أعظم داعٍ إلى الهدى، وإلى الحق، وإلى الخير هم الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام الذين أرسلهم الله هداية لعباده بما أنزل من كتبه، وشرعه، وأعظم داعٍ إلى الباطل و الشر والهوى هو الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
والشيطان لا ينقل الإنسان من الإيمان إلى الكُفر مباشرة، ولكن يخطو به خُطوات من جو الذكر إلى جو الغفلة، ومن سوق الطاعات إلى سوق المعاصي، ومن المُباحات إلى الصغائر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
والله سبحانه خلق مخلوقين عظيمين لا نراهما، ولهم تأثيرٌ كبير على قلوبنا، وأرواحنا وهم: الملائكة والشياطين: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فالشياطين يكثرون مع أهل الغفلة، والملائكة يكثرون مع أهل الذكر كما قال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلم (١).
стр. 1928
فالشيطان يشغل الإنسان بالتفكر في الأشياء الصغيرة، ويضيع أوقاته فيها ليحرمه من التفكر في الأشياء الكبيرة، في الأشياء العظيمة من مخلوقات الله، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وعظمة خزائنه، وعظمة وعده ووعيده: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فالتفكر في الأمور العظيمة، والاشتغال بها عن الأمور الصغيرة هو الذي يزيد الإيمان، ويحرك القلوب والجوارح بطاعة الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالشيطان لا يبالي بصلاتنا ما دام فِكرنا فيما سوى الله ودينه من الأموال والشهوات، فلا يبالي بحركة الجسد ما دام الفكر والهوى معه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
فأكبر مفتاح للضلال والإضلال هو إبليس.
والضلال ثلاثة أنواع:
١ - ضلالٌ كلي.
٢ - وضلالٌ جزئي.
٣ - وضلالٌ دعوي.
стр. 1929
فالضلال الكلي: كضلال الكفار، والمشركين والمنافقين، والرافضة، واليهود، والنصارى، والمجوس، والهندوس ونحوهم من خلق الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
وقال الله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
فكل من عبد غير الله من هؤلاء فهو مشركٌ معذبٌ في الدنيا، وشقيٌ في الآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].
الضلال الجزئي: كضلال بعض المسلمون الذين يخلطون في حياتهم بين الكبائر والصغائر، وبين السنن والبدع غير المكفرة كمن يصلي ويصوم؛ لكنه مقيمٌ على بعض الكبائر والبدع، وكل واحدٌ من هؤلاء ظالمٌ لنفسه، يدخل الجنة ولكن بعد أن يُطهر في النار، أو يعفو الله عنه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾ [التوبة: ١٠٢]
стр. 1930
وقال الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٦]
الضلال الدعوي: كضلال الصالحين غير المشتغلين بالدعوة إلى الله، وهم كل من يعمل بالدين؛ لكن لا يدعو إليه، فهؤلاء مُحاسبون على ترك واجب الدعوة إلى الله وهو قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]
فهؤلاء مُحاسبون على ترك هذا الواجب العظيم من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين وهم أهل آمنوا وعملوا الصالحات التاركون لواجب: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣].
فكل الناس فيها خسران إلا من تحققت فيه هذه الأمور الأربعة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 1931
والناس يحبون العابد، و يكرهون الداعي؛ لأنه يقطع عليهم شهواتهم التي تُفسد حياتهم، وحياة الناس، وقريش لم تُنكر على الرسول عبادته في الغار، ولكنهم آذوه، وسبوه، وقاتلوه، وأخرجوه حين قام بالدعوة إلى الله.
والأول ضلال بعيد وضلالٌ مبين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
فقه الهداية:
الله سبحانه أوجب على هذه الأمة طلب الهداية فقال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
وأوجب على هذه الأمة جُهد الهداية كم قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
ومن قام بجُهد الهداية فتح الله له أبواب الهداية، وهداه إلى كل خير: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وأعلى مستوى في الدين هو الهداية، فما هي الهداية؟.
стр. 1932
الهداية نورٌ يقذفه الله في قلب العبد يفرق به بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين ما ينفع وما يضر، وبين الهدى والهوى، وبين الدنيا والآخرة.
