← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 8892

١٠ - الخزانة العاشرة فقه بواعث التوبة، وأسباب استدامتها بعض الناس يتوب من ذنبه، ثم يرجع إليه مرة أخرى، وبعض الناس يستقيم على توبته، وتصلح حاله، وآخرون يتذبذبون، فمرة يتوبون، وأخرى يعودون، لهذا لابد من معرفة بواعث التوبة وأسباب استدامتها ومن ذلك: أولًا: معرفة حقيقة التوبة؛ فحتى يستقيم العبد على التوبة حقًا، وتقوى أركانها في قلبه صدقًا عليه أن يعرف حقيقتها، وتظهر عليه أثارها من ندم وحسرة على ما مضى، وعزم وإرادة للاستدراك فيما بقي، وكم من التائبين لا يعرف من التوبة إلا استغفارًا باللسان، ينتهي أثره في قلوبهم بانتهاء استغفارهم. فالندم نار تحرق القلب حتى يعود إلى ربه، ويتوب من ذنبه. كما جاءت المرأة التي زنت للنبي ﷺ قائلةً له: يَا رَسُولَ اللَّهِ طَهِّرْنِي، فيرجعها رسول الله ﷺ حتى تضع حملها، ثم ترضعه حتى تفطمه، فظلت طوال هذه السنين نادمة على فعلها، قلقة من ذنبها، تريد أن تضعه عن كاهلها، وتطهر من أدرانه قلبها، ولو أدى ذلك إلى قتلها، فلما بلغت الأجل الذي أجلها رسول الله ﷺ جاءت فجادت بنفسها توبةً لخالقها، وأقيم عليها حد الزنا.

стр. 8893

فما أعظم توبة هذه المرأة من فاحشة الزنا! وما أصدقها، حيث قال فيها النبي ﷺ : «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ». أخرجه مسلم (١). ثانيًا: استشعار عواقب الذنوب؛ فإن من أدرك ضرر الذنوب، واستشعر سوء عاقبتها، فر إلى التوبة، واشتاق إليها، فإذا ما ظفر بها تشبث بها تشبث الغريق بمنقذه؛ ولهذا جاء ذكر عواقب الذنوب في نصوص كثيرة، لزجر الناس عنها، وترغيبهم في التوبة منها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧١].

стр. 8894

فلو تذكر العبد، وقرن المعصية بعقوبتها، وقرن الطاعة بثوابها، لما وجدته إلا طائعًا غير عاصٍ لربه . ثالثًا: هجران سيء الأخلاق، ومفارقة بيئة العصيان؛ إن مفارقة الصحبة الطالحة السيئة من أكبر أسباب قوة التوبة واستدامتها، ذلك لأنهم يحببون إليه الذنب، ويدعونه إليه، ويسهلونه له، ويشجعونه عليه، مما يضعف العزيمة على الطاعة، ويقوي في قلبه داعي المعصية كما أن ابتعاد التائب عن مكان الفتن والشهوات، والمعاصي والمنكرات، مما يحصنه من الوقوع فيها، ويبعده عنها، فالصاحب ساحب إلى خير أو شر: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. وعن سعيد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهب فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّه قَدْ قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لِه مِنْ تَوْبَةٍ؟. فقال: لا، فَقَتَلَهُ فَكْمَلَ بِهِ مِائَةً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عالم، فَقَالَ: إِنِّه قتل مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لِه مِنْ تَوْبَةٍ؟، فقَالَ:

стр. 8895

نعم، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَه وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انطلق إلى أرضِ كَذَا وَكَذَا فإن بها أناس يعبدون الله تعالى فَاعْبُدْ الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنما هي أرض سوء، فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه الموت، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه على الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم أي حكمًا، قال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة». متفق عليه (١). رابعًا: الدعاء؛ فمن أعظم أسباب التوفيق للتوبة والديمومة عليها، سؤال الله إياها، فإن التائب حقًا من وفقه لها وتقبلها منه، وثبته عليها؛ ولهذا قام أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم بسؤال الله التوبة؛ فهذا إبراهيم ﵇ يقول: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]. خامسًا: قراءة القرآن وتدبره؛ فالباعث على التوبة، وعدم الإصرار على الذنب، إدامة التفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره سبحانه من تفاصيل نعيم الجنة، وما وعد به المطيعين، وما وصفه من أنواع عذاب النار، وهدد به العاصين كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

