لمن بيده ملكوت السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وكلما عرف العبد ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله اثر هذا في دعاءه، وقوة رجائه، والوقوف والوثوق بقدرته، وكفايته وقضاء حاجته ويثمر طمأنينة القلب، وسعادته، وأنسه بالله وحده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وليس في الدنيا نعيمًا يشبه نعيم الجنة إلا نعيم معرفة الله والإيمان به ومحبته وعبادته بموجب ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وما ذكر اسم الله في قليلًا إلا كثره، ولا عند خوفًا إلا أزاله، ولا عند كربًا إلا كشفه، ولا عند همًا إلا فرجه، ولا تعلق به ضعيفًا إلا أفاده القوة، ولا تعلق به ذليلًا إلا أفاده العزة، ولا تعلق به مريضًا إلا أفاده بالشفاء، ولا تعلق به مضطرًا إلا كشف ضره: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
стр. 1262
٧ - الخزانة السابعة
الله ﷻ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، وأعظم العلوم وانفعها، وأحسنها وأولها وأوجبها، هو العلم بالله، وأسماءه، وصفاته، وأفعاله، لأن ذلك يثمر التعظيم لله، والحب لله، والذل والانكسار بين يديه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله سبحانه هو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل الذي توحد بجميع الكمالات وحده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وهو الأحد الذي لا شبيه له، ولا مثيل، ولا شريك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فالله هو الواحد الأحد، وهو الوتر الذي لا شريك له ولا مثيل، فهو الوتر وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هو الأول الذي ليس بعده شيء الذي لانهاية لوجوده: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
стр. 1263
هو الظاهر فوق كل شيء الذي ليس فوقه شيء الأعلى فوق كل شيء.
الباطن ليس دونه شيء القريب من كل شيء فلا شيء أقرب إلى شيئًا منه، المطلع على الخفايا
والسرائر ودقائق الأشياء.
هو الأول والأخر: الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر فما من أول إلا والله قبله، وما من
آخر إلا والله بعده، فسبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
وهو الظاهر والباطن الذي أحاط بكل ظاهرًا وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه الذي على فوق كل شيء بظهوره وأدناه من كل شيء ببطونه.
الظاهر بعلوه وعظمته، الباطن في قربه ودونه، هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، والظاهر والباطن الذي أحاطه ظاهريته وباطنيته بالمكان كله، فسبحان المحيط الذي أحاط بكل شيء، المحيط بجميع الزمان والمكان: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 1264
هو الأول الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي لا انتهاء لوجوده، الظاهر الذي على فوق كل شيء، الباطن الذي دنا من كل شيء، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، وما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
ومن عرف أن ربه هو الأول والآخر والظاهر والباطن آمن به، وسلم قلبه، وجوارحه لربه، وتوكل على الله وحده؛ لأن الأمر منه ابتدأ واليه يرجع: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦].
وأخلص عمله لله، وسارع إلى السبق في كل فضيلة، وابتعد عن كل معصية: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
وهو سبحانه الأول والآخر الذي جميع الخيرات والبركات جاءت منه، والغايات والنهايات كلها تنتهي إليه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وليس له سبحانه غاية ولا نهاية لا في وجوده ولا في مزيد فضله، ولا نهاية لحمده وعطاءه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
كل ما ازداد العبد لربه شكرًا زاده فضلًا: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وكلما ازداد له طاعة زاده مثوبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 1265
وكل ما ازداد العبد لله قربًا اقترب منه أكثر»: وَمَنِ اقْتَرَبَ مِنِّي شِبْرًا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنِ اقْتَرَبَ مِنِّي ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ بَاعًا»، وكل ما ازداد له ذكر ذكره ربه أكثر، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ» (١).
عظيم كريم لا يقف على غاية ولانهاية أبدًا، فالمؤمنون في الدنيا والآخرة في مزيدًا دائمًا بلا انتهاء: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥].
الله أول كل شيء وآخره هو المبتدي من فضله والإحسان حيث لا سبب، ولا وسيلة، وكما أن الله هو رب كل شيء وخالقه وبارئه فهو إلهه وغايته التي لإصلاح ولا فلاح له، إلا بأن يكون الله وحده غايته، ونهايته ومقصودة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وقال الله : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٥٠].
