← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وسعى في الصلح بين الملك الصالح والحلبيين، وأن تستقر حمص بيد الحلبيين، فأجاب الملك الصالح إلى ذلك، وأمر العسكر فرحلوا عن حمص بعد أن أشرفوا على أخذها، ثم رحل الملك الصالح من دمشق لقوة مرضه، واستناب بدمشق جمال الدين يغمور وعزل ابن مطروح، وأرسل حسام الدين بن أبي علي ليسبقه إلى مصر وينوب عنه بها. وفيها: توفي (١) عز الدين أيبك المعظمي في محبسه في القاهرة، وكان المذكور قد ملك صرخد في سنة ثمان وستمائة. قال ابن خلكان (٢): إنه ملك صرخد سنة إحدى عشرة وستمائة، قال: لأن أستاذه الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أيوب حج في السنة المذكورة، وأخذ صرخد من ابن قراجا وأعطاها لمملوكه أيبك المذكور، واستمرت في يد أيبك إلى سنة أربع وأربعين وستمائة، وأخذها الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل من أيبك المذكور، وأمسك أيبك في السنة المذكورة وحبسه في القاهرة في دار الطواشي صواب، واستمر معتقلًا بها حتى توفي في السنة المذكورة، في أوائل جمادى الأولى، ودفن في تربة شمس الدولة، ثم نقل إلى الشام ودفن في (٣) تربة كان قد أنشأها بظاهر دمشق على الشرف الأعلى، مطلة على الميدان الأخضر الكبير. وفي سنة سبع وأربعين: سار (٤) ريدا فرنس (٥)، وهو من أعظم ملوك الفرنج وريدا بلغتهم هو الملك، أي ملك أفرنس، وأفرنس أمة عظيمة من أمم الفرنج، وكان قد جمع ريدا فرنس نحو خمسين ألف مقاتل، وشتّى في جزيرة قبرس، ثم سار ووصل في هذه السنة إلى دمياط.

стр. 9277

وكان قد شحنها الملك الصالح أيوب بآلات عظيمة، وذخائر وافرة، وجعل فيها بني كنانة، وهم مشهورون بالشجاعة، وكان قد أرسل الملك الصالح فخر الدين بن الشيخ بجماعة كثيرة من العسكر ليكونوا قبالة الفرنج على ظاهر دمياط. ولما وصلت الفرنج عبر فخر الدين بن الشيخ من الجانب الغربي إلى البر الشرقي، ووصل الفرنج إلى البر الغربي لتسع بقين من صفر هذه السنة، ولما جرى ذلك هربت بنو كنانة وأهل دمياط، وأخلوا دمياط، وتركوا أبوابها مفتحة، فتملكها الفرنج بغير قتال، واستولوا على ما بها من الذخائر والأسلحة، وكان هذا من أعظم المصاب. وعظم ذلك على الملك الصالح، وأمر بشنق بني كنانة، فشنقوا عن آخرهم، ووصل الملك الصالح إلى المنصورة، ونزل بها يوم الثلاثاء لخمس بقين من صفر هذه السنة وقد اشتدَّ مرضُه وهو السل والقرحة التي كانت به (١). وفي هذه السنة: سار (٢) الناصر داود بن الملك المعظم من الكرك إلى حلب لما ضاقت به الأمور مستجيرًا بالملك الناصر يوسف صاحب حلب، وكان قد بقي عند الناصر داود من الجوهر مقدارًا كثيرًا، قيل كان يساوي مائة ألف دينار (٣) إذا بيع بالهوان، فلما وصل إلى حلب سيّر الجوهر المذكور إلى بغداد واستودعه الخليفة المستعصم (٤)، ووصل إليه خط الخليفة بتسليمه. فلم تقع عينه عليه بعد ذلك (٥)، ولما سار الناصر داود عن الكرك، استناب بها ابنه عيسى (٦) ولقبه الملك المعظم، وكان له ولدان آخران أكبر من عيسى هما الأمجد حسن (٧) والظاهر شاذي (٨)، فغضب الأخوان المذكوران من تقديم أخيهما

стр. 9278

عيسى عليهما، وبعد سفر أبيهما سارا إلى مصر وأطمعا الملك الصالح في الكرك فأحسن الصالح إليهما وأقطعهما إقطاعًا أرضاهما به، وأرسل إلى الكرك وتسلمها يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من هذه السنة، وفرح الملك الصالح أيوب بالكرك فرحًا عظيمًا مع ما هو فيه من المرض، لما كان في خاطره من صاحبها. وفي هذه السنة: توفي (١) الملك الصالح نجم الدين أيوب ليلة الأحد، لأربع عشرة ليلة مضت من شعبان هذه السنة. وكانت مدة مملكته للديار المصرية تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يومًا، وكان عمره نحو أربع وأربعين سنة. وكان مهيبًا، عالي الهمة، شجاعًا، عفيفًا، طاهر اللسان والذيل، شديد الوقار، كثير الصمت، وجمع من المماليك الترك ما لم يجمعه غيره من أهل بيته، حتى كان أكثر أمراء العسكر مماليكه. ورتب جماعة من المماليك الترك حول دهليزه وسماهم البحرية، وكان لا يجسر أحد أن يخاطبه (٢) إلا جوابًا، ولا يتكلم بحضرته ابتداء. وكانت القصص توضع بين يديه مع الخدام فيكتب (٣) بيده عليها، وتخرج للموقعين، وكان لا يستقبل أحدًا من أهل بيته بأمر من الأمور إلا بعد مشاورته بالقصص. وكان غاويًا للعمارة، بنى قلعة الجيزة (٤) والصالحية، وهي بلدة بالسايح وبنى بها قصورًا للتصيد، وبنى قصرًا عظيمًا بين مصر والقاهرة يسمى بالكبش. وكانت أم الملك الصالح المذكور جارية سوداء تسمى ورد المنى، غشيها الملك الكامل فحملت بالملك الصالح. وكان للملك الصالح ثلاثة أولاد، أحدهم فتح الدين عمر (٥)، توفي في حبس الصالح إسماعيل، وكان قد توفي ولده الآخر قبله (٦)، ولم يكن قد بقي له غير المعظم

стр. 9279

توران شاه (١) بحصن كيفا. ومات الملك الصالح ولم يوص بالملك إلى أحد، فلما توفي أحضرت شجرة الدر (٢)، جاريته فخر الدين بن الشيخ والطواشي جمال الدين محسنًا، وعرفتهما بموت السلطان، فكتموا ذلك خوفًا من الفرنج، وجمعت شجر الدر الأمراء وقالت لهم: السلطان يأمركم أن تحلفوا له، ثم من بعده لولده الملك المعظم توران شاه المقيم بحصن كيفا، وللأمير فخر الدين «بن» الشيخ بأتابكية العسكر، وكتبت إلى حسام الدين بن أبي علي، وهو النائب بمصر بمثل ذلك، فحلفت الأمراء والأجناد بالعسكر بمصر والقاهرة على ذلك في العشر الأوسط من شعبان هذه السنة، وكان بعد ذلك تخرج الكتب والمراسيم وعليها علامة الملك الصالح، وكان يكتبها خادم يقال له السهيلي، فلا يشك أحد في أنه خط السلطان. وأرسل فخر الدين بن الشيخ قاصدًا لإحضار الملك المعظم من حصن كيفا، ولما جرى ذلك شاع بين الناس موت السلطان، وكان أرباب الدولة لا يجسروا أن يتفوّهوا به، وتقدم الفرنج عن دمياط للمنصورة، وجرى بينهم وبين المسلمين في رمضان هذه السنة وقعة عظيمة استشهد فيها من كبار المسلمين (٣)، ونزلت الفرنج بحر مساح (٤)، ثم قربوا من المسلمين، ثم إن الفرنج كبسوا المسلمين على المنصورة بكرة الثلاثاء لخمس مضين من ذي القعدة. وكان فخر الدين يوسف بن الشيخ صدر الدين بن حموية (٥) بالحمام (٦) في

стр. 9280

المنصورة فركب مُسرعًا وصادفه جماعة من الفرنج فقتلوه، وكان سعيدًا في الدنيا، ومات شهيدًا. ثم حَملت المسلمون والتُرك البحرية على الفرنج فردوهم على أعقابهم، واستمرت بهم الهزيمة. وأما الملك المعظم توران شاه فإنه سار من حصن كيفا «ووصل» إلى دمشق في رمضان هذه السنة، وعيّد بها عيد الفطر، ووصل إلى المنصورة يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة. ثم اشتد القتال بين المسلمين والفرنج برًا وبحرًا ووقعت مراكب المسلمين على الفرنج، فأخذوا منهم اثنتين وثلاثين مركبًا منها تسع شواني، فضعفت الفرنج لذلك، وأرسلوا يطلبون القدس وبعض السواحل ويسلّموا دمياط فلم تقع الإجابة إلى ذلك. وفيها: وقع (١) الحرب بين بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وبين الناصر صاحب حلب، فأرسل الملك الناصر عسكرًا التقوا مع المواصلة بظاهر نصيبين فانهزمت المواصلة هزيمة قبيحة. واستولى الحلبيون على أثقال لؤلؤ صاحب الموصل وخيمه، وتسلموا نصيبين من صاحب الموصل، ثم ساروا إلى دارا فتسلّموها وخرّبوها بعد قتال وحصار ثلاثة أشهر، ثم تسلموا قرقيسيا وعادوا إلى حلب. وفي سنة ثمان وأربعين: انهزم (٢) الفرنج لأنهم لما أقاموا قبالة المسلمين بالمنصورة فنيت أزوادهم وانقطع عنهم المدد من دمياط، فإن المسلمين قطعوا الطريق الواصل من دمياط إليهم فلم يبق لهم صبر على المقام، فرحلوا ليلة الأربعاء لثلاث مضين من المحرم، متوجهين إلى دمياط، وركب (٣) المسلمون أكتافهم، ولما أسفر صباح الأربعاء خالطهم المسلمون وبذلوا فيهم السيف، فلم يسلم منهم إلا القليل، وبلغت عدة الأسرى من الفرنج ثلاثين ألفًا على ما قيل. وانحاز ريدافرنس ومن معه من الملوك إلى بلد هناك، وطلبوا الأمان، فآمنهم الطواشي محسن الصالحي، ثم احتيط عليهم وأحضروا إلى المنصورة، وقيد

стр. 9281

ريد افرنس، وجُعل في الدار التي كان ينزلها كاتب الإنشاء فخر الدين بن لقمان، ووكل به الطواشي صبيح المعظمي (١). ولما جرى ذلك رحل الملك المعظم بالعساكر من المنصورة ونزل بفارسكور ونصب بها برج خشب للملك المعظم. وفي (٢) هذه السنة: يوم الاثنين لليلة بقيت من المحرم قتل الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وسبب ذلك أن المذكور أطرح جانب مماليكه وأمرائه وكل منهم بلغه من التهديد والوعيد ما نفر قلبه منه. واعتمد على بطانة وصلت معه من حصن كيفا، وكانوا أطرافًا أرذال، فاجتمعت البحرية على قتله بعد نزوله بفارسكور، وهجموا عليه بالسيوف وكان أول من ضربه ركن الدين بيبرس الذي صار سلطانًا فيما بعد على ما سنذكره، فهرب الملك المعظم منهم إلى البرج الخشب الذي نصب له، فأطلقوا فيه النار. فخرج الملك المعظم من البرج هاربًا طالبًا البحر ليركب في حراقته، فحالوا بينه وبينها بالنشاب، فطرح نفسه في البحر فأدركوه وأتموا قتله في نهار للاثنين، وكان مدة إقامته في المملكة «من» (٣) حين وصوله إلى الديار المصرية شهرين وأيامًا. ولما جرى ذلك اتفق الأمراء على إقامة شجرة الدر زوجة الملك الصالح في المملكة، وأن يكون عز الدين أيبك (٤) الجاشنكير الصالحي المعروف بالتركماني أتابك العسكر، وحلفوا على ذلك، وخطب لشجر الدر على المنابر، وضربت السكة باسمها، وكان نقش السكة المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل.

