجب أن تذكر،

стр. 46

وكذلك مرارة الببر. أمّا الحيوانات السّبعيّة المختصّة فمن الشرقيّة: ٢٩ - جريس: حيوان في حجم الجدي، ذو قوّة وعدو، وعلى رأسه قرن واحد كقرن الكركدن، وأكثر عدوه على رجليه لا يلحقه شيء لسرعة عدوه، ويوجد في غياض سجستان وبلغار. قال في كتاب العجائب (١): إذا شرب من دمه صاحب الخنّاق مع الماء الحار فإنه ينفتح في الحال، ويطبخ لحمه بالقنطريون (٢)، ويأكله صاحب القولنج يبرأ في الحال، ويحرق كعبه ويؤخذ رماده مع شحمه ويجعل على العرق الموجوع يسكن ألمه سريعا بإذن اللّه تعالى. ٣٠ - سناد: حيوان على صفة الفيل بأرض الهند، إلاّ أنّه أصغر جسما منه، وأعظم من الثور، إذا أرادت الأنثى الولادة يخرج الولد رأسه من الرحم قبل أن تلقيه، ويرعى، فإذا ألقته هرب من الأم مخافة أن تلحسه بلسانها فتهلكه، قيل: إن لسانها أخشن شيء، فمتى لحسته لم يبق على عظمه لحم، فلا ينزل منها حتى يثق من نفسه بقوة العدو بحيث إذا عدت خلفه لم تلحقه. ٣١ - سنجاب: حيوان كالفأر إلاّ أنّه أكبر جسما منه، وشعره في غاية النعومة، ويتخذ من جلوده الفراء يلبسها المتنعمون صيفا لا يبرد بخلاف سائر الفراء. قال ابن البيطار (٣): حرّه ليس بكثير، ويصلح لبسه للمحرورين والشبان، ولمن يداوم شرب النبيذ لأنه يسخن إسخانا معتدلا، وقال في العجائب (٤): لحمه يطعم

стр. 47

المجنون يزول جنونه، ويأكل منه صاحب الأمراض السوداوية ينفعه نفعا بيّنا. واللّه أعلم. ٣٢ - سيرالس: قيل: إنه حيوان في غياض كابل وأبلسان، في قصبة أنفه اثنتا عشرة ثقبة، فإذا تنفس سمع من تنفسه صوت كصوت المزمار، وقيل: إنّ المزمار إنما اتّخذ على شكل قصبة أنفه، فلا تزال الحيوانات تجتمع عليه من الطير والوحش وغيرها لاستماع ذلك الصوت، فربّما يدهش من لذة ما تسمع، وإذا اختار أن يصيد منها شيئا اصطاد، وإن لم يرد صيد شيء منها وضجر من اجتماعها عليه صرخ صرخة منكرة فتنفر كلها عنه وتدعه. ٣٣ - شاذوار: حيوان يوجد بأقصى بلاد الروم، ويقال له: أرس، له قرن، وللقرن اثنتان وأربعون شعبة مجوّفة، فإذا هبّت الريح يجتمع الهواء فيها فيسمع منه صوت في غاية الطيب، فتجتمع الحيوانات حوله لسماع ذلك الصوت وذكروا أنّ قرن هذا الحيوان أهدي إلى بعض الملوك فتركه عند هبوب الريح بين يديه، فكان يخرج منه صوت يكاد يدهش سامعه منه من الطرب، ثم وضعوه معكوسا؛ فكان يخرج منه صوت حزين بحيث إنه يكاد يغلب على سامعه البكاء. ٣٤ - عناق: حيوان يقال له بالفارسية شاه كرش، أكبر من الكلب حجما، حسن الصورة جدا لونه كلون البعير الأحمر، وأذناه سوداوان، يصيد كما يصيد الفهد، وإذا مشى عفا أثره، ويصيد الكركي، فإذا طار الكركي وثب من الأرض وثبة نحو الهواء، ويأخذه برجليه. ٣٥ - فيل: حيوان عجيب ظريف نبيل، من أعظم الحيوانات، وربما كان وزن نابه ثلاثمائة منّ، وهو مع ذلك أملح وأظرف من كلّ حيوان، خفيف الجسم رشيق، وللّه تعالى في خلقه صنع عجيب، لما كانت رقبته قصيرة خلق له خرطوما طويلا يقوم مقام يد الإنسان، يرفع الماء والعلف إلى فيه ويدور على جميع بدنه كيد الإنسان؛ ويضرب به، وله أذان كل واحدة كترس متحركتان دائما يدفع بهما الذباب والبقّ عن فمه لأنّ فمه مفتوح دائما، فلو دخل شيء من الذباب والبقّ في فمه أو أذنه لهلك، وله نابان عظيمان كلّ واحد مئتا منّ وقد يكون ثلاثمائة. وليس له من المفاصل إلاّ الكفّ والفخذ والكعب، ولا تظهر فيه شهوة الضراب إلاّ بعد خمس سنين، ولسبع سنين يلد ولدا مستوي الأعضاء والأسنان، والفيل يعادي

стр. 48

الحيّة إذا رآها فسخها تحت رجليه، وإذا قدرت الحيّة على ولد الفيل فلسعته أهلكته، وإذا مرض الفيل يأكل الحيّة فيبرأ، وإذا تعب الفيل دلكوا كفيّه بالسمن والماء الحار فيزول تعبه، وإذا وقع على جنبه لا يقدر على القيام فتجتمع عليه الفيلة يخبّر بعضهم بعضا عن سقوطه، والفيل الكبير يجعل خرطومه تحت جنبه، وسائر الفيلة تعينه على ذلك حتى ينتصب على قوائمه، والفيل إذا أراد قلع شجرة لفّ خرطومه عليها ويستأصلها من أصلها. وأمّا فيل الحرب فتراه كقلعة جارية على ظهرها رجال وعليه جوشن متخذ له، ويشدّ على خرطومه محزما يقال له القرطل يضرب به الفرس والجمل فيقدّه بنصفين (١)، ويحيط به خمسمائة راجل يحفظونه من ورائه، وعلى ظهره رجال يستعملونه شجعان يكون لهم الدخول والخروج، وزعموا أنه إذا كان كذلك هزم خمسة آلاف فارس. وربما يعيش الفيل أربعمائة سنة. قال الزيادي: رأيت فيلا في أيام المنصور قيل: إنه سجد لسابور ذي الأكتاف وللمنصور، والموت بأرض العراق يسرع إلى الفيل، وإلى الذكور أسرع منه إلى الإناث، والفيّال قاعد على ظهره بيده محجن يحك به جبهته كلما أراد منه شيئا، فالفيل يعرف مراده فيعمل ما يريده الفيّال، وأول شيء يعمله خدمة الملك كلّما رآه خدمه. والفيل من أشدّ الحيوانات حقدا، حكي أنّ فيالا ضرب فيلا فأوجعه، فصبر الفيل حتى شدّه الفيّال إلى أصل شجرة وأحكم شدّه، وتنحّى عن الفيل ونام، وكان للفيّال شعر طويل كثير مشوّش، فأخذ الفيل بخرطومه غصنا من الشجرة ووضعه على شعر الفيّال ولواه حتى تشبث بشعره، ثم جذب العود، فإذا الفيّال تحت قوائمه فخبطه خبطا صار هشيما. قال ابن البيطار: (٢) نابه هو العاج، إذا تضمد ببرادته أبرأت من الداحس وأوجاعه، وإذا شرب من نشارته كلّ يوم وزن درهمين بماء وعسل كانت جيدة للحفظ، وإذا شربتها المرأة العاقر سبعة أيام متوالية كل يوم وزن درهمين بماء وعسل وجومعت بعد ذلك حملت، وإن أخذ من برادته جزء ومن برادة الحديد جزء وسحقا وذرّا على

стр. 49

بواسير المقعدة نفعها، وإن علّق من ناب الفيل قليل في عنق طفل أمن من وباء الأطفال (١)، وخرء الفيل إذا عملت منه فزرجة مع العسل واحتملتها المرأة لم تحمل أبدا، وإذا بخّر به صاحب الحمّى [الغب] العتيقة نفعه، وإذا أحرق وطلي به السّعفة الرطبة أبرأها، وإن بخّر به موضع البقّ طرده، وإن أديم عليه هرب من ذلك الموضع ولم يعد، وإن بخّر الكرم والزرع بعظم الفيل لم يقرب ذلك المكان دود، وإن علّقت قطعة من ناب الفيل على البقر في خرقة سوداء منع الوباء أن يصيبها وطرده عنها، وإن شرب من برادته وزن عشرة دراهم بماء الفوذنج الجبلي (٢)، وهو صعتر القدس أياما متوالية أوقف الجذام عن صاحبه ولم يزده، وإن وضعت قطعة من العاج على موضع من البدن يكون فيه عظم مكسور جذبه وسهل خروجه. فائدة: قيل: إنّ في بلاد الهند نساء كثيرا حسان الوجوه يوقفن أنفسهن عند البدّ - وهو الصنم العظيم المعبود عندهم - على سائر الزوار تقرّبا بذلك، ومن العادة الخوف من الحبل لا سيّما مع كثرة النكاح فيجمعن عندهن من زبل الفيل؛ ويتحملن به مع صوفة فيمنعهنّ من الحبل؛ ليبقى حسنهنّ والتمتع بهنّ مع عدمه، لكونها إذا ولدت ذهبت طراوة حسنها، فبطل الغرض الذي وقفت نفسها لأجله. ٣٦ - كركدن: حيوان في قدر جثة الفيل، وخلقته كخلقة الثور، إلاّ أنّه أعظم منه، وهو ذو حافر، وهو سريع الغضب، صادق الحملة، يخافه سائر الحيوانات بالهند، على رأسه قرن واحد حادّ الرأس غليظ الأسفل جدّا، فيه انحناء وتحديب إلى وجهه ومقعرة في ظهره. ومن العجب أنه جمع بين الحافر والقرن، وليس لذي حافر قرن سواه، وهو أقلّ الحيوانات عددا، يعيش سبعمئة سنة، وهيجان شهوته بعد خمسين سنة، ومدة حمله ثلاث سنين، وتزعم الهند أنّ الكركدن إذا كان بأرض لم يدع في تلك الأرض شيئا من الحيوان، وإذا رأى الفيل يأتيه من ورائه ويضرب بطنه بقرنه ويقوم على رجليه، ويرفع الفيل حتى يتشبث بقرنه، فإذا تشبث وأراد أن يتخلص عن الفيل لا يمكنه فيجره على الأرض فيموت هو والفيل، وذكروا أنّ السلاح لا يعمل في الكركدن ولا يقوم له شيء من الحيوانات، وقالوا: إنه يحبّ الفاختاه ويقف عند الشجرة التي عليها الفاختاه، وتطيب نفسه بهدير الفاختاه.