أعظم العلوم، وأنفثها، وأنفعها هو العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والعلم بخزائنه، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بوعده ووعيده: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، هو الكبير في ذاته العظيم في صفاته، العلى في قدره وشأنه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 1266
هو الكبير الذي كل شيئًا دونه ولا شيء أعظم منه، الكبير والأكبر في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الذي صغر دون جلاله كل كبير، وكل مخلوقًا سواه صغير: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
هو الكبير الذي كبر عن شبه المخلوقين وكبر عن المثيل والشبيه وكبر عن صفات النقص والعيب الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته الذي من كبريائه وعظمته أن: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
والكبرياء لله يتضمن العظمة والكبرياء أعظم منها، فمن عرف أن ربه هو الكبير أكثر من تكبيره، وعظم أوامره، وخاف منه وخشع له، وأحبه وحمده وشكره ومجده، وافرضه بالعبادة، وأطاع أمره، واجتنب نهيه، وانقض لحكمه، وعظم أوامره، وحرماته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
فسبحان العلى الكبير الذي كبر وعلى في ذاته، فلا اكبر ولا أعظم منه، وسبحان الكبير في صفاته، وصفاته كلها كمال، وعظمة، وجلال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
سبحان الكبير في أفعاله، وعظمة آياته ومخلوقاته تشهد بجلال أفعاله ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
стр. 1267
هو ﷻ الكبير العلى العظيم ذو الإجلال والكبرياء الذي صغر دون جلاله، وعظمته كل كبير فالكبير الذي له العظمة والجبروت، والإكبار والإجلال، والملك والسلطان، في السموات والأرض ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
هو الكبير ﷻ الذي كبر و تعالى عن جميع النقائص والعيوب والمساوئ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو الكبير الذي كبر وعلى عن عباده ما سواه، فلا يقبل أن يعبد معه غيره، الذي كبر عن الشبيه والمثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
وهو الكبير الذي يصرف عباده على ما يريد من خلقًا، وتدبير، وأمر ونهى، ولا يقبل دونه أمر، ولا يرد حكمه أحد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
стр. 1268
هو الكبير الذي تكبر على كل سوء، وشر، وظلم، هو الكبير في علوه، العلى في كبريائه، الحكم لله العلى الكبير، وجلال الله وكبريائه لا يعلم ذلك إلا هو، ولا يدرك ذلك لا ملك مقرب ولا نبيًا مرسل، فمن نازعه فيها عذبه.
قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا عذبته» أخرجه مسلم (١).
فسبحان الكبير المتكبر الذي له الكبرياء في العالم العلوي والعالم السفلى، الكبير الذي لا نهاية له، لكبريائه، وعظمته، فهو سبحانه الكبير وحده في ذاته وأسمائه وصفاته، هو الكبير الأكبر من كل شيء ذاتً وقدرًا، وشأنًا وعزة وجلالًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الكبير وحده لا شريك له، هو العظيم وحده لا شريك له، ولا حظ للعبد في هذين الاسمين فالكبرياء، والعظمة، والعزة لله وحده: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وحظ العبد من ذلك الذلة والافتقار والصغار للكبير المتكبر العظيم القهار، وأن يتصاغر لكبريائه ويخضع لعظمته، ويسارع إلى طاعته، ولا يستكبر عن عبادته، ويلازم التسبيح، والتحميد، والتكبير، والإجلال لربه الكريم المتعال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١].
стр. 1269
ومن عرف ربه الكبير خلع عن نفسه أوصاف الربوبية، ولبس رداء العبودية، ومن تكبر عن الحق وتكبر على الخلق شقي في الدنيا والآخرة، واستغنى الله عنه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ثم حرم دخول جنة الخلد قال ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر» أخرجه مسلم (١).
الكبير في قوته هو الله وحده، وكل ما سواه صغيرًا ضعيف، فإن تسلط أحدًا عليك فاعلم أن الله أرسله ليؤدبك، ثم ينتقم منه، فالطغاة عصى بيد الله ينتقم الله بها ثم ينتقم منها، فالأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له، هو الكبير الذي بيده كل شيء.
فأن نأخذ بالأسباب ونتوكل عليها فهذا شرك، وأن نعطل الأسباب ولا نأخذ بها فهذه معصية، وأن نأخذ بالأسباب ولا نتوكل إلا على الله فهذا هو الإيمان: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
فالله هو الكبير الذي له الكبرياء في السموات والأرض والذي يجب أن يطاع ويعبد: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢].
