← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

فيتفق الشيطان، ونفس الإنسان، وهوى الإنسان، على العبد، ثلاثة مسلطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلة مُنقادة، فلا تزال الجوارح في طاعتهم، ولكن اقتضت رحمة الله أن أعانه بجندً أخر يقاوم هذا الجند الذي يريد إهلاكه. فأرسل إلاه الرُسل، وأنزل عليه الكتب، وأيده بملك كريم يقابل عدو الشيطان، وجعل له مقابل نفسه الأمًارة بالسوء، نفسًا مطمئنة تأمره بالخير، وجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمًارة نورًا وهدى، وبصيرة وعقلاً، يَرده عن الذهاب إلى الهوى المُهلك، والمحفوظ من حفظه الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].

стр. 2627

٣ - الخزانة الثالثة حكمة المصائب: المصائب التي تحصل للعباد قسمان: فهي إما ابتلاء وتربية .. وإما عقوبة وعذاب. فإذا غضب الله على أحد أهلكه بعذاب الغرق، أو الخسف، أو الصعق ونحو ذلك من العقوبات، كما قال سبحانه عن الأمم التي كذبت رُسل الله، ولم تؤمن به: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وإذا رضي الله على أحدِ ابتلاه بما يشاء، ثم إن صبر اجتباه وهداه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وكل من عَمِل عملًا فإنه يستحسنه، ويدافع عنه، فالذي يعمل الصالحات يستحسنها، ويدافع عنها، ويرجو الثواب عليها، والذي يعمل السيئات يستحسنها، ويدفع عنها، وإن كان على الهدى رآه حسنًا، وإن كان على الضلال رآه حسنًا كذلك، وكل يدعو إلى ما يستحسنه، ويعكف عليه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 2628

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ [الإسراء: ٨٤]. والذين يقفون بالعداوة لكل نبي من الأنبياء، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء، هم شياطين الإنس والجن، في كل زمانِ ومكان، إن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم في قبضة الله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وسبحانه يبتلى بهم أولياءه، لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اختاروا الامتحان كف الله عنهم الابتلاء، وكف عنهم هؤلاء الأعداء: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. وحكمة الله تبارك تعالى اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا، ليبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار، والقدرة، بعد سماعهم الحق. فالله خير الجن والإنس بين أن يؤمنوا أو يكفروا، وبين أن يطيعوا أو يعصوا: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].

стр. 2629

وهؤلاء الشياطين خليقُ بالمؤمن أن يستهين بهم، مهما بلغت قوتهم الظاهرة وسلطانهم المُدعى؛ لأن المؤمن عبد القوى، عبد العزيز، عبد الجبار، عبد القادر على كل شيء، فجميع الخلائق في قبضة الله وتحت قهره وأمره وعلى بساط ملكه، لكنه الابتلاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. فقه الابتلاء: الناس في هذه الحياة في ابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. فالابتلاء ليس عيبًا، إنما العيب في أن يسقط الإنسان عند الابتلاء ولا ينجح، والابتلاء ضروري لكل من يحملون دعوة الله، ويُؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض، وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء، هو أول اختبار وجهه الله من قبل إلى آدم وحواء، فلم يصمد إليه، وغلبتهم الشهوة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥]. فالناس لابد لهم من التذكير، ولتحصل العزيمة لابد من البيئة الإيمانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].

стр. 2630

وآدم ليس عنده من يذكره، وليست عنده العزيمة لقلة الُمعين، فأغراه الشيطان، ووسوس له، واستمع آدم وحواء لإغراء الشيطان بشجرة الخلد، ومُلك لا يبلى، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦]. وكذلك بنو إسرائيل حين طلبوا من موسى ﷺ أن يجعل لهم يوم راحة يتخذوه عيدًا للعبادة، ولا يشتغلون فيه بالكسب، فجعل لهم يوم السبت، ثم كان الابتلاء، ليربيهم الله، ويُعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع والشهوات؟ وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع؟. فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعًا، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وذلك ابتلاء من الله، ولم يصمد فريق من بني إسرائيل لهذا الابتلاء، فاحتالوا، كما قال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. فمسخهم الله قردة خاسئين، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف: ١٦٦]. العقبات التي تواجه الإنسان: تواجه الإنسان في حياته عقبتان: عقبة داخلية وعقبة خارجية.

стр. 2631

ومواجهة العقبة الداخلية، والانتصار عليها، أهم من اقتحام المعارك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. ويكون الانتصار عليها ومواجهتها، بالانتصار علي هوى النفس، والشح والبخل، والرياء والنفاق، ومن انتصر علي العدو الداخلي سهل عليه الانتصار علي العدو الخارجي، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١١ - ١٨]. فلا يمكن الانتصار علي العدو الخارجي إلا بعد الانتصار علي العدو الداخلي، وهو هوى النفس، وأعظم صنم معبود من دون الله، هو هوى النفس: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. سنة الله: من سنة الله أن كل من ترك ما ينفعه مع الإمكان، ابتُلي بالاشتغال بما يضره، وحُرم الأول: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. فالمشركون لما زهدوا في عبادة الرحمن، ابتُلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل، ابتُلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين من شياطين الإنس والجن، ولما استكبروا عن الانقياد للحق أذلهم الله بالانقياد لكل مبطل.

