← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

مازندران والتتر في أثره لا يلتفتون إلى شيء من البلاد، ولا إلى غير ذلك، بل قصدهم إدراك خوارزم شاه، فسار من مازندران إلى مرسى من بحر طبرستان يعرف بالسكون (١)، وله هناك قلعة في البحر، فعبر هو وأصحابه إليها، ووقفت التتار على ساحل البحر وأيسوا من لحاق خوارزم شاه، ولما استقر خوارزم شاه بهذه القلعة توفي فيها. وهو (٢) علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين غرشة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهورًا، واتسع ملكه، فملك من حد العراق إلى تركستان، وملك بلاد غزنة وبعض الهند وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس. وكان عالمًا بالفقه والأصول وغيرهما، وكان صبورًا على التعب وإدمان السير، وسنذكر شيئًا من أخباره عند مقتل ولده جلال الدين. ولما (٣) أيس التتر من إدراك خوارزم شاه عادوا إلى مازندران ففتحوها وقتلوا أهلها، ثم ساروا إلى الري وهمدان ففعلوا كذلك من الفتك والسبي، ثم ملكوا مراغة في صفر سنة ثمان عشرة وستمائة، ثم ساروا إلى خراسان واستولوا عليها، ونازلوا (٤) خوارزم وقاتلهم أهلها مدّةً أشد قتال، ثم فتحوها، وكان لها سد في نهر جيحون ففتحوه وركب الماء خوارزم وغرّقها، وفعلوا في هذه البلاد جميعها من قتل أهلها وسبي ذراريهم وقتل العلماء والصلحاء والزهاد والعباد، وتخريب الجوامع، وتحريق المصاحف ما لم يسمع بمثله في تاريخ قبل الإسلام ولا بعده، فإن واقعة بخت نصر على بني إسرائيل (٥) لا تنسب إلى بعض بعض ما فعله هؤلاء، فإن كل مدينة من المدن التي أخربوها أعظم من القدس بكثير، وكل أمة قتلوهم من المسلمين أعظم من بني إسرائيل الذين قتلهم بخت نصر. ولما فرغ التتر من خراسان عادوا إلى ملكهم فأرسل جيشًا كثيفًا إلى غزنة (٦)، وبها جلال الدين منكبرتي بن علاء الدين محمد خوارزم بن تكش المذكور، مالكًا لها، وقد اجتمع كثير من عسكر أبيه، قيل كانوا ستين ألف فارس، وكان الذي سار إليهم من التتر اثنى عشر ألفًا فاقتتلوا مع جلال الدين قتالًا شديدًا وأنزل الله نصره على المسلمين، وانهزم التتر، وتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف

стр. 9207

شاؤوا. ثم أرسل جنكيز خان سبعين ألفًا من المقاتلة التتر من بعض أولاده، ووصلوا إلى كابل، وتصاف معهم المسلمون، فانهزم التتر ثانيًا وقتل المسلمون منهم وأسروا خلقًا كثيرًا، وكان في عسكر جلال الدين أمير كبير مقدام هو الذي كسر التتر على الحقيقة يقال له بغراق (١) فوقع بينه وبين أمير كبير آخر يقال له ملك خان وهو صاحب هراة وله نسبة إلى خوارزم شاه، فوقعت الفتنة بينهما بسبب المكسب، قتل فيها أخو بغراق، فغضب بغراق، وفارق جلال الدين وسار إلى الهند، وتبعه ثلاثون ألف فارس، ولحقه جلال الدين وترضاه فلم يرجع، فضعف عسكر جلال الدين لذلك، ثم وصل جنكيز خان بنفسه ومعه جيوشه وقد ضعف جلال الدين بما نقص من جيشه بسبب بغراق، فلم يكن له بجنكيز خان قدرة، فترك جلال الدين البلاد وسار إلى الهند، وتبعه جنكز خان فأدركه على نهر السند، ولم يلحق جلال الدين ومن معه أن يعبروا النهر فاضطروا إلى القتال، وقاتلوا قتالًا عظيمًا لم يُسمع بمثله، وصبر الفريقان، ثم تأخر كل منهما عن صاحبه، فعبر جلال الدين ذلك النهر إلى جملة الهند (٢) وعاد جنكيز خان فاستولى على غزنة، وقتل أهلها، ونهب أموالهم. وكان قد سار من التتر فرقة عظيمة إلى جهة القفجاق واقتتلوا معهم فانتصر التتر واستولوا على مدينة القفجاق العظيمة وتسمى السوداق، وكذلك فعلوا بقوم يقال لهم اللكزى بلادهم قرب دَرْبَند شروان، ثم سار التتر إلى الروس وانضم إلى الروس القفجاق، وجرى بينهم وبين التتر قتال عظيم، فانتصر التتر وشردوهم في البلاد. وفي سنة ثماني عشرة وستمائة: قوي (٣) طمع الفرنج المتملكين لدمياط في الديار المصرية وتقدموا عن دمياط إلى جملة مصر ووصلوا إلى المنصورة واشتد القتال بين الفريقين برًا وبحرًا، وكتب السلطان الملك الكامل متواترة إلى أخويه وأهل بيته يستحثهم على إنجادِهِ، فسار الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق إلى أخيه الملك الأشرف وهو بالبلاد الشرقية وطلب منه السير إلى أخيهما الملك الكامل، فجمع الأشرف عساكره واستصحب عسكر حلب، واستصحب الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور

стр. 9208

صاحب حماة، وكان الملك الناصر خائفًا من خاله الكامل لا ينتزع (١) حماة منه ويعطيها للملك المظفر، فَحَلَفَ الملك الأشرف للملك الناصر صاحب حماة أنه لا يمكن أخاه الملك الكامل للتعرض إليه، فسار معه بعسكر حماة، وكذلك سار مع الملك الأشرف الملك الأمجد بهرام شاه (٢) بن فرخشاه والملك المجاهد شيركوه (٣) بعساكرهما، وسارت هذه العساكر كلها إلى الملك الكامل بالديار المصرية، فوجدوه وهو في قتال الفرنج على المنصورة فركب والتقى إخوته ومن في صحبتهم من الملوك وأكرمهم فقويت قلوب المسلمين وضعفت قلوب الفرنج بما شاهدوا من كثرة عساكر الإسلام، فاشتد القتال على الفريقين، ورُسُل الملك الكامل وإخوته تتردّد إلى الفرنج في الصلح، وبذل المسلمون لهم تسليم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتحه السلطان صلاح الدين من الساحل خلا الكرك والشوبك والأمر متردّد بينهم على أن يجيبوا إلى الصلح، وأن يسلّموا دمياط إلى المسلمين، فلم يرض الفرنج بذلك وطلبوا ثلثمائة ألف دينار عوضًا عن تجريد الأسوار التي للقدس، فإن الملك المعظم عيسى خرّبها كما ذكرنا، وقالوا: لا بُدَّ من تسليم الكرك والشوبك (٤)، فبينا هم كذلك إذ عَبَرَ جماعة من المسلمين من النيل، والنيل إذ ذاك في زمن قوته (٥)، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، فركب الماء تلك الأرض وصار حائلًا بين الفرنج وبين دمياط (٦)، فهلكوا جوعًا، وبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله لهم المسلمون ويسلموا دمياط ويعيدوا (٧) مدة الصلح وكان فيهم (نحو) (٨) عشرين ملكًا من الملوك الكبار، فاختلفت الآراء بين يدي السلطان الملك الكامل،

стр. 9209

فبعضهم قال: لا نعطيهم أمانًا ونأخذهم ونتسلم منهم ما بأيديهم من الساحل مثل عكا وصور (١)، ثم اتفقت آراؤهم على إجابتهم إلى الأمان لطول مدة البيكار ولضجر العساكر لأنهم كان لهم ثلاث سنين وشهورًا في القتال، فأجابهم الملك الكامل إلى ذلك. وطلب الفرنج رهينة من الملك الكامل فبعث ابنه الملك الصالح أيوب (٢) وعمره يومئذ خمس عشرة سنة إلى الفرنج، وحضر من الفرنج على ذلك رهينة وهو ملك عكا ونائب البابا (٣) صاحب رومية الكبرى وكندريس صاحب صور وغيرهم من الملوك. وكان ذلك سابع رجب هذه السنة، واستحضر الملك الكامل ملوك الفرنج المذكورين وجلس لهم مجلسًا عظيمًا، ووقفت بين يديه الملوك من إخوته وأهل بيته وسلّمت دمياط إلى المسلمين تاسع عشر رجب هذه السنة، وقد حصنها الفرنج إلى غاية ما يكون، وولاها السلطان الملك الكامل للأمير شجاع الدين جلدك (٤) التقوي أحد مماليك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهنأت الشعراء الملك الكامل بهذا الفتح العظيم، وفي جلوس الملك الكامل ووقوف إخوته المعظم عيسى والأشرف موسى لديه بحضور ملوك الفرنج، والخيالة والرعب يريهم الموت أو حياله، قال راجح الحلّي: (٥) [الطويل] هنيئًا فإن السعد راح مُخلّدا … وقد أنجز الرحمن للنصر مَوْعِدا (٦) حيانا إله الخلق فتحًا بدا لنا … مبينًا وإنعامًا وعزًّا مُؤبّدا تهلل وجه الدهر بعد قُطُوبِهِ … وأصبح وجه الشرك بالظلم أرْبَدا (٧) ولما طغى البحر الخضم بأهله … الطغاة وأضحى بالمراكب مزيدا

стр. 9210

أقام لهذا الدين من سيل عزمه … فكان كما سُلَّ الحسام مجردا (١) فلم ينج إلا كلُّ شِلْوِ مُجَدَّلٍ … ثوى مِنْهُمُ أو مَنْ تَراهُ مقيدا ونادى لسان الموت (٢) في الأرض رافعًا … عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى أن عيسى برغمكُم (٣) … وموسى جميعًا يخدمان (٤) محمدا فبهت الذي كفر، وكان ذلك طرار ذلك الظفر، وأجازه الملك الكامل بكل بيت ألفًا، وكذلك فعل المعظم والأشرف، ثم سار الملك الكامل، ودخل دمياط ومعه إخوته وأهل بيته وكان يومًا مشهودًا ثم توجه إلى القاهرة وأذن للملوك من إخوته وأهل بيته بالرجوع إلى بلادهم، فتوجه الملك الأشرف وانتزع الرقة من محمود بن قطب الدن محمد بن عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر، ولقي بغيه على أخيه، فأنا ذكرنا كيف وثب على أخيه فقتله وأخذ سنجار، ثم أقام الملك الأشرف بالرقة، وورد إليه الملك الناصر صاحب حماة، فأقام عنده مدةً ثم عاد إلى بلده. وفيها: توفي (٥) الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق صاحب آمد وحصن كيفا بالقولنج، وقام في الملك بعده ولده الملك المسعود، وهو الذي انتزع منه الكامل آمد، وكان الملك الصالح المذكور قبيح السيرة، وقد أورد ابن الأثير (٦) وفاته سنة تسع عشرة. وفيها: في جمادى الآخرة خُنق (٧) قتادة بن ادريس العلوي الحسني أمير مكة، وعمره نحو تسعين (٨) سنة، وكانت ولايته قد اتسعت إلى نواحي اليمن وكان حسن السيرة في مبتدأ أمره، ثم أساءها، وجدّد المظالم والمكوس وصورة ما جرى له أنه كان مريضًا، فأرسل عسكرًا مع أخيه ومع ابنه الحسن بن قتادة للاستيلاء على مدينة النبي ﷺ ، وأخْذَها من صاحبها فوثب الحسن بن قتادة في أثناء الطريق على عمه فقتله، وعاد إلى أبيه قتادة بمكة فخنقه، وكان له أخ نائب بقلعة ينبع عن أبيه، فأرسل إليه الحسن فحضر