стр. 1270
فالله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، كبيرًا في ذاته: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٧].
هو الكبير في خلقه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو الكبير في كلامه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
هو الكبير الذي خلق كل شيء، وقدر كل شيء، وعلم كل شيء، وهو الكبير في ملكه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو الكبير في حكمه: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢].
هو الكبير في قدرته: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وهو ﷻ الكبير في علمه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فمن هذا شأنه، وهذه أسمائه، وصفاته، وهذا جلاله وكبريائه، وهذه قدرته، وهذا علمه، وهذا حكمه، وهذا سلطانه، يجب أن نؤمن به ولا نكفره، ويجب أن نطيعه ولا نعصيه، ويجب أن نذكره ولا ننساه، ويجب
стр. 1271
أن نحبه ونعظمه ونعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وسائل المعرفة ثلاث:
الأولى: المعرفة المباشرة عن طريق الحواس الخمسة وهى: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس.
الثانية: الاستدلال العقلي المؤيد بالبراهين.
الثالثة: الخبر الصادق، وأصدق الأخبار ما جاء عن الله ورسوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾ [آل عمران: ٩٥].
قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والعلوم المدركة بواسطة الخبر أضعاف أضعاف المعلومات المدركة بالحواس، وإدراك السمع أعم من إدراك البصر، فإن السمع يدرك العلوم الحاضرة والغائبة، ولهذا قدمه الله في الامتنان من نعمه الثلاث كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 1272
وهناك أشياء تقع خارج نطاق الحواس الخمس:
كالروح .. والعقل .. والهواء .. والملائكة .. والجن.
وعدم ادارك الموجود لا يدل على عدم وجوده، بل هو موجودًا يظهر أثره ويغيب شخصه، وحواس الإنسان محدودة القدر فلا ترى كل شيء، ولا تسمع كل شيء، ولا تحس بكل شيء، فالعين لا ترى الأشياء المتناهية في الصغر، ولا تستطيع النظر إلى أشعة الشمس القوية، ولا تستطيع رؤية الأشياء البعيدة؛ لأن المخلوق خلق ضعيف: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
فهي تدرك الأشياء، وترى أشياء، ولكن الله كامل السمع والبصر، و سمعه وبصره لا بداية له، ولا نهاية له، ولا أول ولا آخر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وكذلك السمع لا يسمع الإنسان الصوت الخفي، ولا يسمع الصوت البعيد، وما لا يدركه بصر الإنسان يقبل الناس منه ما حدث به ثقة، والمؤمن يستدل على وجود الله بآياته، ومخلوقاته، التي تدل على وجوده، وبواسطة التلقي عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين هم أصدق الخلق، وأعلم الخلق بالله، فالاستدلال بالآيات الكونية، والمخلوقات العظيمة التي خلقها الله زوجين في هذا الكون، كقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
٨ - الخزانة الثامنة
حقيقة الدين:
العلم ثلاثة أقسام:
أولًا: علمًا بالله.
ثانيًا: علمًا بأوامر الله.
ثالثًا: علمًا بخلق الله.
العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه.
العلم بخلق الله مما خلقه الله في السموات والأرض من أعظم أسباب الإيمان، والاستقامة على أوامر الله.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
والله جعل لكل شيء في هذه الدنيا أساس، فأساس الدنيا المشاهدة، وأساس الدين المجاهدة، فالمشاهدة للجميع، والمجاهدة للمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 1276
لهذا هناك ثلاثة أمور:
علم الدين .. عمل الدين .. حقيقة الدين.
علم الدين: يشترك فيه المسلم والكافر.
عمل الدين: يشترك فيه المؤمن والمنافق.
