← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

• درجات الصدق: الصدق له ثلاث حالات: الأولى: صدق باللسان. الثانية: صدق في العمل. الثالث: صدق في الحال. فصادق اللسان، من كان كلامه مطابقًا للواقع. وصادق العمل، من كان فعله مطابقًا لقوله. وصادق الحال، من كان ما في قلبه مطابقًا لما في لسانه، وما في لسانه مطابقًا لما في قلبه. ومن صدق في طلب الحق، وصدق في تعلم العلم، وصدق في دعوة الناس إلى الله، فسيهديه الله لما طلبه من الله صادقًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩] والصدق لا نحصل على حقيقته، إلا بقوة الطلب، وشدة الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. والمؤمنون قسمان: منهم من صدق فيما عاهد الله عليه، فأصبح مستقيمًا على جميع أوامر الله . ومنهم من بدل وغير، كما قال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ

стр. 3152

الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٤]. فالصادق مستقيم حال الصحة، وحال المرض، والمنافق مستقيم حال الصحة، مخالف حال المرض، يبدي للناس خلاف ما في قلبه. • مقامات الصدق: مقامات الصدق خمسة: مدخل الصدق: وهو أن يكون دخول الإنسان في هذا العمل لله، وبالله مستعينًا بالله، مبتغيًا بذلك وجه الله، ممتثلًا لأمر الله، حسب أمر الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠]. فالدخول في العمل سهل، لكن الخروج أصعب، فقد يدخل الإنسان في تجارة، أو دراسة، أو زواج، مدخل صدق، لكنه لما أصبح في داخل هذا العمل، وعلا شأنه، واتسعت تجارته، خرج كاذبًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠]. فالعبرة بالخروج، لا بالدخول فقط. ولسان الصدق: هو من تكلم عن الحق، عن الآخرة، عن الفضيلة، عن الخير، فهذا لسان الصدق، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]. وقدم الصدق: أن يثبت المسلم على دينه، ويفعل كل ما يحبه ربه ويرضاه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].

стр. 3153

ومقعد الصدق: هو الجنة مع رؤية الرب سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فمدخل الصدق: التوبة، ومخرج الصدق: الثبات على التوبة حتى يلقى الله، ولسان الصدق الذي تكلم بالحق لا يعرف غيره، وقدم الصدق المكانة والمنزلة الرفيعة بحسب السبق إلى كل عملًا صالح. ومقعد الصدق هو أعلى مراتب الجنة، والصدق هو الوفاء لله بالعمل الصالح: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠]. والناس في العمل درجات ثلاث: الأولى: أعلاها أن تكون أعمالك أكثر من أقوالك. والثانية: أن تكون أعمالك كأقوالك. والثالثة: وهي أدناها، أن تكون أقوالك أكثر من أعمالك. والصدق موافقة السر للنطق، والصدق استواء السر والعلانية،. وأعظم الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة، والله يدافع عنك بحسب قوة صدقك، والصدق كلمة الحق عند من تخافه وترجوه، والصدق ألا تأخذك في الله لومة لائم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].

стр. 3154

٨ - الخزانة الثامنة • فقه العزة: العزة كلها لله ﵎ وحده، فهو العزيز الذي لا يغلب، وليس شيء منها عند أحدًا سواه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥]. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره، وهو الله . إن القبائل والعشائر والجاه والسلطان، والأموال والعلوم، كل هذه ليست مصدراً للعزة، فإن العزة لله جميعاً، وإذا كانت لهؤلاء قوة، فمصدرها الأول هو القوى الذي وهب القوة لكل قوى، ووهب الرحمة لكل راحم، ووهب العلم لكل عالم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. وإذا كانت لهم منعة فواهبها الله، فمن كان يريد العزة فليأخذها من المصدر الأول، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل شيء، يملك العزة، ويملك الرحمة، ويملك القوة: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥]. فهذه الحقيقة إذا استقرت في القلب استطاع هذا القلب أن يقف أمام الدنيا كلها عزيزاً، كريماً، ثابتاً، شامخاً، متكلاً على ربه، فلن يحني رأسه

стр. 3155

لمخلوق متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لقوة من قوى الأرض جميعاً: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٣]. والعزة لا تنال إلا بطاعة الله، وتكون بالقول الطيب، والعمل الصالح: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. فالقول الطيب الذي يصعد إلى الله في عُلاه، والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه، ويكرمه بهذا الارتفاع، ومن ثم يكرم صاحبه، ويمنحه العزة والاستعلاء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والعزة العليا حقيقة تستقر في القلب، قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس، حقيقة تستقر في القلب، فيستعلي بها المسلم على كل أسباب الذلة، والانحناء لغير الله؛ لأنه عرف العزيز، وعرف أن كل ما سواه فهو ذليل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي، يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس. ومن استعلى على هذه، فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه، فإنما تُذل الناس شهواتهم ورغباتهم، ومخاوفهم ومطامعهم، ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع، وعلى كل شيء، وعلى كل إنسان مهما كان،