стр. 8896

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨]. سادسًا: معرفة عظمة الخالق؛ فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف قدرته، وشدة بطشه، وعظيم قوته وعقابه، خاف وسارع بالتوبة إلى ربه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. سابعًا: تذكر الموت، وفجأة نزوله، مما يعين على انبعاث العبد للتوبة إلى خالقه، تذكره للموت، وسرعة أخذته، وفجأة موعده وأخذه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة: ٨]. • فقه التوبة من الذنوب: إذا تاب المذنب من ذنبه ثم عاد إليه مرة أخرى، فما حكم توبته الأولى؟. ١ - لا يشترط في التوبة عدم العودة للذنب الذي تاب منه، وإنما تتوقف التوبة على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم الجازم على ترك

стр. 8897

معاودته، فإن عاود له مع عزمه حال توبته على ألا يعاوده، صار كمن ابتدأ المعصية من جديد، ولم تبطل توبته المتقدمة، ولا يعود إليه إثم الذنب الذي ارتفع بالتوبة، وصار كأن لم يكن، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له. ٢ - والتوبة لا تصح من ذنبٍ مع الإصرار على آخر من نوعه. وأما التوبة من ذنب، مع مباشرة آخر لا تعلق له به، ولا هو من نوعه، فتصح كما إذا تاب الإنسان من الربا، ولم يتب من شرب الخمر مثلًا، فإن توبته من الربا صحيحة. وأما إذا تاب من تناول الحشيش، وأصر على شرب الخمر أو العكس، فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة، وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائبٍ منها. ٣ - وهل يشترط في التوبة من الغيبة والنميمة أو غيرها اخبار من اغتبته؟ ذلك مترتب على جلب المصالح، ودفع المفاسد؛ فإن كان في إخباره مصلحة، ولا يحصل بذلك خلاف وفرقة، فالأولى أن يتحلل منه ويخبره بما قال فيه، حتى يسامحه. كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لأَخِيه عِنْدَهُ مَظْلمَةٌ، مِنْ مال أو عِرض فَلْيَتَحَلَّلْهُ اليَوْمَ قبْلَ أنْ لَا يَكُونَ دِينَار وَلَا دِرْهَمٌ إلا الحسنات والسيئات». أخرجه البخاري (١).

стр. 8898

وقال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجعلت عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (١). فهذا الذنب يتضمن حقين: حقً لله، وحقًا للآدمي. فالتوبة منه بتحلل الآدمي، لأجل حقه، والندم فيما بينه وبين الله، لأجل حقه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وإن ترتب على إخباره عداوة وفرقة، وحصول مضرة، فالأولى عدم إخباره فيكفيه توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المغتاب والمقذوف في مواضع غيبته وقذفه بضد ما ذكره به من الغيبة، فيبدل غيبته له بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه في كل مجلس: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. ويستبدل قذفه بذكر عفته، ويستغفر الله بقدر ما اغتابه، وذلك إذا كان في إعلامه بذلك مفسدة محضة لا تضمن مصلحة، وما كان هكذا فإن الله لا يبيحه فضلًا عن أن يوجبه أو يأمر به: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]

стр. 8899

فعلى من يريد استدامة توبته، والثبات عليها، المحاسبة اليومية للنفس مع التوبة من التقصير والتفريط، والإكثار من الاستغفار والتوبة في كل مجلس. وليكن من الورد اليومي له الاستغفار مائة مرة كما كان يفعله النبي ﷺ . وحفظ حديث كفارة المجلس، وسيد الاستغفار، مع تعهد الدعاء به في خشوع وحضور قلب، وندمٍ على ما فعل من الذنوب. وهجر أصحاب السوء إلا إذا كانت هناك مصلحة شرعية تقتضي الجلوس معهم أحيانًا، لدعوتهم إلى الله، أو الإنكار عليهم، على أن يكون الداعي فقيهًا حكيمًا قد ثبتت على طريق الدعوة قدمه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وإتباع التوبة بالصدقة، وهي سنة سلفية، فعلها الكثير من السلف منهم: كعب بن مالك، وأبو لبابة حين تاب الله عليهما: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 8900

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية الجزء العاشر ويشتمل على المباحث التالية: ٦٣ - خزائن الخلافة والإمارة ٦٤ - خزائن الهجرة والنصرة ٦٥ - خزائن الدعوة إلى الله

стр. 8901

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 8902

٦٣ - خزائن الخلافة والإمارة وتشتمل على ما يلي: ١ - معنى الخلافة. ٢ - فقه الخلافة ٣ - أحكام الخلافة. ٤ - أحكام الخليفة. ٥ - طرق انعقاد الخلافة. ٦ - البيعة. ٧ - واجبات الخليفة. ٨ - واجبات الأمة. ٩ - نظام الحكم في الإسلام. ١٠ - حكم الخروج على الأئمة. ١١ - انتهاء ولاية الحاكم. ١٢ - البصائر عند حصول الفتن.