стр. 9282

وكان الملك الصالح قد ولد له من شجر الدر ولدًا ومات صغيرًا. واسمه خليل، فسميت شجر الدر والدة خليل، وكانت صورة علامتها على المناشير والتواقيع والدة خليل. ولما جرى ذلك، وقع الحديث مع ريدا فرنس في تسليم دمياط بالإفراج عنه فتقدم ريدا فرنس إلى مَنْ بها من نوابه بتسليمها، فسلموها، وصعد إليها العلم السلطاني في يوم الجمعة لثلاث مضين من صفر من هذه السنة. وأطلق ريدا فرنس فركب البحر بمن سلم معه نهار السبت غداة الجمعة المذكورة وأقلعوا إلى عكا، ووردت البشرى بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار، في واقعة ريدا فرنس (١) المذكورة يقول جمال الدين يحيى بن مطروح أبياتًا منها (٢): قل للفِرْنيس إذا جِئتَهُ … مَقالَ صِدْقٍ عن قَؤولٍ نَصيحِ أتيتَ مِصرًا تَبْتَغي مُلْكَهَا … تَحْسَبُ (٣) الزُّمْرَ يا طِبْلُ رِيحِ وكلُّ أصْحَابِكَ أوردتَّهُمُ … بِحُسْنِ تَدْبيرِكَ بَطْنَ الضَّريحِ خمسون ألفًا لا يرى منهم … غير (٤) قتيل أو أسير جريح وقل لهم إن أضمروا عودة … لأخذ ثأر أو لقصدٍ صحيح (٥) دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح ثم عادت العساكر ودخلت القاهرة يوم الجمعة تاسع صفر، وأرسل المصريون رسولًا إلى أمراء دمشق (٦) في موافقتهم على ذلك، فلم يجيبوا إليه، وكان الملك السعيد (٧) ابن العزيز عثمان بن الملك العادل صاحب الصبيبة قد تلمسها إلى الملك الصالح أيوب، فلما جرى ذلك قصد قلعة الصبيبة فسلمت إليه. وكان الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل بن الكامل قد أرسله المعظم لما وصل إلى الديار المصرية إلى الشوبك واعتقله بها، وكان النائب بالكرك والشوبك لؤلؤ الصالحي، فلما

стр. 9283

جرى ما ذكرناه من قتل المعظم وما استقر عليه الحال، بادر بدر الدين لؤلؤ وأفرج عن المغيث وملكه قلعتي الكرك والشوبك وقام في خدمته أتم قيام. ولما لم يجب أمراء دمشق إلى ما دعاهم إليه المصريون، كاتب الأمراء القيمرية (١) الذين بدمشق الملك الناصر يوسف صاحب حلب، فسار إليهم وملك دمشق ودخلها يوم السبت لثمان بقين من ربيع الآخرة هذه السنة. ولما استقر الناصر المذكور في تلك دمشق خلع على جمال الدين يغمور وعلى أمراء دمشق وأحسن إليهم، واعتقل جماعة من مماليك الصالح أيوب، وعصت عليه بعلبك وعجلون وشميش مديدة، ثم سلمت إليه جميعها، ولما بلغ الخبر بذلك إلى مصر قبضوا على مَنْ عندهم من القيمرية، وعلى كل من اتهم بالميل إلى الحلبيين. ثم إن أمراء الدولة وأكابرها اتفقوا على إقامة عز الدين إيبك الجاشنكير الصالحي في السلطنة (٢)، وأقاموا إيبك المذكور، وركب بالسناجيق السلطانية، وحملت الغاشية بين يديه يوم السبت آخر ربيع الآخر هذه السنة. ولقب الملك العزيز. وأبطلت السكة والخطبة التي كانت بالشام باسم شجر الدر. ثم أجمعت الأمراء واتفقوا على أنه لا بد من إقامة شخص من بني أيوب في السلطنة واجتمعوا على إقامة موسى (٣) المذكور ولقبوه الأشرف وأن يكون إيبك التركماني أتابك. وجلس الأشرف موسى بن يوسف بن الملك المسعود صاحب اليمن الملقب أطز المعروف بأقسيس بن الملك الكامل بن العادل في دست السلطنة، وحضرت الأمراء في خدمته يوم الخميس، لخمس مضين من جمادي الأولى هذه السنة. وكان بغزة جماعة من عسكر مصر مقدمهم خاص ترك، فسار إليهم عسكر دمشق فاندفعوا من غزة إلى الصالحية بالسايح، واتفقوا على طاعة المغيث صاحب الكرك وخطبوا له بالصالحية لأربع مضين من جمادى الآخرة هذه السنة، ولما جرى ذلك اتفق كبار الدولة بمصر ونادوا بالقاهرة ومصر: إن البلاد للخليفة المستعصم، ثم جددت الإيمان للملك الأشرف بالسلطنة ولإيبك التركماني بالأتابكية. وفي يوم الأحد: لخمس مضين من رجب رحل فارس الدين أقطاي (٤) الجمدار

стр. 9284

الصالحي متوجهًا إلى جهة غزة ومعه (تقدير) (١) ألفي فارس. وكان أقطاي المذكور مقدم البحرية. فلما وصل إلى غزة اندفع من كان بها من جهة الملك الناصر بين يديه. وفي هذه السنة (٢): اتفق كبراء الدولة، وهدموا سور دمياط في العشر الأخير من شعبان هذه السنة لما حصل للمسلمين عليها من الشدَّة مرة بعد أخرى، وبنوا مدينة بالقرب منها بالبرّ، وسموها المنشية. وأسوار دمياط التي هدمت من عمارة المتوكل العباسي (٣). وفي مستهل شعبان (٤): قبض الناصر يوسف صاحب دمشق وحلب على الناصر داود بن العظم بن العادل الذي كان صاحب الكرك، وبعث به إلى حمص، فاعتقل بها، وذلك لأشياء بلغته عنه خاف منها. وفي هذه السنة (٥): سار الملك الناصر يوسف بعساكره من دمشق إلى الديار المصرية، وصحبته من ملوك أهل بيته الصالح إسماعيل بن العادل بن أيوب والأشرف موسى صاحب حمص، وهو حينئذ صاحب تل باشر والرحبة وتدمر، والمعظم (٦) توران شاه بن السلطان صلاح الدين وأخوه نصرة الدين (٧) والأمجد حسن والظاهر شاذي (٨) ابنا الناصر داود بن المعظم عيسى بن العادل ابن أيوب، وتقي الدين عباس (٩) بن الملك العادل بن أيوب، ومقدم الجيش شمس الدين لؤلؤ الأرمني واليه تدبير المملكة، فرحلوا من دمشق يوم الأحد منتصف رمضان هذه السنة. ولما بلغ المصريين ذلك اهتموا لقتاله ودفعه. وبرزوا إلى السائح وتركوا الأشرف المسمى بالسلطان بقلعة الجبل. وأفرج أيبك حينئذ عن ولدي الصالح إسماعيل وهما المنصور إبراهيم والسعيد عبد الملك. وكانا معتقلين من حين استيلاء الصالح أيوب على بعلبك، وخلع عليهما ليتوهم

стр. 9285

الناصر يوسف صاحب الشام من أبيهما الصالح إسماعيل. والتقى العسكران المصري والشامي بالقرب من العباسية يوم الخميس عاشر ذي القعدة هذه السنة. وكانت الكسرة أولًا على عسكر مصر، فخاطر جماعة من المماليك الترك العزيزية على الملك الناصر صاحب الشام. وثبت المعز أيبك التركماني في جماعة يسيرة من البحرية، وانضاف جماعة من العزيزية مماليك والد الملك الناصر إلى المعزّ. ولما انكسرت (١) المصريون، وتبعتهم العساكر الشامية لم يشكوا في النصر بقي الملك الناصر تحت السناجق السلطانية في جماعة يسيرة من المتعممين لا يتحرك من موضعه. فحمل المعز التركماني بمن معه عليه فولى الناصر منهزمًا طالبًا جهة الشام، ثم حمل المعز على طلب شمس الدين لؤلؤ فهزمهم وأخذ لؤلؤ أسيرًا، فضربت عنقه صبرًا، وكذلك أسر الأمير ضياء الدين القيمري فضربت عنقه، وأسر يومئذ الصالح إسماعيل والأشرف موسى صاحب حمص والمعظم توران شاه ابن السلطان صلاح الدين، وأخوه نصرة الدين، ووصل عسكر الملك الناصر في أثر المنهزمين إلى العباسية، وضربوا بها دهليز الملك الناصر، وهم لا يشكون أن الهزيمة (تمت) (٢) على المصريين، فلما بلغهم هروب الملك الناصر اختلفت آراؤهم، فمنهم من أشار بالدخول إلى القاهرة وتملكها، ولو فعلوه لما كان بقي مع المعز من يقاتلهم به. فإن غالب المصريين المنهزمين وصلوا إلى الصعيد. ومنهم من أشار بالرجوع إلى الشام. وكان معهم تاج الملوك (٣) بن المعظم، وهو مجروح، وكانت الوقعة يوم الخميس، ووصل المنهزمون من المصريين إلى القاهرة في غد الوقعة نهار الجمعة، فلم يشك أهل مصر في ملك الملك الناصر ديار مصر، وخطب له في الجمعة المذكورة بقلعة الجبل بمصر. وأما القاهرة فلم تقم فيها في ذلك اليوم خطبة لأحد، ثم وردت البشرى بانتصار البحرية. ودخل أيبك التركماني والبحرية إلى القاهرة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة، ومعه الصالح إسماعيل تحت الاحتياط، وغيره من المعتقلين، فحبسوا بالقلعة وعقبت ذلك أخرج أيبك التركماني أمين الدولة (٤) وزير الصالح إسماعيل وأستاذ داره يغمور وكانا