стр. 3156

وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة، والاستعلاء، والسلطان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق، و يتشامخ بالباطل، وليست طغياناً فاجراً يضرب في عتو وتجبر وإصرار، وليست اندفاعاً باغياً يخضع للنزوة، ويذل للشهوة، وليست قوة عمياء تبطش بلا حق، ولا عدل، ولا صلاح. كلا، إن العزة التي يتحلى بها المسلم، والتي أكرمه الله بها، استعلاء على شهوات النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله، ثم هي خضوع لله وخشوع، وخشية لله وتقوى، ومراقبة الله في السراء والضراء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. ومن هذا الخضوع ترتفع الجباه، ومن هذه الخشية تصمد لكل ما يأباه، من هذه المراقبة لا تعني إلا برضاه، هذه هي العزة، وذاك طريقها: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. والذين يمكرون السيئات طلباً للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة، وقد يبدو في الظاهر أنهم أغنياء، وأنهم أعزاء، وأنهم أقوياء، ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إلى الله، و بهما تكون العزة حقاً. فأما المكر السيئ قولاً وعملاً، فليس سبيلاً إلى العزة، ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان، إلا أن نهايته إلى البوار، وإلى العذاب

стр. 3157

الشديد: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [الروم: ٦]. وإن أمهل الكافرين بالسوء، حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. والعزة كلها في عبادة الله وحده لا شريك له؛ لأنها تذكر العبد دائماً بأنه متساوٍ أمام الله مع أكبر خلقه في الدنيا، وأعلاهم شأنًا. وأنه وهو يصلي مع غيره، ويصوم معه، ويحج معه، ويذكر الله معه، ويتلو القرآن معه، ويؤدي الطاعات كلها معه، سواءً بسواء، هذا من جانب. ومن جانبًا آخر، فأنا أعبد الله الذي لا يتركني أبدًا، إذا أردت أن أقف بين يديه تطهرت، واتجهت إلى القبلة، وقلت: الله أكبر، فأعظمه، وأكبره، وأحمده، وأشكره، وأسأله، وأستغفره ثم أقدم التحية له وأنصرف؛ لأنه العزيز الذي لا أعز منه، القوى الذي لا أقوى منه، الكريم الذي لا أكرم منه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وعظماء الدنيا إذا أردت من أحدهم شيئًا، فدون ذلك عقبات وعقبات، فإذا تجاوزت تلك العقبات، وتمت المقابلة، وأردت أن تشرح ما جئت لأجله، فقد لا يستمع إليك، فيقوم هذا العظيم واقفاً؛ لينهي المقابلة والمناقشة معك.

стр. 3158

انظر إلى هذا كله ترى حجم الذلة، و الإهانات التي تمر بها في مقابلة واحدة، لمخلوقِ واحد. ثم انظر إلى عبوديتك لله سبحانه، وأنت الذي تحدد الزمان والمكان، فالله موجود دائماً؛ لتدعوه بما تريد، في أي وقت تريد، والله يستمع إليك، ويجيب دعوتك، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. والله سبحانه هو الغني عن كل ما سواه، لا يمل حتى تمل أنت، فلو ظللت طول الليل تنادي مولاك وتدعوه، فالله معك يستمع إليك، حتى تمل أنت، وتتوقف عن الدعاء. بل هو ﷻ العزيز، الكريم، الرحيم الذي ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، ويقول لك هل من داع فاستجيب له؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من سأل فأعطيه؟. إذا فحسب نفسي عزًا أنني عبد العزيز يحتفي بي بلا مواعيد، ويضاعف لي أجور عملي، ويكرمني بالدخول عليه، والوقوف بين يديه كل وقت، وفي أي مكان، أطلب ما أريد، واستغفره من كل ذنب، وأسأله كل خير، فأي عزة للمؤمن فوق هذا في الدنيا؟. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. والعزة في الآخرة أعظم، وأكبر، حيث النعيم المقيم في الجنات، ورضوان رب الأرض والسموات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ

стр. 3159

تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والله ﵎ هو العزيز الكامل في عزته، له عزة القوة، وعزة العلو، وعزة الامتناع، وعزة القهر، والغلبة لكل الكائنات، فهو العزيز الذي يهب العزة لمن يشاء من عباده: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥]. والعزيز من العباد من يحتاج إليه الناس في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية، والسعادة الأبدية، وهذه رتبة الأنبياء والرسل، ويشاركهم في العز من ينفرد بالقرب من درجتهم كالخلفاء والعلماء، وعزة كل واحد منهم بقدر علو مرتبته في الاستقامة، وبقدر عنائه في إرشاد الخلق، وبذل الوقت والنفس من أجل دعوتهم إلى الله، ودلهم على الطريق إلى العزيز ﷻ : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨] ٠. • أقسام العزة: العزة نوعان: o عزة محمودة. o وعزة مذمومة. ووجه ذلك أن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، هي الدائمة الباقية، وهي العزة الحقيقية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 3160