حقيقة الدين: لا تكون إلا للمؤمن.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والمقصود من كل ذلك تحصيل حقيقة الدين، ولا يقوم على الحقيقة إلا المؤمن، والمقصود تحصيل الحقيقة لأن الله حقًا يريد من عباده قبول الحق والعمل بالحق ونشر الحق: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
وكل الناس في أمور دنياهم يتعاملون بالحقائق لا بالصور، فيدفعون النقود مقابل السلع، فتقوم لهم دنياهم، بالتجارة، والزراعة، والصناعة، وكل هذه حقائق، والله يريد منا حقيقة الدين لنحصل على حقيقة السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه:: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
стр. 1277
والصحابة ﵃ كم بذلوا للوصول إلى حقيقة الدين من التضحيات، وجاهدوا في الله حق جهاده، قد ضحوا بأوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، وشهواتهم، وتركوا ديارهم، وبذلوا أموالهم كل ذلك من أجل الوصول إلى حقيقة الإيمان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والحقيقة هي البصيرة، والبصيرة هي نظر القلب، فكما أن البصر نظر العين، فكذلك البصيرة نظر القلب إلى الحق ويقينه به: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]
ومجالس العلم مقصودها تحصيل الحقيقة، والعمل بها: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وشروط قبول العمل الصالح البصيرة وهى نظر القلب، والاستقامة على ذلك إلى الموتى، وجميع المنافقين يصلون ويتصدقون، ولهم صحبة، ولكن لفقدهم البصيرة، واليقين، ماتوا على الكفر: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
стр. 1278
وجميع الصحابة ﵃ ماتوا على شهادة أن لا اله إلا الله لكمال يقينهم، وقوة بصيرتهم، وحقيقة الدين لها طعمًا ولها حلاوة، ولها حقيقة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وحقيقة الإيمان تحصل لمن كان عنده كمال اليقين، وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين عبادة ودعوة هجرة ونصرة، جهادًا وأنفق، وصدقًا وصبر، وبذلًا وترك.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا» (أخرجه مسلم (١).
وقال ﷺ :» ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار» أخرجه البُخَارِيُّ (٢).
والصحابة كلهم خائفون من التقصير في الوصول إلى حقيقة الدين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠].
стр. 1279
فمن خاف الله وجد الله، والمبشرون بالجنة بضعة عشر، ومع أنهم مبشرون فهم خائفون، وكل الصحابة ﵃ استقاموا على جُهد الدين حتى الموت، عبادة، ودعوة، وتعليمًا، وإحسانًا إلى الخلق: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
ونحن يجب أن نكون مثلهم فهم خير القرون وأفضل القرون فلا يحق لأي مسلمًا أن يتنفس نفسًا واحدًا بغير رضا الله، ولا ينفق فلسًا واحدًا بغير رضا الله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
فنقوم بجهد الدين وأعمال الدين ونحن خائفون ألا تقبل أعمالنا.
أعظم العلم وأنفعه وأحسنه ما أوصل العبد إلى حقيقة الإيمان واليقين، ويتم ذلك بمعرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية.
فالبصيرة مراد الله، ولتحصيل هذه البصيرة لابد أن نعطيها حقها، فالإسلام غير الإيمان، والإسلام صلاة وصيام وزكاة وحج، هذا مستوى إسلامك، والمطلوب مستوى إيمانك، لهذا في القبر تسأل عن مستوى إيمانك، من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟.
ولا يجيب على ذلك إلا من عنده حقيقة الإيمان، والعمل بموجب ذلك.
стр. 1280
وفي هذه الدنيا هناك ثلاث سنن واجبه على الجميع ويقوم بها الجميع:
الأولى: سنه الكدح، وأعظم الكدح كدح الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في سبيل الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله.
الثانية: إلى ربك، فكل كدحًا يرتفع إلى الله فإن كانت حسنات ذهبت إلى الجنة، وأكثر الناس حسنات في الدنيا أكثرهم شهوات يوم القيامة، وأقل الناس مجاهدة في الدنيا أقلهم شهوات يوم القيامة، ثم يأتي أثر الحسنات من الجنة إلى قلب المؤمن في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
فبعد كل طاعة من صلاة، وصدقة، وغيرها، يأتي انشراح واطمئنان القلب، وسرور بذلك العمل، أو يأتي أثر السيئات من النار إلى قلب المؤمن في الدنيا، فيؤلمه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦].
الثالثة: فملاقيه، وكل احد يوم القيامة يلاقى كدحه والله سبحانه بين في القرآن أعظم كدح وكما بين جهد الأنبياء والرسل في سبيل إبلاغ دين الله لمن أرسلوا إليهم، وفى مجال الدعوة إلى الله الذي فيه إصلاح البشرية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وأسوأ كدح عند الله الذي فيه إفساد البشرية، لذلك إبليس في يومًا واحد اكتمل كدحه وجهده، فاستحق لعنة الله، فجهد الحق، وإيصاله إلى الناس يحتاج إلى وقت؛ لأنه مخالف للبيئة، وثقيل على النفوس: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
стр. 1281
ومرًا لا يقبله أحد، إما كدح الباطل فخفيف، وحلو، وأساسه الشهوات، وجُهد إصلاح البشرية عظيم، ولعظمته أرسل الله به مئة وأربعة وعشرون نبيًا، إما جهد إفساد البشرية فقام به واحد هو إبليس وجنوده، لأن الإصلاح يحتاج إلى جُهد، والإفساد لا يحتاج إلى جهد كبير، فالهدم أسهل من البناء.