стр. 2632

ولما تركوا إتباع كتب الله المنزلة لهداية العباد، ابتُلوا بإتباع أرذلها، وأخسها، وأضرها للعقول من الكتب التي تحمل السفاهات والجهالات. ولما ترك المحاربون لله ورسوله إنفاق أموالهم في طاعة الرحمن ابتلاهم بإنفاقها في طاعة الشيطان: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. ولما أهانوا آيات الله ورسله أهانهم الله بمن يذلهم من أعدائهم، وفي الآخرة بالعذاب المهين: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال سبحانه عن الكفار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، فالمهاجرون الأولون الذين هجروا أوطانهم، وتركوا أموالهم، وأهلهم، من أجل إعلاء كلمة الله، ونصرة رسول الله عوضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعزة والتمكين في الأرض، والجنة في الآخرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وإبراهيم ﷺ لما اعتزل قومه وما يعبدون من دون الله، وهب له الله إسماعيل وإسحاق ويعقوب، ولم يبعث نبي من بعده إلا من نسله.

стр. 2633

وأرادوا له الهلاك بالإحراق بالنار فالله أحياه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ [الصافات: ٩٨]. وقال سبحانه: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. ويوسف ﷺ لما ابتُلي بامرأة العزيز، وصبر وعصم نفسه وحفظها من الوقوع علي امرأة العزيز، وطلب السجن، ليبعد عن الفتنة، عوضه الله بأن مكن له في الأرض، واستمتع بما أحل الله له من الأموال والنساء والسلطان: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [يوسف: ٥٦]. وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم، وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته، وجعلهم سببًا للهداية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]. ومريم ابنه عمران لما أحصنت فرجها، أكرمها الله، ونفخ فيه من روحه، واصطفاها، وطهرها، وجعلها وابنها آية للعالمين: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]. ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالي، عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه، ومحبه أوامره، ما يفوق لذات الدنيا كلها: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 2634

٤ - الخزانة الرابعة فقه الابتلاء: الله خلق العالم العلوي، والعالم السفلي، وخلق الموت والحياة، وزين الأرض بما عليها للابتلاء والامتحان، ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، من يكون عمله موافقًا لمحاب الرب تعالي، فيوافق الغاية التي خلق هو لها، وخلق لأجلها الله العالم، وهي عبوديته سبحانه المتضمنة لمحبته وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وامتحن الله خلقه بأمره الشرعي، وقدره الكوني، ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، كما قال سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [هود: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وهذا الابتلاء هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في حال السراء والضراء، وفي حال الخير والشر: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].

стр. 2635

والابتلاء بالنعم من الغني، والعافية، والجاه، والقدرة، أعظم الابتلاءين، والصبر علي طاعة الله أشق الصبرين، والنعمة بالفقر والمرض، وقفر الدنيا، وهذا الخلق للإنسان قد يكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر علي أضدادها. فالرب يبتلي بنعمة، وينعم ببلائه، غير أن الشكر والصبر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه، وقضائه وقدره، لا يستغني العبد عنهما طرفة عين: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠] وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]. فالمأمور لا يؤديه العبد إلا بصبرً وشكر، والمحظور لا يتركه إلا بصبر وشكر، وأما المقدور فمتى صبر العبد عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. والله سبحانه خلق السموات والأرض، ليبتلي عباده بأمره ونهيه، وخلق الموت والحياة ليبتليهم، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدر عليهم الموت الذين ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب، والجنة والنار. وزين لهم ما علي الأرض، ليبتليهم أيهم يقدم شهوات نفسه، علي محبوبات ربه وأوامره: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].

стр. 2636

وابتلى بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب، فأظهر هذا الابتلاء أن علمه السابق فيهم موجود عيانًا بعد أن كان غيبًا في علمه، فابتلي سبحانه أبوي الإنس والجن كل منهم بعد الآخر، وأظهر ابتلاء آدم ﷺ ما علمه منه من التوبة إلي ربه، كما قال سبحانه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه من الكفر والاستكبار، واستمر هذا الابتلاء إلى يوم القيامة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. فهذا الابتلاء مستمر إلي يوم القيامة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. والله ابتلي كل إنسان بأمرين: أمرًا فيه حيلة .. وأمرً لا حيلة فيه. فما فيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ونعم الله في البلاء الذي يصيب الناس مستورة، لا يراها إلا أولوا الألباب: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. فإذا أصيب الإنسان بمصيبة فليحمد الله إذ لم تكن في دينه، وإذ لم تكن أعظم منها، وإذ كانت في الدنيا، ولم تكن في الآخرة، وإذ لم يحرم الرضا