стр. 9211

إلى مكة فقتله أيضًا، وارتكب الحسن أمرًا عظيمًا، قتل عمّه وأباه وأخاه في أيام يسيرة (١) واستقر في ملك مكة. وكان قتادة يقول الشعر، وطولب أن يحضر إلى أمير الحاج العراقي فامتنع، وعوتب من بغداد فأجاب بأبيات منها (٢): [الطويل] ولي كف ضرغام أصول ببطشها (٣) … واشرى بها بين الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها (٤) … وباطنها للمجتدين ربيع (٥) أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي … خلاصًا لها (٦) إني إذًا لرقيع وما أنا إلا المسك في كل بلْدَةٍ (٧) … أضُوع وأمّا عندكم فأضيع وفيها: توفي (٨) جلال الدين بن الحسن (٩) صاحب الألموت، ومقدم الإسماعيلية وولي بعده ابنه علاء الدين محمد. وفي سنة تسع عشرة: توفي (١٠) ناصر الدين محمود بن الملك القاهر مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن اقسنقر صاحب الموصل الذي كان نصبه بدر الدين لؤلؤ هو صغير، فاستقل بدر الدين لؤلؤ بملك الموصل وسمى لؤلؤ نفسه الملك الرحيم، وكان قد اعتضد بالملك الأشرف بن العادل فدافع عنه ونصره. وقَلَعَ لؤلؤ البيت الأتابكي بالكلية واستمر مالكًا للموصل نيفًا وأربعين سنة سوى ما تقدم له من الاستيلاء والتحكم من أيام أسياده نور الدين وأرسلان شاه وابنه الملك القاهر مسعود.

стр. 9212

وفيها: سار (١) الملك الأشرف إلى خدمة أخيه الملك الكامل، وأقام عنده بمصر متنزهًا إلى أن خَرَجَتْ السنة. وفيها: فوض (٢) الأتابك طغريل الخادم مدبر مملكة حلب إلى الملك الصالح ابن الظاهر بن الناصر صلاح الدين أمر الشُّغر وبكاس، فسار الملك الصالح من حلب واستولى عليها، وأضاف إليه الروج (٣) ومعرة ومصرين. وفيها: قَصَدَ (٤) الملك المعظم عيسى صاحب دمشق حماة لأن الملك الناصر صاحب حماة كان قد التزم له بمال يحمله إليه إذا ملك حماة فلم يف له، فقصد المعظم حماة، ونزل بقيرين، وغلقت أبواب حماة، فجرى بينهم قتال قليل، ثم رحل المعظم إلى سلمية، فاستولى على أموالها وحواصلها وولى عليها من جهته، ثم سار إلى المعرة فاستولى على أموالها، وأقام أميرًا من جهته واليًا عليها، وقرّر أمورها وعاد إلى سلمية فأقام بها حتى خرجت هذه السنة على (قصد) (٥) منازلة (٦) حماة. وفيها: حج (٧) من اليمن الملك المسعود يوسف الملقب أطسز (٨) وهو اسم تركي والعامة تسميه إقسيس. وكان قد استولى على اليمن سنة اثنتي عشرة وستمائة وقبض على سلمان ابن شاهنشاه بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وحجّ في هذه السنة، فلما وقف الملك المسعود هذه السنة بعرفة، وتقدمت أعلام الخليفة الإمام الناصر لترفع على الجبل فتقدم الملك المسعود بعساكره ومنع ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل على أعلام الخليفة، فلم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك ثم عاد الملك المسعود إلى اليمن، وبلغ ذلك الخليفة فعظم عليه وأرسل يشكو إلى الملك الكامل فاعتذر عن ذلك فقبل عذره، وأقام الملك المسعود باليمن مدة يسيرة

стр. 9213

ثم عاد إلى مكة ليستولي عليها (١)، فقابله حسن بن قتادة، فانتصر الملك المسعود، وانهزم ابن قتادة، واستقرت مكة للملك المسعود وولي عليها، وذلك في ربيع الأول سنة سنة عشرين وستمائة (٢). وفي سنة عشرين وستمائة: في أوائلها، كان (٣) الملك الملك الأشرف بديار مصر عند أخيه الكامل وأخوهما المعظم عيسى بسلمية مستول عليها، وعلى المعرّة، عازم على حصار حماة، وبلغ الملك الأشرف ما فعله أخوه الملك المعظم بصاحب حماة، فشق عليه، واتفق مع أخيه الكامل على الإنكار على الملك المعظم وبرحيله، فأرسل إليه الملك الكامل ناصح الدين الفارسي، فوصل إليه وهو بسلمية، وقال له: السلطان يأمرك الرحيل، فقال: السمع والطاعة. وكانت أطماعه قد قويت على الاستيلاء على حماة، فَرحَل مغضبًا على أخويه الكامل والأشرف، ورجعت المعرة وسلمية للناصر. وكان المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه مقيمًا عند الملك الكامل بديار مصر كما تقدم ذكره، وكان الملك الكامل يؤثر أن يملك المظفر حماة، ولكن الأشرف غير محبّب إلى ذلك لانتماء الناصر إليه، وجرى بين الكامل والأشرف في ذلك مراجعات آخرها أنهما اتفقا على أن تنزع سلمية من يد الناصر ويسلمها إلى أخيه المظفر، فتسلّمها المظفر وأرسل إليها وهو بمصر (٤) نائبًا من جهته حسام الدين أبا علي محمد بن علي الهذباني، واستقر بيد الناصر حماة والمعرة وبعرين، ثم سار الملك الأشرف من مصر واستصحب معه خلعة وسناجق سلطانية من أخيه الملك الكامل للملك العزيز صاحب حلب وعمره يومئذ عشر سنين، ووصل الملك الأشرف بذلك إلى حلب، وأركب الملك العزيز في دست السلطنة. وفي هذه السنة: لما وصل (٥) الملك الأشرف بالخلعة المذكورة اتفق مع الأشرف كبراء الدولة الحلبية على تخريب قلعة اللاذقية، فأرسلوا إليها عسكرًا هدموها إلى الأرض.

стр. 9214

وفيها: تَغَلَّبَ غياث الدين تيرشاه أخي (١) جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه محمد بن تكش على الري وأصبهان وهمدان وغير ذلك من عراق العجم، وهي البلاد المعروفة ببلاد الجبال، وكان غياث الدين المذكور قد ملك كرمان وما والاها فلما تغلب على هذه البلاد في هذه السنة خرج عليه خاله إيغان (٢) طائسي وقاتله أشد قتال فانتصر عليه غياث الدين واستقر في بلاده منصورًا. وفيها: كان (٣) أهل مملكة الكرج قد مات ملكهم، ولم يبق من بيت الملك إلا امرأة فملكوها، وطلبوا لها رجلًا يتزوجها ويقوم بالملك، ويكون من أهل بيت المملكة، فلم يجدوا فيهم مَنْ يصلح لذلك، وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغريل شاه بن قليج أرسلان السلجوقي من بيت كبير مشهور، فأرسل يخطب هذه الملكة لولده ليتزوجها، وامتنعوا من إجابته إلا أن يتنصّر، فأمر ولده فتنصر وسار إلى الكرج وتزوج الملكة، وكانت هذه الملكة تهوى مملوكًا لها، ويعلم ابن طغريل شاه بذلك، وتكامن (٤)، فدخل يومًا إلى البيت فوجد المملوك نائمًا معها في الفراش، فلم يصبر المذكور على ذلك، وأنكر عليها، فأخذته زوجته واعتقلته في بعض القلاع، ثم أحضرت رجلين كانا قد وصفا لها بحسن الصورة، فتزوجت أحدهما ثم فارقته، وأحضرت إنسانًا مسلمًا من كنجة (٥) هويته وسألته أن يتنصر لتتزوج به فلم يجب إلى ذلك، فترددت الرسل بينهما فلم يجبها إلى التنصر. وفي هذه السنة: توفي (٦) المستنصر يوسف بن محمد الناصر بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن ملك العرب، وقد تقدم ذكر ولايته سنة عشر وستمائة وكان يوسف المذكور منهمكًا في اللذات، فَدَخَلَ الوَهْنُ على الدولة بسبب ذلك ولم يخلف يوسف المذكور ولدًا، فاجتمع كبراء الدولة، وملكوا عم أبيه لكبر سنه وهو عبد الواحد (٧) بن يوسف بن عبد المؤمن، ولقبوه المستضيء، وكان عبد الواحد

стр. 9215

المذكور قد صار فقيرًا بمراكش، وقاسى الدهر، فلما تولّى اشتغل باللذات والتنعم في المآكل والملابس من غير أن يشرب خمرًا، فخلعوه بعد تسعة أشهر وقتلوه وملكوا ابن أخيه عبد الله ولقبوه العادل وهو عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن. سنة إحدى وعشرين إلى سنة ثلاثين وستمائة في سنة إحدى وعشرين: وصل (١) التتر إلى قرب تبريز (٢)، وأرسلوا إلى صاحبها أزبك بن البهلوان يقولون له: إن كنت في طاعتنا فأرسل من عندك من الخوارزمية، فجمع أزبك الخوارزمية (٣) وأرسلهم إلى التتر مع تقدمة عظيمة، فكفّوا عن بلاده، وعادوا إلى خراسان. وفيها: استولى (٤) غياث الدين تيرشاه بن محمد بن تكش أخو جلال الدين منكبرتي بن محمد على غالب مملكة، فارس، وكان صاحب فارس يقال له الأتابك سعد بن دكلا، وأقام غياث الدين بشيراز وهي (٥) مملكة فارس، ولم يبق مع أتابك سعد من فارس غير الحصون المنيعة، ثم اصطلح الأتابك سعد مع غياث الدين على أن يكون لكل منهما ما بيده. وفي هذه السنة: عصى (٦) المظفر غازي بن العادل على أخيه الأشرف وكان الملك الأشرف قد أنعم على أخيه المظفر غازي بخلاط (٧)، وهي مملكة عظيمة بإقليم أرمينية، وكان قد حصل بين الملك المعظم صاحب دمشق وبين أخويه الملك الكامل والأشرف وحشة بسبب ترحيله عن حماة كما تقدم ذكره، فأرسل المعظم وحسن لأخيه المظفّر غازي صاحب خلاط العصيان على أخيه الملك الأشرف، فأجاب المظفر إلى ذلك، وخالف أخاه الأشرف. وكان قد اتفق مع المعظم عيسى والمظفر غازي، مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين كوجك صاحب أربل. وكان الملك الرحيم