فمقصود الجُهد للدين أن نقدم كل الاستعداد الذي فينا للدين ونشر الهداية في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والذي هو مراد الله منا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ولا يحصل البصيرة إلا من أعطى أكثر الاستعداد للدين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
اعلم أن حياة الخلق كلهم إنما تجرى على أمرًا قد قدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
والحوادث، والخطوب، لن يصيبك منها إلا ما قدره الله عليك، ولا يصرف عنك منها إلا ما صرفه الله عنك: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
стр. 1282
فيجب أن يعلم المسلم إن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه، وأن ما جاءه من ربه كله حكمة ورحمة، وعدل وإحسان، وكل شيئًا قد فرغ منه كما قال النبي ﷺ : «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم. (١)
وتقوى الله أن تجعل بينك وبين صفات الله وقاية، فإذا عصيت الله وتركت أمرًا، أو فعلت نهيًا، فستأخذ صفة الجلال لله منك حقها بعزة الربوبية، والملك، والقدرة، والجبروت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
وإن فعلت الأوامر الشرعية، واجتنبت المناهي الشرعية فستعطيك صفة الجمال لله ثواب ذلك العمل من الكريم المحسن الرحمن الرحيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وإن عصيت فستعاقب ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
من أعظم ما خلق الله السموات والأرض، وأعظم ما خلق الله في الأرض الجبال، وأعظم منها الحديد الذي يكسرها، وأعظم من الحديد النار التي تذيب الحديد، وأعظم من النار الماء الذي يطفئها، وأقوي من الماء الريح التي تحمل السحب في السماء وتحرك الماء في البحار والأنهار، وأقوي
стр. 1283
من ذلك الإنسان الذي يتصدق به يمينه فلا تعلم شماله ما أنفق، والنوم يغلب الإنسان، وأقوي من النوم الهم فلا نوم مع هم، فأقوى جنود الله هو الهم وهو أقوى من كل شيء.
ولابد لكل إنسان من علمًا يدير به أمور دينه ودنياه، والعلم هو ما طابق الواقع والجهل ما خالف الواقع، والعلم نسبة أنا جازمًا بها ويستطيع إقامة الدليل عليها وهى واقعة في قول الإنسان: طلعت الشمس بعد أن يراها.
والتقليد أن تجزم بالشيء وهو واقع ولا تستطيع إقامة الدليل عليه إنما قلدت فيه غيرك.
والجهل أن يجزم الإنسان بوجود الشيء وهو غير واقع فهذا هو الجهل، والجاهل شرًا من الأمي الذي لا يعرف شيئًا، والشك أن يكون الأمر غير مجزوم به فهو مستوي من طرفين، والظن أن يكون الآمر واضحًا من طرفين، والوهم أن يكون الأمر مرجوحًا من طرفين.
والثمن هو المال النقدي الذي يدفع مقا بل السلعة، والسلعة هي ما يعرض في السوق من السلع والبضائع، والعوض هو ما ينتفع به الإنسان مباشرة بلا ثمن فيعطى قمحًا مثلًا ويأخذ ثوبًا، وهذا هو المعروف قديمًا، وقد يكون عندك شيئا تريد بيعه لأحد والأخر لا يريده، فاخترعوا شيئا يسهل تبادل المنافع وهو الأثمان مقابل السلع، والمؤمن يجب أن يكون على بصيرة من دينه ودنياه، وأمور كسبه ومعاشه.
стр. 1284
٩ - الخزانة التاسعة
الإسلام دين العلم، والعمل، وقد رغب الله المسلمون في طلب العلم والعمل ابتغاء مرضاته، ونشره بين الناس، فقال : ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
وقال رسول الله ﷺ : «من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين» متفق عليه (١).
عن النبي ﷺ : «خيركم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّم» أخرجه البخاري (٢).
