← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

الثالث: خوف السر، كأن يخاف من ميت، أو غائب حي لا سبب له، أو حي حاضر، في أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا شرك أكبر، مخرجُ من الملة، لأنه شرك في الربوبية، وشرك في الإلهية، والعبادة، لأنه سوى غير الله بالله فيما هو من خصائص الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وأسباب الخوف من الله كثيرة: فقد يكون الخوف بسبب جناية قارفها الخائف من قتل، أو زنا، أو شرب خمر، ونحوها من المعاصي. وقد يكون عن صفة في المخوف كمن وقع في مخالب سبع، فالله إذا أخذ فأخذه أليم شديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ [الفرقان: ١٩]. وقد يكون الخوف من صفة جِبِلية للمخوف منه، كخوف من وقع في مجرى سيل، أو جوار حريق، فالماء من طبيعته الأغراق، والنار من طبيعتها الإحراق، والله جبل القلوب على الخوف منه، والحب له: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].

стр. 8717

وكذلك الخوف من الله تعالى تارة يكون لمعرفة الله تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة أفعاله، وأنه لو أهلك العالمين لم يبالي، ولم يمنعه مانع، فالملك ملكه، والخلق خلقه، والأمر كله بيده: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وتارة يكون الخوف من الله لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٦]. فإذا كملت معرفة العبد بربه، أورثت جلال الخوف، واحتراق القلب، ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن، وعلى الجوارح، وعلى الصفات. واقل درجات الخوف ما يكون أثره على الأعمال، بأن يمنع عن المحظورات، والمحرمات، والشبهات. ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه، والقرب منه ولا وصول إلى ذلك في الآخرة إلا بمحبته والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة، ولا تتم المعرفة إلا بالعمل، ودوام الفكر، وانقطاع حب الدنيا من القلب، ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك ذلك إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوة بشيء كما تنقمع بنار الخوف من الله، ومن عقابه الذي يُحرق كل شهوة.

стр. 8718

فالخوف والنار محرق للشهوات، وفضيلته بقدر ما يحرق من الشبهات، وبقدر ما يكف عن المعاصي، ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة، وبه تحصل العفة، والورع، والتقوى، والمجاهدة، وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله. وليس الخوف بكثرة الذنوب، بل بصفاء القلوب، وكمال المعرفة بالله، فما أخطر الجهل، وما أعظم الغفلة، فلا قرب الرحيل ينبهنا، ولا كثرة الذنوب تزعجنا، ولا رؤية الخائفين تخوفنا، ولا سوء الخاتمة يزعجنا، ولا عظمة الجبار وقوة بطشه تزجرنا: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. ونحن نخاف من يوم القيامة، لأننا لا ندري هل يعاملنا الله بعدله، أم يعاملنا بفضله، فنسأل الله أن يعاملنا بفضله لا بعدله. ولا ندري هل تكون أعمالنا مقبولة أو مردودة، ولا ندري بما تواجهنا ملائكة الله ، فأهل الإيمان: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]. و الخوف من الله تعالى على مقامين: أحدهما: الخوف من عذابه سبحانه، وهذا خوف عامة الخلق، وهو حاصل بالإيمان بالجنة والنار، ومعرفة الوعد والوعيد، ومعرفة الثواب والعقاب، ويضعف هذا الخوف بسبب ضعف الإيمان، أو قوة الغفلة: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].

стр. 8719

وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. الثاني: الخوف من الله تعالى، وهو خوف العلماء، فإن معرفة عظمة الله، وجلاله، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، تقتضي الهيبة والخوف، فهم يخافون البعد والحجاب، ويخافون من العذاب: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ولولا أن الله لطف بعارفيه، وروح قلوبهم بالرجاء، لاحترقت من نار الخوف. وأقرب الخلق إلى الله، وأعلمهم به، أشدهم له خشية، كالملائكة، والأنبياء، والعلماء، والأولياء، والعبَّاد، ونحن أجدر بالخوف منهم، لكثرة معاصينا، وجهلنا بربنا، وإنما آمنا لغلبة الجهل علينا، وشدة غفلتنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. والصفات السيئة كالكبر والعُجب والحسد، سباع وهوام مشحونة في باطن الإنسان، فمن قهرها وقتلها قبل الموت نجا، وإلا فليوطن نفسه على لدغها لصميم قلبه، وظاهر بشرته يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ

стр. 8720

نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ [الأعراف: ٤٠ - ٤١]. والله هو الذي بيده الملك كله، وبيده الحول كله، وبيده الخلق كله، وبيده الأمر كله، وبيده القوة كلها، فالخوف والقوة التي يُرجى لأجلهما المخلوق ويخاف، إنما هما لله، وبيد الله وحده، فكيف يخاف ويُرجى من لا حول له ولا قوة: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. فالخوف من المخلوق هو أحد أسباب الحرمان، ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه، فعلى قدر خوف العبد من غير الله، يسلط عليه، وعلى قدر رجائه لغيره، يكون الحرمان، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، ولو اجتمعت لتكوينه الخليقة، ومن خاف الله أمن من كل شيء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. ومن خاف غير الله أخافه الله من كل شيء، وما خاف أحد غير الله إلا لنقص خوفه من الله، وجهله بالله ﷻ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ووجل القلب يحصل للعبد بمعرفة عظمة الله، وجلاله، وكبريائه، ثم معرفة عظمة أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، ثم معرفة عظمة كلام الله، ثم معرفة عظمة أوامر الله، ثم معرفة عظمة ثوابه وعقابه، فإذا عرف العبد ذلك

стр. 8721

سارع إلى طاعة ربه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فسبحان ربنا من إله ما أعظمه، وما أعظم أسماءه، وصفاته، وأفعاله، وما أعظم كلامه، وما أعظم دينه، وشرعه: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي﴾ [يونس: ٦٨]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. • أقسام الخوف: خوف الناس ينقسم إلى قسمين: أحدهما: خوف عبادة وتذلل وتعظيم. وهذا لا يصلح إلا لله سبحانه، فمن خاف من الأصنام، أو الأموات، أو الأولياء، أو مخلوق، مثل هذا الخوف، فهو مشرك شركاً أكبر: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].