стр. 9216

بدر الدين لؤلؤ منتميًا إلى الأشرف، فسار مظفر الدين صاحب أربل وحصر الموصل عشرة أيام، وكان نزوله على الموصل ثالث عشر جمادى الآخرة من هذه السنة ليشغل الملك الأشرف عن قصد أخيه بخلاط ثم رحل مظفر الدين عن الموصل لحصانتها، ثم يلتفت الملك الأشرف إلى حصار الموصل وسار إلى خلاط، وحاصر بها أخوه (١) المظفر شهاب الدين غازي فسلمت إليه مدينة خلاط، وانحصر أخوه غازي بقلعتها إلى الليل، فنزل إلى أخيه الأشرف واعتذر إليه، فقبل عذره، وعفى عنه، وأمره على ميافارقين، وارتجع باقي البلاد منه، وكان استيلاء الأشرف على خلاط وأخذها من أخيه في جمادى الآخرة من هذه السنة. وفي سنة اثنتين وعشرين: وصل (٢) جلال الدين من الهند إلى بلاده وقد تقدم في سنة تسع عشرة وستمائة هروبه من غزنة لما قصده جنكيز خان، وأنه دخل الهند فلما كان في هذه السنة قدم من الهند إلى كرمان إلى أصفهان واستولى عليها وعلى باقي عراق العجم، ثم سار إلى فارس وانتزعها من أخيه تيرشاه بن محمد وأعادها إلى صاحبها أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس وصار أتابك سعد وتيرشاه أخو جلال الدين منكيرتي بن خوارزم شاه تحت حكم جلال الدين المذكور ثم استولى جلال الدين على خوزستان، وكاتب الخليفة الإمام الناصر، ثم سار حتى وصل إلى بعقوبا (٣) بالقرب من بغداد، وخاف أهل بغداد منه، واستعدوا للحصار ونَهَبَتْ الخوارزمية البلاد، وقوي جلال الدين وعسكره، ثم سار إلى قرب أربل، فصالحه مظفر الدين كوكبوري ودخل في طاعته، ثم سار جلال الدين إلى أذربيجان وكرسي ملكها تبريز، فاستولى على تبريز، وهرب مظفر الدين أزبك ابن البهلوان ابن الدكز صاحب أذربيجان، وكان أزبك المذكور قد قوي أمره لما قتل طغريل آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، واستقل أزبك المذكور في المملكة، وكان أزبك لا يزال مشغولًا بشرب الخمر، وليس له التفات إلى تدبير المملكة، فلما استولى جلال الدين على تبريز هرب أزبك إلى كنجة، وهي من بلاد أران قرب برذعة متاخمة لبلاد الكرج، (و) استقل السلطان جلال الدين بمملكة أذربيجان، وكثرت عساكره، ثم جرى بين جلال الدين وبين الكرج (٤) قتال عظيم من أعظم ما يكون،

стр. 9217

فانهزمت الكرج، وتبعتهم الخوارزمية يقتلونهم كيف شاؤوا، واتفق أنه ثبت على قاضي تبريز وقوع الطلاق على أزبك بن البهلوان من زوجته بنت السلطان طغريل آخر الملوك السلجوقية المقدم الذكر فتزوج (١) جلال الدين بها، وأرسل جيشًا إلى مدينة كنجة ففتحوها، وهرب منها مظفر الدين أزبك بن البهلوان إلى قلعة هناك، ثم هلك وتلاشى أمره. وفي هذه السنة: توفي (٢) الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وليس بيده غير سميساط فقط، وكان موته فجأة، وعمره سبع وخمسون سنة، وكان الملك الأفضل فاضلًا حسن السيرة، وتجمعت فيه الفضائل والأخلاق الحسنة، وكان مع ذلك قليل الحظ، وله الأشعار الحسنة الجيدة، فمنها يعرض إلى سوء حظه قوله: [الكامل] يا من يسود شعره بخضابِهِ … لعساه من أهل الشبيبة يحصل (٣) ها فاختضب بسواد حظي مرَّة … ولك الأمان بأنه لا ينصل ولما أخذت منه دمشق كتب إلى بعض أصحابه كتابًا منه: أما (٤) أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم، وسبب ذلك إن: أي صديق سألت عنه ففي … الذل وتحت الخمول في الوطن وأي ضد سألت حالَتَهُ … سَمِعْتُ ما لا تُحِبُّهُ أُذُني وفي أول شوال من هذه السنة: كانت وفاة (٥) الخليفة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد بن القائم عبد الله [ابن القادر أحمد بن الأمير إسحاق ابن المقتدر جعفر بن المكتفي علي بن المعتضد أحمد بن الأمير الموفق قيل اسمه طلحة وقيل محمد بن المتوكل جعفر ابن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله] (٦) ابن محمد بن علي بن عبد

стр. 9218

الله بن عباس عم النبي ﷺ بن عبد المطلب بن هاشم. وكان عمر النّاصر نحو سبعين سنة، ومدة خلافته سبع وأربعون سنة وعمي في آخر عمره، وكان موته بالدوسنطاريا. وكان (١) قبيح السيرة في رعيته ظالمًا لهم، خُرّب في أيامه العراق وتفرّق أهْلُهُ في البلاد، وكان يتشيّع وكان منصرف الهمة إلى رمي البندق والطيور المناسيب، وتلبيس سراويلات الفتوة، ومنع رمي البندق إلا من ينتسب إليه، فأجابه الناس إلى ذلك إلا إنسانًا واحدًا يقال له ابن السفت وهرب لذلك من بغداد إلى الشام، وقد نُسب إلى الإمام الناصر أنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه محمد بن تكش من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق. خلافة ابنه الظاهر بالله، أبو نصر، محمد خامس ثلاثينهم (٢): ولما بويع الظاهر (٣) بعد موت أبيه، أظهر العدل وأزال المكوس وأخرج المحبسين، وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله لا يظهرون إلا نادرًا، ولم تطل مدته في الخلافة غير تسعة أشهر. وفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة: سار (٤) الملك المعظم عيسى بن العادل صاحب دمشق، ونازل حمص، وكان قد اتفق مع جلال الدين منكبرتي ومع مظفر الدين صاحب إربل أن يكونوا يدًا واحدة، وكان الأشرف بالبلاد الشرقية ثم رَحَلَ المعظم إلى دمشق بسب (كثرة) (٥) ما مات من خيله وخيل عسكرهِ، ووَرَدَ عليه أخوه الأشرف طالبًا للصلح وقطعًا للفتن، فبقي عنده مكرّمًا وهو كالأسير معه في الباطن، وأقام الأشرف عند أخيه إلى أن انقضت هذه السنة. وأما الملك الكامل فإنه كان بمصر وقد تخيّل (٦) من بعض عسكره فما أمْكَنَهُ الخروج منها.

стр. 9219

وفيها: سار (١) جلال الدين المذكور ونازل خلاط وهي منازلته الأولى (٢)، وطال القتال بينهم، وكان نائب الأشرف لخلاط حسام الدين علي الموصلي، وكان نزوله عليها ثالث عشرين ذي القعدة، ورَحَلَ عنها لسبع بقين من ذي الحجة لكثرة الثلوج. وفي رابع عشر رجب من هذه السنة: توفي (٣) الخليفة الظاهر بالله محمد بن الناصر لدين الله، وكان متواضعًا، محسنًا إلى الرعيّة جدًا، وأبطل عدة مظالم، منها: أنه كان بخزانة الخلافة صنجة زائدة يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس، وكان زيادة الصنجة في كل دينار حبّة، فخرج توقيع الظاهر بإبطالها، وأول التوقيع: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ (٤)، وعمل صنجة المخزن مثل صنجة (٥) المسلمين، وكان مضاددًا لأبيه الناصر في سائر أحواله. ومنها إن مدّة خلافة أبيه كانت طويلة ومدته هو كانت قصيرة، وكان أبوه متشيّعًا، وكان الظاهر سنيًّا، وكان أبوه ظالمًا، جماعًا للمال، وكان الظاهر في غاية العدل وبذل الأموال. خلافة المستنصر (٦) بالله أبي جعفر منصور سادس ثلاثينهم: ولما توفي الظاهر، ولي الخلافة بعده ابنه الأكبر المستنصر، وكان للظاهر وَلَدٌ آخر يقال له الخفاجي، في غاية الشجاعة، وبقي حيًا حتى أخذت التتر بغداد وقُتل مع مَنْ قتل، ولما تولّى المستنصر الخلافة سلك (في) (٧) العدل والإحسان مسلك أبيه الظاهر. وفيها: سار (٨) علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم إلى بلاد الملك المسعود الأرتقي صاحب آمد، ونزل كيقباذ بملطية وهي من بلاد كيقباذ، وأرسل عسكرًا، وفتحوا حصن منصور (٩) وحصن الكختا (١٠)، وكانا لصاحب آمد المذكور.