стр. 2637

بها، وإذ يرجو الثواب عليها، و بها تكمل عبودية الصبر لديه، وينال ثوابها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] والله خلق هذا الإنسان ليبتليه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقد ابتلي الله الإنسان بعدو لا يفارقه طرفة عين، وهو الشيطان، وعساكرً من شياطين الإنس والجن، فالحرب سجال بينه وبين القلب الذي هو محل معرفه الله ومحبته وعبوديته. فولاه الله أمر هذه الحرب مع النفس والشيطان، وأمده بجندِ من الملائكة لا يفارقونه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ﴾ [الرعد: ١١]. ثم أيده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله ﷺ ، وأنزل عليه كتابه، فازداد قوة إلي قوة، وعدة إلي عُدته: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 2638

وأمده سبحانه بالعقل وزيرًا له مدبرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه وناصحة له، وبالإيمان مثبتًا له، وناصرًا، ومؤيدًا، وباليقين حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالي أولياءه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. ثم أمده الكريم سبحانه بالقوة الظاهرة، والباطنة، لخوض هذه الحرب، فجعل العين طليعته، والأذن صاحبة خبره، واللسان ترجمانه، واليدين والرجلين أعوانه، وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له، ويسألون الله أن يقيه السيئات ويدخله الجنات، وتولي سبحانه الدفاع عنه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨]. وحسب قوة إيمان العبد، تكون قوة الابتلاء، فالأنبياء كانوا جبال الإيمان، وجبال اليقين، وجبال الصبر، وجبال التقوى، ثم يليهم الصحابة. وابتلاؤنا اليوم لا يكون كابتلاء الصحابة، فضلًا عن الأنبياء؛ ولكن لا بد من الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. فللأنبياء ابتلاء، وللصحابة ابتلاء، ولمن بعدهم ابتلاء، حسب قوة الإيمان وضعفه، والله سبحانه «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». أخرجه مسلم (١).

стр. 2639

وكل جمال في العالم العلوي، و في العلم السفلي، من جماله سبحانه، وكل جمال ونور في المخلوقات لا يساوى ذرة من جمال الخالق ونوره وجلاله، وإذا كانت سُبحات وجهه الأعلى لا يقف لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السُبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي فما الظن بجلال وجه الكريم، وعظمته، وكبريائه وكماله، وجلاله وجماله. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فالرب سبحانه قد يحتجب عن مخلوقاته بحجابِ من نورِ مخلوق، إذ جعله سبحانه يحجب نور وجه الكريم، وجلاله، وجماله، عن وصوله إلى المخلوقات، حيث لا تحتمله. فنعيم الجنة المخلوق بالنسبة إلى نعيم معرفة المعبود ومحبته سبحانه، كنسبة نعيم الدنيا إلي نعيم الجنة المخلوق، وأكبر نعيم أهل الجنة النظر إلي وجهه سبحانه، والفوز برضوانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وقد احتجب سبحانه عن خلقه في الدنيا، ليبلوا بذلك إيمانهم، أيهم يؤمن به، ويعرفه بالغيب ولم يره. والله الله سبحانه يجزى العباد علي إيمانهم بالغيب؛ لأن الله لو تبدى لخلقه، وتجلي لهم في الدنيا، لم يكن للإيمان بالغيب هناك معني،

стр. 2640

كما أنه لن يكفر به عندها كافر، ولا يعصيه عاص، لما يرون من عظمة جلاله، وكبريائه، وعظمه ملكة، وسلطانه. ولكنه ﵎ احتجب عنهم في الدنيا، ودعاهم للإيمان به بالغيب، وإلي معرفته والإقرار بربوبيته، ليؤمن به من سبقت له منه السعادة، ويحق القول علي الكافرين، ولو تجلي لخلقه سبحانه لآمن به من في الأرض جميعًا بغير رسل، ولا كتب، ولا دعاه، ولم يعصوه طرفة عين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. فإذا كان يوم القيامة تجلي سبحانه لمن آمن به، وصدق رسله وكتبه، وآمن برؤيته، وأقر بصفاته التي وصف بها نفسه، حتى يروه عيانًا مثوبة منه لهم، وإكرامًا، ليزدادوا بالنظر لمن عبدوه بالغيب، ولم يروه، نعيمًا، وأنسًا، وطمأنينة، ويزدادوا برؤيته فرحًا وسرورًا. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وحجب نفسه عن الكفار يومئذ، لأنهم لم يؤمنوا به في الدنيا، فحرموا رؤيته في الآخرة، كما حُرموها في الدنيا، ليزدادوا حسره، وثبورًا. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦].

стр. 2641

٥ - الخزانة الخامسة حركات العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما، موافقة للأمر: إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه، وإما الأمر الكوني القدري الذي قدره الله وقضاه، وهو سبحانه قدره لحكمة، وغاية حميدة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] فهو سبحانه يحب المغفرة، وإن كره معاصي العباد، ويحب التوابين، وإن كره معاصيهم التي يأتون منها، ويحب المقاتلين في سبيله، وإن كره أفعال من يجاهدونه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤]. وهو سبحانه الكامل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وهو يحب أسماءه، وصفاته، ويحب ظهور آثارها في خلقه، فهو سبحانه رحيم يحب الرحمة، ويحب الرحماء، وهو عفو عن المذنبين، ويحب العفو، ويحب العافين عن الناس وهكذا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. حكمة الابتلاء: إذا ابتلي الله عبده ببلاء، فإن رد ذلك الابتلاء العبد إلي ربه، وجمعه عليه، وطرحه في بابه، فهو علامة سعادته، وإرادة الخير به: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].