فالله سبحانه هو العزيز، وعزه سبحانه هو المصدر لكل عزة، وعز الرسل والمؤمنين مستمد من عِزِّ الله ، وعلى هذا فالعز كله لله، والعزة التي عند الإنسان لا تكون فضيلة محمودة إلا إذا استظلت بظل الله، واحتمت بحماه. أما عزة الكفار المذكورة في قوله سبحانه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾ [ص: ٢]. فهذه العزة هي التعزز والاستكبار، والأنفة، والتعالي الباطل عن قبول الحق، وهو في الحقيقة ذلة؛ لأنه تَشَبُّعٌ من الإنسان بما لم يعطى؛ لأن كل عز ليس بالله فهو ذل، كما يتعزز الكفار بالآلهة، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].

стр. 3161

٩ - الخزانة التاسعة • فقه المحبة: المحبة ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيراً من ذاتِ، أو قولٍ، أو فعلٍ، أو خُلق. وحقيقتها ابتهاج القلب، وسروره بربه؛ لرؤية كماله، وجلاله، وجماله، ونعمه، وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وحب الله ورسوله ﷺ فرض، والناس فيه متفاوتون، وتفاوتهم بحسب معرفتهم بربهم، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ونعمه وإحسانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأسعد الخلق في الدنيا والآخرة أقواهم وأشدهم حباً لله تَعَالَى. أما في الدنيا: فأنسهم به، ولذتهم بمناجاته، وعبادته. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وأما في الآخرة: فبالقدوم عليه سبحانه، والأنس برؤيته، ودوام رضاه، وسماع كلامه.

стр. 3162

قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبة بعد طول شوقه، ودوام مشاهدته، من غير منغص، ولا مكدر، ومن غير رقيب، ولا مزاحم، ومن غير خوف انقطاع: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب، وقوة الحب على قدر المعرفة، فكلما ازدادت المحبة ازداد العمل، ثم ازدادت اللذة، ثم ازداد الثواب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن؛ لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، لكنه يختلف قوة وضعفاً بحسب المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. فإذا عرفتم الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة إنعامه وإحسانه، أحببتموه، وإذا أحببتموه عبدتموه، وتقربتم إليه بما يحبه ويرضاه كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقوة الحب لله تحصل بأمرين: أحدهما: قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فإن القلب مثل الإناء، إذا امتلأ بشيء لم يتسع لغيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ

стр. 3163

مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. الثاني: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة آلائه وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. • أقسام المحبة: المحبة ضربان: أحدهما: محبة طبيعية، وذلك يكون من الإنسان والحيوان كحب الطعام والشراب ونحوهما من المحبوبات. الثاني: محبة اختيارية، وذلك مختص بالإنسان. والمحبة الاختيارية ضروب كثيرة، وأفضلها وأعظمها حب الله، وحب رسوله ﷺ ، وحب دينه، وشرعه، وحب المؤمنين، والمتحابين في الله. والعبودية معقودة بالمحبة، بحيث متى انحلت المحبة لله انحلت العبودية. فإن العبودية حقًا هي عبادة الله بكمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الذل لله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. والمرء مع من أحب، وإذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص، والمتابعة للمصطفى ﷺ ، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا

стр. 3164

تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ولا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠]. • الأسباب الجالبة لمحبة الله: الأسباب الجالبة للمحبة هي: ١ - قراءة القرآن بالتدبر. ٢ - التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. ٣ - دوام ذكر الله على كل حال باللسان، والقلب، والجوارح. ٤ - إيثار محاب الله على محاب العبد من أنواع العبادات، والطاعات. ٥ - مطالعة القلب لأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، فمن عرف الله أحبه لا محالة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ٦ - مشاهدة بر الله، وإحسانه، ونعمه الباطنة، والظاهرة، فكل ذلك داع إلى محبته: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. ٧ - وكذا انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، والخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر وذلك لمناجاته، وتلاوة كلامه،

стр. 3165

وذكره، وتعظيمه، وحمده، واستغفاره: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ٨ - ومجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطيب ثمرات كلامهم، ومباعدة كل سبب يحول بين القلب، وبين الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. • علامات صحة محبة الله: علامات محبة الله كثيرة منها: امتثال أوامره .. واجتناب نواهيه .. وعبادته .. وامتثال أمره في كل حال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. ومن علامات محبته: إتباع رسوله ﷺ في كل ما جاء به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن علامات محبة الله : الذل للمؤمنين .. والشدة على الكافرين .. والجهاد في سبيل الله .. وعدم الخوف إلا من الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة/ ٥٤].