стр. 9220

وفيها: نازل (١) جلال الدين منكبرتي خلاط، وبها حسام الدين علي الحاجب من جهة الأشرف، وهي منازلته الثانية، وجرى بينهم قتال كثير، وأدركه البرد فرحل عنها في السنة المذكورة. وفي سنة أربع وعشرين وستمائة: كان (٢) في أوائلها الملك الكامل بديار مصر وخوارزم شاه جلال الدين منكبرتي مالكًا لأذربيجان وأران وبعض بلاده الكرج (٣)، وهو موافق للملك المعظم على حرب أخويه الكامل والأشرف والرسل لا تنقطع بين جلال الدين والمعظم والملك الأشرف مقيم كالأسير عند أخيه المعظم، ولما رأى الملك الأشرف حاله مع أخيه المعظم، وإنه لا خلاص له منه إلا أن يجيبه إلى ما يريد، أجابه كالمكره، وحَلَفَ له أنه يعاضده ويكون معه على أخيهما الكامل، وأن يكون معه على صاحبي حماة وحمص، فلما حَلَفَ له على ذلك أطْلَقَهُ المعظم، فرحل الملك الأشرف في جمادى الآخرة من هذه السنة وكانت مدة مقامه مع المعظم نحو عشرة أشهر، وفي (٤) اتفاقهما يقول الحسن بن يوسف الطائي: لم يتفق عيسى وموسى آية … إلا ليصبح كل أعمى مبصرا بعثافموس كل فرعون طغ … أردى وعيسى بعد أحيى الورى ولما استقر الملك الأشرف ببلاده رجع عن جميع ما تقرر بينه وبين المعظم وتأول في أيمانه التي حَلَفَها أنه مُكْرَه، ولما رأى الملك الكامل اعتضاد الملك المعظم بجلال الدين خاف من ذلك وكاتب الأنبروز (٥) ملك الفرنج في أن يَقْدِم إلى عكا ليشغل أخاه (٦) المعظم عما هو فيه، ووعد الأمبروز أن يعطيه القدس، فسار الأنبروز إلى عكا وبلغ المعظم ذلك فكتب إلى أخيه الأشرف يستعطفه. وفيها: انتزع (٧) الأتابك طغريل الخادم الشغر وبكاس من الملك الصالح بن الملك الظاهر، وعوّضته عنها بعينتاب (٨) والراوندان (٩).

стр. 9221

وفيها: سار (١) الحاجب حسام الدين علي «نائب الملك الأشرف بخلاط» (٢) بعساكر الأشرف بخلاط إلى بلاد جلال الدين فاستولى على خوى (٣) وسلماس (٤) ونقجوان (٥). وفي هذه السنة: في ذي القعدة، توفي (٦) الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب بقلعة دمشق بالدوسنطاريا وعمره سبع وأربعون سنة. وكان مدة ملكه دمشق تسع سنين وشهورًا وكان شجاعًا، وكان عسكره في غاية التجمل وكان يخطب لأخيه الكامل ببلاده ولا يذكر اسمه معه، وكان الملك المعظم قليل التكلف جدًا، وكان في غالب الأوقات لا يركب بالسناجق السلطانية. وكان يركب وعليه كلوته (٧) صفراء بلا شاش (٨)، ويخترق الأسواق من غير أن يُطرق بين يديه كما جرت عادة الملوك، ولما كثر هذا منه صار الإنسان إذا فعل أمرًا لا يتكلف له يقال: قد فَعَلَ بالمعظمي، وكان عالمًا فاضلًا في الفقه والنحو، وكان شيخه في النحو تاج الدين زيد بن الحسن الكندي (٩)، وفي الفقه جمال الدين الحصيري (١٠).

стр. 9222

وكان حنفيًا متعصبًا لمذهبه، وخالف جميع أهل بيته، فإنهم كانوا شافعية (١)، ومن شعره قوله: ولي همة لولا العوائق لم تَزَلْ … تشرّق في كَسْبِ العلى وتغرب ولكنها الأيام تبدي صروفها … عجائب حتى لستُ منهنَّ أَعْجَبُ وقوله: نزلنا ضميرًا والجياد ضوامر … وقد حان من شمس النهار غروبها ففاضت غروب العين شوقًا إليكُمُ … وليس عجيبًا أن تفيض غروبها وقوله (٢): ومورّد الوَجَنات أغيد خالُهُ … بالحسن من فرط الملاحة عمه كحل العيون وكان في لحظاتها (٣) … كحل فقلت سقى الحسام وسمه ولما (٤) توفي المعظم ترتب في مملكته ولده الناصر صلاح الدين داود، وقام بتدبير مملكته مملوك والده وأستاذ داره عز الدين أيبك المعظمي. وكان لأيبك المذكور صرخد واعمالها. وفي هذه السنة: خُلع (٥) العادل عبد الله بن المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وقد تقدم ذكر ولايته في سنة عشرين وستمائة بعد خلع عمه عبد الواحد، وقَتْلِهِ. وفي أيام العادل المذكور كانت الوقعة بالأندلس بين المسلمين والفرنج على طليطلة فانهزمت (٦) المسلمون هزيمة قبيحة، وهذه الوقعة هي التي هدت دعائم المسلمين بالأندلس. ولما خلع العادل المذكور، حبس ثم خنق، ونهب المصموديون قصره بمراكش، واستباحوا حرمه. ثم ملك بعده يحيى (٧) بن محمد الناصر بن يعقوب بن المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن.

стр. 9223

ويحيى يومئذ لم يخط عذاره. ولما تمت بيعة يحيى وصل الخبر أنه قام بإشبيلية إدريس (١) بن يعقوب المنصور، وهو أخو العادل عبد الله وتلقب إدريس بالمأمون، وجميعهم كانوا يتلقبون بأمير المؤمنين، وتعقد البيعة لهم بالخلافة. ولما استقر أمر إدريس المأمون بإشبيلية ثارت جماعة من أهل مراكش، فهرب يحيى إلى الجبل (٢)، ثم اتصل بعرب المعقلي فغدروا به فقتلوه، وخطب للمأمون إدريس بمراكش واستقر في الخلافة بالبرين برّ الأندلس وبرّ العدوة، ثم خرج على المأمون إدريس بشرق الأندلس المتوكل بن هود، واستولى على الأندلس، وفارق إدريس الأندلس، وسار في البحر إلى مراكش وخرجت الأندلس حينئذ عن ملك بني عبد المؤمن. ولما استقر إدريس بمراكش تتبع الخارجين على من قبله من الخلفاء فقتلهم عن آخرهم. وسفك دماء كثيرة حتى سموه حجاج المغرب لذلك. وكان المأمون إدريس المذكور فصيحًا عالمًا بالأصول والفروع، ناظمًا ناثرًا. أمر بإسقاط اسم مهديهم ابن تومرت من الخطبة على المنابر، وعمل في ذلك رسالة طويلة أفصح فيها بتكذيب مهديهم المذكور ثم ضلاله، ثم ثار على إدريس المذكور أخوه (٣) بسبتة فسار إدريس من مراكش إلى سبتة، وحصره بسبتة، ثم بلغ إدريس وهو محاصر لسبتة أن بعض أولاد (٤) محمد الناصر قد دخل إلى مراكش، فرحل إدريس عن سبتة إلى مراكش، فمات في الطريق بين سبتة ومراكش. ولما مات المأمون إدريس ملك بعده ابنه عبد الواحد (٥) بن المأمون إدريس بن يعقوب المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن وتلقب بالرشيد، ثم توفي الرشيد عبد الواحد غريقًا في صهريج بستان له بحضرة مراكش في سنة أربعين وستمائة. وكان الرشيد حسن السياسة، وكان أبوه المأمون إدريس قد أبطل اسم مهديهم من

стр. 9224

الخطبة، فأعاده عبد الواحد المذكور، وقمع العرب إلا أنه تخلى للذاته لما استقل أمره. ولم يخطب للرشيد عبد الواحد بإفريقية ولا بالغرب الأوسط. ولما مات الرشيد عبد الواحد ملك بعده أخوه علي (١) بن إدريس، وتلقب بالمعتضد أمير المؤمنين. وكان أسمر (٢) اللون، مدحوضًا في حياة والده، ويسجنه في بعض الأوقات، وقدم عليه أخاه الأصغر (٣) عبد الواحد المذكور، واستمر علي بن إدريس حتى قتل وهو محاصر قلعة بقرب تلمسان في صفر سنة ست وأربعين وستمائة. ثم ملك بعد (٤) المعتضد الأسود المذكور، أبو حفص عمر (٥) بن إبراهيم بن يوسف في شهر ربيع الأول من سنة ست وأربعين وستمائة، وتلقب بالمرتضى وفي الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وستين وستمائة دخل الواثق أبو العلاء إدريس المعروف بأبي دبوس مراكش، وهرب المرتضى إلى أزمور (٦) من نواحي مراكش، فقبض عليه عامله بها، وبعث إلى الواثق «أعلمه» (٧) فأمره بقتله في العشر الأخير من ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة. بموضع يقال له كتامة بعيدة من مراكش ثلاثة أيام، وأقام الواثق أبو دبوس ثلاث سنين وقتل في الحروب التي كانت بينه وبين بني مرين ملوك تلمسان، وانقرضت دولة بني عبد المؤمن. وكان قتل الواثق أبي دبوس المذكور في محرّم سنة ثمان وستين وستمائة بموضع بينه وبين مراكش ثلاثة أيام في جهتها الشمالية واستولى بنو مرين على ملكهم. وقد اختلفوا في نسب أبي دبوس، فإنّي (٨) وجدتُ في بعض الكتب المؤلفة في هذا الفن أن أبا دبوس هو ابن إدريس المأمون ثم وجدتُ نسبه في وفيات الأعيان (٩) أنه هو بنفسه إدريس بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن على ما

стр. 9225

سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة خمس وعشرين وستمائة: أرسل (١) الملك الكامل صاحب مصر يطلب من ابن أخيه الناصر داود بن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشوبك. ولم يعطه الناصر ذلك ولا أجابه إليه. فسار الملك الناصر في رمضان هذه السنة ونزل تل العجول بظاهر غزّة. وولى على نابلس والقدس وغيرهما من بلاد ابن أخيه الملك الناصر داود صاحب دمشق. وكان صحبة الملك الكامل الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماة، وهو موعود من الملك الكامل انتزاع بلاد أخيه المعظم من ابنه الناصر صاحب دمشق. فاستنجد الناصر داود بعمّه الأشرف وأرسل إليه وهو ببلاده الشرقية، فقدم الملك الشرف إلى دمشق، ودخل هو والناصر داود إلى قلعة دمشق راكبين. قال القاضي جمال الدين بن واصل كنت إذ ذاك حاضرًا بدمشق ورأيتُ الملك الأشرف راكبًا مع ابن أخيه وعلى رأس الملك الأشرف شاش علم كبير ووسطه مشدود بمنديل، وكان وصول الأشرف إلى دمشق في العشر الأخير من رمضان هذه السنة، ووصل إلى خدمته بدمشق الملك المجاهد شيركوه، فإنه كان من المسلمين إلى الأشرف، ثم وقع الاتفاق أن يسير الناصر داود شيركوه صحبة الأشرف إلى نابلس، فيقيم الناصر داود بنابلس ويتوجه الأشرف إلى عند أخيه الكامل بغزّة شافعًا في ابن أخيهما الناصر داود، ففعلوا ذلك ولما وصل الأشرف إلى أخيه الكامل وقع اتفاقهما في الباطن على أخذ دمشق من ابن أخيهما الناصر وتعويضه عنها بحران والرها والرقة من بلاد الملك الأشرف. وتستقر دمشق لملك الأشرف ويكون له إلى عقبة فيق، وما عدا ذلك من بلاد دمشق يكون للكامل. وأن تنتزع حماة من الناصر قليج أرسلان وتصير لملك المظفر محمود أخو (٢) الناصر قليج أرسلان، وأن تنتزع سلطته من الملك المظفر، وكانت إقطاعه لما كان مقيمًا عند الكامل بمصر، وتُعطى لشيركوه صاحب حمص.