стр. 50

قال في كتاب العجائب: (١) إنّ في قرنه شعبة يخالف انحناؤها لانحناء باقي القرون، ولهذه الشعبة خواص، وعلامة صحته أن يرى فيه شكل فارس، ولا توجد تلك الشعبة إلاّ عند ملوك الهند، ومن خواصّه أنه يحل كل عقدة، فإن أخذه صاحب القولنج انفتح في الحال، وكذلك إن أخذته صاحبة الطلق (٢)، وإذا سحق منه شيء وسقي المصروع زال صرعه، وكذلك من به فالج أو تشنج إن حمله معه، ويتخذ من هذا القرن نصب السكاكين، وخاصيته أنه إذا دنا من طعام أو شراب فيه سمّ كسر قوّة ذلك السمّ. قال أبو الخير الاسترابادي حاكيا عن أبيه قال: كنت في قفل سائرين إلى غزنين، فأتانا الخبر أن في الطريق لصوصا قطّاعا، فأصاب القوم اضطراب، وكان فينا رجل فقال: يا قوم لا تحزنوا أنا أكفيكم شرّهم بشرط أن تذهبوا بي إليهم، فذهب به رجل من القافلة إلى موضعهم؛ وكانوا نازلين في شعب بين جبلين، فأخرج شيئا من وسطه ودلكه بالتراب دلكا كثيرا ثم أشرف عليهم ونثر ذلك التراب على رؤوسهم، فهبّت ريح عاصف في ذلك الشعب منعت اللصوص من القيام، فكان من قام منهم وقع، ثم رجع إلى القافلة وقال: امضوا في دعة وسلامة، فعبرنا عليهم سالمين منهم. قال: فلما وصلنا غزنين دخلت يوما على الشيخ الرئيس علي بن سينا فرأيت ذلك الرجل عنده، فأخبرته بصنيعه فقال: كان ذلك عقدة قرن الكركدن. وفيه عجائب كثيرة. ٣٧ - نامور: حيوان وحشي نفور، له قرنان كالمنشارين، أكثر أحواله تشبه أحوال البقر الوحشي، يأوي إلى الدوحات (٣) التي التفّت أشجارها، وإذا شرب الماء يظهر ويعدو ويلعب بين الأشجار، وربّما تشبثت قرناه بالأشجار فلا يقدر على خلاصها فيصيح، فإذا سمع الناس صياحه ذهبوا إليه وصادوه. قال في كتاب العجائب: (٤) إنّ لحمه يطبخ بالنبيذ ويأكل منه الصبيّ فيكون ذكيّا وتزول عنه البلادة، وجلده يتخذ منه مفرشا، فمن جلس عليه ذهبت بواسيره، وكعبه يشدّ على فخذ الإنسان فلا يتعب إذا مشى. واللّه أعلم. وأمّا المختصّة بالمغرب فمنها:

стр. 51

٣٨ - عنزة: حيوان دقيق الخصر، يكون ببادية المغرب، قالوا: يأخذ البعير من قبل دبره ويقتله، وقل ما ترى، ويزعم أهل المغرب أنه شيطان، فإنه يختفي ولا يرى إلا البعير المأكول. واللّه أعلم. ٣٩ - فلا: قال الشيخ الرئيس: إنّه حيوان أصغر من ابن عرس، ولونه إلى الرمدة أميل مع دقّة ولطافة وطول وسعة فم، إذا رأى حيوانا طفر عليه وتعلق بخصاه، ومن عضه هذا الحيوان ناله (١) منه ألم شديد، وهو صعب المعالجة. واللّه أعلم. ٤٠ - ابن عرس: حيوان دقيق طويل، يقال له بالفارسية راسوعد، والفار يدخل جحرها ويخرجها، يحبّ الحلي والجواهر يلعب بها، وهو يعادي التمساح، وزعموا أنّ التمساح لا يزال مفتوح الفم، فإذا رآه ابن عرس دخل فاه، ونزل إلى جوفه وفرّق أحشاءه وأكل منها، فإذا مات التمساح يخرج ويمشي، ويعادي الحيّة أيضا، وإذا أراد قتال الحيّة أكل السّذّاب، لأنّ السّذاب سمّ الحيات، إذا شمّت رائحته ضعفت فغلبها ابن عرس. وذكروا أنّ فارة هربت من ابن عرس وصعدت شجرة، فتبعها ابن عرس، ولم يزل يتبعها حتى انتهت إلى رأس الغصن؛ ولم يبق لها مهرب، فنزلت على ورقة وعضّت طرفها وعلّقت نفسها، فعجز ابن عرس عنها، فلم يزل يصيح حتى جاء زوجه فقطع حينئذ الورقة التي عضّت عليها الفأرة فسقطت فصادها الآخر. قال ابن البيطار: (٢) إذا سلخ ابن عرس وأخرج بطنه وجفف في الظلّ وشرب منه مثقالان بشراب كان أقوى علاجا يكون للهوام كلها، وكان باذزهر للدواء القتّال الذي يقال له: طقسيقون (٣)، وجوفه إذا حشي بكزبرة وجفف في ظلّ وشرب نفع من نهش الهوام والصرع، وإذا أحرق كما هو في قدر وخلط برماده خلّ ولطخ به النقرس نفعه، ودمه إذا لطخ على الخنازير نفعها، وينفع المصروعين، ولحمه يضمد به لوجع الظهر والرياح الغليظة، وإذا أخرج كعب ابن عرس وهو حيّ وعلّق على المرأة لم تحبل، ومتى رأى ابن عرس طعاما مسموما اقشعرّ وقام شعره.

стр. 52

الطّير هذا النوع من الحيوان مختص بخفّة البدن وفقد أعضاء كثيرة توجد في غيره من الحيوانات، والحكمة في ذلك أنّ اللّه تعالى لمّا خلق أنواع الحيوان، وجعل بعضها عدوّا لبعض أعطى كلّ نوع إمّا قوّة وسلاحا يدفع عدوّه بهما كما الدوابّ والسباع، أو آلة للهرب كما للوحش والطير، أمّا الوحوش فقوائمها، وأمّا الطيور فأجنحتها، ثم هذه الآلة اقتضت خفّة الجثة، إذ لو كانت الجثة كبيرة تستدعي جناحا كثيرا لم يجعل معها سرعة الطيران، بل كان يكون طيرانا بطيئا لا يزيد على سرعة المشي، فلا يحصل الغرض المطلوب. ومن العجائب طيران الطير في الهواء ولا يسقط مع أنه أثقل من الهواء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى اَلطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ اَلسَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اَللّهُ﴾ (١)، فنوع الطير فقد آلات كثيرة وجدت في غير هذا النوع كالأسنان والأذان والكرش والمثانة وخرزات الظهر والجلد الثخين والصوف والشعر، فإن الطير نسبة (٢) قدّامه إلى أسفله كنسبة يمينه إلى يساره، فكلّ طائر طويل الرقبة يكون طويل الرجلين، وما قصرت رقبته قصرت رجلاه، ولو قطع ذنبه لمال إلى قدّام كالسفينة التي خفّ كوثلها. قال الجاحظ: (٣) كلّ طائر جيّد الطيران يكون ضعيف الرجلين كالعصفور والزرزور والخطاف، وإذا قطعت رجلاه لا يقدر على الطيران السريع، كالإنسان إذا قطعت يداه لا يقدر على العدو الشديد، وكل حيوان لا أذن له فهو يبيض، وكل طائر يغبّ الماء فهو يزق فراخه. ومن الطيور ما أعطي العجب في لونه كالطاووس والببغاء وأبي براقش، ومنها ما أعطي في خلقته كالحمام، ومنها ما أعطي في حنجرته، ومنها ما أعطي في أعضائه كاللقلق والكركي والنعامة، ومنها ما أعطي في صنعته كالقنبر والخطاف والتدرج (٤) وسيأتي شرح ذلك عند ذكرها إن شاء اللّه تعالى، ونذكر بعض ما يتعلق

стр. 53

بالعجب منه مرتبا على الحروف على الشرط المتقدم. واللّه الموفق. ٤١ - أبو براقش: طائر حسن الصورة، طويل الرقبة والرجلين، أحمر المنقار، في حجم اللقلق، يتلوّن في كل ساعة بلون أحمر وأخضر وأصفر وأزرق، قال الشاعر: كأبي براقش كلّ يوم لونه يتقلّب وعلى لون هذا الطائر نسجت ثياب أبي قلمون، ويجلب من الروم، وعجب هذا الطائر في لونه وشكله. واللّه أعلم. ٤٢ - أبو هارون: طائر في حنجرته أصوات مليحة شجيّة، تفوق كلّ مغنّ، وتروق كلّ ناحية، لا يسكت بالليل، بل يصيح إلى الصباح، فيجتمع عليه الطيور لاستماع صوته، وربّما يمر به عاشق فيسمع صوته لا يقدر على العبور بل يقعد ويسمع صوته ويبكي إلى الصباح. ٤٣ - إوزّ: هو البطّ، يحبّ السباحة، إذا خرج فرخه من البيض يسبح، والأنثى لا تقبل إلاّ بيضة نفسها ولا تقبل إلاّ تسعا أو إحدى عشرة من غير زيادة، فإذا حضنت الأنثى قام الذكر يحرسها لا يفارقها طرفة عين حتى تخرج فراخها يوم التاسع عشر، وإن أبطأت فإلى آخر الشهر، والحصاة التي توجد في بطن الإوزّ تنفع من استطلاق البطن، وكثرة الاختلاط (١) إذا سقيت للمبطون. قال ابن البيطار: (٢) بطيء الانهضام، وهو أيسر زهومة من لحم بطّ الماء وأصلح غذاء، وغذاؤه متوسط بين المحمود والمذموم، وكذلك كيموسه المتولد منه. قال: وغذاؤه جيّد كثير وكيموسه أيضا صالح، ثم ذكر بط الماء في باب الباء فقال: كثير الرطوبة بطيء في المعدة، وجميع أعضاء الإوز والبط عسرة الهضم ما خلا أجنحته. ولحم البط يصفّي اللون والصوت ويسمن، ويزيد في الباه (٣)، ويدفع الرياح، ليّن دسم ثقيل في المعدة، يقوّي الجسم، وكبد البط (٤) المسمّن الذي يعجن غذاؤه باللبن لذيذ جدّا، كثير الغذاء جدّا، يولد محمودا وخلطا جيّدا، وحاله في الانهضام على أصح ما يكون.