стр. 8722

الثاني: الخوف الطبيعي والجِبلي فهذا إن حمل على ترك واجب، أو فعل محرم، فهو محرم، وإن أدى إلى شيء مباح فهو مباح. والخشية نوع من الخوف، لكنها أخص منه، والفرق بينهما أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي منه وحاله كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. والخوف قد يكون من الجاهل، وأيضًا الخشية تكون بسبب عظمة المخشي، بخلاف الخوف، فقد يكون من ضعف الخائف، لا من قوة المخوف. وكلما قوى إيمان العبد زاد خوفه، وزال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوى خوفه منهم، والشيطان يكيد إبن أدم بذلك كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. والله عليم بعباده، هو الذي يقرب من شاء، ويبعد من شاء، بعلمه وحكمته، فليحذر القريب من الإبعاد، والمتصل من الانفصال. هو سبحانه يعلم من يصلح للقرب منه، ومن لا يصلح كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. والله غيور، لا يرضى ممن عرفه، ووجد حلاوة معرفته، واتصل قلبه بمحبته، والأنس به، أن يكون له التفات إلى غيره البتة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 8723

ومن غيرته سبحانه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والله سبحانه يغار أشد الغيرة على عبده أن يلتفت إلى غيره، فإذا أذاق عبده حلاوة محبته، والأنس به، ثم أنغشل بغيره باعده من قربه، وقطعه من وصله، وأوحش سره، وألبسه رداء الذل والصغار والهوان، وضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب، وسلط عليه من يسومه سوء العذاب، ومُليء من الهموم والغموم والأحزان، وصار محلًا للجيف والأقذار، وبُدل بالأنس وحشة، وبالعز ذلة، وبالقرب بعدًا وكان هذا بعض جزائه فحينئذ تطرقه الطوارق، والمؤلمات، وتحل به وفود الأحزان والهموم، بعد وفود المسرات، ومن رحمة الله أن من أعرض عنه تنكدت حياته، وضاقت عليه أموره، ليعود إلى ربه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ومن عرف ربه، وذاق حلاوة قربه ومحبته، ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره، ثبط جوارحه عن طاعته، وعقل قلبه عن إرادته ومحبته، وآخره عن محل قربه، وولاه ما اختاره لنفسه. وإذا أراد المرء أن يعرف ما حل به من بلاء الانفصال والبعد، وذل الحجاب، فلينظر من استعبد قلبه، واستخدم جوارحه، وشغل سره، وينظر أين يبيت قلبه إذا خلا في مضجعه، وأين يطير قلبه إذا استيقظ من منامه، فذلك هو معبوده وإلهه، فإذا سمع النداء يوم القيامة لينطلق كل واحد مع من كان يعبده، انطلق معه كائنًا ما كان: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].

стр. 8724

من خاف المقام بين يدي ربه، فله جنتان يوم القيامة، ومن دونهما جنتان، ولا يستحق ذلك إلا من اجتمعت فيه صفتان: الأولى: الإيمان بالله . والثانية: اجتناب محارم الله، والقيام بما أوجبه الله، خوفًا من عقاب الله، فهذه أربعُ جنان: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٧٨].

стр. 8725

وعن عبد الله بن قيس عن النبي ﷺ قال: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِياء عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». متفق عليه (١). ولكل مسلم جنتان، فالمؤمن له جنة بعمله، وجنة ورثها مكان الكافر، الذي ورث مكانه في النار. ولكل مؤمن جنتان، في الدنيا له جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة، وفي الآخرة له الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. فالمؤمن يجب أن يخاف الله وحده لا شريك له، ولا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، لأن الله أمره بالخوف منه، ونهاه عن الخوف ممن سواه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. فإن قال أولياء الشيطان قد يؤذونني، قيل إنما يؤذونك بتسليط الله لهم عليك، بسبب ذنوبك، وخوفك منهم، فإذا خفت الله، وتبت من ذنوبك، لم يسلطهم الله عليك، وكفاك ربك شرهم كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ

стр. 8726

اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]. فيجب على المؤمن أن يخاف من القوي القادر سبحانه، ولا يخاف مما سواه، ومن خاف ربه أمنه في الدنيا والأخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فيجب أن يخاف العبد من المؤمن ، لأن المؤمن سبحانه هو الذي يملك الأمن في الدنيا والآخرة، والذي يملك الأمن، يجب أن يطلب منه الأمن وأن لا يخاف من سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والمؤمن يخاف من الله إذا عصاه، ولا يخاف من غير الله أبداً، ومن دخل خوف الله في قلبه، أخاف الله منه المخلوقات، ومن دخل خوف المخلوق في قلبه أخافه الله من كل شيء، وسلط عليه من يذله، رحمة من ربه، ليعود إلى ربه، ويتوب إليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].