стр. 2642

وشدة البلاء بتراء لا دوام لها، وإن طالت، فتُقلع عنه، وقد عوض عنها خيرًا وكثيرًا، وأفضله، رجوعه إلي الله، بعد أن كان شاردًا عنه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. فهذه البلية لهذا العبد عين النعمة، وإن ساءته وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وإن لم يرده ذلك البلاء إليه سبحانه، بل شرد قلبه عنه، ورده إلي الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، فهو علامة شقاوته، وإرادة الشر به. فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلي حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه، وجاءت طبيعته عند القدرة بالأشر والبطر، والإعراض عن شكر الله، وعدم التوجه إليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. فبلية هذا وبال عليه، وعقوبة له، ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له، ورحمه به، ورفعة له، كما قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. والله ﵎ عليمٌ بخلقه، خلق النفوس وفيها خبأ يعلمه سبحانه منها، فلا بد أن يقيم أسبابًا يظهر بها خبأ النفوس الذي كان كامنًا فيها، فإذا ظهر للعيان، ترتب عليه أثره من السعادة والشقاوة.

стр. 2643

وخلق سبحانه السموات والأرض، ليعلم العباد كمال عظمته، وكمال قدرته وعلمه، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وخلق سبحانه العالم السفلي، ليبلوا عباده، فيظهر من يطيعه ويحبه ويجله ويعظمه ممن يعصيه ويخالفه. وهذا الابتلاء والامتحان يستلزم أسبابًا يحصل بها، فلا بد من خلق أسبابه، ولهذا لما كان من أسباب خلق الشهوات، وما يدعو إليها، وتزيينها، فعل ذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. والله عليم حكيم، خلق الإنسان وجعله قابلًا للإيمان والكفر، وللحق والباطل، وللخير والشر، وللطاعات والمعاصي، وبحسب البيئة التي يعيش فيها، وبحسب المذكر له، وبحسب العلم والأوامر التي تصل إليه يميل إلى هذا أو ذاك: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ١٢ - ٣]. القلوب والجوارح لها مصرفان: o مصرفٌ محمود o ومصرفٌ مذموم.

стр. 2644

فالمحبة مثلًا من أعمال القلوب ولها مصرفان: الأول: مصرفٌ محمود، وهو محبة الله ورسوله، ومحبة أوامر الله، ومحبة ما يحبه الله. الثاني: مصرفٌ مذموم، وهو محبة ما يبغضه الله من الأعمال، والأقوال، والأشخاص، والأماكن، والأخلاق، والأحوال. وكذلك الجوارح لها مصرفٌ محمود، ومصرفٌ مذموم. فالمحمود استعمالها في طاعة الله، والمذموم استعمالها في معصية الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ [المزمل: ١٩]. فقلوب الناس وجوارحهم تعمل إما في المصرف المحمود، الذي يرضي الله ، وإما في المصرف المذموم، الذي يغضب الله ، فالمحمود لله، وصاحبه رابح، والمذموم للشيطان، وصاحبه خاسر: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والدين كله يتمثل في الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت، وتقديم الأوامر على الشهوات، وتقديم الحقوق على كل محبوب، وتقديم مراد الله على مراد النفس، وربط العواطف بأوامر الله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ

стр. 2645

الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. والإنسان ظلوم كفار، وقد ذمه الله باليأس والكفر عند الامتحان بالبلاء، وبالفرح والفخر عند الابتلاء بالنعماء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ [هود: ٩ - ١٠]. وإذا علم الله سبحانه هذا من قلب عبد، فذلك من أعظم أسباب خذلانه، وتخليه عنه، فإن محله لا تناسبه النعمة المطلقة التامة، وهي نعمة الإسلام التي يعقبها نعمة السعادة الأبدية. والله عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. علم سبحانه قبل أن يُوجد عباده أحوالهم، وما هم عاملون، وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار، ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم بالأمر والنهي، والخير والشر، بما أظهر معلومه منهم، فاستحقوا المدح والذم، والثواب والعقاب، بما قام فيهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم الإلهي السابق: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [التغابن: ١٨].