стр. 3166

والناس جنس واحد، تجمعهم الإنسانية، وهم إما أن يكونوا فضلاء، أو نقصاء. فالفضلاء تجب محبتهم؛ لموضع فضلهم، وحسن تقواهم، والنقصاء تجب رحمتهم لأجل نقصهم، فينبغي لمحب الكمال أن يكون رحيماً بجميع الناس، متحنناً عليهم، رؤوفاً بهم، متودداً إليهم، خاصة الملك والراعي، فإن الملك لا يكون ملكاً ما لم يكن محباً لرعيته رؤوفاً بهم؛ لأنه بمنزلة رب الدار: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣]. والمحبة والعدل من أسباب نظام الناس، ولو تحاب الناس، وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل، فالعدل خليفة المحبة، يُستعمل حيث لا توجد المحبة، ولهذا عظَّم الله المنة بإيقاع المحبة بين المسلمين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]. وقال الله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ومحبة العبد لله يدعيها كل أحد، لكن ينبغي ألا يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس، مهما ادعت محبة الله، ما لم يمتحنها بعلامات تدل عليها.

стр. 3167

فالمحبة شجرة طيبة في القلب، أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارها تظهر على القلب واللسان والجوارح، وتدل تلك الآثار عليها كدلالة الدخان على النار، ودلالة النور على الشمس. ومن علامات محبة العبد لله: حب لقاء الله، فلا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وأن يكون العبد مؤثراً لما يحبه الله، على ما يحبه هو، في ظاهره وباطنه، فلا يزال مواظباً على طاعة الله، ومتقرباً إليه بالنوافل، وطالباً عنده مزايا الدرجات، كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه. وأن يكون مولعاً بذكر الله تَعَالىَ، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه، فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. فعلامة حب الله: حب ذكره، وحب كلامه، وحب رسله، وحب كل ما ينسب إليه، وكل ما يحبه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق. ومنها أنسه بالخلوة بالله، ومناجاته تعالى، وتلاوة كتابه، والمواظبة على التهجد كالأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ومنها ألا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله ، ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تَعَالىَ، وطاعته.

стр. 3168

ومنها أن يتلذذ بطاعة الله تَعَالىَ، ويتنعم بها، ولا يستثقلها، بل يفرح بها: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. ومنها أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله، رحيماً بهم، شديداً على جميع أعداء الله، وعلى كل من يقارف شيئاً مما يكرهه الله، كما وصف الله رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومنها أن يكون في حبه خائفاً متضائلاً تحت الهيبة والتعظيم، والخشية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. • أقسام المحبة: المحبة نوعان: أحدهما: محبة نافعة .. الثاني: محبة ضارة. فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع: ١ - محبة الله . ٢ - ومحبة في الله. ٣ - ومحبة لما يعين على طاعة الله، واجتناب معصيته. والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: ١ - المحبة مع الله. ٢ - ومحبة ما يبغضه الله. ٣ - ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله، أو تنقصها.

стр. 3169

قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. فهذه ستة أنواع من المحبة النافعة، والضارة، عليها مدار محاب الخلق. فمحبة الله تعالى أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها. والمحبة مع الله أصل الشرك، والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها، ولا عيب على الإنسان في محبة زوجته وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه حب الله ورسوله. فكل محبة زاحمت حب الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة. وإن أعانت على محبة الله ورسوله وطاعته، وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة، كالطعام الطيب، والشراب الحلو البارد، والحلوى، والعسل، ونحو ذلك، فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله. فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها، وقصده بفعل ما يحبه، فإن نوى الإنسان به القوة على أمر الله تعالى، والاستعانة به على طاعته، كان ذلك قربة إلى الله.

стр. 3170

وإن فعل ذلك بحكم الطبع والميل المجرد لم يثب ولم يعاقب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. فالمحبة النافعة: هي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه من السعادة، والنعيم. والمحبة الضارة: هي التي تجلب لصاحبها ما يضره من الشقاء، والعذاب. وكل حي فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها، ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه، هو الله وحده لا شريك له: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والحركة الطبيعية سببها ما في المتحرك من الميل والحب والطلب لكماله، وانتهائه، كحركة النار للعلو، وحركة النبات للنمو. والحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة والمحبة التي تحرك المريد إلى فعل ما يفعله. فالمحبة هي التي تحرك المحب في طلب محبوبه الذي يكمل بحصوله له، فتحرك محب الرحمن، ومحب القرآن، ومحب العلم والإيمان. وهي نفسها التي تحرك محب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب النسوان والمردان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان. فالمحبة تثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء، فيتحرك عند ذكر محبوبه دون غيره. والنفس مفطورة على الحب، فلا تترك محبوباً إلا لمحبوب أحسن منه، ولا تتحمل مكروهاً إلا لتحصيل محبوب، أو للتخلص من مكروهًا أشد