ومن طلب الهداية من ربه بصدق أعطاه الله ما أعطى الأنبياء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠]
والذي أعطاه الله الأنبياء والرُسل العبادة والدعوة، ولنكن معهم فيجب أن نعمل عملهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وكل إنسان مُحتاجٌ إلى الهداية أعظم من حاجته للطعام والشراب؛ لأننا بترك الطعام والشراب نخسر الدنيا، وبترك جُهد الهداية نخسر الدنيا والآخرة، وكم قوة الهداية الذي عنده ذرة من الهداية وعنده قراب الأرض خطايا، تُرمى هذه الذرة من الهداية على جبال الخطايا والمعاصي فتقلبها حسنات: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
ومن جاء بذرة من الهداية يوم القيامة يعطيه الله بسببها مثل هذه الدنيا خمسين مرة، فما قال النبي ﷺ : «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ:
стр. 1933
ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ؟ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَالَ: فِي الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً، قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]» أخرجه مسلم (١).
وفي لفظ في بيان أدى أهل الجنة منزلة: «فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها» متفق عليه (٢).
فسبحان الله ما أعظم كرمه، وما أجزل عطاءه فإن العظيم لا يعطي إلا العظيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
والبشرية كلها في ظلامٍ وضلالٍ، وفساد وطغيان إلا من دخل في دين الهداية، فإنه يعيش في النور والهدى في الدنيا والآخرة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 1934
فكل ما سوى نور الإيمان فهو ظُلمات، والإنسان يهتدي إلى مصالحه في النور لا في الظُلمات: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والله خلق الإنسان في ظُلمات ثلاث في بطن الأم، والدنيا كلها ظلمات إذا لم يوجد فيها نور الهداية، والقبر كله ظلمات على أهل الضلال، ويوم القيامة مقدار خمسون ألف سنة كله ظُلمه إلا على أهل الإيمان والهداية، وجهنم أظلم ما خلق الله كما قال الله عن أهل النار: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ [يونس: ٢٧].
فالبشرية كلها جاءت من الظلام، وتعيش في ظلام، وتمشي إلى ظلام إذا لم توجد عندها هداية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
«يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» أخرجه مسلم (١).
فبنور الهداية أحيا الله هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
أولاً: جُهد الهداية في هذه الأمة بدء به رجل واحد هو محمد ﷺ ، وأول من قام معه خديجة ﵂ زوجه قبل كل أحد، فهي أول من سمع القرآن من النبي ﷺ فكم من النور دخل في قلبها، وهل هذا النور الذي ملأ الله به قلبها وهو الإيمان أجلس خديجة، أم حرك خديجة في الدعوة إلى الله؟.
فمن بيت خديجة انتشر الإيمان والتوحيد، بناتها دخلن في الإيمان، وأم أيمن الحبشية دخلت في الإيمان، وزيد بن حارثة، وعلي ﵃ كلهم دخلوا في الإيمان في هذا البيت، وفي هذا البيت جبريل نزل على النبي ﷺ مرات كثيرة، فكم قوة الإيمان في هذا البيت، وكم قوة النور في هذا البيت، نصف القرآن المكي نزل في هذا البيت، فخديجة ﵂ أول مؤمنة من هذه الأمة.
وأول من سمع القرآن من هذه الأمة، وأول داعية إلى الله من هذه الأمة بعد الرسول ﷺ ، وأول من أنفق ماله في سبيل الله من هذه الأمة، وأول من ملكت مالًا طيبًا حلالًا من هذه الأمة حيث عمل محمد ﷺ بالتجارة لها، فكل أموال مكة ملوثة بالربا إلا مال خديجة فقد كان نقيًا من الربا، وأول من بُشرت بالجنة من هذه الأمة خديجة ﵂.
وأول من جاءها سلام مخصوص من الله مع جبريل من هذه الأمة هي خديجة، وأول مُصلية من هذه الأمة خلف النبي ﷺ خديجة.
стр. 1937
وخديجة ﵂ بقيت مع الرسول ﷺ خمسة وعشرين سنة، خمسة عشر عامًا قبل الرسالة، وعشر سنين بعد الرسالة، فهي أكثر أمهات المؤمنين بقاءً مع الرسول ﷺ ، فلها فضلٌ عظيم فكل حسنة على وجه الأرض في صحيفة أمنا خديجة ﵂ بما صبرت وبذلت في سبيل الله، وهي التي كانت تواسي النبي ﷺ وتؤنسه، فحين كان النبي ﷺ في الغار، وجاءه جبريل بالوحي.