стр. 54

ولحم البطّ أحرّ وأغلظ من لحوم الطير الأهلية، وقيل هو في غاية الحرارة، وأكثر فضولا من لحوم الدجاج المسمّنة، وهو زهم سهل، والدم المتولد الكثير السهولة أيسر (١) وأسرع إلى العفونة، ويصلح من لحمه أن يطبخ بالخلّ والأفاويه الطيّبة الملطفة والشّذّاب والكرفس والفوتنج، فإن أكل أسفيدباجا (٢) فليصب عليه ماء أو ماآن لثقل سهوكته، ويلقى معه الحمّص والكراث والدارصيني، وإن شووه فليمسح بالزيت ويجعل في جوفه رؤوس البصل وأسنان من الثوم، وإن نقر فليكن بالخلّ الثقيف بعد أن يسلق ويصبّ ماؤه ويحشى جوفه بالكزبرة والكرفس والسذّاب والفوم والدارصيني، ولتكن عنايتك بإصلاح ما عظم وسهك منها أكثر مما صغر وقلت سهوكته. ولحم البط يضرّ بالمعدة ويلطخها، ولا ينهضم سريعا، والبط الذي يكون في البرية يجتنب، وذلك لأنّ السهوكة غالبة عليه، وشحم البطّ أفضل الشحوم كلها، ودماغ البط جيد لأورام المقعدة، وقانصته كثيرة الغذاء، وإذا انهضم لحم هذا الطير كان أغذى من جميع لحوم الطير، وزبل البط يحلل الخنازير. ٤٤ - باشق: طائر حسن الصورة، أصغر الجوارح جثّة، يصطاد العصافير والفواخت والحمام، والمطلوب منه حسن صورته يتفرّج عليها، فإنّه مطبوع جدّا. قال في كتاب العجائب: (٣) إن دماغه ينفع من الخفقان العارض من السوداء إذا سقي منه نصف درهم بماء بارد. واللّه أعلم. ٤٥ - بلبل: طائر معروف يقال له بالفارسيّة هزاردستان، وهو صغير الجثة سريع الحركة، كثير الألحان، ويسكن، وله شعب، ويوجد في زمان الرمّان والورد، يقولون: إنه يحبّ الورد، فإذا رأى من يقطف الورد يكثر صياحه، ولا يصبر عن الماء البتّة لفرط حرارته،

стр. 55

ينغمس كل ساعة في الماء، والريح تعصف به من صغره (١)، وهو يوم الريح يلازم وكره ولا يخرج. قال الشاعر: (٢) وما كان يوم الريح أول طائر … يروغ كروغ العندليب إلى وكر والبلبل من عجيب خواصه أنه لا يتسافد إلاّ في البساتين. ٤٦ - بوم: طائر معروف لا يبرز بالنهار لضعف نظره، يحبّ الوحدة ويسكن الخراب، ويتشاءم به إذا نزل بأرض أو دار فيتطير منه أهلها، والحيات والأفاعي تهرب من صوته، ويصطاد الخفافيش، ويعادي الغراب، وكذلك البازي الأشهب، وهو بالنهار ذليل ضعيف الباصرة، وإذا كان بالليل لم يقو عليه شيء من الطيور. قال في كتاب العجائب: (٣) إنّ دماغه إذا اكتحل به دفع ظلمة العين، وذكر أنّ عينه تخلط بالمسك وتستصحب فكل من شمّ رائحته يحبّ حاملها، وذكر أيضا أنّ إحدى عينيه منوّمة والأخرى مسهرة، واعتبار ذلك أن يوضعا في ماء؛ فالراسبة منوّمة؛ والطافية مسهرة، فالمسهرة تجعل تحت فصّ خاتم، والمنوّمة تجعل تحت الوسادة. وإذا أطعم قلبه لصاحب القولنج واللقوة أزالهما، وإذا خلطت مرارته برماد خشب البلوط واستفّه من في مثانته حصّى تفتت، وإذا خلطت برماد خشب الطرفاء وأكله صاحب البول في الفراش نفعه، وأمّا كبده فهو سمّ قاتل يورث قولنجا لا دواء له، والعياذ باللّه من ذلك، وذكر أنّ لحمه إذا جفف في الظل وجعل في طعام وأكل منه قوم وقعت الخصومة بينهم، وإذا لطخ بدمه وهو سخن طري وجه الملقو (٤) نفعه، وإذا جفّفت قانصته وسقيت إنسانا أورثته قولنجا صعب الانحلال، وإذا دخّن بعظمه بين ندمان الخمر عربدوا، وذكر أنها تبيض بيضتين إحداهما تنبت الشعر والأخرى تزيله. ٤٧ - حاضنة الأفعى: طائر يوجد في البوادي المختلفة، كلما باضت أكل الأفعى بيضها وتركت بيض نفسها مكانه، وبيض الأفعى شبيه به، فإذا عاد الطائر يحسب أنّ ذلك بيض نفسه فيحضنه، فإذا انفقأت لا ترى الفرخ شبيها بها فتهرب عنه، والأفعى لا تزال تفعل بها ذلك.

стр. 56

٤٨ - حبارى: يضرب به المثل في البلاهة، يقال: كل أنثى ترى ولدها حتى الحبارى (١)، والمعنى أنّ الحبارى مع بلهها أنها إذا رأت بيض طائر آخر تحضنه وتترك بيض نفسها، وإذا وقع ذرق الحبارى على شيء من الطيور كان كالدّبق، تقول العرب: سلاحها سلاحها، وفي جوف الحبارى خزانة لسلاحه إذا احتاج إليه استعمله، ويعادي الطيور كلّها، وعداوته مع الصقر أشدّ، فمتى ألح عليه الصقر رماه بذرقه فيبقى كالمكتوف المقيّد، فعند ذلك تجتمع عليه الحباريات فتنتف ريشه، وفي ذلك هلاك الصقر، وقالوا: الحبارى في سلاحها كالظربان (٢) في فسائها، والحبارى إذا تحسرت ورأت أن ريش صاحبتها ينبت قبل ريشها ماتت كمدا، يقال في المثل: مات فلان كمد الحبارى، قال أبو الأسود الدؤلي: (٣) وزيد ميّت كمد الحبارى … إذا طعنت هنيدة أو تلمّ قال ابن البيطار: (٤) إذا دقّ شحمه مع شيء من الملح وسنبل وحبّب كالحمّص وجفّف في الظلّ ورفع، فإذا شرب منه الذّرب خمس حبّات بماء فاتر على الريق نفعه نفعا عجيبا، وقانصة الحبارى إذا أخذ داخلها وأحرق وسحق ناعما وعجن بماء كزبرة خضراء وطلي به النمش في الوجه والجسد يبرأ، وإذا جفّفت الجلدة التي داخل قانصة الحبارى وسحقت وخلطت بقليل ملح أندراني مسحوق أجزاء سواء واكتحل بها أول ابتداء نزول الماء في العين كان أنجع دواء فيه، وإذا علّق قلب الحبارى في خرقة على من يكثر نومه منع من النوم، وقد يوجد في قانصة الحبارى حجر إذا علّق على من به رعاف أزالته من ساعته؛ ولا يعود ما دام معلقا عليه بخاصية فيه. ومن الناس من يسقي دم الحبارى للربو وعسر النفس، ومنهم من يطبخ لحمه فيعطيه المريض ويسقيه من مرقه، ومن الناس من يقطر على دمه شيئا من الماء ويسقيه العليل، وقد سقاه بعض الأطباء عليلا بشراب (٥)، ولحوم الحبارى والكروان حارّة شديدة التجفيف، فلا ينبغي أن تدمن، وينفع المبرودين ومن تسكنه الرياح، وإذا طبخت بالماء والملح وصبّ فيها دهن اللوز [و] صلحت بعض الصلاح فينبغي أن