فلا يحل لعالم أن يسكت على علمه بل يجب علينا العمل به، ونشره بين الناس؛ لأن الله أعطاه هذه الأمانة فلابد من إيصالها إلى أهلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
ولا يحل لجاهلًا كذلك أن يسكت على جهله ولا يعبد الله بغير علم، فمن علم شيئًا فليعلمه، ومن جهل شيئًا فليتعلمه. وقد أخذ الله العهد على العلماء أن يعلموا الناس، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 1285
الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧].
وقد اخذ الله سبحانه العهد على الجاهلين أن يتعلموا لقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
وإذا علم العالم ما علمه الله، وسأل الجاهل ما جهله، حصل العلم وزال الجهل، وصار المسلم ربانيًا يتعلم ويعلم، وارتفع الجهل عن الأمة: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين، والفقيه الحق من عرف ما يريد الله منه فأداه، وعرف ماذا يريد هو من الله فطلبة.
ويكمل هذا بمعرفة خمسة أمور:
الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: معرفة الكتاب الذي أنزله الذي هو منهج حياة البشرية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩].
ثالثًا: معرفة الرسول الذي جاء بهذا الكتاب العظيم والذي أرسله الله رحمة لعباده: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
стр. 1286
رابعًا: معرفة النفس البشرية المراد والمطلوب منها العمل الذي يحبه الله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
خامسًا: معرفة عدو الإنسان الذي يقطعه عن الأعمال الصالحة ويجره إلى الأعمال السيئة: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
السادس: معرفة الدنيا التي يعيش فيها: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
السابع: معرفة الآخرة التي سوف نصير إليها ونحاسب فيها على خيرًا أو شر: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فلابد من معرفة الرب ليتوجه القلب إليه وحده لا شريك له، ولابد من معرفة السنة التي نتعبد لله بها، فالإخلاص افراض الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، والإخلاص من أهم أعمال القلوب، وأعمال الجوارح تبع له فالنية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد وكما إنه إذا فارقت الروح الجسد فسد، فكذلك إذا فقد الإخلاص من العمل فسد: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 1287
فاتحة الكتاب: هي أم الكتاب، وهي مفتاح العلوم كلها، وفيها الدين كله، وقد اشتملت فاتحة الكتاب على أكثر من عشرة آلاف مسألة على وجه الإجمال، وعلى أكثر من مائة ألف مسألة شرعية على وجه التفصيل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
وسيأتي ذكر بعض هذه المسائل في رسائل النعم إن شاء اللَّهُ تعالى.
فالعلوم الإلهية ثلاثة أقسام:
الأول: العلم بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله، ويسمى علم الأصول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذا أعظم العلوم.
الثاني: علم أحكام الله وتكاليفه ويسمى علم الفروع.
والثالث: علم تصفية الباطن ويسمى فقه القلوب.
وفاتحة الكتاب اشتملت على هذه المطالب الثلاثة، فقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
إشارة إلى علم الأصول الذي هو أول العلوم، وأعظمها، وأنفعها، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
إشارة إلى علم الأول وهو علم الأحكام والمسائل.
ثم شرع بعد ذلك في بيان تصفية الباطن في أمور ثلاثة:
الأول: حصول هداية النور في القلب، بقوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
стр. 1288
ثانيًا: تجلي درجات الأبرار المطهرين له: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وذلك ليقتدي بهم.
ثالثًا: أن تبقى النفس مصونة عن أوزار الشهوات: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
فغير المغضوب عليهم عن أوزار الشهوات، وأوزار الشبهات، ولا الضالين.
فمصادر العلوم الإلهية تستكمل بأمرين:
أولًا: تحصيل العلوم الإلهية بالفكر، والتدبر، والنظر في الآيات الكونية والآيات الشرعية، وإليه الإشارة بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
والهداية تحصل بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وتدبر الآيات القرآنية كم قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
стр. 1289
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
الثاني: أن تصل إلى الإنسان علوم من سبقه فتستكمل نفسه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
فطلب الاقتداء بالمؤمنين أهل الحق الذين جمعوا بين العقيدة الصحيحة و الأعمال الصائبة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وطلب البراءة من الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم المغضوب عليهم، و الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة وهم الضالون قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
فالناس ثلاث طوائف:
الأولى: المؤمنون المخلصون المنعم عليهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به، وعملوا بموجب تلك المعرفة ابتغاء وجه الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
الثانية: الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة الذين خرجوا من الأعمال الصالحة إلى الأعمال الفاسدة فغضب الله عليهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
стр. 1290
الثالثة: الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة وهم أهل الكفر والبدع، وإليهم الإشارة في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧].