стр. 3171

منه، فلا يترك الحي ما يحبه، ويهواه مع قدرته إلا لما يحبه ويهواه، ولا يرتكب ما يكرهه ويخشاه إلا حذارِ من وقوعه فيما يكرهه، ويخشاه. وخاصية العقل التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة العلم والتمييز، وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، واحتمال أدنى المكروهين؛ للتخلص من أعلاهما بقوة الصبر والثبات واليقين. فأصل كل حركة في العالم من الحب والإرادة، فهما مبدأ لجميع الأفعال، والحركات في العالم، كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك وكف: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٧]. وقلوب البشر مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه وعبادته وطاعته، وصرف هذا التأله، والمحبة والطاعة إلى غير الله تغيير للفطرة، وكلما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردها إلى حالتها التي خُلقت عليها. فمن استجاب لهم، وآمن بما جاءوا به رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة، وفسادها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 3172

فنفس خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع، لا تبديل لنفس هذا الخلق، ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه، كما قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» متفق عليه. (١). ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وخلو القلب مما خُلق له من عبادة الله تعالى، التي تجمع محبته وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، والوقوف مع أمره ونهيه، وما يحبه وما يسخطه، هذا أكبر خطر عليه، فإن ذلك يسبب له الشقاء في الدنيا، والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وإذا كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان، وذوق طعمه، أغناه ذلك عن محبة الأنداد، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه إلهه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. والدين كله يدور على أربع قواعد: حب .. وبغض .. وفعل .. وترك.

стр. 3173

فمن كان حبه لله، وبغضه لله، وفعله لله، وتركه لله، فقد استكمل الإيمان، وما نقص من إضافة هذه الأربعة إلى الله، نقص من إيمانه بحسبه. أما الحب مع الله فنوعان: أحدهما: ما يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، كمحبة المشركين لأصنامهم، وأندادهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. وهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والدعاء، وهذه المحبة محض الشرك الذي لا يغفره الله ، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. الثاني: محبة ما زينه الله للنفوس من النساء، والبنين، والذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث. وهذه ثلاثة أنواع، ولها ثلاثة أحكام: فإن أحبها الإنسان توصلاً إلى طاعة الله، واستعانة بها على مرضاته، فهذه يثاب عليها. وإن أحبها موافقة لطبعه وهواه، ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، كانت من المباح الذي لا يعاقب عليه، ولكنه ينقص من كمال محبة الله. وإن كانت هي المقصودة، وقدمها على ما يحب الله، كان ظالماً لنفسه، متبعاً لهواه، فهذه تقدح في كمال الإخلاص، ومحبة الله، ولا تُخرج من الإسلام.

стр. 3174

والمحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيماً لمحبوبه، يمنعه من الانقياد إلى غيره، فالتعظيم إذا كان مجرداً عن الحب، لم يمنع انقياد القلب إلى غير المعظم، وكذلك إذا كان الحب خالياً من التعظيم، لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه، فإذا اقترن الحب بالتعظيم، وامتلأ القلب بهما، امتنع انقياده إلى غير المحبوب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. • أنواع المحبة: المحبة نوعان: أحدهما: محبة خاصة، وهي المحبة المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة لله ، وإيثاره على غيره، وهذه المحبة لا يجوز تعليقها بغير الله أصلاً، ولا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب بها غير الله كان شركاً لا يغفره الله. والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، اعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها. فهو أول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله، وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها، فهي روح الإيمان، وساق شجرة الإسلام، وروح الإيمان والأعمال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه؛ ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد. فالكتاب هادٍ إليها، ودال عليها، ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها، وأشرك فيها مع الله غيره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ

стр. 3175

وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]. ولأجل هذه المحبة خلقت الجنة والنار، فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، فأخلصهم الله لها. والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه، وبين الله فيها. الثاني: محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع: أحدهما: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، ومحبة الظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه المحبة لا تستلزم التعظيم. الثاني: محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم. الثالثة: محبة أنس، وإلف، وهذه محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو تجارة أو سفر، بعضهم بعضاً، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضاً. فهذه الأنواع الثلاثة، هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم مع بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله سبحانه. ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى، والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة ﵂، وكان يحب أصحابه ﵃، وأحبهم إليه الصديق ﵁. وإذا استقرت محبة الله في القلب، استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها، وصحتها، وصدقها. فإذا آثر غير المحبوب عليه، لم يكن محباً له، وإنما هو محب لحظه ممن