стр. 8727

وللحصول على كمال الخوف من الله وحده، لا بد من إخراج الخوف من غيره من القلوب، فالتخلية تكون قبل التحلية: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وكما حصل لأم موسى ﷺ حين خافت عليه من فرعون، أوحى الله إليها أن تلقيه في البحر، ثم يصل إلى فرعون، ثم يريد قتله، فلما بلغ منها الخوف أشده، أراد الله أن يبين لها أن من تخاف منه بيده، مملوك له، ثم رده إليها، وأعزه، وأهلك فرعون بسببه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ [القصص: ٧ - ٨]. والله حكيم عليم يربي أولياءه في قصور أعدائه، ربى موسى ﷺ في قصر فرعون، ودمر فرعون وجنوده بالماء، فاغرقه ولعنه في الدنيا والأخرة كما قال سبحانه: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ [القصص: ٤٠ - ٤٢]. ومحمد ﷺ خرج من مكة خائفًا من كفار مكة، فارًا بدينه، وتوكل على ربه، ثم رجع من المدينة إلى مكة يوزع الأمن كما قال ﷺ : «من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن». أخرجه أبو داود (١).

стр. 8728

فلما خاف رسول الله ﷺ من أجل الله، وأوذي في سبيل الله، نصره الله بالرعب مسيرة شهر كما قال: ﷺ «نُصِرتُ بالرُّعب مَسِيرةَ شهر». متفق عليه (١). وعصمه الله من أعدائه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. وخرج ﷺ من مكة فقيرًا، ورجع إلى مكة يوزع وديان الغنائم، من الأموال والأنفس، كما في غنائم حنين. وكل هذه الفضائل والصفات إنما تحصل بسبب المجاهدة والتضحية من أجل إعلاء كلمة الله، ومن ترك الدعوة إلى الله زالت منه تلك الصفات، وفقد الحكمة والرحمة للخلق، فمن حقق الإيمان والتقوى، حقق الله له ما يريد من النصر، والعزة، والكرامة، والأمن، والهداية، عطاءً عاجلًا هو سنة الله، والأعداء الذين أذوه بيد الله، فإما أن يدمروا، أو يصغروا أو يهتدوا كما حصل في غزوة بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].

стр. 8729

٥ - الخزانة الخامسة • فقه الخوف من الله ﷻ : الخوف من الله من أعظم مقامات العبودية، والخوف يكون قبل العمل، ويكون بعد العمل، فالخوف قبل العمل خوف الاختلال، لعدم كمال العبادة، والخوف بعد العمل خوف الإخلال، لأن هذه العبادة لا تليق بجناب الله، ولهذا قدم الله الخوف منه في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. وأخر الخوف من التقصير في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨] والخوف هو فقد الأمن، وهو أعظم من الجوع، وأخوف ما نخاف منه ذنوبنا، لأن الذنوب سبب للويلات، والمخاوف، والعقوبات الدينية، والعقوبات الدنيوية كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. وقال عن الأمم المكذبة للرسل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].

стр. 8730

والخوف ضد الأمن، ولا يحصل الأمن للأمة إلا بأمرين: الأول: الإيمان بالله. والثاني: عدم الظلم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. ولا يزول الظلم إلا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتحقيق التوحيد: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولا يحصل الإيمان إلا بالدعوة إلى الله، فالدعوة إلى الله من أعظم أسباب الهداية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فالأمن كل الأمن لا يحصل بكثرة الجنود، ولا بكثرة السلاح، ولا بأنواع السلاح، ولا بقوة الملاحظة والمراقبة، وإنما يحصل الأمن التام الكامل بهذين الأمرين فقط: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. فالأمن كله بيد المؤمن سبحانه، يمن به على من آمن به: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. فالأمن كله بيد الله وحده: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].

стр. 8731

فالرزق من الرزاق، والعلم من العليم، والأمن من المؤمن، فلا يملك الأمن إلا المؤمن سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. والمؤمن حقا لا يخاف من الناس والأعداء، بل يخاف من رب الناس، ويخاف على الناس من عذاب النار: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وإذا خاف المؤمن من عدوه، أصابه الوهن، وسلط الله عدوه عليه، حتى يعود إلى الخوف من الله وحده، وذلك من رحمة الله به: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. وإذا خاف المؤمن من ربه، وخاف على الكفار من النار، مكنه الله من قلوب الكفار، فدخلوا في الإسلام، وكفانا الله شرهم، وفتح الله علينا ما يكون سببًا في هدايتهم، فإذا رأى الكفار جمال الإسلام في حياتنا، ولم يرغبوا في الإسلام، فتكون الحرب بينهم وبين الله سبحانه، ونحن سبب: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. وقال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].

стр. 8732

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢]. والآن الحرب بيننا وبين الكفار قائمة، ولن ننتصر عليهم، لأنهم أقوى منا سلاحاً، ولن ننتصر عليهم إلا إذا نقلنا الحرب بينهم وبين الله، ولن يكون ذلك إلا إذا رأوا الحق فينا، وعرضناه عليهم بلسان الحال والمقال، ثم إذا عاندوا وتكبروا وحاربونا، فعند ذلك ينصرنا الله عليهم، لأن الحرب صارت بينه وبينهم، فكفى الله المسلمين شرهم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. والمسلمون اليوم أكثرهم صار سداً أمام إسلام الكفار، لسوء أخلاق أكثر المسلمين، ولو استقاموا على الدين، لأعطوا سورة حسنة عن الإسلام أمام الكفار، فرغبوا في الإسلام، ولهذا الله أمرنا بالدخول في السلم كافة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. الإيمان الكامل لا يتم إلا بأركانه الستة المعلومة، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥]. فمن خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن خاف غير الله خوفه الشيطان من كل شيء: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].