стр. 9226

وخرجت هذه السنة والأشرف مقيم عند أخيه الكامل بظاهر غزّة، وقد اتفقا على ذلك. وفيها: عاود (١) التتر إلى قصد البلاد التي بيد جلال الدين بن خوارزم شاه وجرت بينه وبينهم حروب كثيرة، وكان في أكثر الأوقات الظفر للتتر. وفيها: قدم (٢) الانبراطور (٣) إلى عكا بجموعه، وكان الملك الكامل قد أرسل إليه فخر الدين بن الشيخ (٤) يستدعيه إلى قصد الشام بسبب أخيه المعظم، فقدم الانبراطور وقد مات المعظم، فنشب به الملك الكامل. ولما وصل الانبراطور واستولى على صيدا وكانت مناصفة بين المسلمين وبينه وسورها خراب فَعَمَّره الفرنج. والانبراطور معناه ملك الأمراء بالفرنجية، وإنما اسمه فردريك. وكان صاحب جزيرة صقلية، ومن البر الطويل بلاد إنبولية والإنبردية. قال القاضي جمال الدين بن واصل: ولقد رأيت تلك البلاد لما توجهت رسولًا من الملك الظاهر بيبرس الصالحي إلى الانبراطور ملك تلك البلاد. قال: وكان ملك الفرنج الانبراطور من بين ملوك الفرنج (٥) محبًا للحكمة والمنطق والطب مائلًا إلى المسلمين لأن منشأه بجزيرة صقلية، وغالب أهلها مسلمون. وترددت الرسائل بين الملك الكامل والانبراطور إلى أن خرجت هذه السنة. وفيها: بعد (٦) فراغ جلال الدين من التتر قصد بلاد خلاط، ونهب القرى وقتل وخرب البلاد، وفعل الأفعال القبيحة. وفي سنة ست وعشرين وستمائة: لما جرى (٧) بين السلطان الكامل والأشرف الاتفاق الذي ذكرناه، بلغ الناصر

стр. 9227

داود ذلك وهو بنابلس، فلحق بدمشق، وكان قد لحقه بالفور عمّه الأشرف وعرفه ما أمر به الكامل، وأنه لا يمكن الخروج عن مرسومه، فلم يلتفت الناصر داود إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق، والكامل مشتغل بمراسلة الانبراطور، ولما طال الأمر ولم يجد الكامل بدًّا من المهادنة أجاب الانبراطور إلى تسليم القدس إليه على أن (١) تستمر أسواره خرابًا، ولا يعمره الفرنج ولا يتعرضون إلى قبة الصخرة ولا إلى الجامع الأقصى، ويكون الحكم في الرساتيق (٢) إلى والي المسلمين ويكون لهم من القرايا ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط، ووقع الأمر على ذلك وتحالفا عليه. وتسلم الانبراطور القدس في هذه السنة في ربيع الآخرة على القاعدة المذكورة. وكان ذلك والملك الناصر داود محصور (٣) بدمشق وعمّه الأشرف محاصره بأمر الملك الكامل، فأخذ الملك الناصر في التشنيع على عمّه بذلك. وكان بدمشق الشيخ شمس الدين يوسف (٤) سبط أبي الفرج ابن الجوزي، وكان واعظًا، وله قبول عند الناس، فأمره الناصر داود بعمل مجلس وعظ يذكر فيه فضائل بيت المقدس وما حل بالمسلمين من تسليمه إلى الفرنج، ففعل ذلك وكان مجلسًا عظيمًا ومن جملة ما أنشده قصيدة تائية ضمنها بيت دعبل بن علي الخزاعي (٥) الشاعر، وهو: [الطويل] مدارس آيات خلت من تلاوة … ومنزل وحي مقفر العرصات فارتفع بكاء الناس وضجيجهم. ولما عقد الملك الكامل الهدنة مع الانبراطور وخلا سرّه من جهة الفرنج سار إلى دمشق ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على دمشق ووصل إلى الملك الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب وخطب بنت الملك الكامل فزوجه ببنته فاطمة (٦) خاتون التي هي من الست السعداء أم ولده أبي بكر

стр. 9228

العادل بن الكامل، ثم استولى الملك على دمشق. وعوّض الأشرف عنها الكرك والبلقاء والصلت والأغوار والشوبك. وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية التي كانت عينت للناصر داود وهي حرّان والرها، وكانت بيد الأشرف ثم نزل الناصر داود عن الشوبك، وسأل عمه الكامل في قبولها، فقبلها وتسلم الأشرف دمشق وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة. وفي تسليم الأشرف دمشق وتملكها يقول ابن المسجف (١): [الطويل] وكُنَّا نَرجِّي بَعْدَ عِيسَى مُحَمَّدًا … لِيُنْقِذَنَا مِنْ فَتْرَةِ الظُّلْمِ وَالبَلْوَى (٢) فَأَوْقَعَنَا فِي تِيهِ مُوسَى كَمَا تَرَى … حَيَارَى وَلَا مَنْ لَدَيْهِ وَلَا سَلْوَى وفي هذه السنة: توفي (٣) الملك المسعود يوسف الملقب أطسز المعروف بأقسيس بن الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب، وكان قد مرض باليمن، فكره المقام بها، وسار إلى مكة وهي له كما تقدم ذكره، فتوفي بمكة ودفن بالمعلى وعمره ست وعشرون سنة، وكان مدة ملكه لليمن أربعة عشر سنة، وكان الملك المسعود لما سار من اليمن قد استخلف عليها علي بن رسول (٤)، وستذكر بقية أخباره إن شاء الله تعالى. ووصل الخبر بوفاة الملك المسعود إلى أبيه الملك الكامل وهو على حصار دمشق، فجلس للعزاء وخلف الملك المسعود ولدًا صغيرًا اسمه أيضًا يوسف، وبقي يوسف المذكور حتى مات في سلطنة عمه الملك الصالح أيوب صاحب مصر، وخلف يوسف ولدًا صغيرًا اسمه موسى، ولقب الملك الأشرف وهو الذي أقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظم بن الصالح بن الكامل على ما سنذكره. وفي هذه السنة: أرسل (٥) الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك

стр. 9229

الأشرفي وهو أكبر أمير عنده إلى خلاط، فقبض على الحاجب حسام الدين علي (١) الموصلي وحبسه ثم قتله. وكان حسام الدين المذكور من أهل الموصل وخدم الملك الأشرف فجعله نائبه بخلاط. فأحسن إلى الرعية وحفظ البلاد واستولى على عدّة بلاد من أذربيجان، مثل نقجوان (٢) وغيرها على ما تقدم ذكره، فقبض عليه الأشرف وقتله، قيل إنه لذنب بدا منه لم يطلع عليه الناس واطلع عليه الملك الكامل والملك الأشرف. وهذا حسام الدين الحاجب كان كثير الخير والمعروف، بنى الخان الذي بين حرّان ونصيبين، وبنى الخان الذي بين حمص ودمشق، هو المعروف بخان برح العطش (٣). وهرب مملوك حسام الدين لما قتل أستاذه، ولحق بجلال الدين منكبرتي. فلما ملك جلال الدين خلاط كما سنذكره قبض على أيبك الأشرفي وسلّمه إلى مملوك حسام الدين فقتله وأخذ ثأر أستاذه. ولما سلم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف سار من دمشق، ونزل (٤) مجمع العروج، ثم نزل سلمية وأرسل عسكرًا نازلوا حماة وبها صاحبها الناصر قليج أرسلان. وكان فيه جُبن، فإنه لو عصا بحماة وطلب عنها عوضًا «أجابه» الملك الكامل. ولكنه خاف وكان في العسكر الذي نازلوه الملك المجاهد شيركوه صاحب حمص. فأرسل الناصر صاحب حماة يقول لشيركوه: إني أريد أخرج إليك بالليل لتحضرني عند السلطان الملك الكامل، وخرج الملك الناصر قليج أرسلان بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب إلى شيركوه ومضى به إلى الملك الكامل وهو نازل على سلمية. فحين رأى الملك الكامل قليج أرسلان المذكور شتمه وأمر باعتقاله، وأن يتقدم إلى نوابه بحماة بتسليمها إلى عسكر الملك الكامل (٥)، فامتنع من ذلك الطواشيان (٦) بشر ومرشد المنصوريان وكان

стр. 9230

بقلعة حماة أخ للملك الناصر يلقب الملك العزيز (١) بن الملك المنصور صاحب حماة، فملكوه حماة، وقالوا للملك الكامل: لا نسلم حماة لغير واحد من أولاد تقي الدين (٢) فأرسل الكامل يقول للملك المظفر محمود بن المنصور صاحب حماة اتفق مع غلمان أبيك وتسلّم حماة. وكان الملك المظفر نازلًا على حماة من جملة العسكر الكاملي. فراسل الملك المظفر حكام حماة (٣) فحلفوه لهم وحلفوا له (٤)، وواعدوا الملك المظفر أن يحضر بجماعته خاصة وقت السحر إلى باب النصر ليفتحوه له، فحضر الملك المظفر سحر الليلة التي عينوها، ففتحوا له باب النصر، ودخل الملك المظفر ومضى إلى دار الوزير المعروفة بدار الأكرام دخل باب المغار وهي الآن مدرسة تعرف بالخاتونية. وَقَفَتْها عمتي (٥) مؤنسة خاتون بنت الملك المظفر المذكور، وحضر أهل حماة، وهنئوا المظفر ملك حماة. وكان ذلك في العشر الآخر من رمضان هذه السنة، وكان مدة ملك الناصر قليج أرسلان تسع سنين إلا نحو شهرين. وأقام الملك المظفر في دار الأكرام يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة وتسلّمها. وجاء عيد الفطر من هذه السنة والملك المظفر مالك حماة وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وكان أخوه الملك الناصر قليج أرسلان اصغر منه بسنة. ولما ملك المظفر حماة، فوّض أمور تدبيرها صغيرها وكبيرها إلى الأمير سيف الدين علي بن أبي علي الهذباني. وكان سيف الدين علي خدم الملك المظفر بعد ابن عمه حسام الدين بن أبي علي