стр. 9286

معتقلين من حين (استيلاء) (١) الصالح أيوب على بعلبك، فشنقهما على باب قلعة الجبل رابع عشر ذي الحجة. وفي ليلة (٢) الأحد: سابع عشرين ذي القعدة هجم جماعة على الملك الصالح عماد الدين بن إسماعيل بن الملك العادل بن أيوب وهو يمص قصب السكر، وأخرجوه إلى ظاهر قلعة الجبل من جهة القرافة وقتلوه، فدفن هناك، وعمره نحو خمسين سنة، وكانت أُمُّه رومية من حظايا الملك العادل. وفيها (٣): بعد هزيمة الملك الناصر صاحب الشام، سار فارس الدين أقطاي بثلاثة آلاف فارس إلى غزة فاستولى عليها ثم عاد إلى الديار المصرية. وفي هذه السنة: وَثَبَ (٤) على الملك المنصور عمر صاحب اليمن جماعة فقتلوه وهو عمر بن علي (بن) رسول، وكان والده علي بن رسول أستاذ دار الملك المسعود (٥) بن السلطان الملك الكامل. فلما سار الملك المسعود من اليمن قاصدًا الشام وتوفى (٦) استناب أستاذ داره علي بن رسول المذكور على اليمن. فاستقر نائبًا بها لبني أيوب، وكان لعلي المذكور إخوة فأحضروا إلى مصر وأخذوا رهائن خوفًا من استيلاء علي بن رسول على اليمن، واستمر علي المذكور نائبًا حتى مات قبل سنة ثلاثين وستمائة، واستولى على اليمن بعده ولده عمر على ما كان عليه أبوه من النيابة، فأرسل من مصر أعمامه ليعز ولده ويكونوا نوابًا موضعه، فلما وصلوا إلى اليمن قبض عمر المذكور عليهم واعتقلهم واستقل بملك اليمن حينئذ، وتلقب بالملك المنصور، واستكثر من المماليك الترك، فقتلوه في هذه السنة أعني سنة ثمان وأربعين وستمائة، واستقر بعده في ملك اليمن ابنه يوسف، وتلقب المظفر، وصفا له اليمن، وطالت أيام مملكته.

стр. 9287

سنة إحدى وخمسين إلى ستين وستمائة في سنة إحدى وخمسين: استقر (١) الصلح بين الناصر يوسف صاحب الشام وبين البحرية بمصر على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن، وللملك الناصر ما وراء ذلك، وكان نجم الدين الباذرائي رسول الخليفة هو الذي حضر من جهة الخليفة وأصلح بينهم على ذلك، ورجع كل إلى مقره. وفيها: قطع (٢) أيبك التركماني خبز حسام الدين بن أبي علي الهذباني فطلب دستورًا. فأعطاه، فسار إلى الشام، فاستخدمه الناصر بدمشق. وفيها: أفرج (٣) الملك الناصر يوسف عن (٤) الملك الناصر داود بن المعظم وكان قد اعتقله بقلعة حمص، وأفرج عنه بشفاعة الخليفة المستعصم، وأمره أن لا يسكن في بلاده، فرحل الناصر داود إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها، وطلب وَدِيعَتُه الجوهر فمنعوه إياها. وكَتَبَ الملك الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف أن لا يأووه ولا يجيروه. فبقي الناصر داود في جهات عنه والحديثة، وضاقت به الحال وبمن معه، وانضم إليه جماعة [من] (٥) غزية فبقي معهم يرحلون وينزلون جميعًا، ثم لما (٦) قوي الحر، ولم يبق بالبرية عشب، قصدوا أزوار الفرات يقاسون بق الليل وهواجر النهار، وكان معه أولاده، وكان لولده الطاهر شاذي فهد، وكان يتصيد بالنهار عشرة غزلان (٧). وكان يمضي للناصر داود وأصحابه أيامًا لا يطعمون غير الغزلان. واتفق أن الأشرف صاحب تل باشر وتدمر والرحبة يومئذ أرسل إلى الناصر داود مركبين مُوَسَّقَيْن دقيقًا وشعيرًا، فأرسل الناصر يوسف وتهدده على ذلك، ثم إن الناصر داود قصد مكانًا للشرابي (٨) واستجار به، فرتب له الشرابي شيئًا دون كفايته وأذِنَ لَهُ في النزول بالأنبار، وبينها وبين بغداد ثلاثة أيام، والناصر داود مع ذلك يتضرع إلى الخليفة المستعصم فلا

стр. 9288

يجيب ضراعته، ويطلب وديعته فلا يرد لهفته ولا يجيبه إلا بالمماطلة والمطاولة، وكان مدة مقامه متنقلا في الصحارى مع الغزية ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة وشفع فيه عند الناصر يوسف، فقبل شفاعته، وأذن له في العود إلى دمشق، ورتب له مائة ألف درهم على بحيرة فامية (١) وغيرها، فلم يتحصل له من ذلك إلا دون الثلاثين ألف درهم. وفيها: وصلت (٢) الأخبار من مكة إن نارا ظهرت من عدن وبعض جبالها بحيث كانت تظهر بالليل، ويرتفع منها في النهار دخان عظيم. ذكر أخبار الحفصيين ملوك تونس (٣): وإنما ذكرناهم في هذه السنة لأنها كانت كالمتوسطة لمدة ملكهم. قال (٤): والحفصيون (٥) أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي. وهنتاتة بتائين مثناتين من فوقهما قبيلة من المصامدة، ويزعمون أنهم قرشيون من بني عدي بن كعب رهط عمر بن الخطاب ﵁. وكان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب ابن تومرت (٦) بعد عبد المؤمن (٧)، وتولى ولده عبد الواحد بن أبي حفص إفريقية نيابة عن بني عبد المؤمن في سنة ثلاث وستمائة، ومات سلخ الحجة سنة ثمان عشرة وستمائة، فتولى أبو العلاء من بني عبد المؤمن، ثم توفي، فعادت إفريقية إلى ولاية الحفصيين،

стр. 9289

وتولى منهم عبد الله بن عبد الواحد ابن أبي حفص في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ولما تولى ولى أخاه أبا زكريا يحيى قابس (١). وأخاه أبا إبراهيم إسحاق بلاد الجريد (٢). ثم خرج على عبد الله وهو على قابس أصحابه ورجموه وطرده، وولوا موضعه أخاه أبا زكريا بن عبد الواحد سنة خمس وعشرين (٣) وستمائة، فنقم بنو عبد المؤمن على أبي زكريا ذلك، فأسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، وبقي اسم المهدي وخلع طاعة بني عبد المؤمن، وتملك إفريقية، وخطب لنفسه بالأمير المرتضى، واتسعت مملكته، وفتح تلمسان والغرب الأوسط وبلاد الجريد والزاب. وبقي كذلك إلى أن توفي على بونة (٤) سنة سبع وأربعين وستمائة وأنشأ في تونس بنايات عظيمة شامخة. وكان عالمًا بالأدب، وخلف أربع بنين وهم: أبو عبد الله محمد، وأبو إسحاق إبراهيم، وأبو حفص عمر، وأبو بكر وكنيته أبو يحيى، وخلَّف أخوين وهما: أبو إبراهيم إسحاق ومحمد اللحياني ابني عبد الواحد بن أبي حفص وكان محمد اللحياني صالحًا منقطعًا يتبرك به. ثم تولى بعده ابنه أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا رغم سعي عمه في خلعه، فخلع وبايع لأخيه محمد اللحياني الزاهد على كره منه لذلك. فجمع أبو عبد الله محمد المخلوع أصحابه في يوم خلعه وشدَّ على عميه فقهرهما وقتلهما واستقر في ملكه، وتلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد ابن الأمراء الراشدين. وفي أيامه سنة ثمانٍ وستين وستمائة وصل الفرنسيس إلى إفريقية بجموع الفرنج، وأشرفت إفريقية على الذهاب فعصمه الله ومات الفرنسيس، وتفرقت جموعه. وفي أيامه خاف أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي زكريا، فهرب ثم أقام بتلمسان، وبقي المستنصر المذكور حتى توفي ليلة حادي عشر ذي الحجة سنة خمس وسبعين وستمائة. فملك ابنه يحيى بن محمد بن زكريا، وتلقَّب بالواثق بالله أمير المؤمنين. وكان ضعيف الرأي فتحرك عليه عمه أبو إسحاق الذي هرب وأقام بتلمسان، وغلب على الواثق، فخلع نفسه، واستقر أبو إسحاق إبراهيم في المملكة في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين

стр. 9290

وستمائة، وخطب لنفسه بالأمير المجاهد وترك زي الحفصيين، وأقام على زي زناتة، وعكف على الشرب، وفرق المملكة (١) على أولاده، فوثبت (٢) أولاده على الواثق المخلوع فذبحوه، وذبحوا معه ولديه الفضل والطيب، وسلم للواثق ابن صغير تلقب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء عصيدة فيها دواء ويهدونها للنسوان (٣)، وعملت أم الصبي ذلك، فلقبوا ابنها أبو عصيدة (٤)، ثم ظهر إنسان ادعى أنه الفضل بن الواثق الذي ذُبح مع أبيه، واجتمعت عليه الناس، وقصد أبا إسحاق إبراهيم وقهره فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، وفيها ابنه أبو فارس عبد العزيز فترك أبو فارس (٥) أباه ببجاية وسار في أخوته وجمعه إلى الدَّعي بتونس، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، وقتل أبو فارس وثلاثة من إخوته، ونجا له أخ اسمه يحيى وعمه أبو حفص عمر بن زكريا. ولما هزم الدَّعي عسكر بجاية وقتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم وجاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعي، واجتمعت العرب على عمر بن زكريا بعد هروبه من المعركة، وقوي أمره وقصد الدعي بتونس وقهره. و استقر الدَّعي في بيت بعض التجار بتونس، ثم أحضر واعترف بنفسه فضربت عنقه، وكاد الدَّعي المذكور من أهل بجاية واسمه أحمد بن مرزوق ابن أبي عمار، وكان أبوه يتجر إلى بلاد السودان. وكان الدَّعي المذكور محارفًا قصيفًا، وسار إلى ديار مصر، ونزل بدار الحديث الكاملية (٦)، ثم عاد إلى الغرب، فلما مر على طرابلس كان هناك شخص أسود يسمَّى نصيرًا وكان خصيصًا بالواثق المخلوع، وقد هرب لما جرى للواثق ما جرى وكان في الدَّعي بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، فاجتمعت عليه العرب، وكان منه ما ذكرناه، حتى