стр. 57

يصبّ فيها للمبرودين دهن الجوز والزيت ويطرح معه قطع من الدارصيني والخولنجان (١) فتكون أمراقها حينئذ نافعة مما ذكرناه. ٤٩ - حبرج: قال ابن البيطار: (٢) لحمه حار غليط بطيء الانهضام يولد المرّة السوداء. ٥٠ - حجل: قال ابن البيطار: (٣) لحمه معتدل، جيد الغذاء، سريع الهضم، ودماغه إذا سقي بخمر صرف لصلب اليرقان نفعه بإذن اللّه ، وكبد الحجل إذا ابتلع منه وهو حار مقدار نصف مثقال نفع من الصرع، ومرارة الحجل تنفع من الغشاوة والظلمة الكائنة في العين كحلا، وإذا خلطت بعسل وزيت عذب أجزاء سواء وحجر بها من خارج العين نفع من ابتداء الماء في العين، وإذا استعط الإنسان بمرارة الحجل في كلّ شهر جاد ذهنه وقلّ نسيانه وقوي بصره، وإذا خلطت مرارة الحجل مع لؤلؤ غير مثقوب ومثله مسك بالسواء واكتحل به بعد السحق نفع من البياض والطرفة والغشاء، ودمه إذا جفف وسحق مع زجاج فرعوني (٤) ودار فلفل أجزاء سواء، تنحلّ وتداف بالعسل، ويكتحل به لبياض العين والغشاء والجرب، وبيض الحجل إذا طبخ بخلّ عنصل وأكل نفع من وجع البطن والمغس (٥). ٥١ - حدأة: طائر خسيس تغلبه أكثر الطيور، قيل: إنّه يكون سنة ذكرا وسنة أنثى، والغراب يعاديه ويقهره، وإذا مرض الحدأة أكل من ريشه يبرأ، وإذا رأى شيئا أحمر يحسبه لحما فيسلبه، وقال صاحب الفلاحة: العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة والحدأة عقابا. قال ابن البيطار: (٦) تعاف النفس لحمه فلا يؤكل، وإذا خلط دمه بقليل مسك

стр. 58

وماء ورد وشرب على الريق نفع من الربو وضيق النفس، ومخ الحدأة إذا غلي على كراث وعسل وشربه صاحب الزحير والبواسير نفعه، وإذا أحرق ريشه نعير رأسه وشرب من رماده مقدار ما يحمله الثلاث أصابع بالماء نفع من النقرس (١)، ومرارته إذا جففت في الظلّ ورفعت، فإذا احتيج إليها بلّت بالماء واكتحل بها الملسوع مخالفا إن كانت اللسعة في الشقّ الأيمن اكتحل في العين اليسرى؛ وإن كان في الشقّ الأيسر اكتحل في العين اليمنى ثلاثة أميال في كل عين فإنه يبرأ وحيا إن شاء اللّه، وإذا قلي بيض الحدأة بدهن قليا جيدا؛ ودهن بذلك الدهن موضع الوضح أبرأه وحيا (٢). ٥٢ - حمام: هو الطائر إلى وطنه من البلاد البعيدة، وهو أشدّ الطير ذكاء، ومن ذكائه أنه يعرف علامات برجه في الهواء (٣)، ويكون طيرانه مدوّرا كمن يصعد المنارة، ولا يزال يصعد حتى يرى شيئا من علامات بلده، فإذا رأى ذلك يهبط إليه بأدنى زمان، وفي بعض الأوقات عند صعوده يتغيّم الجو، ويصير الغيم حائلا بينه وبين رؤية بلده، فيقع ببلاد شاسعة أو يصده شيء من الجوارح، ويرى منه في ملاعبته لأنثاه نظير ما يرى بين الرجل والمرأة من القبلة والمعانقة وغيرها. قال المثنى بن زهير: لم أر شيئا من الرجل والمرأة إلاّ رأيت مثله في الحمام، رأيت حمامة أبت إلاّ ذكرها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذكران، ورأيت حمامة تسجد لذكرها إذا أرادته لشهوتها، ورأيت حمامة لا تسجد إلا بعد شدّة الطلب، ورأيت ذكرا له زوجتان يحضن مع هذه وهذه، ورأيت أنثيين اجتمعتا كسحاق النساء. ومن عجائب الحمام أنّ الذكر يحسّ بما أودع رحم الأنثى من البيض فيهتم بنقل ورق القصب والخوص وغيرهما، ويتخذ أفحوصة على قدر بدنهما، ثم يشخصان لتلك الأفحوصة حروفا ليظهر لها مقعّر يبقى البيضة فيه مصونة، فإذا وقعت فإنهما يتعاقبان عليه بالحضن، ويقلبان البيض في الساعات، وأكثر ذلك تفعله الأنثى لأنّ الحضانة بالإناث أليق، فإذا صار فرخا فأكثر الزّقّ على الذكر لأنّ الإنفاق بالذكور أولى. والحمام البرجي إذا مرض أكل الجراد يزول مرضه، والذي يقال له: اليمام يأكل أطراف القصب يزول مرضه ومن عجائب الحمام أن جوازلها (٤) أول نهوضها تفرق بين

стр. 59

النسر والعقاب، فإذا رأى النسر لا يخافه، وإذا رأى الشاهين فقد رأى الموت الأحمر، كما أن الشاة لا تفزع من الجمل والفيل وتفزع من الذئب. قال الجاحظ: (١) الحمام أشدّ طيرانا من جميع الجوارح، فيعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد، والشاة إذا رأت الذئب، والفار إذا رأت السنور. قال ابن البيطار: (٢) لحم الحمام جيّد للكلى، ويزيد في المني والدم، والحمام أخفّ من الفراخ وأقّل إلهابا (٣)، وإذا شقّت وهي أحياء ووضعت حارة على موضع نهشة العقرب نفعت منها نفعا بيّنا، وشحمها إذا طلي به آثار الخدوش أذهبها وأزالها، وإذا أحرق رأس الحمام مسرول بريشه وسحق واكتحل به نفع من الغشاوة وظلمة البصر، والحمام إذا سكن المخدور بقربها، أو كانت في غرفة والمخدور تحتها، أو كانت في بيت وهو فوقها برئ، ومجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والخمود والسبات، وهذه خاصيّة بديعة جعلها اللّه تعالى فيها. ودم الورشان والشفتين [والقبج] والحمام يؤخذ حارا فتكحّل به الجراحات العارضة للعين وكمنه الدم فيها وللغشاء، ودم الحمام خاصة يقطع الرعاف الذي في حجب الدماغ. وأمّا دم الحمام فقد استعمله كثير من [قدماء] الأطباء في الرأس إذا انصدع بأن يصيّره في الشقّ الذي أصاب العظم، وكانوا إذا لم يجدوا دم الحمام استعملوا مكانه دم الورشان أو دم القبج أو دم اليمام أيّها كان حاضرا. قال ابن البيطار: (٤) وأمّا أنا فقد حضرت عدّة ممن شقّ رأسه وقطر فيه بدل هذه الدماء دهن الورد فبرئوا ولم يضرهم ذاك، غير أنّ الدهن ينبغي أن يكون سخنا على نحو سخونة الدم فعلمت بذلك أنّ منفعة ذلك الدم إنما كان لسخونته لا بقوّة نافعة غير السخونة واعتدال مزاجه، وكان بعض الأطباء يقطر من دم الحمام وهو حار في العين التي أصابتها طرفة فاجتمع فيها الدم فيشفيها بذلك، ومنهم من يأخذ ريش فخذ (٥) الحمام الناعم منها الرخصة المملوءة دما فيعصر منها في العين. وزبل الحمام أسخن وأشدّ إحراقا من غيره من الزبول، ويخلط بدقيق الشعير

стр. 60

فينتفع به، وإذا خلط بالخلّ حلّ الخنازير، وإذا خلط بالعسل وبزر الكتان فجّر الورم الصلب وقلع خشكريشة القروح التي تسمّى النار الفارسية، وإذا خلط بالزيت أبرأ حرق النار، وزبل الحمام الجبلية والبرية أشدّ حدّة من زبل الحمام التي تأوي الأبراج والبيوت. قال ابن البيطار (١): وأنا أستعمل زبل الحمام في أمراض كثيرة، وربما خلطت معه بزر الحرف (٢) مدقوقا منخولا، أو مع خردل، واستعملها في الأمراض الباردة التي تحتاج إلى التسخين، ولا سيّما في المزمنة مثل النقرس والشقيقة والدوار وأوجاع الجنبين والكتفين والظهر وأوجاع البطن والكليتين وأوجاع المفاصل، وهذه زبول قليلة النتن، ولا سيّما إذا جفّت، وإذا خلط بدقيق الشعير وضرب بالماء حتى يصير كالحسو وطبخ بالخلّ والعسل وضمد به الدّبيلة (٣) والخنازير والأورام الصلبة جدا حلل وأبرأ، وإذا خلط بدقيق الشعير المضروب بالماء مع شيء من القطران وسحق حتى يصير كالمرهم ووضع على البرص في خرقة كتّان وترك ثلاثة أيام ثم نزع وجدد غيره نفع منه، ويفعل ذلك حتى يبرأ، وإذا طبخ زبل الحمام بالماء وجلس فيه من به عسر البول نفع منه جدا، وينفع من السعفة (٤) طلاء، وإذا لطخ بالخلّ على موضع الاستسقاء نفعه، وكذلك إن سقي بالسكنجبين، وإذا طلي مع بزر الكتان مدقوقا معجونا بالخل على الخنازير حلّلها. وزبل الحمام الأحمر، إذا شرب منه وزن درهمين مع ثلاثة دراهم دارصيني نفع من الحصاة، وإذا أحرق في خرقة كتان حتى يصير رمادا وخلط بزيت وطلي على حرق النار كان نافعا، وإذا علف الحمام بزر الكتّان ويقتمح من ذرقها راحة أو راحتين أياما فإنه يفتت الحصاة ويبول. ٥٣ - حواصل: هو الكي: وهو صنفان أبيض وأسود فالأسود كريه الرائحة لا يكاد يستعمل،