стр. 8733

فقه الرجاء الرجاء: هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب. والرجاء ضد اليأس، لأن الرجاء يبعث على العمل، واليأس يمنع من العمل، والرجاء محمود، لأنه باعث، واليأس مذموم، لأنه صارف عن العمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. والخوف ليس ضد الرجاء، بل الرجاء رفيق له، بل هو باعث آخر بطريق الرغبة كما أن الخوف باعث بطريق الرهبة، فالرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال. ومن آثار الرجاء التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى، والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له، والانكسار بين يديه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. والدواء يحتاج إليه أحد رجلين: إما رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة، حتى أضر بنفسه وأهله. وإما رجل غلب عليه اليأس، فترك العبادة، وانقطع عن العمل، وهذان رجلان مائلان عن الاعتدال، فيحتاجان إلى علاج يردهما إلى الاعتدال، فأما العاصي المغرور المتمني على الله، مع الإعراض عن العبادة وقت فعل المعاصي، فأدوية الرجاء تنقلب سموماً مهلكة في حقه، فمثل هذا المغرور لا يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف، والأسباب المهيجة له، كما قال

стр. 8734

سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. فلهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفًا ناظرًا إلى مواقع العلل، معالجًا لكل علة بما يضادها ويزيلها، والمطلوب هو العدل، وخير الأمور أوسطها، فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يرد إلى الوسط، لا بما يزيد في ميله عن الوسط. وأسباب الرجاء تستعمل في حق الآيس، أو فيمن غلب عليه الخوف. والخوف والرجاء جامعان لأسباب الشفاء في حق أصناف المرضى، وذلك موجود في القرآن والسنة، ليستعمله العلماء الذين هم ورثة الأنبياء حسب الحاجة والحالة، كاستعمال الطبيب الحادق، لا إستعمال الأخرق الذي يظن أن كل شيء من الأدوية صالح لكل مريض. وحال الرجاء يطلب بالاعتبار، وتدبر القرآن، والآثار، أما الاعتبار، فيتأمل العبد أصناف النعم التي أنعم الله بها على عباده، ويعرف لطائف نعم الله على عباده، وعجائب حكمه في خلق الإنسان، وما أعد له من أرزاق في الدنيا والآخرة مما هو ضروري أو جمالي، فمن أعطى عباده هذا، كيف يرضي بسوقهم إلى الهلاك المؤبد: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. ولكن الناس يظلمون أنفسهم تارة باليأس، وتارة بالتقصير، وتارة بالاستهانة بأوامر الله، بل إذا نظر الإنسان نظرًا شافيًا، علم أن أكثر الخلق قد

стр. 8735

هُيئ له أسباب السعادة في الدنيا، حتى إنه يكره الانتقام من الدنيا بالموت، لأن أسباب النعم أغلب لا محالة، وإنما الذي يتمنى الموت نادر، فإذا كان أغلب الخلق في الدنيا الغالب عليهم الخير والسلامة، فالغالب أن أمر الآخرة يكون كذلك إلا من مات كافرًا، أو مشركًا، أو منافقًا، ومدبر الدنيا والآخرة واحد، وهو الغفور، الرحيم، الكريم، اللطيف بعباده، فهذا إذا تدبره الإنسان قوى بأسباب الرجاء كما قال الرسول الله ﷺ : «يقول الله : مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وأزيدُ. ومن جاءَ بالسَّيِّئةِ، فجزاؤهُ سيِّئةٌ مثلُها. أو أغفِرُ. ومن تقرَّبَ منِّي شبرًا، تقرَّبتُ منه ذراعًا. ومن تقرَّبَ منِّي ذراعًا، تقرَّبتُ منه باعًا. ومن أتاني يمشي، أتيتُهُ هرولةً. ومن لَقيَني بقُرابِ الأرضِ خطيئةٍ لا يشركُ بي شيئًا، لقِيتُهُ بمثلِها مغفرةً». أخرجه مسلم (١). وكذلك النظر إلى حكمة الشريعة وسنتها في مصالح الدنيا، ووجه الرحمة للعباد بها في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. وأما تقرير الآيات فكقوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ [الضحى: ٥]. وقوله ﷺ : «إن الله أشَدُّ فرَحًا بِتوبةِ عبدِهِ حِينَ يَتوبُ إليه؛ من أحدِكمْ كان على راحلَتِه، بأرضِ فلاةٍ، فانْفلَتَتْ مِنهُ، وعليْها طعامُهُ وشَرابُهُ، فأيِسَ مِنْها، فأتَى شجرَةً، فاضْطجعَ في ظِلِّها، قدْ أيِسَ من راحلَتِه، فبيْنما هوَ

стр. 8736

كذلِكَ، إذْ هوَ بِها قائمةٌ عِندَهُ، فأخَذَ بِخطامِها، ثمَّ قال - من شِدَّةِ الفرَحِ -: اللهُمَّ أنتَ عبدِي، وأنا ربُّكَ! أخْطَأَ من شِدَّةِ الفرَحِ». أخرجه مسلم (١). والرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله، والاستشعار بجوده، وفضله، وإحسانه، والثقة بجوده، وكرمه، وهو حادٍ يحمل القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير إلى ربها ومرضاته، والفرق بين الرجاء والتمني: أن التمني يكون مع الكسل والقعود، والرجاء يكون مع بذل الجهود، وحسن التوكل، فعلامة صحة الرجاء حسن الطاعة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 8737