стр. 2646

وقال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم شرائعه؛ إعذاراً إليهم، وإقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهو لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟. فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم، حصل الثواب أو العقاب على معلومة الذي أظهره الابتلاء والاختبار، فهو سبحانه عليمٌ بكل شيء، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا، وبما ركب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. وقد اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع، في خفارة ذنوب المظلوم المبغى عليه، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه. كما أن المسئول إذا رد السائل، فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل، لما أفلح مَنْ رده، وكذلك السارق، وقاطع الطريق، والغاصب والناصب، والمنتهك، والمختلس، في خفارة منع أصحاب الأموال حقوق الله فيها، ولو أدوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم. وكذلك تسليط العالم بعضهم على بعض، وتمكين الجناة والبغاة، حتى أن الحيوان العادي على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم، يعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء، كما قال

стр. 2647

سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. والله بصير بالعباد، يصرف الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه، وصدهم عنه، كما صدوا عباده عنه، ويحبس الغيث عن عباده ويبتليهم بالقحط، إذا منعوا الزكاة وحرموا المساكين، فلما منعوا المساكين حقهم منع الله عنهم مادة القوت والرزق وهو الغيث: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. ويمحق الله أموال المرابين ويتلفها، كما فعلوا بأموال الناس، وأكلوها بالباطل، ومحقوها عليهم، وأتلفوها بالربا، فعوقبوا إتلافاً بإتلاف كما جوزي المتصدقون بأضعاف ما تصدقوا به، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]. ويسلط الله سبحانه العدو على العباد، إذا جار قويهم على ضعيفهم، ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه، فيسلط الله عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء بسواء: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩]. هذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن يطوي الله الأرض ويعيدها كما بدأها، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].

стр. 2648

٦ - الخزانة السادسة فقه الابتلاء: الله هو رب العالمين، الذي يربي عباده بما يسعدهم ويصلحهم في الدنيا والآخرة؛ ولهذا أمرنا الله بحمده في كل ركعةٍ من الصلاة، سواءً كانت فرضًا أو نفلًا فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. والتربيةُ الإلهية للعباد: أولها: ابتلاءٌ وامتحان. وأوسطها: صبرٌ ويقين وتوكل. وآخرها: هدايةٌ ونصرٌ وتمكين. وعاقبتها: الجنة، ورضوان رب العالمين، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢] والله ابتلى الأنبياء بما شاء من أذى الكفار لهم؛ ليستوجبوا كمال كرامته، ويتوجهوا إلى ربهم في كشف ما بهم من ضُّر إذا نزل، ويتأسى بهم من ءامن بهم من أممهم إذا أوذوا من الناس فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، فإذا

стр. 2649

رأوا ما جرى على الأنبياء والرسل صبروا، ورضوا، وتأسوا بهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. ولتمتلئ صاع الكفار فينالون ما أعدَّ الله لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم الله بسبب بغيهم، وعداوتهم، ويعجل تطهير الأرض منهم، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. فهذه بعض حكمة الله في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم لهم: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه كما ابتلى الله جميع الأنبياء، بمعارضة قومهم لهم، وكما ابتلى الله إبراهيم ﷺ بقومه الذين كذبوه، وألقوه في النار، وكما ابتلاه الله بذبح ولده إسماعيل، وترك أهله بوادٍ غير ذي زرع. وكما ابتلى الله موسى ﷺ بفرعون وقومه الذين كذبوه، والسحرة الذين بارزوه، وبني إسرائيل الذين اختلفوا عليه. وكما ابتلى الله أيوب ﷺ بالمرض، وذهاب الأهل. وكما ابتلى الله عيسى ﷺ باليهود الذين كذبوه، وأرادوا قتله وصلبه.

стр. 2650

وكما ابتلى الله محمداً ﷺ بأذى الكفار له، وتكذيبهم له، ومطاردتهم له، وإرادتهم قتله، وإخراجه من مكة، وجمع الناس والأموال لقتاله والقضاء عليه، وعلى دينه وأتباعه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ [الأنفال: ٣٦ - ٣٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. وكما ابتلى الله نبيه محمدًا ﷺ باليهود الذين قاتلوه، وكادوا له، ونقضوا عهودهم معه، وجمعوا الأحزاب لحربه، وسحروه، ووضعوا السم في اللحم له، فصبر حتى أظهر الله دينه، وخذل أعداءه، ودخل الناسُ في دين الله أفواجاً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤]. أقسام البلاء: البلاء الذي يصيب العبد من الله لا يخرج عن أربعة أقسام: إما أن يكون في نفس العبد .. أو في ماله .. أو في عرضه .. أو في أهله ومن يحب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].

стр. 2651

والذي في نفسه، إما أن يكون بتلفها تارة، أو بتألمها بدون التلف، فهذا مجموع ما يُبتلى العبد به في الله، وأشد هذه الأقسام المصيبة في النفس. والمؤمن كلما نقص شيء من بدنه جعله الله عمارة لقلبه وروحه، وكلما نقص شيء من دنياه جعله الله زيادة في آخرته، فنقصان بدنه ودنياه، ولذته وسروره، وجاهه ورياسته، إن زاد في حصول ذلك، وتوفيره عليه، في معاده كان رحمة به، وخيرًا له، وذخرًا له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وإن كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة أو ترك واجب ظاهر أو باطن؛ فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مرتب على هذه الأربعة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. والله ﵎ حكيم عليم، يبتلي عباده تارة بالنعم وتارة بالمصائب، فمن وسع الله عليه، وإن كان إكرامًا له في الدنيا، فلا يدل على أنه كريم عند الله، من أهل كرامته ومحبته، ومن قتّر الله عليه فلا يدل على إهانته له، وسقوط منزلته عنده، قد يوسع الله سبحانه ابتلاءًا وامتحانًا، وقد يقتر ابتلاءًا وامتحانًا، ويبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب، والمدار على كمال الإيمان والتقوى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٥ - ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].