стр. 61

و [الأبيض] أجود وأثرى وأقوى وأطيب رائحة، وحرارته قليلة، ورطوبته كثيرة (١)، وليانته يصلح للسبّاق وذوي الأمزاج الحارة، ومن يغلب عليه الصفراء، وهو قليل البقاء. ٥٤ - خطّاف: \ ٣٥ \ لا يزال ينتقل من الصرود إلى الجروم، ويتبع الربيع حيث كان، فإذا عرف استقبال الصيف وطيب الهواء يأخذ فراخه ويمشي إلى الوكر الذي تركه في البلد الآخر، فلا يبقى منها واحد إلاّ رجع إلى وكره القديم، ويتخذ وكره من الطين المخلوط بالشعر ليبقى بعضه على بعض كطين الحكمة (٢)، وإنما تفعل ذلك لأنّها تتخذ وكرها تحت السقوف في المواضع المسكونة، فتعمل بيتا ملصقا لحائط أملس، ومن العجب أنها تعمل بعضه وتتركه حتّى ييبس ثم تعمل الباقي، فلو كمّلته في يوم واحد لسقط، وإذا أرادت ذلك عاونها الخطاطيف، فإذا فرغت فإنّها تأتي بالماء في فمها وتسوي باطن وكرها وتزيل عنه الخشونة وتملّسه، وتضع السذّاب في وكرها لتدفع الحيّات والذباب والبعوض. ومن المشهور أنّ عشّ الخطاف إذا حلّ في الماء وشربته ذات الطلق وضعت بسهولة، قال ابن البيطار (٣): إذا أخذ فرخه في زيادة القمر أول ما يفرخ ويشق فإنه يوجد في جوفه حصاتان إحداهما ذات لون واحد والأخرى مختلفة الألوان فيشدهما في جلد من جلد الإبل ويعجل ذلك قبل أن يصيبهما تراب أو يقعا على الأرض وربطا على عضد أو رقبة من به صرع فإنه يبرأ من ذلك برأ تامّا، وإذا أكلت كما يؤكل الطير المسمّى سوقليدس أحدت البصر، وإذا أحرقت الأم مع فراخها في قدر وأخذ رمادها وخلط بعسل واكتحل به أحدّ البصر، وإذا تحنّك برمادها نفع الخنّاق وورم اللهاة، وإذا ملّحت وجففت وشرب منها مقدار درهمين بماء نفع من الخنّاق، وعين الخطاف إذا سحق بدهن زنبق ومسحت به سرّة المرأة عند النفاس نفعها، وقيل: إن دماغه بعسل نافع من ابتداء نزول الماء في العين كحلا، وإن أخذ رأسا خطافين ذكر وأنثى وأحرقا

стр. 62

بالنار وطرح ذلك الرماد في شراب لم يسكر (١) شاربه، وإن سقيت امرأة من دمه وهي لا تعلم سكن عنها شهوة الجماع والشبق، ومرارته يسعط منها للشيب في الرأس واللحية فيسوّده ويسوّد الأسنان، فمن استعط به فليملأ فمه لبنا حليبا ثم يسعط، وخرء الخطاف مخلوطا بمرارة البقر يطلى به الشعر الأسود فيبيضه في غير حينه، وزبل الخطاف عجيب في إزالة البياض من العين، مجرّب. ٥٥ - خفاش: طائر مشهور، ضوء بصره ضعيف، يسيره شعاع الشمس، لا يخرج إلاّ بين الظلام والضياء كما بين العشائين وما بين الفجر إلى الأسفار، صورته تشبه الفار ولكنه يطير بجناح، كأنه جليدة عريضة، قالوا: إنّ بني إسرائيل اخترعوا على عيسى ﷺ خلق الخفاش لمّا ادّعى النبوّة، لأنه أتم الطير خلقة لأنّ له أذنا ولسانا وثديا، وهو يلد ويرضع، وإليه الإشارة بقوله تعالى عن عيسى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ (٢)، وهو يصيد الذباب والبقّ وأشباهها، وربّما تأخذ ولدها عند الطيران فتطير وهي ترضعه، وتأكل الرّمانة وهي على الشجرة فتتركها قشرا مجوّفا، وإذا ترك في مكانه ورق الدلب هرب منه، قالوا: وإذا علق الخفاش في شجر قرية جاوز الجراد تلك القرية. قال ابن البيطار (٣): هو الوطواط، سمّي خفّاشا لصغر عينيه وامتناع بصره في النهار ورؤيته في الليل، وإذا ذبح وطلي بدمه عانات الصبيان قبل البلوغ منع من نبات الشعر فيها، وإذا طبخ في دهن سمسم ودهن به عرق النّسا نفعه لا سيّما إن توالى عليه، وإذا طبخ وشرب مرقه أسهل ونفع من وجع الورك، ورماده يحد البصر، ويطبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق وتغمره مرارا حتّى يتهرأ، ويصفّى ذلك الدهن فيدّهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش والتورّم في الجسد والربو فينفعه ويبرأ، وإن مسح بمرارته فرج المرأة التي عسر ولادها ولدت لوقتها، مجرب، وإن مسح بدماغه أسفل القدم هيّج الباه، وإن طبخ الخفاش بالماء حتى يتهرأ ومسح به الإحليل أدرّ البول، وإن صبّ من ماء الخفاش في أبزن (٤) وقعد فيه صاحب الفالج انحلّ ما به، ودماغه إن أحرق وسحق واكتحل به للبياض في العين أبرأه، وزبله إذا طلي به على القوابي نفعها، ودماغه مع ماء البصل ينفع الماء النازل في العين إذا اكتحل

стр. 63

به، وإذا جعل رأسه تحت وسادة إنسان ونام عليها من غير أن يعلم سهر وشرد نومه، وكذلك يفعل قلبه، وإن دفن رأسه في برج حمام ألفته ولم تزل، وإن جعل على جحر الفار هربن من ذلك المكان، واللّه أعلم. ٥٦ - دجاج: أعجب شيء فيها أنّ الدجاجة إذا تشبهت بالديكة في الصياح والمهارجة ينبت لها شوكة كشوكة الديك، وربّما باضت بلا ركوب الديك من كثرة تقلبها في التراب أو من ريح الجنوب، ولا يحصل من هذا البيض فرخ ولا يطيب طعمه، وإذا حصل في ظهرها بيض كثير من هذا السبب ثم ركبها الديك ولو مرّة واحدة فإنّ جميعها تصلح، وإذا حضنت الدجاجة وسمعت صوت الرعد فسد جميع البيض تحتها، وعند هبوب الرياح يكون فسادها أقوى والدجاجة إذا هرمت لا يكون لبيضها مح، فلا يحصل الفرخ لأنّ الفرخ يتولد من البياض والمحّ غذاؤه، والدجاجة إذا سمنت لا تبيض كما ترى سمان النساء لا يحبلن. وقال ابن البيطار (١): مرق الدجاج المطبوخ أسفيدباجا له قوة تصلح المزاج، ومرقة الديوك العتيقة تطلق البطن، ومن يعالج بذلك يطبخ الديوك بالماء طبخا كثيرا، مجرب، وأدمغة الدجاج تشرب بشراب فتنفع من نهش الهوام الخبيثة، ويقطع نزف الدم العارض من حجب الدماغ، والدجاج يشقّ ويوضع سخنا على نهش الهوام فينفع منه، وينبغي أن يبدّل في كل وقت، والديك إذا أحرق وأخذ الحجاب الذي في باطن حوصلته وهو الذي يطرح عند الطبخ، وقد جفّ وسحق وشرب بشراب وافق من معدته وجعة، ومرق الفراريج السادجة يعدّل الأبدان السقيمة ومن معدته ملتهبة، ومرق الديوك العتيقة تصلح لإسهال البطن، وينبغي أن يخرج أجوافها ويصير مكانها ملح وتخاط بطرفها وتطبخ بعشر قوطليّات (٢) ماء حتى يبقى ثلاث قوطوليات وينجّم (٣) ويشرب. ومن الناس من يطبخ معها كرنبا بحرّيا أو قرطما أو بسفايجا (٤) فيسهل كيموسا لزجا غليظا أسود، ويوافق الحمّيات المزمنة ذات الأدوار والارتعاش والربو ووجع

стр. 64

المفاصل ونفخ المعدة والترهل الفاسد والقولنج، ولحم الدجاج الفتي يزيد في المني والعقل والدماغ والصوت، وهو جيد الغذاء، والغير سمين من الدجاج الأهلي أشدّ ترطيبا للبدن من سائر الطيور الوحشية، وهو لحم يلائم البدن المعتدل الذي لا يكد [كدا شديدا] ويحسّن اللون، وخاصة أدمغة الدجاج الأهلية فإنه يغذو الدماغ غذاء كثيرا، ويصلح حال من خفّ عقله، وليس يحتاج كثير إصلاح إلا إذا أدمن، والمزاج البارد فإنه يعتريه منه القولنج، ولا سيّما إن أكل بالحصرم. ويؤخذ شحم الدجاج المسمّن فيسحق في هاون رصاص بخل خمر حتّى يثخن، ويكون الخلّ قليلا حتى لا يلذع المقعدة، فيبرئ الأرواح والبواسير، وإن [كان] دهن ورد عوض الخلّ كان أوفق ويبرئ سريعا، ولا ينبغي أن يجمع بين لحم الدجاج والماست (١) فإنه يخشى منه القولنج الشديد، وأكله أيضا مع الجبن يعسر خروجه، وإذا طبخ الدجاج السمين بالثريد حتى ينضج ويأكله العليل إن قدر بأسرها نفع من السعال اليابس الذي لا نفث معه، وهو برؤه، وإن سمنت دجاجة بلحم القرطم اثني عشر يوما وأخذ شحمها وفتّر ودهنت به أطراف من به الجذام نفعه نفعا بليغا، وإذا فتّر شحم الدجاح وطلي به رأس من به المالنخوليا السوداوية نفعه نفعا عجيبا، لا سيّما إذا توالى عليه ثلاث مرات، وإذا شربت أمراق الدجاج الشحمة وتوالى أكلها من هو مصفرّ اللون بما لا يعرف سببه سبعة أيام في كلّ يوم دجاجة [بخبز] حوّارى (٢) نفعه ذلك نفعا بليغا. وزبل الدجاج يستعمل في الخنّاق العارض من أكل الفطر القتّال مسحوقا معجونا بخلّ وماء فينفع ويقيّي أخلاطا بلغميه، ويسقى لأصحاب القولنج الذين طال بهم الوجع بالشراب، فإن غرّ به الشراب سقاهم إياه بخلّ ممزوج، وزبول الدجاج المعتلفة بالنخالة في البيوت أضعف من زبول الدجاج المسمّنة التي تلقط لنفسها، وإذا سحق زبل الديك بخلّ ووضع على عضّة الكلب الكلب نفعه. ٥٧ - دراج: طائر مبارك محدّب الظهر، كثير التوالد، صوته على وزن قولك: بالشكر تدوم النعم، وهو مبشر بالربيع، وتطيب نفسه من الهواء الصافي ويسمن، ويسوء حاله بهبوب الجنوب، وتحسن بهبوب الشمال. قال الجاحظ (٣): الدراج من الطيور التي لا تتسافد في البيوت البتّة، وإنما تتسافد