стр. 9291

قتل. وكان الدعي يخطب له بالخليفة المنصور بالله، القائم بحق الله أمير المؤمنين، أبو العباس الفضل. ولما استقر أبو حفص عمر في المملكة وقَتَلَ الدُّعي تلقب بالمستنصر بالله أمير المؤمنين، وهو المستنصر الثاني، ولما استقر في المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبي زكريا الذي سلم من المعركة إلى بجاية وملكها، وتلقب بالمنتخب لإحياء دين الله أمير المؤمنين، واستمر المستنصر الثاني أبو حفص عمر بن أبي زكريا في مملكته حتى توفي في أوائل محرم سنة خمس وسبعين وستمائة. ولما اشتد مرضه بايع لابن له صغير. فاجتمعت (١) الفقهاء وقالوا له: أنت صائر إلى الله، وتولية مثل هذا لا يحلّ، فأبطل بيعته، وأخرج ولد الواثق المخلوع الذي كان صغيرًا وسلم من الذبح الملقب بأبي عصيدة أبا عبد الله محمد فلقب بالمستنصر أيضًا، وهو المستنصر الثالث، وتوفي أيامه صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم بن أبي زكريا. وملك بجاية بعده ولده خالد، وبقي أبو عصيدة كذلك حتى توفي سنة تسع وسبعمائة، فملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب ابن تومرت. وأقام في الملك ثمانية عشر يومًا، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية ودخل تونس، وقتل أبا بكر المذكور سنة تسع وسبعمائة. ولما جرى ذلك كان اللحياني بمصر. فسار مع عسكر السلطان الملك الناصر إلى طرابلس الغرب وبايعه العرب، وسار إلى تونس، فخلع خالد بن المنتخب، وحبس. ثم قتل قصاصًا بأبي بكر بن عبد الرحمن المقدم الذكر. واستقر اللحياني في ملك إفريقية وهو ابن يحيى (٢) زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد اللحياني بن عبد الرحمن بن أبي حفص صاحب ابن تومرت، ثم تحرك على اللحياني أخو خالد بن المنتخب وهو أبو بكر بن يحيى المنتخب، فهرب اللحياني إلى ديار مصر وأقام بالإسكندرية. وملك أبو بكر بن يحيى المنتخب تونس وما معها خلا طرابلس والمهدية، فإنه بعد هروب اللحياني بايع ابنه محمد لنفسه واقتتل مع أبي بكر، فهزمه أبو بكر واستقر محمد بن اللحياني بالمهدية وله معها طرابلس. وكان استيلاء أبي بكر وهروب اللحياني إلى ديار مصر في سنة تسع عشرة وسبعمائة.

стр. 9292

وأقام اللحياني في الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس في ذي العقدة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة إلى الإسكندرية يذكرون فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور، قد هرب وترك البلاد، وأن الناس قد أجابوا إلى طاعة اللحياني، وبايعوا نائبه، وهو محمد بن أبي بكر من الحفصيين، وهو صهر زكريا اللحياني المذكور، وهم في انتظار اللحياني إلى مملكته. أقول (١): وقد بقيت مملكة إفريقية، فهرب منها لاستيلاء العرب عليه. وفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة: اغتال (٢) المعز التركماني المستولي مصر خوشداشة (٣) الفارس أقطاي الجمدار، وأوقف له في بعض دهاليز الدور التي بقلعة الجبل ثلاث مماليك، وهم قطز وبهادر وسنجر الغنمي، فلما مر بهم أقطاي ضربوه بسيوفهم، ولما علمت البحرية ذلك هربوا من الديار المصرية إلى الشام. وكان الفارس أقطاي يمنع أيبك من الاستقلال بالسلطنة، وكان الاسم للملك الأشرف موسى بن يوسف بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، فلما قتل أقطاي استقل المعز بالسلطنة، وأبطل الأشرف موسى المذكور منها بالكلية، وبعث به إلى عماته القطبيات (٤). وموسى المذكور آخر من خطب له من بيت أيوب بالسلطنة بمصر. وكان انقضاء دولتهم من الديار المصرية في هذه السنة على ما شرحناه. ووصلت البحرية إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام وأطمعوه في ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكره ونزل عمقا (٥) من الغور. وأرسل إلى غزة عسكرًا فنزلوا بها. وبرز المعز التركماني إلى العباسية، وخرجت السنة وهم على ذلك.

стр. 9293

وفيها (١): قدمت ملكة خاتون بنت كيقباذ ملك الروم إلى زوجها الملك الناصر صاحب الشام. وفي سنة ثلاث وخمسين (٢): عزمت العزيزية المقيمون مع المعز أيبك على القبض عليه، وعلم بذلك، فاستعد لهم فهربوا من مخيمهم على العباسية (٣) على حمية واحتيط على وطاقاتهم (٤) جميعًا. وفيها (٥): تزوج المعز أيبك شجرة الدر أم خليل التي خُطب لها بالسلطنة بديار مصر. وفيها (٦): طلب الناصر داود من الناصر يوسف دستورًا إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة، وهو الجوهر الذي تقدم ذكره، وأن يمضي إلى الحج، فأذن له الناصر يوسف في ذلك، فسافر الناصر داود إلى كربلاء ثم منها إلى الحج. ولما رأى قبر النبي ﷺ ، تعلَّق في أستار الحجرة الشريفة بحضور الناس، وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، داخلًا عليه ومستشفعًا به إلى ابن عمه المستعصم، في أن يرد عليَّ وديعتي، فأعظم الناس ذلك. وجَرَتْ عَبراتهم، وارتفع بكاؤهم، وكتب بصورة ما جرى مشروح، ودفع إلى أمير الحاج، وذلك يوم ثامن عشر ذي الحجة، وتوجه الناصر داود مع الحاج العراقي وأقام ببغداد. وفي سنة أربع وخمسين: توف كخسرو (٧) ملك الروم، وأقيم في السلطنة ولداه الصغيران عز الدين كيكاوس (٨) وركن الدين قليج أرسلان. وفيها (٩): توجه كمال الدين ابن العديم (١٠) رسولًا من الناصر يوسف صاحب

стр. 9294

الشام إلى الخليفة المستعصم ومعه تقدمة جليلة، وطلب خلعة من الخليفة لمخدومه، ووصل من مصر من جهة المعز التركماني شمس الدين سنقر الأقرع (١) وهو من مماليك المظفر غازي صاحب ميافارقين إلى بغداد بتقدمة جليلة، وسعى في تعطيل خلعة الناصر متحيرًا، ثم أنه أحضر سكينًا من اليشم (٢) كبيرة، وقال الخليفة لوزيره (٣) اعط هذه السكين لرسول صاحب الشام علامة مني أن له عندي خلعة في وقت آخر، وأما في هذا الوقت فلا يمكنني، فأخذ كمال الدين ابن العديم السكين وعاد إلى الناصر يوسف بغير خلعة. وفيها (٤): جرى للناصر داود على الخليفة ما صورته أنه لما أقام ببغداد بعد وصوله مع الحجاج واستشفاعه بالنبي ﷺ في ردّ وديعته، أرسل الخليفة المستعصم من حاسب الناصر المذكور فيما وصله في ترداده إلى بغداد من المضيف مثل اللحم والخبز والحطب والعليق والتبن وغير ذلك، وثمن عليه ذلك بأغلى الأثمان، وأرسل إليه شيئًا نزرًا، وألزمه أن يكتب خطه بقبض وديعته، وأنه ما بقي يستحق عند الخليفة شيئًا. فكتب خطه بذلك كرهًا، وسار عن بغداد، وأقام مع العرب، ثم أرسل إليه الناصر يوسف صاحب الشام فحلف له وطيب قلبه. فقدم الناصر داود دمشق، ونزل الصالحية. وفيها (٥): في يوم الأحد ثالث شوال، توفي سيف الدين طغريل مملوك الملك المظفر. وفي سنة خمس وخمسين: قتل (٦) المعز التركماني الجاشنكير الصالحي. قتلته امرأته شجرة الدر التي كانت امرأة أستاذه الملك الصالح أيوب، وهي التي خطب لها بالسلطنة بديار مصر. وكان سبب ذلك أنه بلغها أن المعز قد خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ويريد

стр. 9295

الدخول بها، فقتلته في الحمام بعد عوده من لعب الكرة في النهار المذكور، وكان الذي قتله سنجر الجوهري مملوك الطواشي محسن والخدام حسبما اتفقت معهم، وأرسلت في تلك الليلة إصبع المعز وخاتمه إلى الأمير عز الدين الحلبي الكبير، وطلبت منه أن يقوم بالأمر فلم يجسر على ذلك. ولما ظهر الخبر أراد مماليك المعز قتل شجر الدر فحماها المماليك الصالحية. واتفقت الكلمة على إقامة نور الدين علي (١) ابن الملك المعز أيبك، ولقبوه بالملك المنصور، وعمره حينئذ خمس عشرة سنة (٢)، ونقلت شجرة الدر من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، وصلبوا الخدام الذين اتفقوا معها على قتل المعز، وهرب سنجر الجوهري، ثم ظفروا به وصلبوه، واحتيط على الصاحب بهاء الدين علي بن جنا لكونه وزير شجر الدر، وأخذ خطه بستين ألف دينار. وفي (٣) يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر هذه السنة: اتفقت مماليك المعز مثل سيف الدين قطز وسنجر الغتمي وبهادر، وقبضوا على علم الدين سنجر الحلبي (٤)، وكان قد صار أتابكًا للملك المنصور علي بن المعز، ورتبوا في الأتابكية أقطاي المستعرب الصالحي. وفي (٥) سادس ربيع الآخر من هذه السنة: قُتلت شجرة الدر، وأُلقيت خارج البرج فحملت إلى تربة كانت عند عمتها فدفنت فيها. وكانت تركية الأصل، وقيل أرمنية، وكانت مع الملك الصالح في الاعتقال بالكرك، وولدت منه ولدًا اسمه خليل مات صغيرًا، وبعد ذلك بأيام خنق شرف الدين الفائزي. وفي (٦) هذه السنة: نقل إلى الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز صاحب الشام أن البحرية يريدون أن يفتكوا به، فاستوحش منهم خاطره، وتقدم إليهم بالانتزاح عن دمشق، فساروا إلى غزة وانتموا إلى الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل، وانزعج أهل مصر لقدوم البحرية إلى غزة. وبرزوا إلى العباسية،

стр. 9296

ووصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة منهم عز الدين الأفرم، فأكرموهم، وأفرجوا عن أملاك الأفرم، ولما فارق البحرية الناصر صاحب الشام أرسل عسكرًا في أثرهم فكبس البحرية ذلك العسكر ونالوا منه. ثم أنَّ عسكر الناصر بعد الكبسة كسر البحرية فانهزموا إلى البلقاء وإلى زعزع ملتجئين إلى المغيث صاحب الكرك، فأنفق فيهم المغيث أموالًا جليلة وأطمعوه في ملك مصر، فجهزهم بما احتاجوه، وسارَتْ البحرية إلى جهة مصر وخرجَتْ عساكر مصر لقتالهم، والتقى المصريون مع البحرية وعسكر المغيث بكرة السبت منتصف القعدة من هذه السنة. فانهزم عسكر المغيث والبحرية وفيهم بيبرس البندقداري المسمى بعد ذلك بالملك الظاهر إلى جهة الكرك. وفيها (١): وصل من الخليفة المستعصم الخلعة، والطوق والتقليد إلى الملك الناصر يوسف بن عبد العزيز على يد الشيخ نجم الدين البادرائي (٢). فقال في ذلك الشهاب الموقاني (٣): يا أيها الملك الذي أضحى الورى … من فعله في نعمة ومزيد إني عهدتك في العلوم مقلّدًا … فعجبتُ كيف أتيت بالتقليد وفيها (٤): استجار الناصر داود بنجم الدين البادرائي في أن يتوجه صحبته إلى بغداد، فأخذه صحبته، وتوصل الناصر يوسف صاحب دمشق إلى منعه من ذلك، فلم يتهيأ له ذلك. وسار الناصر داود من البادرائي إلى قرقيسيا، فأخره الباذرائي ليشاور عليه، فأقام الناصر داود تقريبًا بقرقيسيا ينتظر الأذن له في القدوم إلى بغداد، فلم يؤذن له، فطال مقامه فسار إلى البرية، وقصد تيه بني إسرائيل، وأقام مع عرب تلك البلاد. وفيها (٥): أو التي قبلها ظهرت نار بالحرة عند مدينة الرسول ﷺ