جاء إليها وقال: «لقد خشيت على نفسي قالت: كلا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ» متفق عليه (١).
وأول قبر نزل فيه الرسول ﷺ هو قبرها ﵂ فنزل ﷺ في قبرها ودعا لها، وكان يذكرها بعد وفاتها حتى قالت عائشة: يا رسول الله ليس في الدنيا إلا خديجة! فقال: «هي صَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ وآوتني إذ خذلني الناس، وَوَاسَتْنِي بنفسها وبِمَالِهَا وَرُزِقَني مِنِّها الْوَلَدَ» أخرجه البخاري (٢).
فكل أزواج النبي ﷺ وأولاده وغلمانه أقامهم ﷺ على الجُهد من أول يوم، كما أقام الأمة كذلك عليه، فالنساء سبقن الرجال في أعلى مراتب الدين وهو الدعوة إلى التوحيد والإيمان الشيء الذي لم يُعطى لزوجات الأنبياء أعطاه الله لهذه الأمة رجالًا ونساءً: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨].
стр. 1938
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
فالرجال والنساء من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى هذا الدين عبادة وتعبدًا ودعوة، وتعليمًا وأخلاقًا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فكم كانت قوة الاستعداد لجُهد الهداية في الرجال والنساء من هذه الأمة، الذين بشرهم النبي ﷺ من هذه الأمة أكثر من عشرة رجال، وأكثر من عشرين امرأة منهن خديجة ﵂ هذه واحدة.
وثانيًا: سبقت النساء الرجال في الشهادة في سبيل الله، فشهيدة البر امرأة هي سمية ﵂، وشهيدة البحر امرأة هي أم حرام الأنصارية ﵂.
وسبقت النساء إلى الهجرة، والمرأة لا يجوز أن تسافر إلا مع ذي محرم، وذلك لحفاظة العرض، ويجوز لها أن تسافر بدون محرم من أجل حفاظة الدين عند الحاجة، فهاجرت أم شُريك، وأم سلمة، وزينب بنت النبي ﷺ وكلهن هاجرن للضرورة بدون محرم، فالنساء سبقت في أعلى مراتب الدين في الدعوة، وفي الشهادة في سبيل الله، وفي الهجرة في سبيل الله، وفي البشارة.
стр. 1939
الله جعل هذه الأمة رجالًا ونساء خير أمة أُخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والله سبحانه خلق آدم من تراب، ثم خلق حواء من أحد أضلاعه، فالمرأة خُلقت في الستر، وخُلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه، وأعوج ما في المرأة لسانها، وهذا الاعوجاج أنت المستفيد منه؛ لأن اعوجاج الضلع من أجل القلب، ولولا اعوجاج المرأة لما استفدت منها، لذلك فالرجل عنده قوة العقل، والمرأة عندها قوة العاطفة، فكم من الشفقة في قلبها على أولادها، وبناتها.
وكم من الرحمة تكنه لمن احتضنته في بطنها، فهي أم الأنبياء والُرسل، وأم العلماء والدعاة، والمجاهدين في سبيل الله، لهذا بين الله في القرآن كل شيءٍ يخُص النساء، فهي حاضنة الأنبياء والرُسل وكل البشرية.
فالله بيّن في القرآن كل شيءٍ يخص النساء حتى نزلت فيهم سورة كاملة سورة عظيمة وطويلة، سورة النساء التي تسمى صورة الضعفاء والمطلقات، وسورة القواعد والأرامل، وبيّن القرآن كلامها ومشيها، ونظرها ولباسها، وما يجب عليها، فالذي يريد أن يمشي في جُهد الهداية لابد أن يُحسن معاشرة هؤلاء الضعفاء والنساء.