стр. 8903

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ٦٣ - خزائن الخلافة والإمارة وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 8904

٦٣ - خزائن الخلافة والإمارة ١ - الخزانة الأولى ١ - معنى الخلافة • الخليفة: هو الإمام الذي يحمل كافة الأمة على مقتضى الشرع في أمر الدين والدنيا، ويسمى خليفة الله، لأن الله استخلفه في عباده، ليقيم شرعه وعدله فيهم. ويسمى خليفة رسول الله، لأنه خلف رسول الله ﷺ في أمته بالعلم والعبادة والدعوة والسياسة ونحو ذلك. وسمي خليفة، لأنه خلف من قبله في الحكم. • أسماء الخليفة: الخليفة هو الإنسان الذي له السلطة العليا في الدولة، وله أسماء متعددة تختلف باختلاف البلاد، مثل: الخليفة، إمام المسلمين، أمير المؤمنين، الملك، الرئيس، السلطان، الحاكم. والخليفة هو الذي يعين الولاة والأمراء والقضاة في مناطق دولته: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].

стр. 8905

وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠]. وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَا اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِير فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعصِي الأَمِير فَقَدْ عَصَانِي». متفق عليه (١). وعن سفينة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «خِلَافَةَ النُّبُوَّة ثَلاثُونَ سَنَة ثُم يُؤتِي اللهُ المُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء». أخرجه أبو داود والترمذي بسند حسن (٢). • من بيده الملك: الذي بيده الملك هو الله وحده لا شريك له، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، سواء كان مسلمًا أو كافرًا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]

стр. 8906

٢ - فقه الخلافة: الله ، هو الملك الحق، هو الذي يملك الكون كله خلقًا وتدبيرًا، وهو الذي يخلق ويرزق، ويعطي ويمنع، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويكرم ويهين، ويعز ويذل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. أنزل سبحانه الثقلين الجن والإنس إلى دار تجري عليهم فيها هذه الأحكام، وأُنزلوا كذلك إلى دار يكون فيها إيمانهم تامًا فإن الإيمان قول وعمل، وجهاد وصبر، وبذل وترك، وهذا كله يكون في دار الامتحان لا في دار النعيم، والله سبحانه قادر بحكمته أن يجعل في الأرض خليفة، وأعلم بذلك ملائكته، وله في ذلك حكم وغايات حميدة، فلم يكن بد من إخراج آدم من الجنة إلى دار قدر الله سكنه فيها هو وذريته قبل أن يخلقه. وكان ذلك التقدير والخروج بأسباب وحكم، فمن أسبابة: النهي عن الأكل من تلك الشجرة، وتخليته بينه وبين عدوه، حتى وسوس إليه بالأكل، وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية. وكانت تلك الأسباب موصلة إلى غايات محمودة مطلوبة ترتبت على خروجه من الجنة، ثم ترتب على خروجه أسباب أخري جُعلت غايات لحكم آخر، ومن تلك الغايات: عوده إليها على أكمل الوجوه، فذلك التقدير، وتلك الأسباب وغايتها صادرة عن محض الحكمة البالغة التي يحمده عليها أهل السموات والأرض، وأهل الدنيا والآخرة، فما خلق الله ذلك باطلا ولا دبره عبثًا كما

стр. 8907

قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] فأظهر الله من علمه وحكمته ما خفي على الملائكة من أمر هذا الخليفة ما لم يكونوا يعلمونه. فجعل سبحانه من نسل هذا الخليفة من رسله وأنبيائه وأوليائه وأحبائه من يتقرب، إليه بأنواع التقرب، ويبذل نفسه في محبته ومرضاته، ويسبح بحمده آناء الليل، وأطراف النهار، ويذكره قائمًا وقاعدا، وعلى جنبه، ويعبده ويذكره ويشكره في السراء والضراء، والعافية والبلاء، والشدة والرخاء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. يعبد الإنسانُ ربه سبحانه مع معارضة الشهوة، وغلبات الهوى، ومعاداة بني جنسه وغيرهم له، فلا يصده عن عبادته وشكره والتقرب إليه، والجهاد في سبيله أحد، فعبادة الملائكة بلا معارض ولا ممانع، وعبادة البشر مع المعارض والممانع، وأراد الله سبحانه كذلك أن يظهر للملائكة ما خفي عليهم من شأن ما كانوا يعظمونه ويجلونه، ولا يعرفون ما في نفسه من الكبر والحسد والشر، وهو إبليس، فذلك الخير، وذلك الشر، كامن في النفوس لا يعلمونهما، ولا بد من إخراج ذلك وإبرازه لكي تعلم حكمة أحكم الحاكمين في مقابلة كل منهما بما يليق به: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ

стр. 8908

اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. والله لما خلق خلقَه بأطواره وأصنافه، وسبق في حكمه وحكمته تفضيل آدم وذريته على كثير ممن خلق تفضيلًا، جعل عبوديتهم أفضل وأكمل من عبودية غيرهم، فكانت العبودية أفضل أحوالهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠] ولما كانت العبودية أشرف أحوال بني آدم، وأحبها إلى الله، وكان لها لوازم وأسباب مشروطة، لا تحصل إلا بها كان من أعظم الحكمة أن أخرجوا إلى دارٍ تجري عليهم فيها أحكام العبودية وموجباتها، فكان إخراجهم من الجنة تكميلًا لهم، وإتمامًا لنعمة الله عليهم، مع ما في ذلك من تحقيق محبوبات الرب تعالى، فإنه سبحانه يحب إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، ومغفرة الزلات، وتكفير السيئات، ودفع البليات وإعزاز من يستحق العز، وإذلال من يستحق الذل، ونصر المظلوم، وجبر الكسير، ورفع خلقه على بعض، وجعلهم درجات، ليعرفوا قدر فضله وتخصيصه من شاء من عباده. فاقتضى ملكه التام، وحمده الكامل، أن يخرجهم إلى دار تحصل فيها تلك المحبوبات، وإن كان لكثير منها طرق وأسباب يكرهها كالذنب الذي يصلح بعده الاستغفار، والتوبة التي يحبها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣]. لقد أستخلف الله آدم ﷺ وذريته في الأرض لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز والطاقات المودعة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة

стр. 8909

والمخبوءة فيها، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]. والله خلق آدم ورباه في الجنة، ثم أنزله إلى الأرض؛ ليكون هو وذريته خلفاء الأرض، وقد استخلف الله آدم وذريته في الأرض؛ لعمارتها وإصلاحها، واستخدام الكنوز والطاقات المودعة فيها: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. ووضع سبحانه للجن والإنس منهجًا متكاملًا؛ ليعملون على وفقه في هذه الأرض، منهجًا يقوم على الإيمان والعمل الصالح، وفي الرسالة الأخيرة للبشرية فصل الله هذا المنهج: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وفي هذا المنهج العظيم ليست عمارة الأرض، واستغلال ثرواتها، والانتفاع بطاقاتها، هو وحده المقصود، ولكن المقصود الأعظم هو هذا مع العناية بقلب الإنسان؛ ليبلغ الإنسان كماله المقدر له في هذه الحياة، فلا ينتكس حيوانًا في وسط الحضارة المادية الزاهرة، ولا يهبط إلى الدرك الأسفل بإنسانيته، ويرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همجٌ وغزاة، وقد يغلب عليها كفارٌ فجار، يحسنون استغلال قوى الأرض وطاقاتها استغلالا ماديا، ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق،

стр. 8910

والوراثة الأخيرة هي لعباد الله الصالحين، الذين يجمعون في حياتهم بين الإيمان والعمل الصالح، فلا يفترق في كيانهم ولا في حياتهم هذان العنصران، وهذه سُنَّة الله في وراثة الأرض: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]. وحيثما اجتمع إيمان القلب، ونشاط العمل، في أي أمة من الأمم، فهي الوراثة للأرض في أي مكان، وفي أي زمان، ولكن حين يفترق هذان الأمران فالميزان يتأرجح، والحياة تختل، والأمور تنتكس. وقد تقع الغلبة للآخذين بالوسائل المادية حين يهمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحين تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض، والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها اللّه إلى هذا الإنسان. وجديرٌ بمن كان هذا شأنه أن ينتهي ويمضي، لا يخلد ولا يبقى، ومن ثم سيصير في النهاية إلى من سيحاسبه على ما قال وفعل، من كان هذا شأنه جديرٌ به أن يُحسن عمله القليل، ويترك وراءه الذكر الجميل، ويقدم بين يديه ما ينفعه في مثواه الأخير، فلن يحمل أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، ولا يدفع أحدٌ عن أحدٍ شيئًا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾ [فاطر: ٣٩]. والأموال والأولاد ملهاة ومشغلة للعبد إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفًا أعلى يليق بالمخلوق الذي كرمه الله، ونفخ فيه من روحه، فأودع في روحه الشوق إلى تحقيق كمال العبودية لربه في حدود