стр. 9231

«الذي كان نائب الملك المظفر بسلمية لما سلمت إليه وهو بمصر عند الملك الكامل ثم حصل بين الملك المظفر وبين حسام الدين بن أبي علي» (١) وحشة ففارقه حسام الدين واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل وحظي عنده وصار أستاذ داره، وخدم ابن عمه سيف الدين علي المذكور الملك المظفر. وكان يقول له: أشتهي أراك صاحب حماة، وأكون بعين واحدة، فأصيبت عين سيف الدين علي على حصار حماة لما نازلها عسكر الكامل، وبقي بفرد عين، فحظي عند المظفر بذلك ولكفايته وحسن تدبيره. ولما استقر الملك المظفر في ملك حماة، انتزع الملك الكامل سلمية منه وسلمها إلى شيركوه صاحب حمص على ما كان وقع عليه الاتفاق قبل ذلك ثم إنَّ الملك الكامل رسم للملك المظفر أن يعطي أخاه الناصر قليج أرسلان بارين بكمالها، فَسَلّمها إليه ولم يبق بيد المظفر غير حماة والمعرة. وكان لحماة تقدير أربعمائة ألف درهم للملك الناصر، وكان قد رسم الملك الكامل المظفر أن يعطي المال لأخيه الناصر. فماطل المظفر في ذلك ولم يعطه شيئًا، ولما استقر المظفر بحماة مدحه الشيخ شرف الدين عبد العزيز (٢) بن محمد بن عبد المحسن (٣) الأنصاري الدمشقي بقصيدة منها: (٤) [الطويل] تناهي إليك الملك واشتدَّ كاهله … وحلّ بك الراجي فَحَطَّتْ رواحِلهُ ترحَّلْتَ عن مصر فأمْحَلَ رَبْعُها … ولما حَلَلْتَ الشام روض ما حِلُّهُ وعزَّتْ حماة في حمى أنت غابُهُ … بصولتِهِ تحمى كليب ووائِلُهُ (٥) وقد طال ما ظَلَّتْ بتدبير أهوج … يخيب مرجيه ويحرم سائله ولما استقرّ الملك المظفر في ملك حماة رحل الملك الكامل عن سلمية إلى البلاد الشرقية التي أخذها من أخيه الأشرف عوضًا عن دمشق فنظر في مصالحها.

стр. 9232

ثم سافر الملك المظفر من حماة ولحق الملك الكامل وهو بالشرق، وعقد له الملك الكامل العقد هناك على ابنته غازية خاتون (١) بنت الملك الكامل. وهي شقيقة الملك المسعود صاحب اليمن، وهي والدة الملك المنصور صاحب حماة وأخيه الملك الأفضل نور الدين علي ابني المظفر محمود، ثم عاد الملك المظفر إلى حماة، وقد قضيت أمانيه بملك حماة. وصلته بخاله الملك الكامل، وكان يتمنى ذلك لما كان بالديار المصرية وكان يصحبه بمصر رجل من أهلها يقال له الزكي القوصي (٢)، فاتفق وهما بمصر [وقد] (٣) جرى ذكر الملك المظفر وزواجه ببنت خاله الملك الكامل، فأنشده الزكي القوصي: [البسيط] متى أراك كما أهوى وأنت ومَنْ … تهوى كأنكما روحان في بدن (٤) هناك أشدوا والأقدار (٥) مُصْغِيَةٌ … هنيت بالملك والأحباب والوطن فقال الملك المظفر: إن صار ذلك يا زكي أعطيتك ألف دينار مصرية، فلما ملك المظفر حماة أعطى الزكي ما كان وعده به. ولما فرغ الملك الكامل من تقرير أمر البلاد الشرقية، وهي حران وما معها من البلاد عاد إلى الديار المصرية. وفيها: أرسل (٦) الملك المظفر الأشرف أخاه صاحب بصرى الصالح إسماعيل بن الملك العادل بعسكر فنازل بعلبك، وبها صاحبها الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، واستمر الحصار عليه. وفيها: سار (٧) جلال الدين ملك الخوارزمية وحاصر خلاط وبها أيبك نائب الأشرف إلى أن خرجت السنة.

стр. 9233

وفي سنة سبع وعشرين: شرع (١) شيركوه صاحب حمص في عمارة قلعة شميميش وكان لما سلم إليه الكامل سلمية قد استأذنه في عمل تل شميميش قلعة فأذن له. ولما أراد شيركوه عمارته أراد المظفر صاحب حماة منعه من ذلك ثم لم يمكنه منعه لكونه بأمر الملك الكامل. وفي هذه السنة: سلم (٢) الملك الأمجد بهرام شاه فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بعلبك إلى الأشرف لطول الحصار، وعوّضه الأشرف عنها الزبداني (٣) وقصير دمشق (٤) الذي هو شمالها، ومواضع أُخر. وتوجه الأمجد وأقام بداره التي هي داخل باب النصر المسماة دار السعادة، وهي التي تنزل فيها النواب. ولما أخذت منه بعلبك ونزل في داره المذكورة، وكان قد حبس بعض مماليكه في مرقد عنده في الدار، وجلس الأمجد قبالة باب المرقد يلعب بالنرد، ففتح المملوك الباب ومعه سيف، وضرب به أستاذه الأمجد وقتله (٥)، ثم طلع المملوك إلى سطح الدار وألقى بنفسه إلى وسطها فمات. ودفن الملك الأمجد بمدرسة والده التي هي على الشرف. وكانت مدة ملكه بعلبك تسعًا وأربعين سنة لأن عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين ملك بعلبك سنة ثمان وتسعين وخمسمائة لما مات أبوه فرخشاه وانتزعت منه هذه السنة، فذلك خمسون إلا سنة. وكان الأمجد أشعر بني أيوب وشعره مشهور (٦). وفي هذه السنة: اشتد (٧) حصار جلال الدين على خلاط ومضايقته لها، ففتحها بالسيف، وفعل في أهلها كما كان يفعله التتر من القتل والاسترقاق والنهب، ثم قبض على نائب الأشرف بها، وهو مملوكه أيبك الأشرفي وسلّمه إلى مملوك حسام الدين

стр. 9234

الحاجب علي الموصلي، فقتله وأخذ بثأر أستاذه. ولما (١) جرى من جلال الدين ما جرى من أخذ خلاط اتفق (٢) صاحب الروم كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان والملك الأشرف بن العادل، فجمع الأشرف عساكر الشام وسار إلى سيواس، واجتمع فيها بملك الروم علاء الدين كيقباذ المذكور وساروا إلى جهة خلاط. والتقى الفريقان في السابع والعشرين (٣) من رمضان هذه السنة. فولى جلال الدين والخوارزمية منهزمين، وهلك غالب عسكره قتلًا وتردّيًا من رؤوس جبال كانت في طريقهم، وضعف جلال الدين بعدها، وقويت عليه التتر. وارتجع الملك الأشرف خلاط وهي خراب يباب، ثم وقعت المراسلة بين الملك الأشرف وبين كيقباذ وجلال الدين وتصالحوا وتحالفوا على ما بأيديهم، وأن لا يتعرض أحد منهم إلى ما بيد الآخر. وفيها: استولى (٤) الملك المظفر غازي بن الملك العادل على أرزن (٥) من ديار بكر وهي غير أرزن الروم. وكان صاحب أرزن ديار بكر يقال له حسام الدين من بيت كبير يقال لهم بيت الأحدب (٦) وأرزن لم تزل بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه السلجوقي وإلى الآن، فسبحان من لا يزول ملكه. وفيها: جمعت (٧) الفرنج من حصن الأكراد، وقصدوا حماة فخرج إليهم الملك المظفر محمود بن الملك المنصور صاحب حماه، والتقاهم عند قرية بين حماه وبارين يقال لها إفيون، وكسرهم كسرة عظيمة، ودخل الملك المظفر حماة مظفرًا مؤيدًا. وفيها: ولد (٨) الملك الناصر (٩) يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب.

стр. 9235

واستقر السلطان الملك الكامل بديار مصر، وأخوه الأشرف بدمشق في ملاذه وقد تخلّى عن البلاد الشرقية، فإن حرّان وما معها صارت لأخيه الكامل، وخلاط قد خربت ولم يكن للملك الأشرف ولد ذكر، فاقتنع بدمشق، واشتغل باللهو والملاذ والأوقات الطيبة. وفي هذه السنة: عاودت (١) التتر قصد بلاد الإسلام، وسفكوا وخربوا وكان قد ضعف جلال الدين لقبح سيرته وسوء تدبيره، ولم يترك له صديقًا من ملوك الأطراف، وعادى الجميع، وانضاف إلى ذلك اختلاف عسكره عليه لما حصل له من فساد عقله، وسببه، أنه كان له مملوك (٢) يحبُّه محبّة شديدة. واتفق موت ذلك المملوك، فحزن عليه حزنًا شديدًا، وأمر أهل تبريز بالخروج والنواح عليه، ثم أنه لم يدفنه. وبقي يستصحبه معه حيث سار، وهو يلطم عليه، وكان إذا قدم إليه الطعام يرسل منه إلى المملوك الميت. ولا يتجاسر أحد أن يتفوه بأنه ميت، وكانوا يحملون إليه الطعام ويقولون: أنه يقبل الأرض ويقول أنه الآن أصلح مما كان فأنف أمراؤه من ذلك. وخرج بعضهم عن طاعته، فضعف أمر جلال الدين لذلك ولكسرته من الأشرف. وتمكنت التتر من البلاد واستولوا على مراغة، وهو استيلاؤهم الثاني، ولما (٣) تمكن التتر من البلاد سار جلال الدين يريد ديار بكر ليسير إلى الخليفة ويعتضد به وبملوك الأطراف على التتر ويخوّفهم عاقبة أمرهم، فنزل بالقرب من آمد (٤)، فلم يشعر إلا والتتر قد كبسوه ليلًا، وخالطوا مخيمه، فهرب جلال الدين وقتل على ما سنشرحه. ولما قُتل تمكنت التتر من البلاد وساقوا إلى الفرات، فاضطرب الشام بسبب وصولهم إلى الفرات، ثم شنوا الغارات في ديار بكر والجزيرة وفعلوا من القتل والتخريب كما تقدم. قال النسوى كاتب إنشاء جلال الدين (٥): إن خوارزم شاه محمد بن تكش كان قد

