الرابعة: الخشوع
قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٦ - ١٠٩].
الخامسة: الخشية.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
السادسة: قوة البصيرة.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
السابعة: قوة العبادة.
قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
الثامنة: أنهم خيار المسلمين وأئمتهم
كما قال النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (١).
стр. 2837
وقال النبي ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خيْراً يُفَقهْهُ في الدينِ «. متفق عليه (١).
فضائل الرجال والنساء:
خلق الله الرجل والمرأة مختلفين في أصل الخِلقة، وكمل أحدهما بالأخر وجعل كلاً منهما سكناً للأخر.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
وجعل سبحانه الرجل والمرأة نواة لتكوين كل أسرة، وكل أمة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
والرجل والمرأة أمام شرع الله ووعده ووعيده على حدٍ سواء، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
стр. 2838
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
وخص الله الرجل بخصائص، وخص المرأة بخصائص.
فالرجل أكمل من المرأة، فالذكورة شرفُ وكمال، والأنوثة نقص خلق طبيعي.
فالمرأة يباح لها أنواع الزينة والحلي، لتكمل شخصيتها، وذلك لجبر نقص الأنوثة والضعف، كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ [الزخرف: ١٨].
أما الرجل فهو كامل في نفسه، وقوته، وخلقته، فناسب حاله أن يكون قائمًا على الضعيف الناقص خلقه، كما قال سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وهذا إكرامُ للمرأة وعناية بها أن يقوم عليها من يرعى شئونها، ويدبر أمورها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وجعل الله سبحانه ميراث الرجل مضاعفاً على ميراثها، لأنه الذي ينفق عليها، وجعل الطلاق بيد الرجل، لأن آلة الزراعة معه، فلا يكره على البقاء والزراعة في حقلٍ لا يناسب الزراعة.
стр. 2839
فالإسلام أكرم كلاً من الرجل والمرأة، فالإسلام حين يلزم الرجل بأعباء ووجبات مالية لا تلزم بمثلها المرأة، فإنما ذلك لحكمة، كالمهر، والسكن، والإنفاق على الزوجة، والأولاد والديات في العاقلة.
أما المرأة فليس عليها شيء من النفقة لا على نفسها، ولا على أولادها، وبذلك أكرمها الإسلام حين طرح عنها تلك الأعباء، وألقاها على الرجل، ثم أعطاها غالباً نصف ما يأخذ الرجل، فمالها يزداد، ومال الرجل ينقص بالنفقة عليه، وعلى زوجته وأولاده.
فهذا هو العدل والإحسان بين الجنسين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والله سبحانه هو الخلاق العليم الذي خلق جميع الخلائق، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ
стр. 2840
وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
خلق الله الذكور والإناث، وجعل لكل منهما خصائص ينفرد بها عن الأخر، ويكمل أحدهما الأخر، ففضل الله الرجال على النساء في أصل الخلقة والطبيعة، فالمرأة الأولى وهي حواء خلقت من ضلع الرجل الأول وهو آدم ﷺ ، فهي جزء منه، لا تستغني عنه، ولا يستغنى هو عنها، فرجل بلا امرأة شقي، وامرأة بلا رجل شقيه، فإذا تم الزواج بينهما تمت النعمة، وحصلت المودة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
والرجل أكمل وأقوى من المرأة، والعقل يقتضى أن الناقص الضعيف يلزم أن يكون تحت الكامل في خلقته يجلب له ما ينفعه، ويدفع عنه ما يضره.
والمرأة متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة، لهذا جعل الله الرجل هو المسئول عن المرأة في جميع أحوالها أما، وزوجة، وبنتاً وأختاً.
وخص الرجل بالرسالة والنبوة والخلافة دونها، وملكه الطلاق دونها، وجعله الولي في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادته في الأموال بشهادة امرأتين، وقبل شهادته في الحدود والقصاص دونها، وجعل له مثل حظ الأنثيين من الميراث، لأنه ينفق عليها، وجعل ديتها نصف دية الرجل، لعظم المصيبة بفقد الرجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
стр. 2841
وأمر سبحانه ببر الوالدين:
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وخص الأم بمزيد من البر.
فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ». متفق عليه (١).
стр. 2842
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
١٨ - خزائن الفضائل
القسم الثاني
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 2843
١٨ - خزائن الفضائل
القسم الثاني
١ - الخزانة الأولى
فضائل قريش:
لما أخذ قصي بن كلاب سدانة الكعبة من قبيلة خزاعة، جمع قبائل قريش بمكة فسمي مُجمعًا، وكان لقصي بن كلاب أربعة أولاد:
عبد بن قصي .. وعبد الدار بن قصي .. وعبد العزى بن قصي .. وعبد مناف بن قصي.
فجعل قصي وظائف السقاية والرفادة والندوة واللواء وحجابه البيت لعبد الدار بن قصي، وهو أقل أولاده شرفًا، وأكثرهم خمولاً ليرفعه، والوظائف التي كانت لبنى عبد الدار:
السقاية: وهى جمع المال من قريش لسقى الحجاج في الموسم بالنبيذ والشراب الطيب.
والرفادة: مالٌ يجمع من قريش يكون رفداً لمن تعطل أو افتقر يعطى منه ما يوصله إلى أهله.
واللواء: حمل اللواء في الميدان عند التحام الحروب.
ودار الندوة: هي الدار التي كانت قريش لا يعقدون ولا يحلون أمراً إلا بها.
стр. 2844
والحجابة: سدانة البيت والقيام بما يصلحه.
وأولاد عبد مناف بن قصي أربعة:
١ - هاشم بن عبد مناف.
٢ - والمطلب بن عبد مناف.
٣ - ونوفل بن عبد مناف.
٤ - وعبد شمس بن عبد مناف.
وهاشم والمطلب وعبد شمس أشقاء، ولما شب أبناء عبد مناف أرادوا نزع هذه الوظائف من بني عبد الدار، ووقع خلاف، ثم تحالفوا للقتال، ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة لبنى عبد مناف، ويبقي لبنى عبد الدار اللواء والندوة وحجابه البيت.
وكانوا يفتخرون بذلك فقال الله لهم: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٧ - ٢٢].
стр. 2845
والله عليمٌ حكيم، وقادرٌ على كل شيء، ورءوفٌ بالعباد، جعل من شر أمة خير أمة، وجعل شر القرون خير القرون، ببعثة نبيه محمد ﷺ ، وقد رد الله أصحاب الفيل وهم نصارى عن هدم الكعبة مع أن قريشاً كانوا مشركين بالله ، حفظاً لبيته الذي بناهُ خليلة إبراهيم ﷺ ، ولأنه سيولد في قريش سيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ الذي أرسله الله رحمةً للعالمين
قال الله تعالي: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
ولما بعث الله محمدًا ﷺ ودعا قومه إلى الإسلام، كانوا نواة خير أمة أُخرجت للناس.
قال الله تعالي: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
فصاروا بفضل دعوة النبي ﷺ خير أمة، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فالله بقدرته أرسل نبيًا أمياً إلى أمة أمية، جاهلة، ظالمة، مشركة، فنقلهم ﷺ بإذن الله من شر أمة إلى خير أمة، ومن شر القرون إلى خير القرون، وحولهم الله ببعثة هذا النبي الكريم من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الظلم إلى العدل، ومن الفُرقة
стр. 2846
إلى الوحدة: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٤].
فلله الحمد والمنة على أن أكرمنا بهذا الدين العظيم، وأرسل إلينا هذا الرسول الكريم، وأنزل علينا هذا الكتاب العظيم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فقه المثل الأعلى:
المثل الأعلى في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قسمان:
الأول: المثل الأعلى الذي لا يماثل، وهو الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
стр. 2847
وقال الله تعالي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثاني: المثل الأعلى، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: المثل الأعلى في الشرع، الذي جعله الله جارياً على أحسن الوجوه، وأكملها، وأبدعها، وأتمها، ويدور حُسنه على ثلاثة أصول:
جلب المصالح .. ودرأ المفاسد .. والجري على مكارم الأخلاق.