وأهم المهمات لكل عبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية، ثم بمعرفة واجب العبودية؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته ورعاية هذا العهد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]
العلوم الإلهية قسمان:
الأول: علم الحقيقة، وهو علم التوحيد والإيمان وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فتخرج بقلبك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ومن عالم الغيب إلى عَالم الغيب والشهادة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وبهذا العلم ترى الخالق سبحانه يخلق، والرازق يرزق، والحكيم يحكم، والسميع يسمع، والبصير يبصر، والرحمن يرحم، والملك يدبر، والقاهر يقهر، وتخرج من المخلوقات إلى الخالق، وتتجاوز الصور إلى المصور، وتجلس على النعم وترى المنعم: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وقال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
стр. 1291
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣].
الثاني: علم الشريعة، وهو أن تعرف ما يحبه الله ويرضاه من أوامر الشريعة وتعرف ما يكرهه الله ويسخطه، مما نهى الله عنه في الشريعة اعتقادًا، وأقوالًا، وأفعالًا، وأخلاقًا.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١).
وتقوم بعد العلم بالعمل خالصًا لله ، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وليكون هذا العمل مقبولًا عند الله لابد أن تؤديه لله بالحب له، والتعظيم له، والذل له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
стр. 1292
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ولكي تحصل على جميع ذلك لابد لك من العلم بسته أمور:
أصل العمل .. فضل العمل .. شكل العمل .. مقدار العمل .. وقت العمل .. جزاء العمل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فأصل العمل أن تعلم أن الله ورسوله أمر بذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ : «منْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد» متفق عليه (١).
الثاني: فضل العمل حتى ترغب في العمل وتؤديه لله بالحب والتعظيم والذل له، فتعلم مثلًا فضائل الأعمال ومن ذلك فضائل الصلاة
كما قال النبي ﷺ : «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» متفق عليه (٢).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه (٣).
وفى الحج قال النبي ﷺ : «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمّهُ» متفق عليه (٤).
стр. 1293
ثالثًا: وشكل العمل أن تعلم أنواع الأعمال الصالحة من صلاة أو صيامًا أو زكاة أو حج أو ذكر أو إحسان: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
الرابع: مقدار العمل، كمقدار الصلوات الخمس، ومقدار ركعاتها المختلفة، ومقادير الزكاة، ونحو ذلك مما جاء في الشريعة.
خامسًا: وقت العمل، فالله جعل في وقت عبودية وأفضل الأوقات ما كان فيه عبادة لله من صلاة، الصلوات الخمس لها أوقات معلومة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].
وكذا الصيام له شهر معين في السنة، وكذا الحج له أشهر معلومات.
سادسًا: جزاء العمل، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فإذا تعلم المسلم هذه الأمور عبده الله بالحب والتعظيم، والذل له ﷻ ، وعبده كما جاء عن رسوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 1294
١٠ - الخزانة العاشرة
الحاجة إلى العلم الإلهي في القلوب لا يقل عن حاجة الأبدان للطعام، والشراب، فكما لا تحيى الأجساد بغير ذات كذلك لا تحيا القلوب بغير علم يصلها بمن خلقها، بل حاجة القلوب إلى العلم الإلهي أعظم من حاجة الأبدان إلى الزاد؛ لأن الإنسان بترك الزاد يخسر الدنيا، وبترك العلم الإلهي، والعمل به يخسر الدنيا، والآخرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقد رفع الله شأن العلم، والعلماء، فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال النبي ﷺ : «إذا مَات الإنسَانٌ انقطعَ عمَلُه إلا مِنْ ثلاثْة: صدَقة جاريَة، أوْ عِلم ينتفِعُ به، أوْ ولدٌ صالِحٌ يدعوُ له» أخرجه مسلم (١).
وتعلم العلم الإلهي يورث العبد خشية الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
стр. 1295
فطلب العلم عبادة، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادة، وسادة، وهداة يقتدى بهم، ويبلغ به العبد منازل الأبرار، والدرجات العلا من الجنة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
التفكر في العلم يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعبد الله ، وبه يطاع الله ورسوله، وبه يوحد الله ويمجد، وبه يحمد ويشكر، وبه يدعى ويسأل، وبه تصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والعلم إمام، والعمل تابعًا له، ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
стр. 1296
فالعلم سبيل النجاة، والجهل سبيل الهلاك: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وأصل العلم الخشية، فمن لزم خشية الله تعالى في السر، والعلانية فهو العالم حقًا، والعلم الذي لا يولد الخشية، علمًا يحاسب الإنسان عليه حسابًا عسيرًا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
والعلم أفضل من المال من سبعة وجوه هي:
١ - أن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة.