فالنساء كيدهن عظيم إذا كان للدنيا، وكيدهن عظيم إذا كان للدين، فكم جعل الله من الخير في النساء، وكم من الشر جعله في النساء، كما حصل من زوجة أبي لهب، فالخير إذا جاء في النساء يتعدى كما حصل من خديجة ﵂ في وقوفها مع النبي ﷺ ، وبذل وقتها ومالها ونفسها في
стр. 1940
سبيل نشر هذا الدين، والشر إذا جاء في النساء تعدى كذلك، فشر النساء تعدى إلى الأنبياء.
فطاغية من الطغاة أراد أن يتزوج ابنة أخيه، فأفتى نبي الله يحي بن زكريا بأن ذلك لا يجوز لذلك الملك، وإن وقع فهو باطل، فزُينت تلك البنت ليدخل عليها ذلك الطاغية، فلما أراد هذا الطاغية أن يدخل عليها رفع يده إليها، قالت: لا تقربني حتى تدفع مهري، فقال لها: ما مهرُك؟ قالت: رأس يحي بن زكريا، فأرسل الطاغية إلى يحي فوجده يصلي في المسجد ساجدًا فقطعوا رأسه، ووضعوا رأسه في طست من ذهب، ثم قُدم إليها.
ويهود خيبر كادوا النبي ﷺ ، فقد كادته يهودية خيبر زينب سألت: ماذا يُحب نبي العرب؟
قالوا: لحم الذراع من الغنم، فهدت له شاة مصْلية ووضعت السم في الذراع، فلما رفعه النبي ﷺ إلى فيه قال: إنني مسموم، ولكن النبي ﷺ أكل منه قليلًا وما زال يؤلمه حتى مات، فجمع النبي ﷺ النبوة مع الشهادة في سبيل الله.
فالشر إذا كان في النساء تعدى إلى الأنبياء، وكم من الناس ترك الدعوة بسبب شر من النساء، وفي غزوة أُحد المقصود قتل النبي ﷺ وقتل حمزة، فأما حمزة فقتله وحشي، ثم أخذ كبده في يده وسلمها لهند بنت عتبة، ثم استلم بيده الأخرى قلادتها كما وعدته.
وقالت عائشة: ما رأيت امرأة أعظم بركة على قوم من جويرية بنت الحارث المصطلقية، فالنبي ﷺ غزى بني المصطلق ففر سيدهم الحارث، وأُسرت القبيلة كلها ومن ضمنهم جويرية بنت ملكهم، وكانت من نصيب ثابت بن قيس بن شماس، فأرادت أن تفدي نفسها، فأتت النبي ﷺ فقال لها: هل
стр. 1941
لكي في خيرٍ من ثابت، قالت: من؟ قال: محمد رسول الله، فوهبها ثابت للنبي ﷺ ، فتزوجها النبي ﷺ وجعل عتقها صدقة.
ثم جاء أبوها بنوق كثيرة ليفتدي ابنته، وأخفى اثنتان أُعجب بهما، فلما وصل إلى النبي ﷺ قال: هذا فداء ابنتي، فقال له النبي ﷺ : وأين الناقتان، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
وامتلأت بيوت الصحابة من أسرى بني المصطلق، فكانوا كلهم عبيدًا في بيوت الصحابة، فلما تزوج النبي ﷺ جويرية انتشر الخبر، وأعتق الصحابة أصهار النبي ﷺ ، وكانوا أكثر من مئة بيت، والتعليم في حجور النساء، فالمرأة التي في قلبها الإيمان وحُسن الأخلاق، تُرضع ابنها الإيمان والأخلاق الحسنة، والتي في قلبها حب الدنيا ترضعه حب الدنيا.
فكل مرضعات الدنيا أمام قصر فرعون يردن إرضاع موسى لينلن أجرًا من فرعون، لكنه لم يقبل واحدة منهن: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ [القصص: ١٢].
ومحمد يتيم مكة لا تأتيه المرضات لأنه لا أب له، ويتيم مصر فرعون اجتمعت عليه المرضعات فكل المرضعات دخلن مكة، فزهدن في اليتيم محمد ﷺ ولكن حليمة السعدية قالت: لا أرجع لأهلي وليس معي أحد، فذهبت لعمه أبي طالب تسأله اليتيم ترضعه فقال من أنتِ؟ قالت: حليمة السعدية، فقال: نعم الاسم حلم وسعد فيه خير الدنيا والآخرة، ففازت به فكم من البركة جاءت في حياتها وفي قومها.