стр. 9236

عظم شأنه، واتسع ملكه، وكان له أربعة أولاد، قسم البلاد بينهم. أكبرهم جلال الدين منكبرتي، وفوض إليه أمر غزنة وباميان والغور وبست وتكاباد وزميرداور وما يليها من الهند. وفوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولده قطب الدين أزلاغ شاه وجعله ولي عهده. ثم في آخر وقت عَزَلَهُ عن ولاية العهد وفوّضها إلى جلال الدين، وفوض كرمان وكيش ومكران إلى ولده غياث الدن تز شاه، وقد تقدمت أخباره وفوض العراق إلى ولده ركن الدين غور شاه يحيى وكان أحسن أولاده خَلْقًا وخُلْقًا وقتل المذكور التتر بعد موت أبيه. وضرب لكل واحد منهم النوب الخمس في أوقات الصلاة على عادة الملوك السلجوقية. وانفرد أبوهم خوارزم شاه بنوبة ذي القرنين، فإنها تضرب وقتي طلوع الشمس وغروبها. وكانت دبادبه سبعًا وعشرين دبدبة من الذهب مرصعة بالجواهر، وكذا باقي آلات النوبتية. وجعل سبعة وعشرين ملكًا يضربونها في أول يوم قرعت كانوا من أكابر الملوك أولاد السلاطين منهم: طغريل بن أرسلان (١) السلجوقي، وأولاده غياث الدين صاحب الغور والملك علاء الدين صاحب باميان والملك تاج الدين صاحب بلخ وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخارا وأشباهم. وكانت أم خوارزم شاه محمد تركان خاتون من قبائل بباووت (٢)، وهي فرع من فروع يمسك، وكانت بنت ملك من ملوكهم، تزوج بها تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوشتكين غرشة، فلما صار الملك إلى ولده محمد بن تكش قدم إلى والدته تركان خاتون قبائل يمسك من الترك.

стр. 9237

فعظم شأن ابنها محمد بهم، وتحكمت أيضًا بسببهم تركان خاتون، فلم يملك ابنها إقليمًا إلا وأفرد لخاصها منه ناحية جليلة. وكانت ذات مهابة ورأي، وكانت تنصف المظلوم من الظالم، وكانت جسورة على القتل، فعظم شأنها بحيث إذا ورد توقيعان عنها وعن ابنها السلطان ينظر في تاريخهما، فيعمل بالأخير منهما. وكانت طرر (١) تواقيعها عصمة الدنيا والدين آلغ تركان خاتون ملكة نساء العالمين، وعلامتها: اعتصمتُ بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود د (٢) الكتابة. قال المؤلف المذكور: ثم إن خوارزم شاه لما هرب من التتر بما وراء النهر وعبر جيحون، ثم سار إلى خراسان والتتر تتبعه، ثم هرب من خراسان إلى عراق العجم، ونزل عند بسطام أحضر عشرة صناديق ثم قال: إنها كلها جواهر لا يعلم قيمتها إلا الله. ثم أشار إلى صندوقين منها وقال: إن فيها من الجواهر ما يساوي خراج الأرض، ثم حملها إلى قلعة أزدهن وهي من أحصن قلاع الأرض، وأخذ خط النائب بها بوصول الصناديق المذكورة مختومة، فلما استولى جنكيز خان على تلك البلاد حملت إليه الصناديق المذكورة بختومها. ثم إن التتر أدركوا السلطان محمد المذكور، فركب في مركب وهرب، ولحقه التتر ورموه بالنشاب فنجا منهم. وقد حصل له مرض ذات الجنب، قال: ووصل إلى جزيرة البحر وأقام بها فريدًا طريدًا لا يملك طارفًا ولا تليدًا، والمرض به يزداد، وكان في أهل مازندران أناس يتقربون إليه بالمأكول وما يشتهيه، فقال في بعض الأيام أشتهي أن يكون حول خيمتي فرس يرعى. وقد ضُربت له خيمة صغيرة فأهدى إليه فرس أصفر، وكان للسلطان محمد المذكور ثلاثون ألف جشار من الخيل وكان إذا أهدي إليه شيء وهو على تلك الحالة من المأكول أو غيره يطلق لذلك الشخص شيئًا. ولم يكن عنده من يكتب التواقيع، فيتولى ذلك الرجل كتابة توقيعه بنفسه، وكان يعطي مثل السكين والمنديل علامة بإطلاق البلاد والأموال.

стр. 9238

فلما تولَّى جلال الدين أمضى جميع ما أطلقه والده بالتواقيع والعلائم، ثم أدركت السلطان محمد المنية وهو بالجزيرة على تلك الحالة. فغسله شمس الدين محمود (١) بن بلاغ الجاويش، ومقرب الدين مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن به، فكفّن بقميصه ودفن بالجزيرة في سنة سبع عشر وستمائة. بعد أن كان بابه مزدحم بملوك الأرض وعظمائها، يشتدون بجنابه، ويتفاخرون بلثم ترابه، ورقى إلى درجة الملوكية جماعة من مماليكه وحاشيته فصار طشتداره، وركبداره وسلحداره وجهداره وغيرهم من أرباب الوظائف، كلهم ملوكًا. وكان في أعلامهم علامات سود يعرفون بها، فعلامة الدوادار الدواة، والسلحدار القوس والطشتدار المسينة والجهدار النفجة، وأمير آخور النعل، والجاويشية قبة ذهب. وكان يمد السماط بين يديه ويأكل الناس، ويرفع الطعام الذي في صدر السماط إلى يد الأكابر إذا قعدوا على السماط للأكل، وكانت الزبادي كلها ذهب وفضة. وكان السلطان محمد يختص بأمور لا يشاركه فيها أحد منها المجتر منشورًا على رأسه إذا ركب، ومنها: اللكح وهي أنبوبة من الذهب الأحمر بين أذني مركوب السلطان يخرج منها المعرفة، وتشد إلى أطراف اللجام. ومنها: الأعلام السود والسرج السود والنفج السود محمولة على أكتاف الجهدادية ولا تحمل لغيره على الكتف. ومنها: أن جنائبه تجر قدامه وجنائب غيره من الملوك تجر خلفه. ومنها: أن أذناب خيله تلف من أوساطها مقدار شبرين، ومنها الجلوس على الركبتين بين يديه، لمن يريد مخاطبته. قال المؤلف المذكور: ثم سار جلال الدين بعد موت أبيه السلطان محمد من الجزيرة إلى خوارزم، ثم هرب من التتر ولحق بغزنة، وجرى بينه وبينهم من القتال ما تقدم ذكره. وسار إليه جنكيز خان فهرب جلال الدين إلى الهند فلحقه جنكيز خان على ماء السند، وتصاففا صبيحة يوم الأربعاء لثمان خلون من شوال سنة ثمان عشرة وستمائة. وكانت الكرة أولًا على جنكيز خان ثم صارت على جلال الدين، وحال بينهما

стр. 9239

الليل، وهرب جلال الدين وأسر ابنه وهو ابن سبع (١) سنين فقتله جنيكز خان بين يديه صبحًا. ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كسيرًا رأى والدته وأم ولده وجماعة من حرمه، فقالوا له: بالله اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن، وهذه من عجائب البلايا وغرائب المصائب والرزايا. ثم اقتحم جلال الدين وعسكره ذلك النهر العظيم، فنجا منهم إلى ذلك البر تقدير أربعة آلاف حفاة عراة، ورمى الموج جلال الدين مع ثلاثة من خواصه إلى موضع بعيد، وفقده أصحابه ثلاثة أيام، وبقي أصحابه لفقده حائرين، وفي تيه الفكر سائرين، إلى أن قدم عليهم جلال الدين، فاعتدوا بمقدمه عيدًا، وظنوا أنهم أنشؤوا خلقًا جديدًا. ثم جرى بين جلال الدين وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها جلال الدين، ووصل إلى لهاوور من الهند. ولما عزم جلال الدين العود إلى جهة العراق استناب بهلوان أزبك على ما كان يملكه من الهند واستناب معه حسن قراق ولقبه وفا ملك. وفي سنة سبع وعشرين وستمائة: طرد وفا ملك بهلوان، أزبك، واستولى وفا ملك على ما كان يليه البهلوان من بلاد الهند. ثم إن جلال الدين عاد من الهند ووصل إلى كرمان في سنة إحدى وعشرين وستمائة. وقاسي هو وعسكره في البراري القاطعة بين كرمان والهند شدائد، ووصل معه أربعة آلاف رجل بعضهم ركاب بقر، وبعضهم ركاب حمير، ثم سار جلال الدين إلى خوزستان واستولى عليها، ثم استولى على أذربيجان، ثم على كنجة وسائر بلاد أران. ثم إن جلال الدين نقل أباه من الجزيرة إلى قلعة أزدهن ودفنه بها، ولما استولى التتر على القلعة نبشوه وأحرقوه، وهذا كان فعلهم مع كل ملك عرفوا قبره، فإنهم نبشوا محمود (٢) بن سبكتكين من غزنة وأحرقوا عظامه. (ثم ذكر ما تقدمت الإشارة إليه من استيلاء جلال الدين على خلاط وغير ذلك) (٣) ثم ذكر نزوله على جسر قريب آمد وإرساله يستنجد الملك الأشرف بن العادل،

стр. 9240

فلم ينجده، وعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان، ثم انثنى عزمه، وبات بمنزله، وشرب تلك الليلة وسكر سكرًا خماره دوار الرأس وتقطع الأنفاس، وأحاط التتر بعسكره مصبحين [الوافر]. فمساهم وبسطهم حرير … وصبحهم وبسطهم تراب ومن في كفه منهم قناةٌ … كمن في كفّه منهم خضاب وأحاطت أطلاب (١) التتر بخركاة (٢) جلال الدين وهو نائم سكران فحمله بعض أمراء عسكره وكان اسمه أرخان، وكشف التتر عن الخركاة، ودخل بعض الخواص وأخذ بيد جلال الدين وأخرجه وعليه طاقية بيضاء فأركبه الفرس وساق أرخان مع جلال الدين، وتبعه التتر. فقال جلال الدين: لأرخان انفرد عني بحيث تشغل التتر بتتبع سوادك. وكان ذلك خطأ منه، فإنّ أرخان تبعه قريب أربعة آلاف فارس من العسكر الجلالي وقصد أصفهان واستولى عليها مدة. ولما انفرد جلال الدين عن أرخان وساق إلى باسورة آمد فلم يمكن من الدخول إلى آمد فسار إلى قرية من قرى ميافارقين طالبًا شهاب الدين غازي بن الملك العادل صاحب ميافارقين ثم لحقه التتر في تلك القرية، فهرب جلال الدين إلى جبل هناك، وفيه أكراد يتخطفون الناس، فأخذوه وشلحوه وأرادوا قتله، فقال جلال الدين لأحدهم أنا السلطان، فاستبقني أجعلك ملكًا، فأخذه الكردي، وأتى به إلى امرأته وجعله عندها ومضى الكردي، إلى الجيل لإحضار ماله هناك فحضر شخص كردي، وبيده حربة، قال للمرأة: لم لا تقتلون هذا الخوارزمي؟ فقالت المرأة: لا سبيل إلى ذلك وقد آمنه زوجي، فقال الكردي: إنه السلطان وقتل أخًا لي بخلاط خيرًا منه، وضربه بحربته فقتله. وكان جلال الدين أسمر قصيرًا تركي الشارة والعبارة، وكان يتكلم بالفارسية وكان يكاتب الخليفة على مبدأ الأمر على ما يكاتب به أبوه خوارزم شاه بن محمد بن تكش. وكان يكتب خادمه المطواع منكبرتي، ثم بعد أخذ خلاط خاطبه بعبده، وكان يكتب إلى ملك الروم وملوك مصر والشام اسمه واسم أبيه.