стр. 8911

طاقته البشرية كالأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والله حكيمٌ عليم منح الإنسان الأموال والأولاد؛ ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله، والاتصال بربه الذي تلقى منه ما هو به إنسان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]. ومن يغفل عن الاتصال بالله ، ويلهه ذلك عن ذكر الله، فهو الخاسر حقًا، وأول ما يخسره هو هذه السمة، سمة الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه في الأرض، فهي موقوفةٌ على الاتصال بالله الذي خلقه، الذي صار به الإنسان إنسانًا، ومن خسر نفسه فقد خسر كل شيءٍ، مهما يملك من مالٍ ومن أولادٍ: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥] وقد بين الله أن وظيفة الإنسان في الأرض هي الخلافة، لكنها خلافةٌ مقيدةٌ محددةٌ بالتلقي عن الله وطاعته، وإخلاص العبادة له، كما بشر الله تعالى نبيه داود ﷺ بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. فبشر الله داود بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]. وأمره بقول: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].

стр. 8912

ونهاه بقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وأنذره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. ثم هي خلافةُ مسئولة، كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]. والمسئولية تشمل الصغير والكبير كما قال النبي ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفقٌ عليه (١).

стр. 8913

٢ - الخزانة الثانية • فقه الخلافة: ما أعظم عناية الله بهذا الإنسان!، وما أحسن احتفاءه به، وما أعظم إكرامه له، وإحسانه إليه، وتشريفه على ما سواه!. فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وعلمه البيان، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وهي نعم لا تُعد ولا تُحصى، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وفضله على كثير من خلقه، وأسكنه الأرض: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. لم يخلق الله الإنسان عبثًا وسُدى، لا أمر ولا نهي، يعيش كيف شاء، ويفعل كل ما يشاء، كلا بل عليه واجبات، وله حقوق، وأمامه حساب

стр. 8914

وعقاب وثواب: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥] فما هي واجبات هذا الإنسان، وما هي وظيفته، وما المطلوب منه؟. لقد خلق الله الإنسان لعبادته وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وخلق الله الإنسان ليكون خليفة في الأرض، ينفذ أوامر الله حسب مرضاته كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقد جمع الله بين الغايتين الاستخلاف، والعبادة في قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. وشأن الخلفاء أن يعمروا الأرض، لا أن يخربوها، وأن يصلحوها لا أن يفسدوها، وأن يجعلوها وسيلة للبناء وفعل الخير، لا سببًا للفساد والبغي كما قال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].

стр. 8915

وخلق الله الإنسان؛ ليكون داعيًا إلى الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وخلقه ليكون معلمًا للبشرية أوامر ربها، وبيان ما يحبه الله ويرضاه، وبيان ما يكرهه ويسخطه كما قال سبحانه: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وخلق الإنسان ليكون صالحًا ومصلحًا لغيره كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وخلقه سبحانه ليكون ملكًا يتحلى بأحسن الصفات، وأحسن الأقوال، وأحسن الأعمال، ويؤدي أعظم الوظائف، وأعطاه أحسن المناصب في الدنيا، وأفضل المنازل في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٣]. ولا بد لهؤلاء الخلفاء في الأرض من خليفةٍ يحكم بينهم، ويسعى في مصالح دينهم ودنياهم، ويرعى شئونهم، ويقضي حوائجهم.