стр. 3176

يحبه. والمحبة الخالصة: أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته، وإنعامه وإحسانه، وذلكم هو الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. وأن الذي يوجب هذه المحبة فناء العبد عن إرادته، لمراد محبوبه، فيكون عاملاً على مراد محبوبه منه، لا على مراده هو من محبوبه. وحب الله ورسوله يكون بالإيمان بالله، وإحياء سنة رسول الله ﷺ في شُعب الحياة كلها في العبادات والمعاملات، وفي المعاشرات والأخلاق. فهذا الذي يحب الله ورسوله بقلبه، وتظهر آثار هذه المحبة على بدنه وجوارحه، وصدق اعتقاده، وتصديق قوله بفعله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. أما من يقول بلسانه أنا أحب الله ورسوله، وهو يأكل الحرام، ويلبس لباس الكفار، ويتشبه باليهود والنصارى في لباسه وأكله، ومعاملاته ومعاشراته، فإنما يوبخ نفسه، ويشهد الله وخلقه على سوء فعله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وثمرة محبة الله للعبد: هي السعادة في الدنيا، والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].

стр. 3177

والله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المؤمنين، ويحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب طاعة رسوله ﷺ ، ويحب أداء الفرائض، والإكثار من النوافل. والفرائض: كالصلاة، والزكاة، ونحوها أحب إلى الله من أداء النوافل، والنوافل تكمل الفرائض، وإذا أكثر المسلم من النوافل مع قيامه بالفرائض نال محبة الله، فيحبه الله، وإذا أحبه الله سدده ووفقه في أعضائه الأربعة إلى كل خير. يسدده في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله ، ويسدده في بصره، فلا ينظر إلا ما يحب الله النظر إليه. ويسدده في يده، فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ، ويسدده في رجله، فلا يمشي بها إلا إلى ما يرضي ، ويجيب سؤاله، ويعيذه من كل شر إن استعاذ به. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ». أخرجه البخاري (١).

стр. 3178

١٠ - الخزانة العاشرة • فقه الرحمة: الله ﵎ هو الرحمن الرحيم، الذي أرسل رسوله محمداً ﷺ رحمة للعالمين، وقد منَّ الله على رسوله بالرحمة، فألان جانبه لأصحابه، وخفض لهم جناحه، ورقق لهم قلبه، وحسَّن لهم أخلاقه، فاجتمعوا عليه، وأحبوه، وامتثلوا أمره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح، والمحبة، والثواب الخاص. والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم، والعقاب الخاص. فهذا الرسول ﷺ المعصوم يقول الله له ما يقول فكيف بغيره؟. أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به ﷺ من اللين وحُسن الخلق، وتأليف القلوب امتثالاً لأمر الله، واقتداءً برسول الله ﷺ ، وجذباً لعباد الله إلى دين الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].

стр. 3179

والنبي ﷺ ، وأصحابه من المهاجرين والأنصار، فاقوا البشرية كلها بأحسن الصفات، وأجمل الأحوال، والأقوال، والأعمال. فهم أشداء على الكفار، جادون ومجتهدون في عداوتهم، ولذلك ذلوا لهم، وانكسروا أمامهم، وقهرهم المسلمون، وهم كذلك رحماء فيما بينهم، متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب الواحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه. قال النبي ﷺ : «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ: فِي تَرَاحُمِهِمْ، وَتَوَادِّهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْواً، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». متفقُ عليه (١). وقال ﷺ : «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». متفقٌ عليه (٢). هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فهذا دأبهم مع الخالق والمخلوق: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].

стр. 3180

قد أثرت العبادة من كثرتها وحُسنها في وجوههم، حتى استنارت، ولما استنارت بالإيمان بواطنهم، استنارت بالجلال والجمال ظواهرهم، والقلب إذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد، وامتلأ من محبة الله وإجلاله، رق وصارت فيه الرأفة والرحمة. فتراه رحيماً رقيق القلب بكل ذي قربى، وبكل مسلم، وبكل مخلوق، يرحم الطير في وكره، والنملة في جحرها، فضلاً عن بني جنسه، فهذا أقرب القلوب من الله، وهو أرحم الخلق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. والله إذا أراد أن يرحم عبداً أسكن في قلبه الرأفة والرحمة، وإذا أراد أن يعذبه نزع من قلبه الرحمة والرأفة، فَتَخَلَّق بالغلظة والقسوة، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي، فالدين كله رحمة للعالمين: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. والرسل إنما بعثوا بالرحمة، وأبو بكر الصديق ﵁ إنما فضل الأمة بما كان في قلبه من الرحمة العامة زيادة على الصديقية. ولهذا أظهر أثرها في جميع مقاماته، حتى في فداء الأسرى يوم بدر، واستقر الأمر في شأن الأسرى على ما أشار به ﵁، وفي بذله ماله كله في سبيل الله، وفي هجرته مع الرسول ﷺ ، وفي جهاده معه، ويوم وفاة النبي ﷺ ، وأثناء خلافته.