٦ - الخزانة السادسة • أقسام الرجاء: الرجاء ثلاثة أنواع: الأول: رجاء من عمل بطاعة الله، على نور من الله، فهو راجٍ لثوابه. الثاني: رجاء رجل أذنب ذنوباً، ثم تاب منها، فهو راج لمغفرة الله، وعفوه، وإحسانه، وهذان محمودان. والثالث: رجل متمادٍ في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور، والتمني، والرجاء الكاذب. والخوف والرجاء بالنسبة للعبد كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير، وتم طيرانه بسلام، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهب صار الطائر إلى حد الموت: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وفي كلا الرجاءين كمال، رجاء المحسن ثواب إحسانه وطاعته، لقوة أسباب الرجاء معه، ورجاء المذنب المسيء التائب مغفرة ربه وعفوه، لأن رجاءه مجرد من علة رؤية العمل، مقرون بذلة رؤية الذنب، والانكسار بين يدي الخالق: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].

стр. 8738

والرجاء من أجل المنازل وأعلاها وأشرفها، وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله . وقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعرفة غلبة رحمته على غضبه، ولولا الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح، ولولا روح الرجاء، لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا روح الرجاء، وريحه الطيبة، لما جرت سفن الأعمال الصالحة في بحر الإرادات البشرية. وعلى حسب محبة الله وقوتها يكون الرجاء والخوف، فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المطيع المحب لا يصحبه وحشة، بخلاف خوف المسيء الذي عصى الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وقال الله تعالى عن الأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ورجاء المطيع المحب لا يصحبه علة، بخلاف رجاء المذنب المسيء، والرجاء ضروري ولازم لكل عبد، لو فارقه لحظة لتلف أو كاد، فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها ودوامها، وقرب من الله، ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ولا ينفك أحد عن هذه الأمور أو بعضها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 8739

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. والرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب، فالراجي راغب وراهب، ومؤمن لفضل ربه، وحسن الظن به، متعلق الأمل ببره، وجوده، وإحسانه، عابد له بأسمائه الحسنى كالبر، والكريم، والمحسن، والوهاب، والمعطي، والرزاق، والحليم، والعفو، والغفور. والله سبحانه يحب من عبده أن يرجوه، ولذلك كان عند رجاء العبد له، وظنه به، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨]. وليس في الرجاء، ولا في الدعاء، معارضة لتصرف الملك سبحانه في ملكه، فإن الراجي إنما يرجو تصرفه في ملكه بما هو أولى وأحب الأمرين إليه، فإن الفضل والإحسان أحب إليه ﷻ من العدل، والعفو أحب إليه من الانتقام، والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء، والترك أحب إليه من الاستيفاء ورحمته سبقت غضبه، فالراجي ربه علق رجاءه بتصرفه المحبوب له، المرضي له. وإذا تعلق الراجي بمراده، دون مراد سيده، فهو إنما علقه بمراده المحبوب له، هاربًا من مراده المكروه له، وعلى تقدير كل محبوب له إذا كان انتقام، فالعفو والفضل أحب إليه منه، فهو إنما علق رجاءه بأحب المرادين إليه، وليس الدعاء والرجاء اعتراضًا على ما سبق به القدر، بل تعلق بما سبق به الحكم، فإنه إنما يرجو فضله وإحسانه، ورحمة سبق بها القضاء والقدر،

стр. 8740

وجعل الرجاء أحد أسباب حصولها للعبد: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • فضائل الرجاء: الرجاء يبرد حرارة الخوف التي قد تصل بصاحبها إلى اليأس، وفيه إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه بسؤاله إياه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وهو سبحانه يحب من عباده أن يرجوه ويسألوه من فضله، لأنه الملك الكريم، هو أجود من سئل وأحب شيء للجواد أن يرجى ويأمل ويسأل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠]. والرجاء يحدو العبد في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب، ويزعجه الخوف، ويحدوه الرجاء، وبالرجاء يزداد العبد حبًا لله، فإنه كلما اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه، ازداد حبًا لله وشكرًا له، ورضى به وعنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 8741

وبالرجاء يزداد العبد من معرفة الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومعانيها، والتعلق بها، والتعبد لله بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وفي الرجاء تكميل مراتب العبودية من الذل، والانكسار، والتوكل، والاستعانة، والخوف، والرجاء، والصبر، والشكر، والرضا، والإنابة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. ومن عرف ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، رجاه، وخاف منه، وأحبه، وتوكل عليه، وعبده، وأطاعه. فمن عرف ربه باسمه الكريم رجا كرمه، ومن عرف ربه باسمه الغفور رجا مغفرته، ومن عرف ربه باسمه الرحمن رجا رحمته وهكذى في بقية الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولهذا قدر الله على العبد الذنب، وابتلاه به، لتكميل مراتب العبودية له بالتوبة إلى الله، التي هي أحب شيء إليه فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف من أعظم العبوديات لله : ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].