ومن حجور الأنبياء خرج الأنبياء، والصديقين، و الشهداء، والصالحون، والعلماء، ومن حجور النساء خرج فرعون، و قارون، وهامان، وأبو جهل
стр. 1942
وغيرهم من الكفار، والأولاد يأخذون من النساء لأنهم معهن أكثر الوقت، ويرون إحسانهن إليهم في كل وقت.
فكيف تحمل نسائنا مسئولية جُهد الهداية مع الرجال سواءً بسواء؟ فالذي يمشي في الدعوة وحده بدون زوجته إنما يمشي في الجُهد بقدم واحدة، والذي يمشي بقدم واحدة يسقط، لهذا يجب أن نُشرك النساء معنا في جُهد الدعوة، والمرأة تعرف زوجها تمامًا هل هو تقي أو فاجر؟.
فكيف تُقبل الدعوة في البيوت؟.
النبي صلى الله عليه وسلمإذا دخل بيته كان في خدمة أهله، ونحن إذا دخلنا البيوت غالبًا فلانة أعطني القهوة، هاتي الطعام، اغسلي الملابس، نظفي المنزل، أوامر ثقيلة على النفس، فلابد أن نعكس الأمر ونكون نحن في الخدمة تواضعًا لله ليحب أهلنا الدين من خلال أخلاقنا، فقبولنا عند الناس بأخلاقنا، لا بأموالنا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
قال رسول الله ﷺ : «خَيْرُكُمْ خيركم لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» أخرجه الترمذي وابن حبان (١).
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
стр. 1943
٣ - الخزانة الثالثة
كل من اجتهد لإعلاء كلمة الله هداه الله سبل الرضا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
والإنسان إذا مات رجلاً كان أو امرأة فلابد أن يورث.
والميراث نوعان:
١ - إما ميراث الأموال.
٢ - وإما ميراث الأعمال.
وسورة مريم تسمى سورة المواريث، لا ميراث الأموال؛ لكن ميراث جُهد الدعوة إلى الله جُهد الهداية، فزكريا ﷺ سئل ربه من يرث عنه جُهد الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنك، كما قال سبحانه: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٢ - ٦].
فأجاب الله دعائه: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ [مريم: ٧].
سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٢٢ - ٣٦].
وإبراهيم ﷺ تفكر حتى لا ينقطع هذا الجُهد، جُهد الدعوة إلى الله، جُهد الدعوة إلى التوحيد والإيمان، تفكر لهذا الجُهد ستون سنة يدعو ربه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠].
فوهب له إسماعيل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٣٠].
وملة إبراهيم هي الدعوة إلى التوحيد والإيمان: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣].
هل نحن تفكرنا واجتهدنا لأن لا ينقطع هذا الجُهد بعد موتنا، وهل ربينا أولادنا وغيرنا ليقوم بهذا الجهد العظيم إلى قيام الساعة بعدنا.
فسورة مريم سورة المواريث، كلٌ يرث الجُهد ممن قبله فيجب أن نجتهد في من يرثنا في جُهد الدعوة إلى الله من أهلنا ومعارفنا وغيرهم، فالذي عنده جُهد العالم وليس عنده جهد البيت مثاله كالشمعة ما فوقها نور وما تحتها بلاطٌ وظلام.
الذي لم يقم جُهد الهداية في البيت لا يمكن أن يقيم الجُهد في العالم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 1946
فأهلك أولى الناس بمعروفك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
فأهلك أولى الناس بمعروفك، وأعظم ميراثٍ تتركه لأهلك هو هذا الجُهد العظيم، وكما نهتم بأعمال المسجد نهتم كذلك بأعمال البيت ليتفق المسجد والبيت في إقامة الدين، فهنا روضة من رياض الجنة، وهنا روضة من رياض الجنة لتمتلئ البيوت بالإيمان والأعمال الصالحة.
وإذا لم تدخل الدعوة البيوت امتلأت بالأموال والأشياء التي تُشغل الإنسان عن الله ، لهذا ندخل إلى بيوتنا بالأخلاق العالية التي تجذب أهل البيت إلى الدين، وإلى أعمال الهداية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فالله جعل الزوجة آية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
فالله قَدس الزوجة فهي مقدسة فهي سكن وطمأنينة ورحمة، فكيف تكون رحمة على أهل البيت وعلى من حول البيت؟.