стр. 9241

ولم يرض أن يكتب لأحد منهم خادمه أو أخوه أو غير ذلك، وكان علامته على تواقيعه «النصر من الله وحده» وكان إذا كاتب صاحب الموصل وأشباهه يكتب بهذه العلامة تعظيمًا عن ذكر اسمه، وكان يكتب العلامة بقلم غليظ. وكان جلال الدين يخاطب بخزاوند عالم، أي صاحب العالم. وكان مقتله في منتصف شوال هذه السنة، أعني سنة ثمان وعشرين وستمائة. آخر كلام المنشي (١). وفي سنة تسع وعشرين: استولى (٢) التتر على بلاد العجم كلّها، والخليفة المستنصر بالعراق، ثم ارتحل في هذه السنة الملك الأشرف وأخوه الكامل من ديار مصر، فسار الأشرف إلى البلاد الشرقية، وسار الكامل إلى الشوبك، فاحتفل له الملك المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب احتفالًا عظيمًا بالضيافات والإقامات والتقادم، وحصل بينهما الاتحاد التام. وكان نزول الملك الكامل باللجون (٣) قرب الكرك في العشر الأخير من شعبان هذه السنة. ووصل إليه باللجون الملك المظفر محمود صاحب حماة، فالتقيا، وسافر الناصر داود مع الكامل إلى دمشق، واستصحب الملك الكامل معه ولده الملك الصالح (٤) نجم الدين أيوب، وجعل نائبه بمصر ولده وولي عهده الملك العادل (٥)

стр. 9242

سيف الدين «أبا» (١) بكر بن الكامل بن العادل بن أيوب، ثم سار الملك الكامل ونزل سلمية، واجتمع معه ملوك أهل بيته في جمع عظيم. فسار بهم إلى آمد وحَصَرَها وتسلَّمها (٢) من صاحبها الملك المسعود بن الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سلمان بن أرتق بن اكشل، والملك المسعود المذكور هو الذي ملكه السلطان صلاح الدين آمد بعد انتزاعها من ابن نيسان وكان سبب انتزاع آمد من الملك المسعود لسوء سيرته وتعرّضه إلى حريم الناس وكانت له عجوز قواده يقال لها الأزاء، وكانت تؤلف بينه وبين نساء الأكابر ونساء الملوك. ولما نزل الملك المسعود إلى خدمة الملك الكامل وسلّم آمد وبلادها إليه ومن جملة «معاقلها» (٣) حصن كيفا، وهي في غاية الحصانة. أحسن الكامل إلى المسعود، وأعطاه إقطاعًا جليلًا بديار مصر، ثم بدت منه أمور (٤) اعتقله الملك الكامل بها. ولم يزل الملك المسعود «معتقلًا» (٥) إلى أن مات الملك الكامل، فخرج من الاعتقال، واتصل بحماة فأحسن إليه الملك المظفر صاحب حماة، ثم سافر الملك «إلى» (٦) الشرق، واتصل بالتتر فقتلوه. ولما تسلّم الملك الكامل آمد وبلادها رتب فيها النواب من جهته، فجعل فيها ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعل معه شمس الدين صواب العادلي (٧) وخرجت هذه السنة والملك الكامل بالشرق. ولما خرج الملك الكامل من مصر هذه السنة خرج صحبته بنتاه فاطمة خاتون زوجة الملك العزيز صاحب حلب، وغازية خاتون زوجة الملك المظفر صاحب حماة، وحملتا إلى بعليهما، واحتفل لدخولهما بحماة وحلب.

стр. 9243

وفيها: توفي (١) علي بن رسول النائب على اليمن، واستقر مكانه ولده عمر. وفي سنة ثلاثين وستمائة: رجع (٢) الملك الكامل من البلاد الشرقية بعد ترتيب أمورها، ورجع إلى ديار مصر، ورجع كل ملك إلى بلده. وفيها: استولى (٣) الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب على شيزر وكانت بيد شهاب الدين يوسف بن مسعود بن سابق الدين عثمان بن الداية. وكان سابق الدين وإخوته من أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي، ثم اعتقل الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين الشهيد سابق الدين عثمان بن الداية وشمس الدين «أخاه» (٤) فأنكر السلطان صلاح الدين عليه ذلك وجعله حجة لقصد الشام وانتزاعه من الملك الصالح، فاتصل أولاد الداية بخدمة صلاح الدين. وصاروا من أكابر أمرائه وكانت شيزر إقطاعًا لشمس الدين المذكور فأقره صلاح الدين عليها وزاده أبا قبيس لما قتل صاحبها خماردكن. ثم ملك شيزر بعده ولده مسعود بن عثمان حتى مات وصارت لولده شهاب الدين يوسف المذكور إلى هذه السنة. فسار الملك العزيز صاحب حلب بأمر الملك الكامل وحاصر شيزر، وقدم عليه وهو على شيزر الملك المظفر صاحب حماة مساعدًا. فسلم شهاب الدين يوسف شيزر إلى الملك العزيز ونزل إلى خدمته فتسلمها في هذه السنة. وهنأ يحيى بن خالد القيسراني (٥) الملك العزيز بقوله: [البسيط] يا مالكًا عم أهل الأرض نائله … وخَصَّ إحسانه الداني مع القاصي لما رأت شيزر آيات نصرك في أرجائها … أَلْقَتِ العاصي إلى العاصي ثم ولي الملك العزيز على شيزر وأحسن إلى الملك المظفر صاحب حماة، ورحل كل منهما إلى بلده. وفيها: استأذن (٦) الملك المظفر صاحب حماة الملك الكامل في انتزاع بارين من

стр. 9244

أخيه الناصر قليج أرسلان لأنه خشي أن يسلّمها إلى الفرنج لضعف قليج أرسلان عن مقاومتهم. فأذن له الكامل في ذلك، فسار الملك المظفّر من حماة وحاصر بارين، وانتزعها من أخيه قليج أرسلان بن المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب. ولما نزل قليج أرسلان إلى أخيه المظفر أحسن إليه وسأله في الإقامة عنده بحماة فامتنع وسار إلى مصر، فبذل له الكامل إقطاعًا جليلًا، وأطلق له أملاك جده بدمشق، ثم بدا منه ما لا يليق من الكلام (١) فاعتقله الملك الكامل إلى أن مات قليج أرسلان في الحبس سنة خمس وثلاثين وستمائة قبل موت الكامل بأيام. وفيها: توفي (٢) مظفر الدين كوكبوري بن زين الدين علي بن كوجك، وقد تقدم ذكر ملكه أربل بعد موت أخيه «زين الدين» في سنة ست وثمانين وخمسمائة لما كانا في خدمة السلطان صلاح الدين في الجهاد بالساحل فبقي مالكًا لها من تلك السنة إلى هذه السنة. ولما مات مظفر الدين المذكور لم يكن له ولد فأوصى بأربل وبلادها للخليفة المستنصر، فتسلمها الخليفة بعد موت مظفر الدين. وكان مظفر الدين شجاعًا عَسُوفًا في استخراج أموال الرعية وكان يحتفل بمولد النبي ﷺ ، وينفق فيه الأموال الجليلة. وفي هذه السنة: وقع (٣) من كيقباذ بن كيخسرو ملك الروم التعرض إلى بلاد خلاط، فرحل الملك الكامل بعساكره من مصر، واجتمعت عليه الملوك من أهل بيته. ونزل شمالي سلمية في شهر رمضان هذه السنة، ثم سار بجموعه ونزل على النهر الأزرق (٤) في حدود بلد الروم، وقد ضرب في عسكره ستة عشر دهليزًا لستة عشر ملكًا في خدمته، منهم: إخوته الملك الأشرف موسى صاحب دمشق، والمظفر غازي صاحب ميافارقين، والحافظ أرسلان (٥) شاه صاحب قلعة جعبر والصالح

стр. 9245

إسماعيل (١) أولاد الملك العادل. والملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين، كان قد أرسله ابن أخيه الملك العزيز صاحب حلب مقدمًا على عسكر حلب إلى خدمة السلطان الملك الكامل والملك الزاهر داود (٢) بن السلطان صلاح الدين صاحب البيرة، وأخوه الملك الأفضل موسى سميساط، وكان قد ملك سميساط بعد أخيه الملك الصالح أحمد بن الظاهر صاحب عين تاب (٣)، والملك الناصر داود صاحب الكرك بن الملك المعظم عيسى العادل والملك المجاهد شيركوه صاحب حمص بن محمد بن شيركوه. وكان قد حفظ كيقباذ الدربندات وشحنها بالمقاتلة، فلم يتمكن السلطان من دخول بلاد الروم من جهة النهر الأزرق، وأرسل بعض العسكر إلى حصن منصور (٤) وهو من بلاد كيقباذ فهدموه ورحل السلطان وقطع الفرات (٥) إلى السويداء وقدم جاستة بتقدير ألفي وخمسمائة فارس مع الملك المظفر صاحب حماة، فسار المظفر بهم إلى خرتبرت (٦) وسار كيقباذ إليهم، واقتتلوا وانهزم العسكر الكاملي وانحصر المظفر في خرتبرت مع جملة من العسكر، وجد كيقباذ في حصارهم والملك الكامل في السويداء. وقد أحس من الملوك الذين في خدمته بالمخامرة والتقاعد فإن شيركوه صاحب حمص سعى إليهم وقال: إن السلطان ذكر أنه متى ملك البلاد الرومية فرّقها على ملوك أهل بيته عوضًا عما بأيديهم من الشام، ويأخذ الشام جميعه، وينفرد بملكه وملك مصر. فتقاعدوا عن القتال وفسدت نياتهم، وعلم الملك الكامل بذلك فما أمكنه
следующие страницы →