стр. 8742

• درجات الرجاء: درجات الرجاء ثلاث: الدرجة الأولى: رجاء يبعث العامل لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه، ويولد عنده اللذة حين الطاعة والعبادة، فإنه كلما رأى قلب العبد ثمرة الطاعة، وحسن عاقبتها، إلتذ بها، وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره وكذا المحب الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه، كلما تذكر الرضاء عنه، وقبوله في سعيه، وقربه منه، تلذذ بتلك المساعي والأعمال كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وكذلك الطباع لها معلوم ورسوم تتقاضاها من العبد، ولا تسمح له بتركها إلا بعوض هو أحب إليها من رسومها، فإذا قوى تعلق الرجاء بهذا العوض الأشرف، سمحت الطباع بترك تلك الرسوم، فإن النفس لا تترك محبوبًا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، أو حذراً من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. الدرجة الثانية: رجاء يبعث النفس لترك مألوفاتها، والاستبدال بها مألوفات أخرى، هي خير منها وأكمل، فرجاء هؤلاء أن يبلغوا مقصودهم بصفاء الوقت، ولزوم الشرع، والوقوف عند حدوده: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق، الباعث على الاشتياق للخالق، المبغض المزهد في الخلق، وهذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء، وأعلاها.

стр. 8743

والاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه، وعيشه منغص حتى يلقى محبوبه، فهناك تقر عيناه، ويزول عن عيشه تمغيصه، ويزهد في الخلق وما يملكون، لأن صاحبه طالب للأنس بالله، والقرب منه، فهو أزهد شيء في الخلق إلا من أعانه على هذا المطلوب منهم، ووصله إليه، فهو أحب خلق الله إليه ولا يأنس من الخلق بغيره، ولا يسكن إلى سواه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فعليك بطلب هذا الرفيق جهدك، وإذا لم تظفر به، فاتخذ الله رفيقًا، ودع الناس كلهم جانبًا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وعلامة صحة الرجاء حسن الطاعة، ولزوم العبادة. والخوف والرجاء جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام عالٍ، ومنزل محمود، ورسول الله ﷺ أسوة لكل من أراد الله والدار الآخرة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. والله رؤوف بالعباد، رحيم بهم، ومن رحمته أن خلقهم في أحسن تقويم، وهداهم إلى الإيمان، وأعانهم على الطاعة، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض، وأسكنهم في أرضه، وأطعمهم من رزقه، وسقاهم من مائه، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة.

стр. 8744

ومظاهر رحمته يوم القيامة أعظم وأكبر كما قال النبي ﷺ : «إنَّ لله مِئةَ رحمةٍ، أنزَلَ منها رحمةً واحدةً بين الجنِّ والإنسِ، والبهائمِ والهَوامِّ؛ فبها يتعاطَفون، وبها يتراحَمون، وبها تَعطِفُ الوَحْشُ على ولدِها، وأخَّرَ اللهُ تسعًا وتسعين رحمةً، يرحَمُ بها عبادَه يومَ القيامةِ». متفق عليه (١). • ثمرات الخوف والرجاء: من عرف ربه سبحانه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعرف عظمة ملكه وسلطانه، وعرف عظمة نعمه وجزيل إحسانه، وعرف حسن دينه وشرعه، وعرف عظمة وعده ووعيده، أحب ربه، ومجده، وعظمه، وكبره، وحمده، وشكره، وخاف منه، ورجاه، وتوكل عليه، واستعان به، وأطاعه، وعبده، وسأله، ودعاه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأعرف الخلق بربهم هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لهذا وصفهم الله بكمال العبودية بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فالله هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، ومن عرف ربه بذلك تواضع له، وذل بين يديه. والتواضع أن يخضع العبد للحق الذي آمن به، وينقاد له، ويقبله ممن قاله، ويتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والانقياد له، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه، وبهذا يحصل

стр. 8745

للعبد خُلق التواضع: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ أَوْحى إليَّ أنْ تواضَعوا؛ حتى لا يَفخرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يَبغيَ أحدٌ على أحدٍ». أخرجه مسلم (١). وحقيقة التواضع خضوع العبد لأوامر الحق، وانقياده لها، وخفض الجناح، ولين الجانب، والتواضع خلق جميل ينشأ من معرفة جلال الرب وعظمته، ومعرفة نعمه وإحسانه وجماله، ومعرفة نقص الإنسان، فيتولد التواضع من الإنسان الضعيف الناقص للرب ذي الجلال والإكرام: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والتواضع على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: التواضع للدين، وهو الانقياد، والتسليم، والإذعان لكل ما جاء به الرسول ﷺ ، فلا يعارض شيئًا مما جاء به، ولا يتهم دليلاً من أدلة الدين، بحيث يظنه ناقص الدلالة، أو غيره كان أولى منه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا

стр. 8746

يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ومن عرض له شيء من ذلك، فليتهم نفسه، وليعلم أن الآفة منه لا من الدليل، وإذا رأى العبد من أدلة الدين ما يشكل عليه، فليعلم أنه لعظمته وشرفه لم يدرك معناه، وأن تحته كنز من كنوز العلم لم يؤت مفتاحه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. ويقدم نصوص الكتاب والسنة على آراء الرجال، ولا يجد إلى خلاف النص الشرعي سبيلاً البته، لا بباطنه، ولا بلسانه، ولا بفعله، ولا بحاله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. الثانية: أن ترضى بما رضى الحق به لنفسه عبدًا من المسلمين أخًا، وألا ترد عن عدوك حقا، وأن تقبل من المعتذر معاذيره، فإذا كان الله رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا، أفلا ترضى أنت به أخا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال النبي ﷺ : «وكونوا عبادَ اللهِ إخوانا». متفق عليه (١). فإن عدم رضاك به، وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده، هو عين الكبر، وأي قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله، لا يرضى بأخوته، وسيده راضٍ