стр. 8916

وللخليفة على الأمة حقوق، وللأمة على الخليفة حقوق، ولو أن الأمة إذا ابتليت من السلطان بشيء صبروا واستقاموا ودعوا الله ونصحوا لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فتحصل الفرقة والفتنة، وتُسفك الدماء، ويأكل بعضهم بعضًا. فبالإيمان والصبر والتقوى تنزل نصرة الله، ويحصل للمستضعفين والمظلومين التمكين في الأرض، وتدمير أعدائهم كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ [الأعراف: ١٣٧]. • فشأن الخلفاء الراشدين أربعة أمور: إقامة الحق .. والعمل به .. والدعوة إليه .. والدفاع عنه. أما من كان غاية مطلوبه غير الله وعبوديته من المشركين، وأهل الشهوات، وأصحاب الرياسات، الذين لا غاية لهم وراءها، بل غايتهم إقامة رياستهم، وتحقيق شهواتهم بأي طريقٍ كان، من حقٍ أو باطل، أو عدلٍ أو ظلم، أو رحمةٍ أو قسوة، فهؤلاء إذا جاء الحق معارضًا في طريق شهواتهم ورياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم، وحاربوه بأموالهم وألسنتهم، وذبحوه بأيديهم، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق، وحادوا عنه إلى طريق أخرى، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ [الصف: ٨]. فإذا لم يجدوا منه بُدًا أعطوه السكة والخطبة، وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ.

стр. 8917

وإن جاء الحق ناصرًا لهم، وكان في مصلحتهم، صالوا به وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنه حق، بل لموافقته أغراضهم وأهواءهم، وانتصارهم به. فما أظلم هؤلاء، وما أجهلهم بربهم ودينه وشرعه، وما أولئك بالمؤمنين: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٤٨ - ٥١]. وهؤلاء هم أعظم الناس ندامةً وتحسرًا إذا حق الحق، وبطل الباطل، ويظهر هذا في الدنيا، ثم يقوى عند رحيلهم منها، والقدوم على الله، ثم يشتد ظهوره وتحققه في البرزخ، وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء إذا فاز المتقون، وخسر المبطلون، وعلموا أنهم كانوا كاذبين. فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حشروا في صور الذر، يطأهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرًا وتصغيرًا، كما صغروا أمر الله، وحقروا عباده في الدنيا: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣] وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢]. وقال النبي ﷺ : «يُّحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ

стр. 8918

تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَال». أخرجه أحمد والترمذي بسندٍ حسن (١). الإمامة في الدين من الرتب العالية، بل هي أعلى مرتبة يُعطاها العبد في الدنيا؛ ولذلك كان جزاؤه عليها الغرف العالية في الجنة، كما قال سبحانه عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾ [الفرقان: ٧٤ - ٧٥]. فالناصح لله، المعظم له، المحب له، يحب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن تكون كلمته هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره، مجتنبين نواهيه، مسلمين له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. فهو يحب الإمامة في الدين، بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يُقتدى به، يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين الذين جعلهم الله أئمة في الدين؛ لصبرهم وكمال يقينهم كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]. ويجب على ولي الأمر أن يتحلى بمكارم الأخلاق، فيعامل الخلق بحُسن الخلق، ويتقي شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ويتقي شر الشياطين بالاستعاذة منهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ

стр. 8919

لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولولي الأمر مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حق عليهم يلزمهم القيام به، ومن أمر يأمرهم به، ولا بد من تفريطٍ وعدوان يقع منهم في حقه. فأُمر أن يأخذ من الحق الذي له عليهم ما سمحت به نفوسهم، وسهُل عليهم بذله، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضررٌ ولا مشقة. وأُمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة، وتُقر بحسنه ونفعه من أمور الدين والدنيا. وأمر أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه دون أن يقابله بمثله، فبذلك يكتفى شرهم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. والشياطين على نوعين: ١ - نوع يُرى عياناً، وهو شيطان الإنس. ٢ - ونوع لا يُرى، وهو شيطان الجن. ولهذا أمر الله نبيه ﷺ أن يكتفى من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، وأن يكتفى من شر شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].

стр. 8920

والله سبحانه يهب الإمامة لمن يستحقها بالإيمان والعمل الصالح، وليست وراثة أصلاب وأنساب، ودعوى القرابة، والدم، والجنس، والقوم، إن هي إلا دعوى الجاهلية إذا كانت عارية من الإيمان الذي يحقق الأمن والعدالة والرحمة في جميع الأمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وكل ظالم سواء ظلم نفسه بالشرك، أو ظلم الناس بالبغي، فهو ممنوع من الإمامة، والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة: إمامة الرسالة، وإمامة الخلافة، وإمامة الصلاة، وإمامة الاقتداء، وإمامة الدعوة والتوجيه، وإمامة العلم والعمل، وأمامة الأخلاق والآداب. وقد أبعد الله اليهود ونحاهم عن القيادة والإمامة لما ظلموا وفسقوا، وانحرفوا عن منهج الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]. فلما نبذوا شريعة الله وأقصوها عن الحياة، أقصاهم الله وطردهم ولعنهم، وأبعدهم عن الإمامة والقيادة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]. والمُلك يُطغي ويُبطر من لا يقدرون نعمة الله، ولا يدركون مصدر الإنعام، ومن ثم يضعون الكفر موضع الشكر، ويضلون عن السبب الذي كان ينبغي