стр. 65

في البساتين والرياض، وحكى أبو طالب التنوخي أنّ بعض الناس أرسل بازيا إلى دراج، فألقى الدراج نفسه في شوك كان هناك، وأخذ من الشوك أصلين كبيرين، واستلقى على قفاه ورفع رجليه، فاستتر بذلك عن البازي فعجز عنه. قال في العجائب (١): إن الشيخ الرئيس ابن سينا ذكر أنّ لحمه يزيد في الدماغ والفهم في مادة النطفة. واللّه أعلم. ٥٨ - ديك: هو أكثر الطيور شهوة وعجبا بنفسه، وهو مبشر بطلوع الفجر، ومن عجائب الديك معرفته بساعات الليل ومقادير الأوقات، وتقسيمه أصواته على قدر ذلك، فإن الليل إذا كان خمس عشرة ساعة يقسط أصواته عليها، كما يقسط أصواته عليه إذا كان تسع ساعات، ويصنع كذلك فيما بينهما على حسب كل وقت بواسطة أيامه ولياليه بإلهام من اللّه تعالى اسمه (٢). روي عن النبي ﷺ : «أن اللّه تعالى خلق ديكا تحت العرش له جناحان لو نشرهما جاوز المشرق والمغرب، فإذا كان آخر الليل نشر جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتسبيح يقول: سبحان الملك القدّوس، فإذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض كلها مجيبة له، وفعلت مثله». قالوا: الديك المؤذن هو صاحب اللحية الحمراء والتاج ذي الشرفات الغيور السخيّ الكثير المراعاة لدجاجه، زعموا أنّه من أيقظه الديك فقام من منامه خفّ عنه ثقل النوم، والديك الأبيض يهرب منه الأسد، والمهارش خير من غيره وعلامته حمرة العرف وغلظ الرقبة وضيق العين وسوادها وحدة المخالب ورفعة الصوت، والديك يؤثر الدجاج على نفسه، يأخذ الحب بمنقاره ويرميه إلى الدجاج، قالوا: إنّما يفعل ذلك أيام شبابه وغلبة شهوته، فإذا هرم لا يفعل ذلك، والديك يدفع عن الدجاج ويقاتل عنها إذا قصدها عدوّ يجمعها في موضع حريز ويقف على بابه يحرسها. فائدة: يزعم العرب أنّ الديك يبيض في كلّ سنة، وقيل في عمره كلّه بيضة واحدة تسمّى بيضة العقر، وهي صغيرة جدا، وأنشد بشار الأعمى (٣): قد زرتنا مرّة في الدّهر واحدة … ثنّي ولا تجعليها بيضة الدّيك

стр. 66

وزعموا أنّ الشيطان لا يدخل بيتا فيه ديك أبيض أفرق، ولهذا قيل: إنّ أيّ رجل ذبحه أصيب في ماله وأهله. قال في كتاب العجائب (١): إذا جفّف عرفه وسقي لمن يبول في الفراش أذهب ذلك عنه، وعرف الأبيض والأحمر يجفف ويبخّر به المجنون ينفعه نفعا بيّنا، ومرارته تنفع بياض العين والغشاوة وتجلو البصر كحلا، وذكر بعض الحكماء أنّ مرارة الديك تجعل في نافضة ويداوم على الاكتحال بها فإنها تقلع البياض من العين. وذكر بلنياس الحكيم أنّ مرارته تخلق بمرق صائن وتؤكل على الريق فإنها تذكّر المنسي وتذهب النسيان، وإذا شدّ جناحه على صاحب حمّى الرّبع ذهبت، وإذا شدّها الفارس على وسطه لم يتعب من السّوق، والترك تفعل ذلك، وإذا اكتحل بدمه نفع من بياض العين، وإذا وقع بينه وبين ديك آخر مهارشة أو منافرة فسال منه دم فيجعل ذلك في طعام ويطعم أقواما فمن أكل منه منهم وقعت بينهم الخصومة، ويؤخذ دم ديك وعسل ويعرض على النار، فإذا طلي به القضيب قوّى على الباه وزاد في اللّذة، وإذا أخذ من لحمه المجفف مع عفص وسماق بالسويّة، ويتخذ على قدر الحمّص فإنّه إذا سقي منه المبطون حبّة برئ، وقد يوجد في بطن الديك حصاة لونها اسمانجوني (٢) أو لون المها إذا علقت على المجنون برئ، أو على إنسان زادت شهوته. ٥٩ - رخمة: طائر يشبه النسر في خلقه، يختار لبيضه أطراف الجبال الشاهقة ليصعب الوصول إليها، فإذا حان أوان بيضها ذهبت إلى أرض الهند فجاءت بحجر اسمه أبو طافيون، وهو حجر مدور مثل الخرزة إذا حرّكته تقعقع في جوفه حجر آخر، فتجعل ذلك الحجر تحتها فتبيض فيه من غير وجع. والرخم لا يزال يطير من حول العساكر لطمعها في جثث القتلى، وتطير مع الحجاج لطمعها في جيف الموتى، وتتبع أيضا الغنم زمن ولادها لطمعها في المخيض، وهذا يدل على الذكاء، وهي منسوبة إلى الحمق. قال ابن البيطار (٣): يقطر مرارة الرخم بدهن بنفسج في الجانب المخالف للشقيقة

стр. 67

والمخالف لوجع الأذن، ويسعط بها الصبيان أو تقطر في آذانهم لما يكون بهم من الرياح، ويكتحل بها بالماء البارد للبياض في العين، وقيل: إن زبله يسقط الجنين بخورا، ويخلط بزيت ويقطر في الأذن الثقيلة السمع والتي بها طرش، وإذا جفّفت مرارته في إناء زجاج في الظلّ ويكتحل بها في جانب لسعة الأفعى - ولم أجربه وذكر بعضهم أنه جرّب ذلك لسمّ العقرب والحيّة والزنبور فنفع - وأحسبه لطوخا، ولحم الرخم إذا خلط بخردل وجفّف وبخّر به المعقود عن النساء سبع مرات أطلقه ذلك، وإذا أخذت ريشة من جناحها الأيمن ووضعت بين رجلي المطلقة سهل ولادها، وإذا بخّر بريشها البيت طرد الهوام الدّنانية (١)، وإذا ديف زبلها بخل خمر وطلي به البرص غيّر لونه، وإذا شوي كبدها وسحق وديف بخلّ وسقي من به جنون كل يوم ثلاث مرات متوالية برئ، والجلد الأصفر الذي على قانصة الرخمة إن جفف وسحق وشرب بطلا نفع من كل سمّ، وإن علّق رأسها على المرأة سهل ولادها. ٦٠ - زاغ: هو الأسود الكبير، يقال له: الغداف، قالوا: إنّه يعيش أكثر من ألف سنة، وبينه وبين البوم معاداة، وهو يختطف بيض البوم نهارا، والبوم يختطف بيضه ليلا، والبوم ذليل بالنهار، ولكن بالليل لا يقوى عليه الغداف. قال الجاحظ (٢): جميع أصناف الطير تطرد فرخها إذا كبر ولا تعرفه إلاّ الغداف فإنه لا يزال يتفقّد حاله، قالوا: وإذا أحرق الغداف وسحق وطلي به موضع من الجسد ينبت فيه الشعر. قال في كتاب العجائب (٣): عين الغداف والبوم إذا دخّن بهما بين اثنين وقعت العداوة بينهما بحيث لا يقبل العلاج، وإذا جفف قلبه وديف بالماء وسقي إنسان وسافر في الصيف لم يعطش، لأنه لم يشرب الماء في تموز، وقيل: إن حمل قلبه فعل ذلك، وإن خلطت مرارته مع مرارة الديك بالعسل واكتحل بها أذهبت ظلمة العين ولا ترجع أبدا، وتسود الشعر إذا طلي بها سوادا عجيبا، وإذا سحق لحمه وحوصلته بعد الجفاف ويخلطان بعسل ويسقى منه من به بهق ثلاثة أيام ثلاثة قراريط أزاله، وإذا كان يرى بين عينيه شبه الذباب يطير وهو منذر بنزول الماء فشرب منه كما تقدم أزاله.