стр. 2652

وهو سبحانه الحكيم الذي يبتلي عبده بنعمة تجلب له نقمة، وبنعمة تجلب له نعمة أخرى، ويبتليه كذلك بنقمة تجلب له نعمة، وبنقمة تجلب له نقمة أخرى، هذا شأن نعمه ونقمه سبحانه، وهو الرؤوف اللطيف بعباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. فالحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. والكرامات امتحان وابتلاءً كالملك والسلطان والمال، كما قال سليمان ﷺ : ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]. فالنعم ابتلاءً من الله يظهر بها شكر الشكور، وكفر الكفور، كما أن المحن بلوى منه سبحانه، فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب، فمن شكر زاده، ومن كفر سلبه إياه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. وإذا ابتلى الله الإنسان بالفقر، فإن صبر أُعطي أضعاف ما فاته من الرزق، وإن سخط فله السخط، فالصبر والذكر، والشكر، من أجل مقامات الدين وأعظمها: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». أخرجه مسلم (١).

стр. 2653

وهذا الحديث يتضمن أصلين عظيمين: أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. والملك يتصرف في ملكه كما شاء، أما العبد فلا يتصرف إلا بإذن مالكه، ووفق أمره. الثاني: مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، فليفكر بما يقدُم به على ربه من الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨]. ولينظر العبد إلى مقدار الأجر على المصيبة إن صبر، وأنها أخف مما هو أعظم منها، وليعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومعرفة هذا أبلغ علاج للمصاب، وأنفعه له في عاجلته وآجلته، وبه يتسلى عما أصابه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. فقه العبودية: الله له على كل أحدِ عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده، فجميع الخلائق عبيد لله، خاضعون لعظمته، مستجيبون لمشيئته، مسرعون إلى إرادته: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤]. وهذه العبودية الخاصة تختلف من شخص إلى شخص.

стр. 2654

فعلى العالم من عبودية الله نشر السنة، والعلم الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك، ما ليس على غيره: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وعلى الحاكم من عبودية إقامة العدل والحق، وتنفيذه وحمل الناس عليه، والصبر على ذلك ما ليس على المفتي. وعلى القادر على الأمر المعروف، والنهي عن المنكر بيده ولسانه، ما ليس على العاجز عنه. وعلى الغني من عبودية الإنفاق في سبيل الله، وأداء الحقوق التي في ماله، ما ليس على الفقير. وقد غر الشيطان أكثر الخلق بأن حسن لهم القيام بنوع من الذكر، والقراءة، والصلاة، والصيام، والزهد في الدنيا، والانقطاع، وعطلوا هذه العبوديات النافعة، فلم يحدثوا أنفسهم بالقيام بها: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. فما أعظم غرور الشيطان لبني آدم، حتى اتبعوه وأطاعوه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. وهؤلاء الذين غرهم الشيطان عند ورثة الأنبياء، من أقل الناس ديناً، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به، وتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالاً عند الله من مرتكب المعاصي، ومن له دراية ومعرفة بما بعث الله به رسوله ﷺ ، وبما كان عليه هو وأصحابه، رأى أن أكثر من يشار إليهم بالدين، هم أقل الناس ديناً، لتعطيلهم الحقوق الواجبة عليهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ

стр. 2655

الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. وأي دين، وأي خير، فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضاع، ودينه يترك، وسنن رسوله يرغب عنها، وهو بارد القلب، ساكت اللسان، لا ينكر ولا يبدل ولا يغير: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وهؤلاء مع سقوطهم من عين الله، قد بلوا في الدنيا بأعظم بلية، وهي موت القلوب، فالقلب كلما كانت حياته أتم، كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره للدين أكمل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨١].

стр. 2656

٧ - الخزانة السابعة فقه التربية الربانية: الله رب العالمين، يربي عباده بما يسعدهم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وتربية الله لعباده هي أحسن تربية، ولابد للناس من تربية النفوس بالبلاء، وامتحانها بالمخاوف، والشدائد، والجوع، ونقص من الأموال والأنفس، والثمرات، كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فلابد من هذا الابتلاء الظاهر المكشوف لكل الناس؛ كي يعز الدين على النفوس بمقدار ما أدوا في سبيله من تكاليف وصبر، فكلما تألموا في سبيله كلما بذلوا من أجله، وكلما بذلوا من أجله، كان أعز عليهم من كل شيء، وكذلك لن يدرك الآخرون قيمة الدين وعظمته إلا حين يرون ابتلاء أهله، وصبرهم على البلاء العظيم من أجله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وحينئذ سيقولون: لو لم يكن عند هؤلاء من الخير أكبر و أعظم مما ابتُلوا به، ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا

стр. 2657

وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. وبسبب صبر المؤمنين على البلاء من أجل الدين، وبذل كل ما يملكون من أجل ظهوره، فحينئذ سيقول الكفار: لو لم يكن عند هؤلاء من الخير ما هو أكبر وأعظم مما ابتُلوا به، ما قبلوا هذا البلاء، وما صبروا عليه، وعندئذ تحصل أعظم الثمرات، وينقلب المعارضون للدين باحثين عنه، مقدرين له، مندفعين إليه، عندما يرون فعل أهله وصبرهم على أوامره. وعندئذ يجيء نصر الله، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، ولابد من البلاء ليصلب عود أهل الحق، ويقوى ويشتد: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. فبحصول الشدائد والمحن، يحصل التوجه و الالتجاء إلى الله وحده لا شريك له، فحين تهتز الأسناد كلها يتوجه القلب إلى الله وحده، فلا يرى قوة إلا قوة الله، ولا يرى حولًا إلا حوله، ولا ملجأ إلا إليه، وهذه هي العبودية التي يريدها الله من عباده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فهؤلاء الصابرون، هؤلاء المخبتون، هؤلاء الصابرون على الأذى في سبيل الله، وعلى أقدار الله ، لهؤلاء صلوات ورحمة وهداية، جزاءً على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات، وجزاءً على الخوف والجوع

стр. 2658

والشدة، وجزاءً على القتل والشهادة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فهذا العطاء من الله أثقل في الميزان من كل عطاء، وأرجح من النصر، وأرجح من التمكين، وأرجح من شفاء غيظ الصدور. فهذا هو الطريق المستقيم لمن يريد الله استخلاصهم لنفسه ودعوته ودينه من بين البشر أجمعين: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]. وسنة الله جارية وفق ما يشاء، ومن سنة الله في المكذبين لرسله أن يأخذهم بالبأساء والضراء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. ذلك لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة، التي ما يزال فيها خير يرجى، وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد، وأن يتجه بالبشر الضعاف الغافلين إلى خالقهم الواحد القهار؛ ليتضرعوا إليه، ويطلبوا رحمته وعفوه، ويعنون بهذا التضرع، بإخلاص عبوديتهم لله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ

стр. 2659

سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وليس لله حاجة بعبادة العباد، وهو الغني، وهم الفقراء، وهو القوي، وهم الضعفاء، ولكن تضرع العباد وإعلان عبوديتهم لله إنما يصلحهم هم، ويصلح حياتهم ومعاشهم كذلك: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. فمتى أعلن الناس عبوديتهم لله تحرروا من العبودية لسواه، تحرروا من العبودية للشيطان الذي يريد أن يغويهم، وتحرروا من شهواتهم وأهوائهم التي تقعدهم عن طاعة الله، وامتثال أوامر الله، وتحرروا من العبودية للعبيد أمثالهم، وتوجهوا إلى ربهم في قضاء حوائجهم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣]. لذلك استحيوا أن يطيعوا الشيطان، ويتبعوا خطوات الشيطان، واستحيوا أن يغصبوا الله بنية أو عملِ، وهم يتجهون إليه في الشدة، ويتضرعون إليه؛ لذلك اقتضت سنة الله ومشيئته أن يأخذ أهل كل قرية يرسل إليها نبيًا فتكذبه بالبأساء والضراء، استحياءً لقلوبهم بالألم، والألم خير مهذب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة في القلوب، وخير موجه إلى ظلال الرحمة

стр. 2660

لعلهم يضرعون: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]. فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والعافية مكان الضر، والأمن مكان الخوف، وإذا هو متاع ورخاء، وكثرة وامتلاء، إنما هو في الحقيقة اختبارٌ وابتلاء، والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، فإنه يذكر صاحبه بالله، فيتجه إليه، ويتضرع بين يديه؛ فيجد في رحابه فسحة وأنسًا، أما الابتلاء بالرخاء، فالذين يصبرون عليه قليلون، فالرخاء يُنسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. والله رءوف بالعباد، يبتليهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فيبتلي بالشدة، ولكن الشدة يصبر عليها الكثير؛ لأنها تذكر الخلق بالله ، أما الابتلاء بالرخاء فالذي يصبر عليه قليل؛ لأن الرخاء يُنسي، ويلهي ويطغي، فالثراء والغنى يولد حالة قلة المبالاة، وحالة الاستخفاف والاستهتار، فلا يجدون في أنفسهم حرجًا من شيء يعملونه، ولا تخوفًا من أمر يصنعونه، خاصة حين يطول بأهل الثرى العهد في اليسار والنعمة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [سبأ: ٣٥ - ٣٦]. فهم يتنعمون في يسر، ويسرفون في استهتار، ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان، وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر من أهل الغنى والثرى بلا تخوف ولا مبالاة ولا تحرج، وهم بفعلهم ذلك لا يفطنون لسنة الله في الكون، ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافًا بلا