стр. 8747

بعبوديته: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]. وقال النبي ﷺ : «ألا أخبركم بأهل الجنًة كلُّ ضعيف متضعِّف، لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أخبركم بأهل النَّار كلُّ عتلٍّ جوَّاظٍ مستكبر». متفق عليه (١). وكذلك تقبل الحق ممن تحب وممن لا تحب، فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه، ولا من إيتائه إياه، ومن أساء إليك، ثم جاء ليعتذر من إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته، وأمره إلى الله تعالى. وعلامة الكريم أنه إذا رأى الخلل في عذره لا يوقفه عليه، ولا يحاجه، بل يصفح عن المعتذر فورًا ويقول يمكن أن يكون الأمر كما تقول، ولو قُضي شيء لكان، والمقدر لا بد واقع ونحو ذلك. الثالثة: أن تتواضع للحق سبحانه، وتعبده بما أمرك به، على مقتضى أمره، لا على ما تراه من رأيك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. ولا يكون الباعث لك على عبادته داعي العادة، كما هو باعث من لا بصيرة له، بل يكون باعثه على العبودية لربه مجرد الأمر، ولا ترى لنفسك حقًا على الله، لأجل عملك، بل تكون مع الله بالعبودية، والفقر والعجز، والذل، والانكسار، فإن كل نعمة منه، وكل إساءة منك: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 8748

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. فمن رأى لنفسه على ربه حقًا، صارت نفسه معلولة، وخيف عليها المقت، وخُشي عليها الطرد والإبعاد، ولا ينافي هذا ما أحقه الله وأوجبه على نفسه من إثابة عباده المؤمنين وإكرامهم، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. فإن ذلك حق أحقه الله على نفسه، بمحض كرمه وبره، وجوده وإحسانه، لا باستحقاق العبيد له، فلا يدخل أحد الجنة بعمله أبدًا، ولا ينجيه من النار، كما قال الرسول ﷺ : «لن يُدخِلُ أحدًا منكُم عملُهُ الجنَّةَ، ولا يُجيرُهُ منَ النَّارِ، ولا أَنا، إلَّا برحمةٍ منَ اللَّهِ». متفق عليه (١).

стр. 8749

٨ - الخزانة السابعة • فقه التعظيم: من عرف الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، أَحَبَّهُ، وخَافَهُ، ورَجَاه، وعَظَّمَهُ وكَبَّرَهُ، وأطاعه وعبده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والتعظيم هو معرفة عظمة الرَّب، وتعظيمه، وإجلاله مع التذلل له، وعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرَّب تعالى في القلب، والذل له. وأعرف الناس بالله، أشدهم تعظيمًا له، وإجلالاً له، وذُلًا له، ومحبةً له، وطاعةً له، و عبادةً له، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. • درجات التعظيم: التعظيم على ثلاث درجات: الأولى: تعظيم الأمر والنهي، بأن يُعَظِّم العبد كل ما أمر الله ورسوله به، وكل ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. الثانية: تعظيم الحكم الكوني القدري. فالأولى تتضمن تعظيم الحكم الديني الشرعي، وهذه تتضمن تعظيم الحكم الكوني القدري، فكما يجب على العبد أن يراعي حكم الله الديني بالتعظيم، فيصدق الأخبار، ويطبق الأحكام، ويمتثل الأوامر، ويجتب النواهي، فكذلك يجب عليه أن يراعي حكم الله الكوني بالتعظيم، فإن الله

стр. 8750

لا يقضي شيئًا إلا وفق الحكمة، والرحمة، والعدل، والإحسان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. وتعظيمه بأن لا يرى فيه عوجًا، ولا يطلب له عوجًا، بل يراه كله مستقيمًا، لأنه صادرٌ عن من له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، صادرٌ عن عين الحكمة، فلا عوج فيه أبدًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣]. فكل ما يجري في الكون من الحركات والسكنات، والطاعات والمعاصي، والخير والشر، كله بقضاء الله وقدره، وقضاؤه سبحانه كله عدلٌ، والمَقضي منه عدل، ومنه جور، وقضاؤه كله مَرْضِي، والمَقضي منه مَرْضِي، ومنه مسخوط، وقضاء الله وقدره، وحُكمه الكوني، لا يناقض دينه وشرعه، وحُكمه الديني، بحيث تقع المُدَافعة بينهما، لأن هذا مشيئته الكونية، وهذا إرادته الدينية، ومن تعظيمهما الانقياد لهما، فهما وصفان للرَّبِّ سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] الثالثة: تعظيم الرَّبِّ سبحانه، فالله هو الحق الذي له الخلق والأمر؛ والتي قبلها تتضمن تعظيم قضائه لا مقضيه، والأولى تتضمن تعظيم أمره الشرعي. وتعظيم الحق سبحانه ألا تجعل دونه سببًا، فهو الذي يُوَصَّل عبده إليه، فلا يُوَصَّل إلى الله إلا الله، ولا يُقَرِّب إليه سواه، ولا يُدْنِي إليه غيره، ولا يُتَوَصَّل إلى رضاه إلا به، ولا هادَى إليه سواه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].