فالله سبحانه جعل المرأة الصالحة في الدنيا جنة في مقابلة الجنة في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فالمرأة الصالحة في الدنيا جنتك، ويوم القيامة تسبقك إلى الجنة.
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩].
стр. 1947
وإن كانت المرأة سيئة فهي نار في الدنيا وتسبقه إلى النار يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٣].
يعني أن كل حياته في الشهوات المشغلة عن جُهد الدين.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
وأولاد الصحابة ﵃ هم الذين حفظوا الدين ونشروا الدين لأن أبائهم ربوهم على العبادة والدعوة والنفر في سبيل الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وحلقة التعليم التي يُذكر فيها الله واليوم الآخر وتذكر فيها فضائل الأعمال وتمتلئ فيها القلوب بالإيمان، والتوحيد هذه الحلقة يجب على الرجل أن يقيمها في أهله، ويجمعهم على ذكر الله كما يجتمعون على الطعام من فضل الله.
إن الرجل راعٍ ومسئول عن رعيته: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكُم مسؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه (١).
وقال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وإذا غاب الزوج قامت الزوجة بإقامة هذه الحلقة التي تقوي الإيمان في القلب ويكون فيه تعظيم الرب والإقبال على أوامره، وأهل هذا الجُهد هم
стр. 1948
الطائفة المنصورة، أعمال مساجدهم متوافقة مع أعمال بيوتهم، أعمال بيوتهم تطابق أعمال مساجدهم فمعهم نصرة الله فهم الطائفة الناجية.
كما قال الرسول ﷺ : «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِك، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» أخرجه مسلم (١).
فهذا الدين هو الدين الذي اختاره الله واصطفاه لهذه الأمة وشرفها به.
فكان الصف الأول والقرن الأول هم القدوة الحسنة في أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم هؤلاء هم الذين ﵃ لأنهم قاموا بالدين وبجُهد الدين فانتشر الدين وبلغوا الدين في مشارق الأرض ومغاربها امتثالاً لقول الله : ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
فورثوا عن النبي ﷺ الدين وجهد الدين فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
حياة النبي ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - حياته ﷺ في المسجد.
٢ - حياته ﷺ في البيت.
٣ - حياته ﷺ مع الناس في أمورهم الخاصة.
стр. 1949
فمن أراد أن يكون من الطائفة الناجية فليجتهد على هذه الأمور في حياته، وأكثر حياة النبي ﷺ كانت مع المسلمين في المسجد عابداً، وداعياً، ومعلماً، ومستقبلاً للوفود، ثم مع أهل البيت، ثم مع الناس.
والنبي ﷺ أقام الصحابة على هذه الأعمال العبادة، والدعوة، والشورى لدين الله، وزيارة الناس ووعظهم وتذكيرهم، وتعليم شرع الله.
أبو ذر الغفاري أسلم في مكة ثم ذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فأسلمت غفار، ثم خرج في جولة انتقالية إلى جيرانهم من أسلم فدعاهم إلى الله فأسلموا وكلا القبيلتين قطاع طرق فأصبحوا بعد الإسلام حراس طرق وإصلاح طرق، وبسبب الجولة المقامية والانتقالية دخلت القبيلتان في الإسلام.
وفي أحد الأيام رأى الناس غباراً في الصباح في أطراف المدينة فظن الصحابة ﵃ أن هؤلاء قوم يريدون غزو المدينة فجاءت الأخبار أن أبا ذر جاء معه غفار وأسلم مسلمين.
فقال النبي ﷺ : «أنا أخرج إليهم فلما قابلهم قال مرحباً بغِفارٌ غَفَرَ الله لها، ومَرحباً بأسْلَمُ سَلمكُم الله» أخرجه مسلم (١).
فأكرمهم وعلمهم، وبشرهم، وسُر بهم.
والطفيل بن عمرو الدوسري ﵁ أسلم وجاء يوم خيبر بالسنة السابعة من الهجرة بسبعين بيتاً من دوس كلهم مسلمين وفيهم أبو هريرة ﵁ الذي صاحب النبي ﷺ خمس سنين، وحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث،
стр. 1950
ورواها للأمة ومازالت تُقرأ وتروى في كل بيت، وفي كل مسجد، وفي كل مدرسة.