стр. 9297

وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جدًا، ولعلها النار التي ذكرها رسول الله ﷺ من علامات الساعة، فقال: نار تظهر بالحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى، ثم اتفق أن الخدام بحرم النبي ﷺ وقع منهم في بعض الليالي تفريط، فاشتعلت النار في المسجد الشريف، فاحترقت سقوفه ومنبر النبي ﷺ ، وتألم الناس لذلك. وفي (١) سنة ست وخمسين: كان استيلاء التتر على بغداد وانقراض الدولة العباسية. وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضيًا، وكان أهل الكرخ روافض، فجرت فتنة بين السنة والرافضة فأمر أبو بكر بن الخليفة وركن الدين الدوادار العسكر فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء وركبوا منهنّ الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد (٢)، وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتر إقطاعاتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس. وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه يطلبهم، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم وفي مقدمتهم ركن الدين الدوادار والتقوا على مرحلتين من بغداد. واقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم عسكر الخليفة ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هؤلاء على بغداد من الجانب الشرقي، نزل باجو وهو مقدم كبير بالجانب الغربي قبالة دار الخليفة، وخرج مؤيد الدين بن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة وقال: إن هولاكو يبقيك بدار الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته بابنك أبي بكر، وحسن له الخروج إلى هولاكو، فخرج المستعصم في جمع من أكابر أصحابه، فأنزل في خيمة ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل. فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون. وكان منهم:

стр. 9298

محيي الدين الجوزي (١) وأولاده (٢)، وبقي كذلك يخرج إلى التتر طائفة بعد طائفة، فلما تكاملوا قتلوهم عن آخرهم، ثم مدُّوا الجسر، وعدًا باجو ومن معه، وبذلوا السيف في بغداد، وهجموا دار الخلافة وقتلوا مَنْ كان فيها من الأشراف، ولم يسلم إلا مَنْ كان صغيرًا. فأخذ ودام القتل والنهب في بغداد أربعين يومًا، ثم نودي بالأمان. وأما الخليفة فإنهم قتلوه، ولم يقع اطلاع على كيفية قتله، فقيل خُنق، وقيل وضعوه في عدل ورفسوه حتى مات، وقيل غرق في دجلة، والله أعلم. وكان هذا المستعصم (وهو) (٣) أبو أحمد عبد الله بن المستنصر أبي جعفر منصور بن محمد بن الظاهر بن الإمام الناصر احمد، وتقدم ذكر باقي نسبه عند وفاة الإمام الناصر، ضعيف (٤) الرأي، وقد غَلَب أمراء دولته لسوء تدبيره، تولى الخلافة بعد موت أبيه المستنصر في سنة أربعين وستمائة، وكانت مدة خلافته نحو ستة عشر سنة تقريبًا، وهو آخر خلفاء بني العباس، وكان ابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهي السنة التي بويع فيها السفاح بالخلافة. وقتل فيها مروان الحمار آخر الخلفاء بني أمية. فكانت مدة ملكهم خمسمائة وأربعًا وعشرين سنة تقريبًا، وعدة خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة. حكى (٥) القاضي جمال الدين بن واصل قال: لقد أخبرني مَنْ أثق به أنه وقف على كتاب عتيق فيه ما صورته: أن علي بن عبد الله عباس بن عبد المطلب، بلغ خلفاء بني أمية عنه أنه يقول: إن الخلافة تصير إلى ولده فأمر الأموي بعلي بن عبد الله فحمل على جمل بعد أن ضُرب وطيف به. ونودي عليه عند ضربه هذا جزاء من يفتري ويقول: إن الخلافة تكون في ولده، فكان علي بن عبد الله يقول: أي والله لتكون الخلافة في ولدي. لا تزال فيهم حتى يأتيهم العلج من خراسان فينزعها منهم، فوقع

стр. 9299

مصداق ذلك، وهو ورود هولاكو، وإزالته ملك بني العباس. وفي هذه السنة: كانت (١) الواقعة بين المغيث (٢) صاحب الكرك وعسكر مصر. كان قد انضمت البحرية إلى المغيث بن العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب ونزل من الكرك، وخيم بغزة، وجمع الجموع، وسار إلى مصر في دست السلطنة وخرجت عساكر مصر مع مماليك الملك المعز أيبك وأكبرهم سيف الدين قطز والغتمي وبهادر، والتقى الفريقان، وانكسر الغيث ومن معه. وسار منهزمًا إلى الكرك في أسوأ حال، ونهب ثقله ودهليزه. وفي هذه السنة (٣): أعني سنة ست وخمسين: توفي الملك الناصر داود بظاهر دمشق في قرية يقال لها البويضا، ومولده سنة ثلاث وستمائة، وكان عمره نحو (٤) ثلاث وخمسين سنة. وكنا (٥) قد ذكرنا أخباره في سنة خمس وخمسين، وأنه توجه إلى تيه بني إسرائيل، وصار مع عرب تلك البلاد، وبلغ المغيث صاحب الكرك وصوله إلى تلك الجهة، فخشى منه، وأرسل اليه وقبض عليه، وحمله إلى الشوبك، وأمر بحفر مطموره ليحبسه فيها، وبقي الناصر ممسوكًا، والمطمورة تحفر قدامه ليحبس فيها، فبينما هو على تلك الحال إذْ وَرَدَ رسولُ الخليفة المستعصم من بغداد يطلبه لما قصده التتار ليقدمه على بعض العساكر. فلما ورد رسول الخليفة إلى دمشق جهز الناصر يوسف (٦) إلى المغيث، ووصل الرسول إلى الناصر داود قبل فراغ المطمورة، فأخذه وعاد به إلى دمشق. فبلغ الرسول استيلاء التتر على بغداد وقتل الخليفة، فتركه الرسول ومضى لشأنه. فسار الناصر داود إلى البويضا من قرى دمشق، وأقام بها ولحق الناس بالشام في تلك المدة طاعون مات منه الناصر داود، وخرج الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضا، وأظهر الحزن والآسف ونقله إلى الصالحية فدفنه بتربة

стр. 9300

والده المعظم. وكان الناصر داود فاضلًا ناظمًا نائرًا. وقرأ [العلوم] (١) العقلية على الشيخ شمس الدين عبد الحميد (٢) الخسروشاهي، تلميذ الإمام فخر الدين الرازي. وللناصر داود المذكور أشعار جيدة، قد تقدم ذكر بعضها، ومن شعره أيضًا (٣): [من الطويل] عيونٌ عن السحرِ المبينِ تُبيِّنُ … لها عند تحريكِ القلوبِ سكونُ تصولُ ببيضٍ وهي سودٌ فِرندُها … ذبولُ فتورٍ والجفونُ جُفونُ اذا ما رأت قلبًا خليًا من الهوى … تقولُ لهُ كُنْ مُغْرَمًا فيكُونُ وله (٤): [من الكامل] طرفي وقلبي قاتلٌ وشهيدُ … ودمي على خديك منه شهودُ أما (٥) وحبك لستُ أضمرُ سَلْوةً … عن صبوتي ودع الفؤاد يبيدُ مني (٦) بطيفك بعد ما منع الكرى … عن ناظري البعد والتسهيدُ ومن العجائب أن قلبك لم يكن لي … والحديد ألانه داود ومما كتب (به) (٧) في أثناء مكاتبته إلى الشيخ عز الدين (٨) بن عبد السلام، وكان قد أغارت الفرنج على نابلس في أيام الصالح أيوب صاحب مصر: ألا ليت أمي أيم طول عمرها … فلم يقضها ربِّي لمولى ولا بَعْلُ (٩) وياليته (١٠) لما قضاها لسيّد … لبيب أريب طيب الفرع والأصل

стр. 9301

قضاها من اللائي خُلِقْنَ عواقِرًا … فما بُشِّرتْ يومًا بأنثى ولا فَحْل ويا ليتها لما غَدَتْ بي حاملًا … أُصيبت بما احتفت (١) عليه من الحمل ويا ليتني لما ولدت وأصبحت … تشدُّ ازاري كنت أرمحت بالرجل (٢) لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم … ولم أر في الإسلام ما فيه من خِل (٣) وفي هذه السنة: قصدت (٤) التتر ميافارقين بعد ملكهم بغداد، وكان صاحب ميا فارقين حينئذ الملك الكامل محمد بن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن العادل أبي بكر بن أيوب. وكان قد ملكها بعد وفاة أبيه سنة اثنتين وأربعين وستمائة. فحاصره التتر وضايقوا ميافارقين مضايقة شديدة، وصبر أهل ميارفارقين مع الكامل المذكور على الجوع الشديد، ودام ذلك حتى كان منه ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها (٥): اشتد الوباء بالشام، خصوصًا دمشق، حتى لم يوجد مغسل الموتى. وفيها (٦): أرسل الملك الناصر يوسف صاحب الشام ولده الملك العزيز محمد (٧) وصحبته زين الدين المعروف بالحافظي، وهو من أهل قرية عقرباء من بلاد دمشق بتحف وتقادم إلى هولاكو ملك التتر، وصانعه لعلمه بعجزه عن مقاومته. وفيها (٨): كان بين البحرية بعد هزيمتهم من المصريين بين عسكر الناصر يوسف صاحب دمشق ومقدمهم الأمير مجير الدين بن أبي زكري مصاف بظاهر غزّة انهزم فيه عسكر الناصر يوسف. وأسر مجير الدين، وقوي أمير البحرية بعد هذه الكسرة، وأكثروا العبث والفساد. وفي سنة سبع وخمسين: سار (٩) عز الدين كيكاورس وركن الدين قليج أرسلان ابنا كيخسرو بن كيقباذ إلى