٢ - والعلم يزيد بالنفقة والمال ينقص بالنفقة.
٣ - والعلم يحفظ صاحبه والمال يحتاج إلى حافظ.
٤ - والعلم يدخل مع صاحبه القبر والمال يرجع إلى ورثته.
٥ - والعلم يحصل للمؤمن والمال يكون بيد المؤمن والكافر.
٦ - الناس في أمر دينهم يحتاجون إلى صاحب العلم الإلهي لا إلى المال.
٧ - والعلم يقوي المؤمن على الصراط والمال يحبسه.
ومن جلس إلى عالم أكرمه الله بعشر كرامات:
فينال فضل المتعلمين .. وتغشاه الرحمة .. وتنزل عليه السكينة .. وتحفه الملائكة .. وتغفر ذنوبه .. وتبدل سيئاته حسنات .. ومادام جالسًا كان
стр. 1297
محبوسًا عن الذنوب مشتغلًا بعظم العبادات .. وتكتب له الطاعات مادام مستمعًا .. ويذكره الله فيمن عنده .. وترفع درجاته كما قال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَة، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلم (١).
وفي حديث آخر: «قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ» أخرجه أحمد (٢).
أنعم الله على عباده بنعمٍ لا تعد، ولا تحصى.
وأصول النعم ثلاث:
الأولى: نعمة الخلق، والإيجاد.
الثانية: نعمة الأقوات، والإمداد.
الثالثة: نعمة الهدايا، والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
والعلم الإلهي من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، فبالعلم الإلهي نعرف الله، وبالعلم نعرف أحكامه، وبالعلم نعرف وعده ووعيده، وبالعلم نعبده ونحمده ونشكره ونخشاه ونتقيه، وقد قال الله لنبيه محمد
стр. 1298
ﷺ ممتنًا عليه بهذه النعمة العظيمة: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وثمرة العلم، العمل المقرون بالخشية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
ولأهمية العلم أمر الله رسوله ﷺ بالاستزادة منه فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
ولتذكير الإنسان أنه بأمس الحاجة إلى هذا العلم الذي يصله بالله، وفعل ما يرضيه، واجتناب ما يسخطه، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
فالعلم من أعظم العطاء من رب العالمين لمن شاء من عباده، والله علم سبعة نفر من البشر، من الأنبياء سبعة أشياء، فعلم آدم الأسماء كلها كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].
وعلم الخضر علم الفراسة كما قال سبحانه ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥].
стр. 1299
وعلم يوسف ﷺ التعبير، علم التعبير كما قال سبحانه عن يوسف أنه قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وعلم الله داوود ﷺ صنعة الدروع ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ [الأنبياء: ٨٠].
وعلم الله نبيه سليمان ﷺ منطق الطير فقال عنه أنه قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦].
وعلم الله عيسى ﷺ علم التوراة، والإنجيل، وإحياء الموتى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾ [آل عمران: ٤٨].
وعلم محمدًا ﷺ علم التوحيد والشرع، وعلم الأولين والآخرين، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
فهو أعلم الخلق بالله، وأعلمهم بأوامره، وأعلمهم بما يرضيه، وأعلمهم بما يسخطه، وأعبدهم لله، وأحسنهم خلقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فآدم علم أسماء المخلوقات، فوجد التحية من الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
стр. 1300
ومن عرف الله وعلم بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ودينه، وشرعه، وعمل بموجب ذلك، وجد تحية الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]
ووجد تحية رب الملائكة ﷻ في الجنة: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
فيا أيها العالم كم نعم الله عليك حيث جعلك عالمًا به، مفسرًا لكلامه، وارثًا لنبيه، معلمًا لخلقه، وسراجًا لأهل بلاده، وقائدًا للخلق إلى جنته: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فهذا العلم الإلهي أمانة في قلوب العلماء يجب عليهم أن يؤدوه إلى الخلق؛ ليعرفوا ربهم، ويعبدوه بما شرع: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].