стр. 68

قال بلنياس الحكيم: إذا خلط [إنسان] شحم الغداف بدهن الورد وطلى جبهته ودخل على أي سلطان أراد؛ قضى حاجته، وإذا جفف دمه وذرّ على البواسير نفعها، وإذا طلي البواسير ببيضه أزالها، وإن أكل من بيضه إنسان يشرب أبغض الخمر ولم يعد إليه، وإذا طلي بذرقه على موضع الطحال نفعه نفعا بيّنا، ويضمد به حلق من به شرقه. فائدة: ذكر أبو سعيد السيرافي (١) قال: حكى لي بعض الكتّاب قال: دخلت على القاضي يحيى بن أكثم (٢) فإذا على جانبه طائر في قمطر على شكل الزاغ ورأسه كرأس الإنسان، وعلى ظهره وصدره سلعتان، فقلت: ما هذا أصلح اللّه القاضي؟ فقال: سله، فقلت: ما أنت؟ فنهض وأنشد بلسان فصيح: أنا الزاغ أبو عجوه … أنا ابن الليث واللّبوه أحبّ الرّاح والرّيحا … ن والنّسوة والقهوه ولي أشياء تستطر … ف يوم العرض والدّعوه فمنها سلعة في الظّه … ر لا تسترها الفروه وأمّا السلعة الأخرى … فلو كان لها عروه لما شكّ جميع النّا … س فيها أنّها ركوه ثم صاح وقال: زاغ زاغ، وانطرح في القمطر، فقلت: أصلحك اللّه أو عاشق هو؟ قال: هو ما ترى لا علم لي به، إلا أنه حمل إلى أمير المؤمنين كتاب مختوم فيه ذكر حاله. ٦١ - زرزور: طائر يتبع الربيع، وينتقل إلى بلاد العراق من الهند، ويصنع منه شيء كثير في البحر، والأمواج تذهب بها إلى السواحل فتجمعها وتحرقها مكان الحطب (٣). قال أبقراط: يؤخذ من فراخ الزرزور ويطلى بالزعفران ويترك في الوكر، فإذا رجعت الأم حسبت أن به يرقانا، فتذهب فتأتي بحجر أصفر اللون تعالجه به، فتؤخذ وتحك وتسقى

стр. 69

صاحب اليرقان فإنّه يبرأ، وأكل لحمه يزيد في ضوء البصر، وإذا جفّف لحمه وسحق واستفّ منه صاحب الخنّاق على الريق انفتح في الحال، ورماده يذر على الجراحات فينفعها نفعا بيّنا. قال ابن سينا: ذرق الزرزور المعتلف بالأرز (١) نافع للقوابي. واللّه أعلم. ٦٢ - زمج: مرارته تجعل في الأكحال فتنفع من غشاوة العين وظلمة البصر، ذكروا أنه مجرّب عظيم جدا، قال ابن البيطار (٢): هو طائر يصيد، ينفع إدمان أكل لحمه من ضعف القلب وخفقانه، ومرارته إذا صيّرت في الأكحال نفعت من الغشاوة وظلمة البصر، وزبله يزيل الكلف والنمش طلاء. ٦٣ - سمّاني: يقال له: السلوى، وهو الطير الذي أنزله اللّه على بني إسرائيل في ألتيه (٣)، ومن عجيب شأنه أنه سكّيت طول الشتاء، فإذا أقبل الربيع يصيح آخر الليل عند انبلاج الصبح، قيل: إنه يغتذي بالبيش (٤) وهو سم قاتل ولا يضره. ٦٤ - شفنين: قال الجاحظ (٥): من عجائبه أنه لا يزاوج إلاّ أنثاه، فإن هلكت لا يزاوج أبدا وكذلك الأنثى، وشحمه يذاب بالسيرج ويقطر في الأذن يزيل طرشها، وكذلك يزيل الرمد وجراحات العين والغشاوة اكتحالا، وإذا سحق ذرقه وديف بدهن ورد واحتملته المرأة بصوفة نفع من أوجاع الرحم. ٦٥ - شقرّاق: طائر أخضر اللون أحمر المنقار وقد يكون أصفر، عدوّ النحل، يأكل منها ويقتل ما لا يأكل، ذكر في كتاب الحيل أنه إذا كان الذهب ناقص العيار يذاب ويفرّغ في مرارة الشقرّاق فإنه يحسن ويطيب ويزيد عياره.

стр. 70

٦٦ - صافر: طائر لا ينام شيئا من الليل أصلا، فإذا أظلم الليل يتدلّى من شجرة ويقبض على شيء من أغصانها برجليه منكسا، ولا يزال يصيح حتى يبدو الصباح، قالوا: إنه يخاف من وقوع السماء عليه. واللّه أعلم. ٦٧ - طاووس: أحسن الطير جمالا وحسنا، وأزوقها لونا، وللّه في خلقه حكمة عجيبة في اختلاف ألوانه واتساق تلوناته، وله في وسط كل ريشة دائرة من الذهب مختلطة بالزرقة والخضرة وغيرها من الألوان الملائمة بعضها بعضا، فإن الذهب إذا جعلته على البياض والحمرة والصفرة لا يحسن مثل حسنه على الزرقة والخضرة والكحلية، فانظر إلى قدرة الصانع كيف خلق في بيضة تلك النقوش العجيبة والألوان المختلفة، ثم إن الذهب إنما تولد في الرمل ولا يصلح للتزويق إلا بعد أن يعمل فيه صنّاع كثيرون مختلفوا الصناعات والأعمال، فخلق اللّه في تلك البيضة خاصيّة تبيّن منها لون الذهب، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع قدرته ﴿صِبْغَةَ اَللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّهِ صِبْغَةً﴾ (١)، قالوا: عمر الطاووس خمس وعشرون سنة، وفي هذه المدة يتلون بألوان كثيرة، وفي كل خريف يلقي ريشه، وإذا بدأ الشجر يكتسي بورقه فالطاووس يكتسي بريشه. قال الشيخ الرئيس ابن سينا: إذا كان الطاووس في مكان لم يقربه شيء من الهوام. قال ابن البيطار (٢): طائر معروف يطير بعد ثلاث سنين، وفيها يكمل ريشه، ويفرخ مرّة في العام، إذا طبخ لحمه وشحمه أسفيدباجا وتحسّى مرقه من به ذات الجنب نفعه، وإذا ديف لحمه مع ماء وسذّاب وعسل نفع أوجاع المعدة، ولحمه وشحمه يزيد في الجماع، ومرارته إن خلطت بخلّ ثقيف نفعت من نهش الهوام. ولحوم الطواويس رديئة المزاج، وأجودها الحديثة السنّ، حارّة تصلح للمعدة الحارّة الجيّدة الهضم، ويحبّ أن يترك بعد ذبحه يومين أو ثلاثة، ويشدّ في أرجلها الحجارة وتعلق وتنقل وتطبخ بالخلّ، والطاووس إذا رأى طعاما فيه السمّ يرقص ويصيح، ونظره إلى السمّ يكسر سورة السمّ، وإن سقي المبطون من مرارته بالسكنجبين والماء الحار أبرأه، وإن خلط دمه بالأنزروت (٣) والملح وطلي على

стр. 71

الفروج الرديئة الرطبة التي يخاف منها الآكلة أبرأها، وإن طلي الثآليل بزبلها قلعها، وإن سحقت بعد الحريق عظامه وطلي بها الكلف أبرأه، وإن دلك منها على البرص غيّر لونه. ٦٨ - طرغلوديس: قال الرازي في كتاب الكافي: هو عصفور صغير متوسط بين لون الرماد والصفرة، وفي جناحيه ريش ذهبني، ومنقاره دقيق، وفي ذنبه نقط بيض، له حركات متواترة، وهو دائم الصفير قليل الطيران، له خاصيّة عجيبة في تفتيت الحصى المتكون في المثانة، ومنع ما لم يتكون، ويسمّى بالإفرنجيّة صغراغون (١). ٦٩ - طيهوج: طائر معروف، لحمه يسمن، ويزيد في الباه، قال ابن البيطار (٢): هو طائر يعرف في الأندلس بالضريس شبيه بالحجل الصغير، غير أنّ عنقه أحمر، ورجلاه ومنقاره أحمران [وما تحت جناحيه أسود وأبيض] وهو خفيف مثل الدرّاج (٣) ينفع من إسهال البطن إذا جعل مصوصا بخلّ، وهو ينفع الناقهين، ولا يصلح لمن يعالج الأثقال، ولا ينبغي أن يدمن عليه الأصحاء خصوصا أصحاب الرياضة، وينبغي أن يطبخ لمثل هؤلاء هريسة ليغلظ غذاؤها. ٧٠ - عصفور: قالوا: الطير ضربان أحدهما بهائم الطير، وهي التي تلقط الحبّ، والثاني سباع الطير، وهي التي تتغذّى باللحم، والعصفور يشبههما جميعا، لأنه يلقط الحبّ ويصطاد الجراد والصرصر، والعصفور لا يتخذ وكرا إلاّ في العمران تحت السقوف خوفا من جوارح الطير، ولا يقيم إلاّ في الدور الآهلة، ولو خلت مدينة من أهلها ذهب العصافير أيضا عنها، ولو عاد أهلها عاد العصافير أيضا، وبين العصفور والحية عداوة، فإذا قصدت الحيّة وكر العصفور لتأكل فراخه، فللعصافير صياح وشقاشق، وكل عصفور يسمع صوتها يأتي إليها ويصيح معها، وربّما وجد العصفور فرصة فيقرض الحية بمنقاره، فإذا جرحها كان سببا لهلاك الحيّة؛ لأنّ النمل والذباب يجتمع على

стр. 72

جراحتها فتهلك الحيّة، والعصفور يعادي الحمار أيضا لأن الحمار إذا نهق فسد بيض العصفور، والعصفور يعترض الحمار بمنقاره ليجتمع عليه البقّ والذباب، وإذا مرض العصفور أكل لحم الحمار فيبرأ. وليس شيء من الحيوانات أكثر سفادا من العصفور فلهذا قالوا: عمره قصير. قال ابن البيطار (١): العصافير الأهلية والجبلية والمرجيّة كلها مجفّفة قليلة الغذاء، والعصافير الأهلية تسخن البدن، وتزيد في الأنعاظ والباه، ولا سيّما أدمغتها وفراخها إذا اتخذت منها عجّة بصفرة البيض والزيت، ولا يوافق المحرورين، ويوافق المبرودين ومن يشتكي الرياح (٢)، ويشرب المحرورون عليها السكنجبين الحامض، والمطجنة منها بالمري أسرع خروجا، والمشوية عسرة الخروج، وربما أورثت عظام العصافير إذا أكلت بنهم وابتعلت (٣) عظامها خدوشا في المريء وفي الأمعاء والمقعدة، فينبغي أن يتّقى من عظامها ويجاد هضمها ومضغها وطبخها لئلا تلصق قطع العظام الحادة الأطراف؛ فيمكن أن يحدث عنها هذا العارض. وأمراق أكثر العصافير تلين البطن إذا طبخت بماء وملح، ولحومها تعقله، ولا سيّما أمراق القنابر ولحومها، فإنّ للحومها قوّة في إمساك البطن ولأمراقها في إطلاقه، وأمّا السودانيات وهي الزرازير فإنها أردى لحما من القنابر وأقلّ غذاء وينبغي [أن] تصلح بالدهن الكثير فإن [في] لحومها حدّة من أكل الجراد والحشرات، وما كان من العصافير سمينا بالطبع فهو أجود غذاء، وينبغي أن يصلح بالدهن الكثير، وهو أسرع نزولا، ولا ينبغي أن يؤكل منها ما لم تجر العادة والتجربة بأكله، فإن فيها عصافير تأكل الهوام السمينة، وأكثر هذه جبليّة، وقلّ ما تكون في المروج، وللحومها روائح وألوان منكرة، والعصافير كلها نافعة من الاسترخاء والفالج واللقوة وأنواع الاستسقاء، وتزيد في قوّة الجماع، وأمّا الزرازير والسماني فإنها تأكل حيوانات سميّة، فربما ضرت بأكلها، ولذلك يجب إمساكها يومين وثلاثة ثم تستعمل، لأنّ اللّه تعالى جعل فيها قوّة على هضم الرديء حتى يكون محمودا، ولحم عصفور الشوك حار يابس قليل الغذاء، وزبل الزرازير إذا علفت الأرز وحده فإنه يجلو الكلف جلاء قويا، وخرء العصافير يجلو وينقي ويذهب بالآثار الحادثة في الوجه، وإذا ديف بلعاب الإنسان وطليت به الثآليل قلعها.