стр. 2661

سبب معلوم: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٥]. وقد أخذنا دورنا في الضراء، وجاء دورنا في السراء، هكذا يظنون عندئذ في ساعة الغفلة السادرة، وثمرة النسيان واللهو والطغيان، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ [الأعراف: ٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. هكذا تجري سنة الله أبدًا وفق مشيئته في عباده، فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. أما الطرف الآخر لسنة الله الجارية، فكما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. فأهل القرى لو آمنوا بدل التكذيب، واتقوا بدل الاستهتار والفجور؛ لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض، هكذا مفتوحة بلا حساب، من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فيض غامرُ من كل مكان: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]. وقد ينظر بعض الناس، فيرى من يقول: إن المسلمين مضيق عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق، ويرى في المقابل أمما لا يؤمنون بالله ولا يتقونه مفتوحًا عليهم في الرزق والقوة والنفوذ، فيسأل: أين هي السنة الجارية التي لا تتخلف؟

стр. 2662

ولكن هذا وذاك وهو من تخيله ظواهر الأحوال. إن هؤلاء الذين يقولون أنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا متقون، إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققونها في واقعهم، ولا يحققون الإسلام في واقعهم، ولا يحققون في حياتهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. إنهم في الواقع يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم، وما أولئك بالمؤمنين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فالمؤمن حقًا لا يدع عبدًا من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبدًا من العبيد ربه الذي يصّرف حياته بشرعه وأمره. ويوم كان المسلمون مؤمنين حقًا، دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات السموات والأرض، وتحقق لهم وعد الله بالنصر والتمكين في الأرض، فقد كانوا شر القرون فصاروا بالإسلام خير القرون، وكانوا شر أمة فصاروا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس، وكانوا شر البرية فصاروا بالإيمان والتقوى خير البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]. وأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي السنة، والابتلاء بالرزق والنعمة أخطر من الابتلاء بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون، فالبركة تكون مع القليل إذا أُحسن الانتفاع به، وكان

стр. 2663

معه الصلاح والأمن والإيمان، والرضا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ الرعد: ٢٨]. إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى بركات في الأشياء، بركات في النفوس، بركات في المشاعر، بركات في طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها وليست مجرد وفرة المال مع الشقوة والتردي والانحلال، فكم من أمة غنية ولكنها تعيش في شقوة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. فهي في حاضر نراه، يترقبه مستقبل نكد وابتلاء يعقبه نكال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾ [الرعد: ٣١ - ٣٢]. فالعطاء من الله ليس دائمًا دليل رضا، فقد يكون مقدمة للعقوبة، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].

стр. 2664

٨ - الخزانة الثامنة فقه الابتلاء: المؤمن لإيمانه بربه، ومعرفته بأسمائه وصفاته وافعاله، ينظر عند الابتلاء لا إلى البلاء ولكن ينظر إلى جمال المبتلي؛ لأنه يعلم أن ربه أرحم به من نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وشعور الإنسان بأنه مبتلى وممتحن بأيامه التي يقضيها في هذه الحياة، ومبتلى بكل شيء يملكه، ومبتلى بكل متاع يتاح له، يمنحه مناعة قوية ضد الاغترار والانخداع، والغفلة والطغيان، ويعطيه وقاية من الاستغراق في متاع الحياة الدنيا، ومن التكالب على هذا المتاع الذي هو مسئول عنه وممتحن به. هل يمتثل فيه أمر ربه، أم يعبد هوى نفسه؟ وهي لمسة قوية للقلب البشري، إذ يدرك أنه مستخلف في ملك أزيل من مالكيه الأوائل، وأجلي عنه أهله الذين سبق لهم أن مكنوا فيه، وأنه هو بدوره زائل عن هذا الملك، ومحاسب على ما كسب فيه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس: ١٣ - ١٤].

стр. 2665

إن شعور الإنسان بالرقابة الإلهية التي تحيط به، تجعله شديد التوقي، شديد الحذر، شديد الرغبة في الإحسان، شديد الرغبة في النجاة من هذا الامتحان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]. إن الحياة في الإسلام حياة متكاملة القواعد والأركان، عقيدة وعبادة، وأخلاق وطريقة حياة، فالذي خلق البشر سبحانه أعلم بما يصلحهم، وما يصلح لهم، وما يسعدهم وينجيهم، وما ينفعهم وما يضرهم، فأكرمهم به، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. والقرآن يقول لمن يطعمون الحياة الإسلامية، والنظام الإسلامي، والأوامر الشرعية، بمنتجات أخرى، ونظام آخر من صنع البشر. قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. إن هذا الإنسان الذي خلقه الله له في حياته حالتان: الأولى: أحوال هو مقهور مجبور أن يسلم فيها لله: كوجوده، ويوم ولادته، ولونه وشكله، وطوله وعرضه، ومرضه وصحته، وحركة قلبه ومعدته، وروحه ونحو ذلك، وكل ذلك وأمثاله لا تستطيع
следующие страницы →