فالأول يسمى الحاجيات
والثاني يسمى الضروريات
والثالث يسمى التحسينات
قال الله تعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)﴾ [المائدة: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧].
الثاني: المثل الأعلى في أعمال وأخلاق العاملين بذلك الشرع الأعلى، كما قال الله تعالي: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالي: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
стр. 2848
فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثالث: المثل الأعلى في ثواب وجزاء العاملين يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
وقال الله تعالي: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥].
فهذه أمثله المثل الأعلى في نظام الإسلام، وأخلاق العاملين به، وثواب ذلك العمل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال الله : ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
أما الكفار فلهم مثل السوء في النظام، والخُلق، والجزاء، فليس لهم إلا مثل السوء في نظامهم، وأخلاقهم، وجزاء أعمالهم يوم القيامة، كما قال
بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٠ - ٧٤].
فضائل الصحابة ﵃:
أصحاب النبي ﷺ هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل، فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبه نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، فإنهم على الهدي المستقيم أولئك أصحاب محمد ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
وهم خير الناس بعد الأنبياء، كما قال النبي ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». متفق عليه (١).
فحب الصحابة سُنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، فهم الذين هاجروا في سبيل الله، وهم الذين نَصروا في سبيل الله، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
стр. 2854
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
وخير الأمة بعد نبيها ﷺ هم الخلفاء الراشدون الأربعة:
أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على ﵃ أجمعين.
فهؤلاء الأربعة خير الناس، وهم خلفاء راشدون مهديون.
ثم خير الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، نحبهم جميعًا، ونذكر محاسنهم، ونكف عن مساوئهم، ونقول فيما شجر بينهم هم مجتهدون، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجرٌ واحد، ونترضى عنهم جميعًا، كما ﵃، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والخلفاء الراشدون ﵃ أئمة مهديون أوصانا النبي ﷺ بأن نتبع سنتهم بقوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي تمسكوا بها وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». أخرجه أبو داود (١).
وأبو بكر ﵁ أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو الصديق الذي صدق الرسول ﷺ بكل ما جاء به: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
стр. 2855
وسماه الله ﷺ صاحبه، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وأفضل هذه الأمة بعد أبى بكر ﵁ عمر بن الخطاب ﵁، الذي كان محدثاً ملهمًا، والمحدث الذي يأخذ عن قلبه، الذي قد يصيب ويخطئ.
والصديق أفضل من عمر ﵁، لأن الصديق كان يتلقى عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم لا عن قلبه، وعمر كان يتلقى عن الرسول ﷺ ، وجُعل الحق على لسانه، ولكن الصديق أفضل منه وأعلم، فهو أول من آمن بالنبي ﷺ من الرجال، وهو الذي صاحبه في الغار، وفي الهجر، وهو الذي أنفق جميع ماله في سبيل الله.
فأبو بكر وعمر ﵄ كمل زهدهما في الرياسة والأموال، وعثمان ﵁ كمل زهده في الرئاسة، وتأول في الأموال، وعلى ﵁ كمل زهده في الأموال، وتأول في الرئاسة، وكلهم من السابقين الأولين في الإسلام، وكلهم من المهاجرين، وكلهم من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال النبي ﷺ : «اقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ». أخرجه أحمد والترمذي (١).
стр. 2856
٣ - الخزانة الثالثة
أفضل الخلق:
أصح المخلوقات مِزاجًا هم بنو آدم الذين خلق الله أباهم آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله وذريته في الدنيا هم خلفاء الأرض، وجعل من آمن به جليسه يوم القيامة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
فما أعظم تكريم الله لأدم وذريته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]
فأصح المخلوقات مِزاجًا هم بنو آدم، وأصح بني آدم مِزاجًا هم المؤمنون، وأصح المؤمنين مِزاجًا هم الأنبياء والرُسل عليهم الصلاة والسلام، فهم أعرف الخلق بالله، وهم أحسنهم عبادة له، ودعوة إليه.