стр. 73

٧١ - عقاب: من صعاب جوارح الطير، يصيد الطير والسباع الصغار كالأرنب والثعلب، ويأكل من كلّ حيوان كبده، لأنّ الكبد ينفعه من أمراضه، قالوا: وفي بعض الأوقات يطول منقاره فلا يقدر على الصيد فيكون سببا لهلاكه. قال صاحب الفلاحة: العقاب والحدأة يتبدلان فيصير العقاب حدأة وعكسه. قال الجاحظ: (١) ولمخالب العقاب خاصيّة في تقطيع الذئب الأطلس، يقدّ ما بين صلاه وكاهله، ولا يزال يتتبع العساكر طمعا في لحوم القتلى، وقال أصحاب القنص: إنّ العقاب لا يراوغ الصيد ولا يعاني ذلك: إلاّ أنه لا يزال على مرقب عال، فإذا رأى شيئا من سباع الطير قد اصطاد شيئا انقضّ إليه، فإذا رأى الطير العقاب لم يكن همّه إلاّ أن ينجو بنفسه ويترك الصّيد له، قالوا: إذا هرمت يربيها فراخها، وإذا أظلم ضوء عينها من الهرم وضعفت قوّتها صعدت إلى الهواء إلى أن تحرق ريشها من الحرارة، ثم تنزل وتغوص في عين ماء مرارا وتخرج منها طريّة وقد ذهب ضعف الهرم منها، وهو طويل العمر بعيد الشأو، وربّما يتغذّى بالعراق ويتعشّى باليمن، ويقول العرب: فلان أحزم من فرخ العقاب، وذلك أنّ العقاب وجوارح الطير تتخذ أوكارها في عروض الجبال، فربّما كان أملس بحيث لو تحرك الفرخ من مجثمه لهوى من رأس الجبل إلى حضيضه، فالفرخ يعرف ذلك مع صغره وقلة تجربته أنّ الصواب في ترك الحركة، ولو وضع فرخ من فراخ الأهليات كالدجاج والحجل والقطافي أوكار الوحشيات لتهافتت في الحال ووقعت عنها فهلكت، وأعجب من هذا أنّ الفرخ لا يطير حتى يستوي قصب ريشه فعند ذلك يشرع في الطيران، فسبحان من ألهم كل حيوان مصالح نفسه ومفاسدها. قال ابن البيطار: (٢) لحمه حارّ يابس إذا أكل بمنزلة لحم البقر، وإذا اكتحل بمرارته نفعت من ابتداء الماء النازل في العين ويحدّ البصر، وإذا بخّر بريشه نفع اختناق الأرحام، وإذا خلط بزبله الكلف وبثور الوجه أذهبه (٣). ٧٢ - عقعق: طائر معروف في نفسه الخيانة، يسرق الأشياء النفيسة كالحلي والجواهر، ويرميها

стр. 74

في موضع آخر، ولا يتخذ الوكر إلاّ تحت شيء مرتفع أو تحت سقف، ويأتي بورق الدّلب ويتركه تحت وكره لئلاّ يقصد الخفاش بيضه وفراخه، وكثيرا ما ينسى بيضه وفراخه وعشّه. قال ابن البيطار: (١) لحمه حارّ يابس رديء الكيموس. ٧٣ - عنقاء: أكبر الطيور جثّة وأعظمها خلقة، تختطف الفيل والجاموس كما تختطف الحدأة الفأرة، وذكروا أنها كانت من قديم الزمان بين الناس، فكانت جناياتها تكثر عليهم إلى أن خطفت يوما عروسا مجليّة، فدعا عليها النبي ﷺ (٢) فذهب بها إلى بعض الجزائر في البحر المحيط تحت خط الاستواء، ولا يصل إليها الناس، وهناك حيوانات كثيرة كالفيل والجاموس والكركدن والببر وسباع الجوارح، والعنقاء تصيد منها لأنها تحت طاعتها، فإذا اصطادت العنقاء شيئا تأكل منه وتترك الباقي للحيوانات التي تحت طاعتها، ولا يصيد إلاّ فيلا أو حوتا عظيما أو تنينا، وإذا فرغ من أكله صعد إلى مكانه ويخلي الباقي بين الحيوان الذي تحت طاعته. وعند طيرانه يسمع من جناحه شبيه هجوم السيل؛ أو صوت الأشجار عند هبوب الرياح العواصف. وذكر أن عمر العنقاء ألف وسبعمئة سنة، ويزاوج إذا أتى عليه خمسمئة سنة، فإذا حان وقت بيضها وجدت لذلك ألما شديدا، فيأتي الذكر بماء البحر في منقاره فيحقنها به فيخرج البيض بسهولة، فيحضن الذكر البيض، والأنثى تصيد، ويفرخ البيض بمئة وخمس وعشرين سنة، فإذا كبر الفرخ فإن كان أنثى فالعنقاء الأنثى تجمع حطبا كثيرا والذكر يحتكّ منقاره على منقار الأنثى حتى يتوقد منه النار ويضرم في ذلك الحطب، والأنثى تدخل تحت النار تحترق، ويبقى الفرخ زوج الذكر، وإن كان الفرخ ذكرا فعل كذلك ويبقى الفرخ زوج الأنثى، وقد ذكرت في العنقاء أقوال كثيرة لكنها لم تكن مسندة إلى من يعتمد عليه، فاقتصرت على هذا القدر. واللّه أعلم. ٧٤ - غراب: هو الطائر المشهور، البعيد الأسفار، الكثير الطواف، أول طير يسرع في الطيران بعد انبلاج الفجر يجتمع تحت الجوز منه عدد كثير، منقاره صلب جدّا، ويجتمع على الحيوانات الكبار كالجمل والفرس والآدمي، ويقصد قلع أعينها، ولا تمتنع بالضرب لشدّة جزعها، وينقر ظهر السلحفاة ويأكلها، والبعير إذا عقر ظهره، وحدث فيه لحم فاسد أرسل إلى الصحراء لتجتمع عليه الغربان وتأكل اللحم الميّت من ظهره، وإذا مات

стр. 75

ذكر الغراب فالأنثى لا تتزوج آخر، وكذلك الأنثى، وإذا أفرخ البيض يكون الفرخ أبيض بلا ريش، فتفزع منه الأم وتتركه، فيرسل اللّه تعالى عليه ذبابا وبقّا كثيرا يأكل الفرخ منه حتى ينبت ريشه ويسودّ. قال مكحول: (١) من دعاء داود ﵇: «يا رازق النّعاب في عشّه». ثم إنّ الفرخ ترجع إليه أمّه فتجده قد أسودّ فتحن عليه، فحينئذ يذهب عنه الذباب والبقّ. قال خلف الأحمر: (٢) رأيت فرخ الغراب فلم أر صورة أقبح منه، ولا أسمج ولا أقذر منه، ولا أنتن، مع عظم رأس وصغر بدن، وطول منقار وقصر جناح، أمرط منتن الريح أنتن من الهدهد. وإذا مرض الغراب يأكل رجيع الإنسان فيبرأ، وبعض الغربان يأتي بألفاظ فصيحة لا يتهيأ مثلها للببغاء، قال في كتاب العجائب: (٣) إنّ عينه وعين البوم إذا دخّن بها بين قوم وقعت بينهم العداوة والبغض العظيم، قال بلنياس الحكيم: إذا جفف قلبه وسحق وسقي [منه] الإنسان لم يعطش في تموز، ومن سقي من مرارته في خمر سكر بالقدح الأول، وإذا علّق طحاله على إنسان هاج به العشق، وإذا طبخ رأس الأبقع منه حتى ينضج ويأكله من به صداع عتيق يسكن وجعه، ودمه إذا خلط بالنورة وسقي إنسان في نبيذ أبغضها ولم يعد إليها، وإذا لفّ ذرقه في قطعة عهن (٤) ودفع إلى صاحب السعال فإذا أخذه بيده انقطع سعاله. ٧٥ - غرنيق: من طيور الماء، قال صاحب المنطق: إنّ الغرانيق من الطيور القواطع، وإذا أحست بتغيير الزمان رجعت إلى بلادها، وعند ذلك تتخذ قائدا وحارسا وتنهض معا، فإذا طارت ترفعت في الهواء جدّا كي لا يتعرض لها شيء من سباع الطير، وإن رأت غيما أو غشيها ليل أو سقطت للطعم أمسكت عن الصياح كي لا يحسّ بها العدوّ، وإن أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه في جناحه لأن الجناح أحمل للصدمة من الرأس، فإنّ الرأس فيه العين التي هي أشرف الأعضاء، والدماغ الذي هو قوام البدن،
следующие страницы →