стр. 9302

خدمة هولاكو وأقاما معه مدة ثم عادا إلى بلادهما. وفي هذه السنة: توفي (١) بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ولقبه الملك الرحيم، وكان عمره قد جاوز ثمانين سنة، ولما مات ملك بعده ولده الملك الصالح الموصل، وملك سنجار ولده آخر علاء الدين، وكان بدر الدين قد صانع هولاكو، ودخل تحت طاعته، وحمل إليه الأموال، ووصل إلى خدمة هولاكو. بعد أخذ هولاكو ببلاد أذربيجان وكان صحبة لؤلؤ الشريف العلوي ابن صلايا (٢)، فقيل إن لؤلؤ سعى إلى هولاكو فقتل الشريف المذكور. ولما عاد لؤلؤ إلى الموصل لم يطل مقامه بها حتى مات. وطالت أيامه في ملك الموصل، فانه كان القائم بأمور أستاذه أرسلان شاه بن مسعود بن مودود ابن زنكي بن أقسنقر، وقام بتدبير ولده الملك القاهر، ولما توفي الملك القاهر في سنة خمسة عشرة وخمسمائة، انفرد لؤلؤ بالمملكة، وأقام ولدي القاهر الصغيرين واحدًا بعد آخر، واستبد بملك الموصل وبلادها ثلاثًا وأربعين سنة تقريبًا، ولم يزل في ملكه سعيدًا لم تطرقه آفة، ولم يختل لملكه نظام. وفي هذه السنة (٣): لما جرى من البحرية ما ذكرناه من كسر عسكر الناصر يوسف سار الناصر المذكور من دمشق بنفسه وعساكره وسار في صحبته الملك المنصور صاحب حماه بعسكره في جهة الكرك، وأقام على بركة زيزاء (٤) محاصرًا للملك المغيث صاحب الكرك [بسبب حمايته للبحرية، ووصل إلى الملك الناصر رسل الملك المغيث صاحب الكرك] (٥) والقطبية بنت الملك الأفضل قطب الدين (٦) بن الملك العادل يتضرعون إلى الملك الناصر ويطلبون رضاه عن الملك المغيث فلم يجب

стр. 9303

إلى ذلك إلا بشرط أن المغيث يقبض على مَنْ عنده من البحرية، فأجاب المغيث إلى ذلك، وعلم بالحال ركن الدين بيبرس البندقداري فهرب في جماعة من البحرية إلى الناصر يوسف. فأحسن إليه، وقبض المغيث على مَنْ عنده من البحرية، ومن جملتهم سنقر الأشقر وتنكز وبرامق وأرسلهم على الحال إلى الملك الناصر فبعث بهم إلى حلب، واعتقلوا بها، واستقر الصلح بين الناصر وبين المغيث صاحب الكرك، وكان مدة مقام الناصر يوسف بالعساكر على بركة زيزاء ما يزيد على شهرين بقليل، ثم عاد إلى دمشق، وأعطى للملك المنصور صاحب حماه دستورًا، فعاد إلى بلده. وفي أواخر سنة سبع وخمسين (١): في أوائل ذي الحجة قبض سيف الدين قطز على ابن أستاذه الملك المنصور نور الدين علي بن المعز أيبك وخَلَعَه من السلطنة، وكان علم الدين الختمي وسيف الدين بهادر. وهما من كبار المعزية غائبين في رمي البندق (٢)، وانتهز قطز الفرصة في غيبتهما، وفعل ذلك. ولما حضر الغنمي وبهادر المذكوران قبض عليها أيضًا واستقر قطز في ملك الديار المصرية. وتلقب بالملك المظفر، وكان رسول صاحب الشام وهو كمال الدين بن العديم قد قدم إلى مصر في أيام المنصور علي بن المعز مستجيرًا على التتر، واتفق خلع علي المذكور وولاية قطز بحضرة كمال الدين ابن العديم فلما استقر قطز في السلطنة أعاد جواب الملك الناصر أنه ينجده ولا يقعد عن نصرته، وعاد ابن العديم بذلك. وفي هذه السنة (٣): قصد هولاكو البلاد التي شرقي الفرات، ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزرية، وأرسل ولده شموط (٤) بن هولاكو إلى الشام فوصل إلى ظاهر حلب في العشر الأخير في ذي الحجة هذه السنة، وكان الحاكم بحلب الملك المعظم توران شاه بن السلطان صلاح الدين نائبًا عن ابن ابن أخيه الملك الناصر فخرج عسكر حلب لقتالهم وخرج المعظم، ولم يكن من رأيه الخروج. وأكمن لهم التتر في الباب المعروف بباب الله (٥). وتقاتلوا عند بانقوسا (٦)، فاندفع التتر قدامهم حتى

стр. 9304

خرجوا (١) عن البلد، ثم عادوا عليهم، وهرب المسلمون طالبين المدينة، والتتر يقتلون فيهم (٢) حتى دخلوا البلد، واختنق في أبواب البلد جماعة من المسلمين (٣)، ثم وصل التتر إلى إعزاز فتسلموها بالأمان. ولما بلغ الناصر يوسف صاحب الشام قصد التتر حلب برز من دمشق إلى برزة (٤). في أواخر السنة، وجفل الناس من بين يدي التتر، وسار الملك المنصور صاحب حماه إلى دمشق، ونزل مع الناصر ببرزة، وكان هناك مع الناصر يوسف بيبرس البندقداري من حيث هرب من الكرك والتجأ إلى الناصر، واجتمع عند الناصر على برزة أمم عظيمة من العساكر والجفال، فدخلت سنة ثمان وخمسين (٥)، والملك الناصر على برزة، ثم بلغه أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به، فهرب من الدهليز إلى قلعة دمشق. وبلغ مماليكه (الذين) (٦) قصدوا (ذلك) (٧) علمه بهم فهربوا على حمية إلى غزة. وكذلك بيبرس البندقداري إلى غزة، وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الملك الناصر، وإنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الملك الظاهر غازي (٨) بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين لشهامته. ولما جرى ذلك هرب الملك الظاهر المذكور خوفًا من أخيه الملك الناصر، وكان الظاهر المذكور شقيق الناصر، وأمهما تركية (٩)، ووصل الملك الظاهر إلى غزة واجتمع عليه من بها من العسكر، وأقاموه سلطانًا. ولما جرى (١٠) ذلك كاتب بيبرس البندقداري الملك المظفر قطز صاحب مصر، فبذل له الأمان، ووعده، ففارق بيبرس البندقداري الشاميين وسار إلى مصر مع جماعة من أصحابه. فأقبل عليه الملك المظفر قطز، وأنزله في دار الوزارة، وأقطعه قيلوب (١١) وأعمالها.

стр. 9305

وفي سنة ثمان وخمسين: في يوم الأحد (١)، تاسع صفر، كان استيلاء التتر على حلب، وسببه أن هولاكو عبر الفرات بجموعه، ونازل حلب. وأرسل هولاكو إلى الملك المعظم توران شاه نائب السلطنة بحلب يقول: أنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر، فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة. وبالقلعة شحنة، ونحن نتوجه إلى العسكر فإن كانت الكسرة على الإسلام (٢)، وكانت البلاد لنا، وتكونون قد حقنتم دماء المسلمين، وإن كانت الكسرة علينا (٣)، كنتم مخيرين في الشحنتين، إن شئتم طردتموها، وإن شئتم قتلتموها، فلم يجب المعظم إلى ذلك، وقال: ليس لكم عندنا إلا السَّيف. وكان (٤) رسول هولاكو إليهم في ذلك صاحب أرزن الروم (٥)، فتعجب من الجواب، وتألم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك. وأحاط التتر بحلب ثاني صفر. وهجموا النواثر (٦) في غد ذلك اليوم، وقتل من المسلمين جماعة كبيرة، وممن قتل: أسد الدين (٧) بن الملك الظاهر بن صلاح الدين. واشتدَّت (٨) مضايقة التتر للبلد، وهجموه من عند حمام حمدان، في ذيل قلعة الشريف يوم الأحد ثاني صفر، وبذلوا السيف في المسلمين، وصعد إلى القلعة خلق عظيم ودام القتل والنهب من نهار الأحد المذكور إلى الجمعة رابع عشر صفر المذكور فأمر هولاكو برفع السيف، نودي بالأمان، ولم يسلم من أهل حلب إلا من التجأ إلى دار شهاب الدين بن عمرون ودار نجم الدين أخي مردكين ودار البازيار، ودار علم الدين قيصر الموصلي، والخانقاه التي فيها زين الدين الصوفي وكنيسة اليهود. وذلك لفرمانات (٩) كانت في أيديهم. وقيل أنه سلم بهذه الأماكن ما يزيد عن خمسين ألف نفس. ونازل التتر القلعة وحاصروها وبها

стр. 9306

المعظم ومن التجأ إليها من العسكر، واستمر الحصار عليها (إلى أن ما نذكر) (١). وكان (٢) قد تأخر بحماه الطواشي مرشد لما سار صاحب حماه إلى دمشق، فلما بلغ أهل حماه فتح حلب توجه الطواشي مرشد من حماه إلى الملك المنصور صاحب حماه بدمشق (٣)، ووصل كبراء حماه إلى حلب ومعهم مفاتيح حماه، وحملوها إلى هولاكو، وطلبوا منه الأمان لأهل حماه، وشحنة يكون عندهم، فآمنهم هولاكو، وأرسل إلى حماه شحنة رجلًا أعجميًا كان يدعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له خسرو شاه، فسار إلى حماه وتولاها. وأمن الناس، وكان بقلعة حماه مجاهد الدين قيماز أمير جندار، فسلم القلعة إليه، ودخل في طاعة التتر، ولما بلغ الملك الناصر بدمشق أخذ حلب رحل من دمشق بمن معه من العساكر إلى الديار المصرية، وفي صحبته الملك المنصور صاحب حماه، وأقام بنابلس أيامًا، ورحل عنها ونزلها الأمير مجير الدين ابن أبي زكي والأمير علي بن شجاع، ومعهما جماعة من العسكر، ثم سار الملك الناصر إلى غزة، فانضم إليه مماليكه الذين كانوا أرادوا قتله، وكذلك اصطلح معه أخوه الملك المظفر غازي، وانضم إليه خلق عظيم، ووصل التتر إلى نابلس، وكبسوا العسكر الذين بها، وقتلوا الأمير مجير الدين (٤) والأمير علي بن شجاع (٥)، وكانا أميرين جليلين فاضلين، وكان البحرية قد قبضوا عليهما واعتقلوهما بالكرك، وأفرج عنهما المغيث لما وقع الصلح بينه وبين الناصر، ولما بلغ الملك الناصر وهو بغزة ما جرى من كبسة التتر لنابلس رحل من غزة إلى العريش، وسير القاضي برهان الدين بن الحضر رسولًا إلى الملك المظفّر يطلب منه المعاضدة، ثم سار الملك الناصر والمنصور صاحب حماه والعسكر ووصلوا إلى قطيا (٦). فجرى فيها فتنة بين التركمان (٧) والأكراد الشهرزورية، ووقع نهب في الجفال، وخاف الملك الناصر أن يدخل مصر فيقبض عليه، فتأخر في قطيا،