وأصح الأنبياء مِزاجًا هم أولو العزم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وأصح أولي العزم مِزاحًا هم الخليلان: إبراهيم ﷺ ومحمد ﷺ .
وأفضلهما محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقًا وخُلقا، وكان خُلقه القرآن، يتأدب بآدابه، ويعمل بأحكامه، ويُحل حلاله، ويُحرم حرامه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فأفضل الخلق الأنبياء والرُسل، وأفضل الأمم أمة محمد ﷺ ، وأفضل الناس بعد الأنبياء والرُسل المهاجرون والأنصار، والمهاجرون أفضل من الأنصار؛
стр. 2857
لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة في سبيل الله، والنصرة في سبيل الله، تركوا ديارهم، وأموالهم، وأهلهم، وهاجروا إلى الله ورسوله، ونصروا رسوله، وجاهدوا معه.
والأنصار آووا ونصروا، فآووا النبي ﷺ في المدينة، ونصروه، ومنعوه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
وقال الله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقال الله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
فأفضل الخلق بعد الأنبياء ولرُسل هم أصحاب محمدٍ ﷺ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
стр. 2858
وأفضلهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فلما صعد النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان على جبل أحد ارتج بهم فرحًا فقال الرسول ﷺ : «اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ». أخرجه البخاري (١).
وجميع نساء النبي الرسول ﷺ أمهات المؤمنين وهن: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ [التحريم: ٥].
وأفضل نساء الرسول ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂، وعائشة بنت أبي بكر الصديق ﵁، فهن أفضل نساء النبي ﷺ ، وأحب النساء إليه.
فخديجة أول امرأة تزوجها الرسول ﷺ ، ولم يتزوج عليها أحداً حتى ماتت، آمنت به، وصدقته، وبذلت أموالها في سبيل الله، وولدت له بناته الأربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وأولاده القاسم، وعبد الله، وكانت امرأة عاقلة ذكية حكيمة، لها مآثر طيبة معروفة.
وعائشة أم المؤمنين ﵂ كانت امرأة ذكية، ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرًا غيرها، ولكل واحدة منهما مزية تختص بها، ولا تشاركها فيها الأخرى.
فخديجة ﵂ لها في أول الرسالة من مناصرة النبي ﷺ ، ومعاضدته، وبذل مالها في سبيل الله ما ليس لعائشة ﵂.
وعائشة ﵂ لها في آخر الرسالة، وبعد موت النبي ﷺ ، من نشر العلم والشريعة ما ليس لخديجة، فلكلٍ منهما مزية تختص بها.
أما الفضيلة فكفاهما فخرًا أنهما من أمهات المؤمنين، وأحب نساء النبي ﷺ إليه.
стр. 2859
أفضل أماكن العبادة: أفضل أماكن العبادة ثلاثة:
الأول: العرش العظيم، فوق السماء السابعة.
الثاني: البيت المعمور، في السماء السابعة.
الثالث: الكعبة بيت الله الحرام، في الأرض.
فأعظم ما يُعبد الله فيه هو العرش العظيم الذي تطوف به الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وفوق السماء السابعة البيت المعمور، يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ [الطور: ٤ - ٥].
والثالث بيت الله الحرام الذي يُعبد الله فيه في الأرض من الإنس والجن والملائكة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالفرع بالنسبة إلى الأصل، وكالظل بالنسبة للجسم، وكل ما في الآخرة فلابد له في الدنيا من مثال.