стр. 3181

والله يجازي من هذه صفاته، وهذه رحمته، بالرضوان التام المؤكد يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ [الليل: ١٧ - ٢١]. والله هو الرب الرؤوف الرحيم، وأقرب الخلق إليه أعظمهم رأفة ورحمة، وأبعدهم منه من اتصف بضد ذلك. ومن رحمته سبحانه أنه يفرح بتوبة العبد إذا تاب أعظم فرح وأكمله. ومن كمال رحمته أنه يدعو من كفر به، وفتن أولياءه، وأحرقهم بالنار، إلى التوبة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. فلا ييأس العبد من عفوه، ومغفرته، ورحمته، ولو كان فيه ما كان، فلا أكفر ممن حرق بالنار من آمن بالله وحده، ومع هذا لو تابوا لم يعذبهم، وألحقهم بأوليائه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. والرحمة صفة وجدانية تعرض غالباً لمن به رقة القلب، وتكون مبدأً للانعطاف معه، والإحسان إليه، وهي محبة للمرحوم، مع جزع من الحال التي من أجلها رحم. ورحمة البشر لا تخلو عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم.

стр. 3182

والرحمة التامة: إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية بهم. والرحمة العامة: هي التي تتناول المستحق، وغير المستحق. ورحمة الله تامة وعامة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. أما تمامها، فمن حيث أنه أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها. وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق، وغير المستحق، والدنيا والآخرة. فهو سبحانه الرحيم مطلقاً، ورحمته وسعت كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والرحمة سبب واصل بين الله وبين عباده، بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، و بها يسكنهم دار ثوابه، و بها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. والله تبارك و تَعَالَى هو الرحمن وحده أولاً: العطوف على العباد بالإيجاد ثانياً: بالإمداد ثالثاً: وبالهداية إلى الإيمان رابعاً: وبالإسعاد في الآخرة خامساً: وبالإنعام بالنظر إلى وجهه سادساً: وبسماع كلامه سابعاً: وبرضوانه

стр. 3183

ثامناً: وبالقرب منه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. • حقيقة الرحمة: الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية. فأرحم الناس من شق عليك في إيصال المصالح إليك، ودفع المضار عنك، فمن رحمة الأب بولده أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل وحُسن الخلق، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل الأب ذلك كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه، ويرفهه، فهذه رحمة مقرونة بالجهل. ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على الإنسان خاصة المؤمن، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فابتلاء الله له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته، من كمال رحمته به: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال النبي ﷺ : «أشد الناس بلاءٌ الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ

стр. 3184

عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ حسن (١). ومن رحمته بعباده أن نغص عليهم الدنيا، وكدرها عليهم لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا عن النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان. ومن رحمته الله بهم أن حذرهم نفسه، لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ [آل عمران: ٣٠]. وجميع المسلمين يرجون رحمة الله في جميع أعمالهم، فالعابد يرجو بعبادته رحمة الله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. والمجاهد، والمهاجر في سبيل الله، والداعي إلى الله، كلهم يرجون رحمة الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]. والرحمة صفة الأنبياء، والصالحين كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 3185

والله ﵎ أرحم الراحمين خلق مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، وجعل منها في الأرض واحدة، فيها يتراحم الخلق كلهم، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة. قال النبي ﷺ : «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَأنْزَلَ فِي الأرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَهُ». متفقٌ عليه (١). والراحمون من الناس يرحمهم الرحمن، ومن رحم أهل الأرض رحمه الذي في السماء، والرحمة حلية المؤمن، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي، ومن رحم الناس ﵀، كما قال النبي ﷺ : «لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ». متفقٌ عليه (٢). وقال النبي ﷺ : «إنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». متفقٌ عليه (٣). والدين عشرة أجزاء: جزء فيما بين العبد وربه، وهو عبادته وحده لا شريك له، والانقياد لأوامره، واجتناب نواهيه محبة، وذلاً، و تعظيماً، وإخلاصاً لله في جميع العبادات الظاهرة، و الباطنة، فهذا حق الله الواجب على العبيد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١].

стр. 3186

وتسعة أجزاء فيما بين العبد والخلق، وهي حقوق العباد الأقرب، فالأقرب، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. فمن رحم الخلق ﵀، ومن أحسن إليهم أحسن الله إليه، ومن عفا عنهم عفا الله عنه. فمن قام بهذه الحقوق فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباده، المنقاد لأمره وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل، وذلك هو المؤمن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ومن لم يقم بذلك فهو العبد المعرض عن ربه، غير المنقاد لأوامره، ولا متواضع لخلقه، بل هو متكبر معجب بنفسه، فخور يثني على نفسه ويمدحها، والله لا يحب من كان مختالاً فخوراً. فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر، والعجب يمنعهم من القيام بحقوق الله، وحقوق عباده، ولهذا ذمهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء: ٣٧].