стр. 9307

ورحلت العساكر والملك المنصور صاحب حماه إلى مصر، وتأخر من الملك الناصر جماعة يسيرة منهم أخوه الظاهر (١) والملك الصالح بن شيركوه صاحب حمص، وشهاب الدين القمري، ثم سار الملك الصالح بمن تأخر معه إلى تيه بني إسرائيل، ولما وصلت العساكر إلى مصر التقاهم المظفر قطز بالصالحية، وطيب قلوبهم، وأرسل إلى الملك المنصور صاحب حماه سنجقًا، والتقاه ملتقى حسنًا، وطيب قلبه، ودخل القاهرة، وأما التتر فإنهم استولوا على دمشق وعلى سائر الشام إلى غزة واستقرت شحانيهم بهذه البلاد، وأما قلعة حلب، فوثب جماعة من أهلها في مدة الحصار على صفي الدين بن طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين محمد بن عبد العزيز بن القاضي نجم الدين بن أبي عصرون فقتلوهما لأنهم اتهموها بمواطأة التتر، ودام الحصار على القلعة نحو شهرين، ثم سُلّمت بالأمان في يوم الاثنين الحادي عشر من ربيع الأول هذه السنة. ولما نزل أهلها بالأمان، وكان فيها جماعة من البحرية الذين حبسهم الملك الناصر منهم: سكز وبرامق وسنقر الأشقر، فسلمهم هولاكو وباقي الترك إلى رجل مع التتر يقال له سلطان حق، وهم من أكابر القفجاق هرب من التتر لما غلبت على القفجاق إلى حلب، فأكرمه الملك الناصر، فلم تطب له تلك البلاد، وعاد إلى التتر، وأما العوام والغرباء فنزلوا إلى أماكن الحمى التي قدمنا ذكرها. وأمر هولاكو أن يمضي كل من سلَّم إلى داره وملكه وأن لا يعارض، وجَعَلَ النائب بحلب عماد الدين القزويني، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص بن إبراهيم بن شيركوه (٢)، وكان قد انفرد الأشرف المذكور عن المسلمين، ولما توجه الناصر يوسف إلى جهة مصر، ووصل إلى هولاكو بحلب فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص، وكان قد أخذها منه الناصر صاحب حلب سنة ست وأربعين وستمائة وعوضه عنها تل باشر كما تقدم ذكره. فعادت إليه في هذه السنة، واستقر ملكه بها، وقدم أيضًا على هولاكو وهو نازل على حلب محي الدين بن الزكي من دمشق ومعه مفاتيحها، فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام. ولما عاد ابن الزكي المذكور إلى دمشق لبس خلعة هولاكو، وكانت مذهبة، وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق، وقرأ عليهم تقليد هولاكو، واستقر في القضاء، ثم رحل

стр. 9308

هولاكو إلى حارم، وطلب تسليمها، فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين والي قلعة حلب. فأحضره هولاكو فسلَّموها إليه، فغضب هولاكو وقتل أهل حارم عن آخرهم، وسبى النساء، ثم رحل بعد ذلك وعاد إلى الشرق، وأمر عماد الدين القزويني بالرحيل إلى بغداد، فسار إليها وجعل مكانه بحلب رجلًا أعجميًا. وأمر هولاكو بخراب أسوار قلعة حلب وخراب أسوار المدينة، فخربت عن آخرها. وأعطى هولاكو الأشرف موسى صاحب حمص الدستور، ففارقه ووصل حماه فنزل بدار المبارز، وأخذ في خراب سور حماه بتقدم هولاكو إليه، فخربت أسوارها وأُحرقت زَرْدَ خاناتها، وبيعت (الكتب) (١) التي في دار السلطنة بقلعة حماه بأبخس الأثمان. وأما أسوار مدينة حماه فلم تخرب لأنه كان بحماه رجل يقال له إبراهيم ابن الإفرنجية ضامن الجهة المفردة، بذل لخسروشاه جملة كبيرة من المال، وقال: الفرنج قريب منا بحصن الأكراد، ومتى خربت أسوار المدينة لم يقدر أهلها على المقام فيها، فأخذ منه المال ولم يتعرض لخراب أسوار المدينة، وكان قد أمر هولاكو الملك الأشرف صاحب حمص بخراب قلعة حمص، فلم يخرب منها إلا شيئًا قليلًا لأنها مدينته. وأما دمشق فإنهم لما ملكوا المدينة بالأمان لم يتعرضوا إلى قتل ونهب وعصت عليهم قلعة دمشق فحاصرها (٢) التتر، وجرى على أهل دمشق شدَّة عظيمة من عصيان القلعة، وضايقوا القلعة، وأقاموا عليها المناجيق، ثم تسلموها بالأمان في منتصف جمادى الأولى هذه السنة ونهبوا جميع ما فيها. وجدوا في خراب أسوار القلعة وإعدام ما بها من الزردخانات والآلات. ثم توجهوا إلى بعلبك، ونازلوا قلعتها. وفي هذه السنة: استولى (٣) التتر على ميافارقين، وقد تقدم ذكر نزولهم عليها في سنة ست وخمسين، ودام الحصار عليهم حتى فنيت أزوادهم، وفنى أهلها بالوباء وبالقتل، وصاحبها الملك الكامل محمد (٤) بن المظفر غازي ابن العادل أبي بكر بن أيوب مصابرًا ثابتًا، وضعف مَنْ عنده عن القتال. فاستولى التتر عليها وقتلوا صاحبها

стр. 9309

الملك الكامل المذكور، وحملوا رأسه على رمح وطيف به في البلاد، ومروا به على حلب وحماه ووصلوا به إلى دمشق في سابع عشرين جمادى الأولى، فطافوا به في دمشق بالمغاني والطبول وعلّق الرأس المذكور في شبكة بسور باب الفراديس إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين، فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ أبياتًا منها (١): إبْنُ غازي غزا وجاهد قومًا … أثخنوا في العراق والمشرقين ظاهرًا عاليًا ومات شهيدًا … بعد صبْرٍ عليهم عامين لم يشنه إذا طيف بالرأس منه … وله إسوة برأس الحسين ثم واروا في مشهد الرأس ذلك … الرأس واستعجبوا في الحالتين. وأما الملك الناصر يوسف، فإنه لما انفرد عن العسكر من قطية وسار إلى تيه بني إسرائيل بقي متحيرًا (٢) إلى أين يتوجه، وعزم على التوجه إلى الحجاز، وكان له طبردار (٣) اسمه حسين، فحسن له المضي إلى التتر وقصد هولاكو. فاغتر بقوله، ونزل ببركة زيزاء (٤)، وسار حسين الكردي إلى كتبغا نائب هولاكو، وعرفه بموضع الناصر، فأرسل كتبغا إليه وقبض عليه وأحضره إلى عجلون، وكانت بَعْدُ عاصية، فأمرهم الملك الناصر بتسليمها فسلمت إليهم، فهدموها. وكنا قد ذكرنا حصار التتر لبعلبك، فتسلموها قبل تسليم عجلون، وخربوا قلعتها أيضًا. وكان بالصبيبية صاحبها الملك السعيد بن الملك العزيز بن العادل فسلم الصبيبة إليهم، وصار الملك السعيد معهم، وأعلن بالفسق والفجور وسفك دماء المسلمين. وأما الملك الناصر يوسف فإن كتبغا بعث به إلى هولاكو، فوصل إلى دمشق، ثم إلى حماه، وبها الملك الأشرف صاحب حمص، فخرج إلى لقائه هو وخسروشاه النائب بحماه، ثم سارا إلى حلب، فلما عاينها الملك الناصر وما حلّ بها وبأهلها بكا وتألم وأنشد (٥):

стр. 9310

يعزُّ علينا أن نرى ربعكم يَبْلَى … وكانت به آيات حسنكم تُتْلَى ثم سار إلى الأردن فأقبل عليه هولاكو ووعده برده إلى مملكته. وفي خامس عشر شعبان: أخرج التتر من الاعتقال نقيب قلعة دمشق وواليها وضربوا أعناقهما بداريا. واشتهر عند أهل دمشق خروج العسكر من مصر لقتال التتر، فأوقعوا بالنصارى. وكان قد استطالوا على المسلمين بدق النواقيس وإدخال الخمر إلى الجامع، فنهبهم المسلمون في سابع عشرين رمضان وأخربوا كنيسة مريم، وكانت كنيسة عظيمة، وكانت كنيسة مريم في جانب دمشق الذي فتحه خالد بن الوليد بالسيف فبقيت بيد المسلمين، وكان ملاصق الجامع كنيسة وهي من الجانب الذي فتحه أبو عبيدة بن الجراح بالأمان، فبقيت بأيدي النصارى. فلما ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة خرب الكنيسة الملاصقة للجامع وأضافها إليه. ولم يعوض النصارى عنها. فلما ولي عمر بن عبد العزيز عوضهم كنيسة مريم عن تلك الكنيسة فعمروها عمارةً عظيمة، وبقيت كذلك حتى خربها المسلمون في التاريخ المذكور. وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان هذه السنة: كانت (١) هزيمة التتر على عين جالوت، وذلك لما اجتمعت العساكر الإسلامية بمصر، عزم الملك المظفر قطز. مملوك المعز أيبك على الخروج على الشام ولقتال التتر وسار من مصر بالعساكر الإسلامية وصحبته الملك المنصور محمد صاحب حماه وأخوه الملك الأفضل علي، وكان مسيره من الديار المصرية في أوائل رمضان من هذه السنة، ولما بلغ كتبغا، سار بجموعه والتقى الجمعان في اليوم المذكور، فانهزمت التتر هزيمة قبيحة، وأخذتهم سيوف المسلمين، وقتل مقدمهم كتبغا، واستؤسر ابنه، وتعلق من سلم مِنَ التتر برؤوس الجبال، وتبعهم المسلمون فأفنوهم، وهرب من سلم إلى الشرق، وجرد قطز ركن الدين بيبرس البندقداري في أثرهم فتبعهم إلى أطراف البلاد. وكان أيضًا في جهة التتر الملك الأشرف موسى صاحب حمص، ففارقهم وطلب (الأمان) (٢) من المظفر قطز فآمنه، ووصل إليه فأكرمه، وأقره على ما بيده وهو حمص ومضافاتها. وأما الملك العزيز صاحب الصبيبة، فإنه أمسك أسيرًا وأحضر إلى بين يدي

стр. 9311

المظفر قطز، فأمر بضرب عنقه بسبب ما كان اعتمده من سفك الدماء والفسق. ولما انقضى أمر المصاف، أحسن المظفّر قطز إلى الملك المنصور صاحب حماه وأقره على حماه وبارين وأعاد إليه المعرَّة وكانت في يد الحلبيين من حين استولوا عليها في سنة خمس وثلاثين وستمائة. وأخذ سلمية منه وأعطاها لأمير العرب. وأتم الملك المظفر السير بالعسكر وصحبته الملك المنصور صاحب حماه حتى دخل دمشق، وتضاعف شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم، فإن القلوب كانت يئست من النصر على التتر لاستيلائهم على معظم بلاد الإسلام، ولأنهم ما قصدوا إقليمًا إلا فتحوه، ولا عسكرًا إلا هزموه، فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم وبقدوم الملك المظفر قطز إلى الشام وفي يوم دخوله دمشق أمر بشنق جماعة منتسبين إلى التتر، فشنقوا، وكان من جملتهم حسين الكردي طبردار الملك الناصر يوسف، وهو الذي أوقع الناصر في أيدي التتر، وفي هذه النصرة، وقدم قطز إلى الشام يقول بعض الشعراء: هلك الكفر في الشام جميعًا … وأستجد الإسلام بعد دحوضه بالمليك المظفر الملك الأر … روع سيف الإسلام عند نهوضه ملك جاءنا بحزم وعزم … فاعتززنا بسمره وببيضه أوْجَبَ الله شكر ذاك علينًا … دائمًا مثل واجبات فروضه ثم أعطى قطز لصاحب حماة الدستور، فقدم الملك المنصور قدامه مملوكه ونائبه مبارز الدين أقوش (١) المنصوري إلى حماة، ثم سار الملك المنصور وأخوه الأفضل، ووصلا إلى حماة، ولما أستقر الملك المنصور بحماة قبض على جماعة كانوا مع التتر وأعتقلهم. وهنأ الشيخ شرف الدين شيخ الشيوخ (٢) المنصور بهذا النصر العظيم، وبعود المعرَّة، بقصيدة منها: [الكامل] رُعْتَ العدى فَضَمِنْتَ ثَلَ عروشها … ولقيتها فَأَخذْتَ تل جيوشها نازَلْتَ أملاك التتار فأنزَلَتْ … عن فحلها قسرًا وعن إكديشها فغدا لسيفك في رقاب كماتها (٣) … حصد المناجل في يبيس حشيشها فقت الملوك ببذل ما تحويه … إذ خَتَمَتْ خزائنها على منقوشها