فعالم الروحانيات، عالم الأنوار، والأضواء، والبهجة، والسرور، والروحانيات مختلفة في الكمال والنقصان، ولابد أن يكون واحدًا منها هو أشرفها، وأعلاها، وأكملها، ويكون ما سواه في طاعته، وهو جبريل ﷺ الرسول الملكي في العالم العلوي كما قال الله عنه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]
стр. 2860
وكذلك في الأرض لابد من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم، وأكملها، وأعلاها، ويكون كل ما سواه في الأرض في طاعته، وهو محمد ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولابد أن يكون بين هذين المُطاعين ملاقاة بين الرسول الملكي، والرسول البشري، لتحصل السعادة للخلق في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
ولابد لهذا الرسول البشري أن يبلغ ما أُرسل به إلى أمته، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
أفضل المكان والزمان:
ومن أعظم مخلوقات الله السماوات والأرض، والمكان والزمان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
стр. 2861
وهذه الأمة خير الأمم، وآخر الأمم، فهي خير الأمم في كل فضيلة، وكتابها هو آخر الكتب، وهو أحسن الكتب، ورسولها ﷺ آخر الرُسل وسيد الأنبياء والرُسل.
والله سبحانه خلق المكان والزمان، فجعل المكان ظرفًا للأشياء، وجعل الزمان ظرفًا للأعمال.
الله تعالى جعل البركة في الثلث الأخير من الأزمان، فأفضل كل ليلة هو جوف الليل الآخر، وذلك لأن الله ينزل فيه إلى السماء الدنيا ويقول: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ». متفقٌ عليه (١).
وأفضل أيام الأسبوع آخره يوم الجمعة، وأفضل يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر، لأن هذه الساعة يُستجاب فيها الدعاء.
وأفضل الأشهر رمضان، وأفضل رمضان العشر الأواخر منه وهي الثلث الأخير من الشهر الذي تُرجى فيها ليلة القدر.
وأفضل أشهر السنة الثلث الأخير، فالسنة اثنا عشر شهراً أفضلها الثلث الأخير الأربعة منها، رمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
ففي رمضان ليلة القدر، وفي شهر ذي الحجة يوم عرفة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦].
стр. 2862
٤ - الخزانة الرابعة
أفضل الخلق:
الله هو المُنعم بكل نعمة على جميع بني آدم، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وخص الله الأنبياء والرُسل بأحسن العلوم والمعارف، وأحسن الأقوال والأعمال، وأحسن الصفات والأخلاق، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وقال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فالأنبياء والرُسل هم قدوة الناس، فورث عنهم العارفون بعض المعارف، والأحوال، المتعلقة بالقلوب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وورث عنهم الفقهاء التقرب إلى الله بمعرفة الأحكام المتعلقة بالجوارح والأبدان وتعليمها: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 2863
وورث عنهم العُبًاد التقرب إلى الله بالأقوال والأعمال.
وورث عنهم الزُهاد الترك والإقلال.
وخص الله الأنبياء بالمعجزات والكرامات، وشاركهم بعض الأولياء في بعض الكرامات.
ومن تعلق بالله أشغل قلبه وقالبه بما يحبه الله ويرضاه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن تعلق قلبه بغير الله فقد أعرض عن الله بقدر ما اشتغل به، وأشغل الشيطان قلبه وقالبه بما يبغضه الله ويكرهه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
وقال الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
ومن أراد معرفة مراتب الأولياء فلينظر إلى ما يظهر عليهم من آثار المعارف، والأحوال، ومعرفة ما يغلب عليهم من الأقوال والأعمال، فإن للأحوال آثارًا تظهر على الجوارح والأبدان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
стр. 2864
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
فمن غلبت عليه آثار الخوف من البكاء والوحل عند ذكر الوعد والوعيد فهو من الخائفين من الله، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
ومن غلب عليه السرور والاستبشار عند ذكر الوعد فهو من الراجين لله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن غلب عليه عند ذكرهما فهو من الخائفين الراجين.
ومن غلبت عليه آثار البشاشة والهشاشة عند ذكر الجمال فهو من المُحبين لله.
ومن غلب عليه الانقباض والذل عند ذكر العظمة والجلال فهو من الهائبين المعظمين لله، ومن غلب عليه الرضا والصبر عند نزول النوازل، وحلول المصائب، فهو من المتوكلين على الله
قال الله تعالي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
ومن غلبت عليه كل هذه الأحوال فهو الأفضل.