стр. 8921

أن يكونوا به مهتدين كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨] فكان ينبغي لهذا الملك أن يعترف بالله، ويشكر نعمة الله، ويؤمن بربه الذي جعل في يده السلطان، ولكنه ركب هواه، وتعنت وأنكر وطغى بسبب أن آتاه الله الملك، فبسبب النعمة والعطاء جاء الجدل والمراء، وادعى العبد لنفسه ما هو من اختصاص الرب. والله أكرم هذه الأمة بهذا الدين العظيم، ورفع حياة الجاهلية البهيمية إلى الحياة الإنسانية الكريمة، ونقلها من مواطن الذل والهوان إلى مدارج العز والعلياء: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. هذا التكريم جاءهم هدية ومنَّة من لدن ربهم الكريم، والذي هم أفاضوه على البشرية بعد ذلك: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. الله هو الذي أكرم أهل الجاهلية، وهداهم إلى الإسلام، ونقلهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الجهل إلى العلم، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الظلم والعدوان إلى العدل والإحسان: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 8922

وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. والله وحده، والإسلام وحده، هو الذي جعل للعرب رسالةً قيمة يقدمونها للعالم، وهم الذين علموا البشرية كيف تحترم الإنسان، وهم الذين قدموا لها نظامًا للحياة الإنسانية الراقية، فلا قيمة للعرب إلا بالإسلام الذي يتزينون به، ويُجملون الناس به: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨]. وفلاحهم في الدنيا والآخرة منوط به: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وكان هذا الإسلام الذي أكرمهم الله به بشعائره وشرائعه، وآدابه وأخلاقه، هو البطاقة الشخصية التي تقدم بها العرب للعالم، فعرفهم واحترمهم، وسلمهم القيادة والإمامة، وهم اليوم وغدًا لا يحملون إلا هذه البطاقة، ليست لهم رسالةً غيرها يتعرفون بها على العالم البشري. وهم إما أن يحملوها كما استلموها بجلالها وجمالها، فتعرفهم البشرية وتكرمهم، وإما أن ينبذوها فيعودوا هملًا كما كانوا من قبل لا يعرفهم أحد، ولا يعترف بهم أحد، ولا يقدرهم أحد: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 8923

٣ - الخزانة الثالثة • فقه الخلافة: إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة، والمسلمون أكبر أمة تحمل أكبر رسالة، وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة، وهي التي تقدم أكبر منهج، وهي التي تنفرد في الأرض بأرفع مذهبٍ في الحياة وأحسنه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقد سعدت البشرية أيما سعادة حين قبلت هذه الرسالة في عهد النبوة، وعهد الخلفاء الراشدين، وعهد التابعين لهم بإحسان. فما بال أكثر المسلمين اليوم لا يحسنون عرض الرسالة لا بالقول ولا بالفعل، ولا يرغبون في ذلك، ولعلهم زهدوا فيها، فذلوا وهانوا على الله، وعلى خلقه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. ومقصود جميع الولايات في الإسلام أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يُحكم بشرع الله في كل أمرٍ وحالة، في كل زمانٍ ومكان.

стр. 8924

ويحصل ذلك بطاعة الله ورسوله، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واستعمال أهل الخير والصدق والعدل في جميع الولايات، والحكم بما أنزل الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وجميع الولايات الكبرى والصغرى في الإسلام هي ولاياتٌ شرعية، ومناصب دينية، لها أوامر من رب العالمين كالعبادات، من عمل فيها بعلمٍ وعدل، مخلصًا عمله لله، مقتديًا فيه برسول الله ﷺ ، فهو من الأبرار الصالحين. ومن عمل فيها بجهلٍ وظلم، متبعًا لهواه، ومعرِضًا عن مولاه، فهو من الفجار الظالمين. فالأول مأجور، والثاني مأزور كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. ويجب على كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين أن يستعمل في كل موضع أصلح من يقدر عليه من أهل التقى والقوة والأمانة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]. واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، والواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فيقدم في إمارة الجيش الرجل المسلم القوي الشجاع، وإن كان فيه فجورٌ على الرجل العاجز الضعيف، وإن كان أمينًا.