стр. 3187

فجمعوا بين البخل بالمال، والبخل بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم، وخسارة غيرهم، وهذه هي صفات الكافرين، فكما كفروا بالله ومنعوا حقوق عباد الله، وتكبروا على خلق الله، أهانهم الله بالعذاب الأليم، والخزي الدائم. ومن أصول هذا الدين الرحمة والشفقة على الخلق عموماً، فما تراحم قوم إلا اجتمع أمرهم، وارتفعت بين الأمم مكانتهم، ورضي الله عنهم، وما نزعت الرحمة من قوم، واستعملوا الغلظة، والقسوة إلا دارت عليهم دائرة السوء. والرحمة عاطفة شريفة، وخليقة محمودة، مدح الله بها عبده، ورسوله محمداً ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. • صفة الرحمة: الرحمة من أسمى الفضائل الإنسانية: الرحمة تكون من الآباء للأبناء تقبيلاً، ومعانقة، وتأديباً، وإحساناً إليهم. وتكون الرحمة من الأبناء للآباء والأمهات قولاً كريماً، وصنعاً جميلاً، وطاعة في غير معصية الله، وخدمة صادقة، ودعاء لهم بالخير، واستغفاراً لهم، ووفاء لديونهم، وإكراماً لأصدقائهم. وتكون الرحمة بين الأقارب صلة، ومواساة، ومودة، وسعياً في مصلحة، ودفعاً لمضرة.

стр. 3188

وتكون بين الزوجين معاشرة بالمعروف، وإحساناً وعفواً متبادلاً. وتكون الرحمة بين أهل الدين الواحد إرشاداً إلى الخير، وتحذيراً من كل شر. وتكون بين جميع الأفراد بأن يحب أحدهم للآخر ما يحبه لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فيسعى إلى ما فيه منفعتهم، يواسي محتاجهم، ويداوي جريحهم، ويعود مريضهم، ويجبر كسيرهم، ولا يكلف أحداً بأمر عسير، ولا يحمله من الأمر ما لا يطيق. وتكون الرحمة بالكفار، والضالين بدعوتهم إلى الله، والإحسان إليهم، والدعاء لهم بالهداية، وإعطائهم من المال ما يفتح قلوبهم لفهم هذا الدين، والدخول فيه، ونحو ذلك مما يؤلف قلوبهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. والله ﵎ توَّج هذه الأمة بتاج الإيمان، والأعمال الصالحة، والدعوة إلى الله، وكثير من الناس توَّج نفسه بتاج اليهود والنصارى، تاج الدنيا، وجمع الحطام، والانهماك في الشهوات، وأعرض عن كثير من أوامر الله: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ -

стр. 3189

١٦٣]. فما أجدر هؤلاء بالعقوبة إن لم يتوبوا، كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. ومن تمام رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم رسله بما يسعدهم في الدنيا، والآخرة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. فمن رسل الله من كلَّمه الله من وراء حجاب بلا واسطة كموسى ﷺ ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي جبريل، وهم الأنبياء. وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله، فأنزل عليهم كلامه الذي بلَّغته رسله عنه إليهم، وقالوا هذا كلام الله الذي تكلم به إلى عباده، وأمرنا بتبليغه إليكم، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. وكلام الله هدى ورحمة للبشرية، فهل قمنا بإبلاغه إليهم؟: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقال الله : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].

стр. 3190

وإذا أراد الله بأهل الأرض خيراً نثر عليهم أثراً من آثار اسمه الرحمن، فعمر به البلاد، و أحيا به الموات، وأصلح به العباد: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وإذا أريد بهم شراً أمسك عنهم أثر ذلك الاسم، فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. ورحمة الله وسعت كل شيء، وقد خلق الله مئة رحمة، وأنزل على أهل الأرض رحمة واحدة منها، فبها يتراحم الخلق، ويتعاطفون، فكل رحمة في كل مخلوق، فهي من آثار رحمة الله هذه. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢]. والعالم كله مملوء بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه، والجو بهوائه، وما فيه من ضد ذلك فهو من مقتضى سبقت رحمتي غضبي، والمسبوق لا بدَّ لاحق وإن أبطأ، وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة، فإذا كان يوم القيامة كمل الله بهذه الرحمة لتكون مائة رحمة، يرحم بها أهل الإيمان به، وطاعته، وتوحيده. وإذا كان الله قد ملأ هذا الكون برحمته، فهلا نملؤه بدوام ذكره، وحمده، وشكره، واستغفاره؟. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
следующие страницы →