стр. 9312

وطويت عن مصر فسيح مراحل … ما بين بركتها (١) وبين عريشها حتى حفظت على العباد بلادها … من رومها الأقصى إلى أحبوشها فرشت حماه لوطيء نعلك خدها … فوطئت عين الشمس من مفروشها وضربت سكتها التي أخْلَصْتَها … عما يشوب النقد من مغشوشها وكذا المعرة إذ بلغت قيادها … دَهَشَتْ سرورًا سار في مدهوشها طربت برجعتها إليك كأنما … سكرت (٢) بخمرة كاسها (٣) أو جيشها لا زلت تنعش بالنوال فقيرها … وتنال أقصى الأجر من مَنْعُوشِها وكان خسرو شاه قد سافر من حماه إلى جهة المشرق لما بلغه كسرة التتر. ثم جهز الملك المظفر قطز عسكرًا إلى حلب لحفظها، ورتب شمس الدين آقوش البرلي العزيزي أميرًا بالسواحل وغزّة، ورتّب معه جماعة من العزيزية، وكان البرلي المذكور من مماليك الملك العزيز محمد صاحب حلب. وسار في جملة العزيزية مع ولده الملك الناصر إلى قتال المصريين وخامر البرلي وجماعة من العزيزية على ابن أستاذهم الملك الناصر، وصاروا مع أيبك التركماني صاحب، مصر، ثم أن المذكورين قصدوا اغتيال المعزّ أيبك المذكور، فعلم بهم، فقبض على بعضهم، وهرب بعضهم، وكان البرلي المذكور من جملة من سلم وهرب إلى الشام، فلما وَصَلَ إلى الملك الناصر اعتقله بقلعة عجلون، فلما توجه الملك الناصر بالعساكر إلى الغور مندفعًا بين يدي التتر أخرج البرلي المذكور من حبس عجلون، وطيب خاطره، فلما هرب الملك الناصر من قطية، دخل شمس الدين البرلي إلى مصر مع باقي العساكر، فأحسن إليه قطز وولاه الآن السواحل وغزة. ثم إن المظفر قطز فوض السلطنة بدمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الحلبي، وهو الذي كان أتابك علي بن المعز أيبك. وفوض نيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكان المذكور قد وصل إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام ودخل مع العساكر إلى مصر، وصار مع المظفر قطز ففوّض إليه نيابة السلطنة بحلب، وكان سببه أن (أخاه) (٤) الملك الصالح بن لؤلؤ قد صار صاحب الموصل بعد أبيه فولاه حلب ليكاتبه أخوه بأخبار التتر. ولما استقر السعيد المذكور في نيابة حلب سار سيرةً رديئة،

стр. 9313

وكان دأبه التحيل على أموال الرعية. ولما قرر (١) الملك المظفر قُطُز المذكور الشام على ما شرحناه سار من دمشق إلى جهة الديار المصرية. وكان قد اتفق بيبرس البندقداري الصالحي مع أنص مملوك نجم الدين الرومي الصالحي والهاروني وعلم الدين صغن أغلى على قتل المظفر قطز. وساروا معه يتوقعون الفرصة، فلما صار قطز إلى القصير بطرف الرمل وبينه وبين الصالحية مرحلة، وقد سبق الدهليز والعسكر إلى الصالحية، فبينا قطز يسير إذ قامت أرنب بين يديه، فساق عليها، وساق هؤلاء المذكورون معه، فلما بعدوا تقدم إليه أنص وشفع عند الملك المظفر في إنسان فأجابه إلى ذلك، وأهوى ليقبل يده وقبض عليها، فحمل عليه بيبرس البندقداري حينئذ وضربه بالسيف، واجتمعوا عليه ورموه عن فرسه وقتلوه بالنشاب، وذلك في سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة، فكانت مدة ملكه إحدى عشر شهرًا، وثلاثة عشر يومًا، وساق بيبرس وأصحابه بعد مقتله حتى وصلوا إلى الدهليز بالصالحية. ولما (٢) وصل بيبرس المذكور هو والجماعة قاتلي المظفر قطز إلى الدهليز وكان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاي (٣) المستعرب، وهو الذي كان أتابكًا لعلي بن المعز أيبك بعد الحلبي (٤)، فلما تسلطن قطز أقره على نيابة السلطنة، فلما وصل بيبرس البندقداري (مع الجماعة الذين قتلوا قطز إلى الدهليز) (٥)، سألهم أقطاي (المستعرب المذكور) (٦) وقال: مَنْ قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا. قال له أقطاي: يا خوند (٧)، اجلس في مرتبة السلطنة، فجلس واستدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له في اليوم الذي قتل فيه قطز، واستقر بيبرس في السلطنة، وتلقب بالملك القاهر، ثم بعد ذلك غير لقبه، وتلقب بالملك الظاهر، لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك، ما لقب به أحد فطالت مدته، وكان الملك الظاهر المذكور وقد سأل من قطز النيابة بحلب فلم

стр. 9314

يجبه ليكون ما قَدَّرَهُ الله تعالى. ولما حلف الناس للملك الظاهر بالصالحية، ساق جماعة من أصحابه وسبق العسكر إلى قلعة الجبل ففتحت له، ودخلها، واستقرت قدمه في المملكة، وكانت قد زينت مصر والقاهرة لقدوم قطز، فاستمرت الزينة لسلطنة بيبرس في سابع عشر ذي القعدة. وفي (١) العشر الأخير في ذي القعدة: شرع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائب السلطنة بدمشق بعمارة قلعة دمشق، وجمع لها الصناع وكبراء الدولة والناس، وعملوا فيها حتى النساء أيضًا (٢)، وكان عند الناس بذلك سرور عظيم. وفي (٣) العشر الأول من (ذي الحجة): من هذه السنة أعني سنة ثمان وخمسين وستمائة جمع سنجر الحلبي الناس، وحلفهم لنفسه بالسلطنة فأجابه الناس إلى ذلك وحلفوا له، ولم يتأخر عنه أحد. ولقب بالملك المجاهد، وخطب له بالسلطنة وضربت السكة باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماه فلم يجبه، وقال صاحب حماه: أنا مع من يملك مصر كائنًا من كان. وقد (٤) ذكرنا أن الملك السعيد (٥) بن لؤلؤ صاحب الموصل كان قد أساء السيرة في حلب فأبْغَضَهُ العسكر، وبلغ الملك السعيد عود التتر إلى الشام وأنه قد وصل أولهم إلى البيرة، فجهز إلى جهتهم جماعة قليلة من العسكر وقدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصري، فأشار عليه (٦) كبراء العزيزية والناصرية بأن هذا ما هو مصلحة، وأن هؤلاء قليلون، فيحصل الطمع بسببهم في البلاد، فلم يلتفت إلى ذلك وأصر على مسيرهم، فسار سابق الدين أمير مجلس بمن معه حتى قاربوا البيرة، فوقع عليهم التتر، بعد أن قتل غالب مَنْ كان معه. فازداد غيظ الأمراء على الملك السعيد بسبب ذلك، فاجتمعوا وقبضوا عليه، ونهبوا وطاقه، وكان قد برز إلى الباب المعروف بباب الله. ولما استولوا على خزانته لم يجدوا فيها مالًا طائلًا، فهدده بالعذاب إن لم يقر لهم بماله، فنبش من تحت أشجار بباب الله خمسين ألف دينار مصرية ففرقت في الأمراء،

стр. 9315

وحمل الملك السعيد المذكور إلى الشُّغر وبكاس (١) معتقلًا، ثم (لما) (٢) اندفع العسكر من بين يدي التتر (أفرجوا عنه) (٣) ولما جرى ذلك اتفقت الأمراء العزيزية والناصرية، وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار (العزيزي ثم سارت التتر إلى حلب فاندفع حسام الدين الجوكندار) (٤) بعسكره بين أيديهم إلى جهة حماه، ووصل التتر إلى حلب في أواخر هذه السنة، وملكوها وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا، وهي مقر الأنبياء، فاختصرها الأعوام ولما اجتمعوا في قرنبيا بذل التتر فيهم السيف، فقتل أكثرهم، وسلم القليل منهم، ووصل حسام الدين الجوكندار ومن معه إلى حماه، فضيفه الملك المنصور صاحب حماه وهو مستشعر خائف من غدرهم، ثم رحلوا من حماه إلى حمص، فلما قارب التتر حماه خرج منها الملك المنصور، وبعده أخوه الملك الأفضل. والأمير مبارز الدين وباقي العسكر. واجتمعوا بحمص. فلما (٥) كان يوم الجمعة خامس محرم سنة تسع وخمسين وصل التتر (٦) إلى حمص، ووقع الاتفاق على لقائهم، فالتقوا بظاهر حمص في نهار الجمعة المذكورة، وكانت التتر ثلاثة عشر ألفًا بهادرية والمسلمون أقل من ألفي فارس (٧)، ففتح الله تعالى على المسلمين بالنصر، وانهزمت التتر، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون كيف شاؤا، ووصل المنصور إلى حماه بعد هذه الواقعة، وانضم من سلم إلى التتر إلى باقي جماعتهم، وكانوا نازلين قرب سلمية، واجتمعوا ونزلوا على حماه وبها صاحبها المنصور وأخوه الأفضل والعسكر، وأقام التتر على حماه يومًا واحدًا، ثم رحلوا عن حماه. وأراد المنصور بعد رحيل التتر السير إلى دمشق فمنعه العامة حتى استوثقوا منه أن يعود عن قريب، فسار هو وأخوه الأفضل في جماعة قليلة وبقي الطواشي مرشد في باقي الجماعة بحماه، ووصل المنصور إلى دمشق، وأما حسام الدين الجوكندار العزيزي، فتوجه بمن معه، ولم يدخل دمشق، ونزل بالمرج ثم سار
следующие страницы →