فكم كُنْ سبب لدخول الناس في الإسلام وقبائل الناس والعالم كله ينتظر هذا النور الذي يزيل الباطل من العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والذي جعل جُهد الدين مقصد حياته يعلمه الله إشارات القرآن، والذي يجعل الدنيا مقصد حياته لا يعلمه الله صريح القرآن، وأصول الدعوة كلها في القرآن من النقل لا من العقل.
والدعوة إلى الله، وتحريك الأقدام لزيارة الناس تزيد عاطفة الإيمان وتزيد العاطفة للدين، والأصل الاستقامة على الدين وعلى جُهد الدين في المقام: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والجولة على الناس لنزول الهداية علينا وعلى الناس، وأكثر ما يُفهم القرآن في الجولة على الناس، وتحصيل الصفات في الجولة على الناس، وكل الأوامر تحيا في زيارة الناس من أجل الله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
فنتجول في الشوارع لنملأ الجوامع بعباد الله الذين آمنوا.
ففي جولات وزيارات النبي ﷺ على الناس في الحجّ وفي غيره يحيا الدين في العالم، وصاحب ياسين عظم الله مرة واحدة فعظمه الله إلى الأبد عمل
стр. 1951
في الدعوة ساعة فخلده الله في النعيم إلى الأبد، كما قال سبحانه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ [يس: ٢٠ - ٣٢].
وجميع الأنبياء والرسل تجولوا على الناس لأنهم مبعوثون إلى الناس، وأثقل شيء على النفس الجولة على الناس لما فيها من مخالفة النفس.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ [الفرقان: ٧].
والجولة على الناس من أجل نشر دين الله كلها بركات كثيرة، الهداية تنزل بسبب الدعوة، قوة الدعاة في الجولة على الناس، فمقصود الجولة على الناس إقامة الدين في حياتك والله يقيم الدين في العالم ﷻ .
فتحيا السنن في الجولة، ونتعلم الحكمة في الجولة، ونتعلم الصبر في الجولة، وتحصيل العزة في الجولة.
стр. 1952
هل التعليم فيه ذلة؟.
النبي ﷺ يجلس مع الصحابة يعلمهم الدين فهل هذا فيه ذلة؟
لا، بل فيه عزة.
لكن لما يجري النبي ﷺ خلف أبي لهب، وخلف أبي جهل، وخلف الوليد بن المغيرة، وخلف عقبة بن أبي معيط فهل هذا فيه ذلة؟ نعم.
فالتعليم فيه حظٌ للنفس والدعوة فيها انكسارٌ للنفس، فالعلم يؤخذ بالعزة، والدعوة تؤخذ بالذلة والصبر والتحمل والتواضع: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
فالدعوة أعظم الأعمال، وأم الفرائض والسنن، وأعظم سبب لنزول الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فالدعوة للهاربين والشاردين، والتعليم للطالبين والراغبين، والأمة الآن هاربة أم طالبة؟ لاشك أنها هاربة.
والدعوة تكون لشرار الناس، والتعليم يكون لخيار الناس، ولهذا قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
والصحابة تعلموا من أول يوم الدعوة إلى الله فصارت فطرة، واليوم نريد التخلص من الدعوة لما فيها من المَشاق، وبذل المال، والنفس، والوقت، لماذا؟.