стр. 2865
ومن غلبت عليه محبة التذلل لله فهو أفضل ممن غلبت عليه محبة الإنعام، وغلبة الخوف خير من غلبة الرجاء: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقد يبكي أحدهم، لما يراه من عظمة ربه، ويضحك، لما يراه من سعة رحمته، وطمعًا في القرب منه، وقد يبكي خوفًا من طرده وإبعاده.
فسبحان من أنعم عليهم، وأحسن إليهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وجنة المعرفة في الدنيا أفضل من جنة الدار الآخرة؛ لأن جنة الآخرة ثمرة جنة المعرفة، وجنة المعرفة بالله متعلقة بالرب، وجنة الآخرة متعلقة بشهوات العبد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن لم يدخل جنة المعرفة في الدنيا، لم يدخل جنة الآخرة يوم القيامة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
ورؤية الله، ورضوانه، والقرب منه، وسماع كلامه وسلامه، أعظم ما في الجنة الآخرة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 2866
وأسعد الناس في الدنيا والآخرة من آمن بالله، وفعل الواجبات، واجتنب المحرمات، وقام بالمستحبات، وعزف عن المكروهات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والشرع ميزان تُوزن فيه الرجال والنساء، والأقوال والأعمال، والمعارف والأحوال فمن رجح في ميزان الشرع فهو الرابح، ومن خف في ميزان الشرع فهو الخائب الخاسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
ومن رجح في ميزان الشرع كان من أولياء الرحمن، ومن خف في ميزان الشرع كان من أولياء الشيطان، فأولئك أهل الخسران.
وتتفاوت خفتهم في الميزان، فأخسها مراتب الكفار، وأدناها مراتب العصاة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
والعاقل إذا عرف الطريق المستقيم سلكه، وإذا عرف الطريق المعوج أعرض عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عمران: ٥١].
стр. 2867
وقد يتفضل الله بنعيم الجنة على غير عمل مكتسب كما تفضل على الحور العين، وكما يُنشئ الله للجنة أقوامًا، ويسكنهم في فضولها من غير عمل سابق، وكما يتفضل الله في الدنيا على بعض عباده بكمال العقول، وحُسن الصور، ومكارم الأخلاق، وقوة الحواس، وكمال القوى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقد يُعذب الله أقوامًا في الدنيا والآخرة من غير جرم سابق، وله الحكمة البالغة، والحجة السابغة، وذلك كقبح الصور، وسخافة العقول، وضعف القوى، ولزوم الأمراض، والآلام، والهموم، والغموم كما يُنشئ في النار أقوامًا فيعذبهم بها من غير كفر متقدم، ولا عصيان سابق، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، ومن يستحق رحمته، ومن يليق به عذابه، وهو الحكيم الخبير: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
أقسام الفضائل:
أكثر الناس خاسرون، وأقلهم الرابحون، فمن أراد أن يعرف خسرانه وربحه فليعرض نفسه على القرآن والسنة، فإن وافقهما فهو الرابح، وإن خالفهما
стр. 2868
فهو الخاسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فمن ربح في ميزان الشرع، فهو من أولياء الله، ومراتب الرُجحان درجات، فأعلاها مراتب الأنبياء والرسل، وهم درجات، ثم مراتب المؤمنين، وهم درجات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن خف في ميزان الشرع، فأولئك أهل الخُسران، ومراتب الخسران درجات، أخسها مراتب الكفار، والمشركين والمنافقين، ثم مراتب أهل الكبائر، ثم مراتب أهل الصغائر: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢].
وقال الله : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣].
وقال الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ٦ - ١١].
стр. 2869
والفضائل ضربان:
أحدهما: فضائل الجمادات كفضل الذهب على الفضة، وفضل الفضة على الحديد، وفضل النور على الظلمات، وفضل الحسن على القبيح.
الثاني: فضائل الخيرات، وهي أقسام:
أحدها: حسن الصورة ..
والثاني: قوى الأجسام.