стр. 8751

وكذلك لا ترى لأحدٍ من الخلق حقًا على الله، بل الحق لله على خلقه، فهو الذي خلقهم، ورزقهم، وهداهم، وأبقاهم، وأنعم عليهم بنعمة الخَلْقِ والإيجاد، ونعمة الأقوات، والإمداد، ونعمة الهداية، والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وأما حقوق العباد على الله تعالى من إثابته لمطيعيهم، وتوبته على تائبهم، وإجابته لسائلهم، فتلك حقوقٌ أحقها الله سبحانه على نفسه بحكم وعده الكريم، وإحسانه إلى خلقه، وحُبِّهِ لرحمتهم، لأنها حقوقٌ أحقها الله عليه، فالحق في الحقيقة لله على عبده، وحق العبد عليه هو ما اقتضاه جوده، وبِرُّه، وإحسانه إليه، بمحض جوده وكرمه سبحانه. ومن تعظيمه ألا ينازع العبد له اختيارًا، فإذا اختار لك أو لغيرك شيئًا، إما بأمره ودينه، وأما بقضائه وقدره، فلا تنازع اختياره، بل ارضَ باختيار ما اختار لك، فإن ذلك من تعظيمه وإجلاله ﷻ ، ولا ترد عليه قدرًا من المعاصي، فإنه سبحانه وإن قدرها، لكنه لم يخترها له، فمنازعتها غير اختياره من عبده، وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه. ومن تعظيمه تعظيم حرماته: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. وحرمات الله هي ما يجب احترامه وحفظه، من الحقوق، والعهود، والأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، والأوامر، والنواهي، فتعظيم الآمر، وتعظيم أمره ونهيه، وتعظيم حرماته، وتعظيم قضائه وقدره، هو الواجب على كل مسلم، فيُعَظِّم ربه تعظيمًا لذاته، وخوفًا من عقابه، وطلبًا لثوابه، فهو سبحانه أهل لأن يُعبَد، وأن يُحَب، وأن يُعَظَّم، وهو الذي يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، فمنه كل شيء، وبيده كل شيء، وهو

стр. 8752

القادر على كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والله يُحِبُّ من عبده أن يُعَظِّمَه، وأن يُكَبِّرَهُ، وأن يَذِلَ له، وأن يُكَمِل مقام الذُل له، وهذه هي حقيقة العبودية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. • أنواع الذل: الذل أنواعٌ ودرجات: النوع الأول: ذُل المحبوب لمحبوبه، وهو أكملها وأعلاها، فإذا رأى الإنسان عظيم نعم الله، وإحسانه إلى خلقه، ذَلَّ لربه، لما يراه من عظيم نعمه، وإحسانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] الثاني: ذل المملوك لمالكه، فالإنسان وجميع المخلوقات عبيدٌ مماليك لملك الملوك ﷻ : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤]. وليس للعبد وظيفة إلا أن يشتغل بتنفيذ أوامر مالكه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. الثالث: ذل الجاني بين يدي المُنعم عليه، المحسن إليه، المالك له.

стр. 8753

الرابع: ذل العاجز عن مصالحه وحاجاته، بين يدي القادر عليها، التي هي في يده وبأمره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وتحت هذا قسمان: أحدهما ذُلٌ لله في أن يجلب له ما ينفعه. والثاني: ذُلٌ لله في أن يدفع ما يضره على الدوام، فيدخل في ذلك ذُل المصائب كالفقر والمرض، وأنواع البلاء والمحن. فهذه خمسة أنواع من الذل، إذا وَفَّاَها العبد حقها، وشهدها كما ينبغي، وعَرَف ما يُرَاد به منها، وقام بين يدي ربه مُستصحبًا لها، شاهدًا لذله من كل وجه، ولعزة ربه وعظمته وجلاله من كل وجه، كان قليل أعماله قائمًا مقام الكثير من أعمال غيره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢]. فالعبودية حقًا كمال الحب لله، مع كمال التعظيم له، مع كمال الذل له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 8754

٨ - الخزانة الثامنة • فقه المراقبة: من عرف رَبَّه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، أَحَبَّهُ، وخَافَهُ، ورَجَاه، وراقبه في جميع حركاته وسكناته، وفي أقواله، وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والمراقبة: هي دوام علم العبد و تيقنه باطلاع الحق سبحانه على ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيبٌ عليه، ناظرٌ إليه، سامعٌ لقوله، مُطلعٌ على عمله، كل وقت، وكل لحظة، وكل نَفَس، وكل طرفة عين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]. ومن راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه. وعلامة المراقبة: إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عَظَّمَ الله، وتصغير ما صَغَّرَ الله، وتكبير ما كَبَّرَ الله، والرجاء يُحرك إلى الطاعات، والخوف يبعد عن المعاصي، والمراقبة تهديك إلى الطريق الحق.

стр. 8755

• درجات المراقبة: المراقبة على ثلاث درجات: الأولى: مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام، بين تعظيم لربه يذهله عن تعظيم غيره، وعن الالتفات إليه، وامتلاء قلبه بذلك. فالحضور مع الله يوجب له أُنساً ومحبة، إن لم يقارنهما تعظيمٌ أو خروج عن حدود العبودية، ورعونةً، ودنوًا، وقُربًا من ربه يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. فللمراقب لربه حضورٌ مع الله، يوجب له أُنسًا ومحبة، وسروراً يبعث على الفرحة والتعظيم واللذة، في ذلك القرب، فإن سرور القلب له فرحه به، وقرة العين به، لا يشبهه شيءٌ من نعيم الدنيا البتة، وهذا السرور يبعث على دوام السير إلى الله ، وبذل الجهد في طلبه، وابتغاء مرضاته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد له في كل حال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
следующие страницы →