стр. 1953
والذي يريد التخلص منها يبحث عن فتوى فيُحرم من الهداية، فالأعمال التي يحفظ بها الدين نقوم بها، وبها يقوم الدين، وبها يُفهم الدين، وبغير البيئة الإيمانية لا يفهم الدين ولا يُحفظ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والآن بيات الباطل في كل مكان فكلمة واحدة أو نظرة واحدة يزول كثير من الإيمان، فمن أطلق بصره خلاف أمر الله أعمى الله بصيرته: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
ومن غض بصره امتثالاً لأمر الله نور الله بصيرته: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فإذا لم توجد بيئة يذهب الإيمان، وتثقل الطاعات، وتخف المعاصي، وتُطلب الرخص، وتسهل المعاصي، فبالدعوة يزيد الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وفي البيئة يحفظ الإيمان: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
وبالمجاهدة يُتعلم الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 1954
وبالهجرة والنصرة ينتشر الإيمان في العالم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فهذه الأمور الأربعة، كانت هي حياة الأنبياء ﵈ وحياة الصحابة ﵃ وبها يقوم الدين في حياتنا وفي العالم كله، وإذا نقص منها عملٌ واحد نقص الدين في حياتنا وفي العالم كله، وإذا نقص عملٌ واحد في الدين فكل خزائن الدنيا لا تسد هذا النقص، وإذا أتى على المسلم نُقصان في حياته بسبب الدين الله يسد هذا النقص من خزائنه، ولا يستطيع أحدٌ أن يخرج في هذا السبيل إلا بتوفيق من الله وإذنٍ من الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
ولهذا الذي يمشي ويتوقف يُحرم من التوفيق.
مثل الذي يذكر ربه، والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت، ومثل الحق والباطل كمثل الحي والميت، الحق حي يمشي كالحي على رجلين: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والحق يمشي بأمرين:
الدعوة .. والدعاء.
فكل الأنبياء دعوا إلى الله، وكانت معهم نصرة الله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الثامن: من أعظم أسباب الهداية العلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده ووعيده، والعلم بعظمة مُلكه وسلطانه، والعلم بدينه وشرعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك عظمتم الله وكبرتموه، وحمدتموه، وشكرتموه، وآمنتم به، ووحدتموه، وعبدتموه وحده لا شريك له.
ومن أعظم أسباب الضلالة الجهل بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والجهل بمُلكه، وسلطانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فأنفع شيء هو العلم، وأخطر شيء هو الجهل، أنا جاهلٌ بالله، جاهلٌ بأسمائه، جاهلٌ بصفاته، جاهلٌ بأفعاله، جاهلٌ بملكه وسلطانه، جاهلٌ بدينه وشرعه، أنا جاهلٌ بنعم الله وإحسانه، أنا جاهلٌ بعذابه وعقابه، آياته الكونية لا تنفعني، وآياته القرآنية لا تخوفني، أنا لا أطيع أمره؛ لأني لا أعرفه، وأنا أفعل ما يسخطه؛ لأني جاهلٌ به: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا
стр. 1963
وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فما هو الحل إذا ضعُف الإيمان؟
الحل في تقوية الإيمان بالنظر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فلابد للحصول على الهداية من بذل الجُهد، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فمن اجتهد على نفسه ودعا الهادي أن يهديه فهذا طريق الصالحين، ومن اجتهد على نفسه وعلى قومه ودعا الهادي أن يهديه ويهدي قومه فهذا طريق الأنبياء والمرسلين، ومن اجتهد على نفسه واجتهد على قومه وعلى العالم كله من الإنس والجن إلى يوم القيامة فهذا طريق سيد المُرسلين وأتباعه المُؤمنين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩].
стр. 1964
وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
الله خلق جميع المخلوقات بأمره الكوني، وخلق الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، واسجد له ملائكته، وزود هذا الإنسان بآلات العلم، والمعرفة، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
والله أعطانا أبصارًا نرى بها المخلوقات، وأعطانا بصائر نخترق بها المخلوقات إلى الخالق، ونخترق الصور إلى المصور، فبالأبصار نرى فعل المخلوق، وبالبصائر في القلوب نرى فعل الخالق في المخلوقات: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
فمن رزقه الله نعمة الهداية استنار قلبه بنور التوحيد والإيمان، فرأى الخالق يفعل في مخلوقاته ما يشاء، ورأى جميع الخلائق عبيدًا يسبحون بحمده:
стр. 1965
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
ولابد لكل مسلم كي يُفلح، وينجو، أن يتصل بالجو الإيماني؛ ليهتدي، وينقطع عن الجو الغافل؛ لكي يستقيم: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨].
والأصل في الناس هو الضلال، وإن كانوا خُلقوا على الفطرة، لكن البيئات الفاسدة لوثتهم، كما قال الله في الحديث القدسي: «يا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ» أخرجه مسلم (١).
وقال النبي ﷺ : «كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» أخرجه البخاري (٢).
وقال الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].