والثالث: قوى الصفات الداعية إلى الخير، والوازعة عن الشر، كالإيمان والتقوى، والحياء والحِلم، والشجاعة والأناة، والكرم والسخاء، وغير ذلك من الصفات: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥].
والرابع: العقول .. والخامس: سلامة الحواس.
والسادس: العلوم المكتسبة، وأعلاها العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ودينه وشرعه، ووعده ووعيده، والعلم بملائكته وكتبه ورُسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ثم القيام بعبادة الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقد أحسن الله إلى أجساد الأنبياء، والأولياء، والمؤمنين في الجنة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وأحسن سبحانه إلى أرواحهم بالمعارف الكاملة، والأحوال النافعة، والكرامات الخاصة، من النظر إلى وجه الله الكريم، والقرب منه، ورضاه عنهم، وسلامه عليهم: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر: ٤٠].
وقال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
стр. 2872
وقال الله تعالي: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
وللسكن والساكن أحوال:
أحدها: أن يكون الساكن أفضل من المسكن، كفضل الروح على البدن، وإذا كان الشرف للساكن، فلا مبالاة بخساسة المسكن.
الثاني: أن يكون المسكن أشرف من الساكن كبطن الأم المؤمنة التي تلد كافراً، فإن الأم هنا أشرف من ولدها الكافر.
الثالث: أن يتساويان في الشرف كالأم المؤمنة تلد مؤمنًا، والثاني الأم المؤمنة تلد كافرًا، والأول كالأم الكافرة تلد مؤمنًا: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
стр. 2873
٥ - الخزانة الخامسة
أفضل المطالب:
المؤمنون في مطالبهم ثلاثة أقسام:
الأول: من طلب لذات المعارف الإلهية، وأحسن الأحوال والأفعال في الدنيا، وطلب لذة النظر إلى وجه الله، والقرب منه في الآخرة، فهذا أفضل الطالبين، لأن مطلوبه أفضل من كل مطلوب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
الثاني: من طلب نعيم الجنان، وأفراحها، ولذاتها، ومسراتها، فهذا في الدرجة الثانية؛ لأن مطلوبه حظ الجسد فقط: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
стр. 2874
الثالث: من طلب أفراح هذه الدار الدنيا، ولذاتها، وطلب لذات الآخرة.
فهذا في الدرجة الثالثة، وهذه في أدنى الدرجات: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢].
وأعظم ما يتقرب به المؤمنون إلى ربهم التذلل لعزة الربوبية، والتصاغر لكبريائه ﷻ ، والخضوع لعظمته، والتبري من الحول والقوة إلا به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والدنيا دار الإيمان، والابتلاء والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب، ودار السعادة والشقاوة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
ولو شاء الله لما جعل في الطاعات شيئاً من المكاره والمشقات، كما فعل بالملائكة، ولما جعل في المعاصي شيئاً من الراحات واللذات، ولو فعل ذلك لبطل التكليف، ولما قعد أحد عن طاعة الله، ولا أقدم أحد على معصيته، ولكن رحمة الله أن سبق القضاء بشدة الابتلاء كما قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
стр. 2875
وقد جبل الله خلقه على الميل إلى الأفراح واللذات، والنفور من المكروهات والمؤلمات، وحف الجنة بالمكاره، وحف النار بالشهوات، لحكمة الابتلاء كما قال النبي ﷺ : «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». أخرجه مسلم (١).
فوعد سبحانه من عصى هواه، وأطاع مولاه، بالجنة والرضوان، ترغيبًا في الطاعات، ليتحملوا مكارهها، ومشاقها، ثم يفوزوا بالجنة ورضوان ربهم كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وتوعد من عصى مولاه، واتبع هواه بالنار، وسخط الرحمن، زجرًا عن المعاصي والمخالفات؛ ليجتنبوا ملاذها ورفاهيتها كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
ومدح سبحانه الطائعين، ترغيبًا لهم في الدخول في حمده ومدحه، وذم العاصين، تنفيرًا لهم من الدخول في لومه ولعنته: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [الفتح: ١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].