стр. 8925

والخليفة أو الإمام أو المسئول أيًا كان إذا كان خُلقه يميل إلى اللين مثلًا، فينبغي أن يكون خُلق نائبه يميل إلى الشدة؛ ليعتدل الأمر. وإذا كانت الحاجة إلى الأمانة أشد، قُدم الأمين لحفظ الأموال، ويقدم في القضاء الأعلم الأكفأ ذو الورع وهكذا. ومعرفة الأصلح تتم بمعرفة مقصود الولاية، ووسيلة ذلك، فالوالي الذي قصده الدين دون الدنيا، يُقدم في ولايته من يعينه على ذلك، حتى يقوم الدين. ويصلح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: ١ - قسم المال بين مستحقيه. ٢ - وعقوبة المعتدين. وليس لولاة الأمر أن يقسموا الأموال بحسب أهوائهم كما يقسم المالك، فإنما هم أمناء الرسول ﷺ ونوابه ووكلاؤه، ليسوا مُلاكًا، بل عليهم أن يضعوها ويقسموها حسب أمر الله ورسوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. • أعظم ما يستعين به ولاة الأمور في قضاء حوائجهم عدة أمور أهمها: الإخلاص لله، والتوكل عليه، والتوجه إليه في قضاء الحوائج، والإحسان إلى الخلق بالمال كالهدية والصدقة، وإغاثة الملهوف، والصبر على الأذى، وغيره من النوائب، والعفو عن الناس، وكظم الغيظ، ومخالفة الهوى، وترك الأشر والبطر: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].

стр. 8926

وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. الناس في هذه الحياة أربعة أقسام: الأول: الذين يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض، وهؤلاء الرؤساء والملوك المفسدون في الأرض كفرعون وحزبه، فهؤلاء شرار الخلق كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. الثاني: الذين يريدون الفساد في الأرض بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس. الثالث: الذين يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دينٌ أو مالٌ أو جاه يريدون أن يعلو به على الناس. الرابع: الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، وهؤلاء هم خيار الخلق، وهم أهل الجنة، أعلى الله منزلتهم كما أعلوا أوامر الله ودينه في حياتهم، وأذل غيرهم ممن يريدون العلو والفساد كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]. وكل خليفة أو إمام أو أمير أو مسئول فهو مسئول أمام الله عن أقواله وأفعاله، ومُحاسبٌ على تصرفاته: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]

стр. 8927

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]. فكل من أخذ ما لا يستحقه شرعًا من الولاة والرؤساء، والأمراء والعمال، والعامة والخاصة، فهو غال، والغلول من المحرمات والكبائر التي حرمها الله ورسوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ [آل عمران: ١٦١]. ويجب على الخلفاء والأمراء من كانوا وحيث كانوا، لزوم سنة الرسول ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين، في جميع أعمالهم وأمورهم، والتمسك بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وعليهم الاقتداء بأبي بكرٍ وعمر ﵄ خاصة فيما فعلاه، ولزوم السُنَّة التي سار عليها الخلفاء الأربعة كلهم أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين، وذلك أن أبا بكر وعمر ﵄ ساسا الأمة بالرغبة والرهبة، وسلما من التأويل في الدماء والأموال. وعثمان ﵁ غَلب الرغبة، وتأول في الأموال، وعليٌ ﵁ غَلب الرهبة، وتأول في الدماء. وأبو بكر وعمر ﵄ كمل زهدهما في الرياسة والأموال، وعثمان كمل زهده في الرياسة، وعلي كمل زهده في الأموال. ومعاوية ﵁ أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، وكان ملكه ملكًا ورحمة كما

стр. 8928

قال النبي ﷺ : «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١). والمسلم في جميع أحواله يسلم وجهه لله، لا لقومه ولا لهواه، ولا لماله، ولا لشهواته، ويقتدي برسوله ﷺ في جميع أحواله، فالذي يسلم نفسه لربه يكون في راحة وطمأنينة كما قال الله لإبراهيم، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٢]. فلما أمره الله بذبح ابنه إسماعيل سلم وامتثل، فجاءت له حينذاك نصرة الله، فأحيا الله إسماعيل، وفداه بذبحٍ عظيم، وأخرج من نسله سيد الأنبياء والمرسلين محمدٌ ﷺ . وليست الخلافة كلها محمودة، بل الخلافة الراشدة ما كانت على منهاج النبوة، وليست الخلافة فقط امتثال أوامر الله في منطقةٍ معينة، بل الخلافة مع ذلك أن يأمر الله الكائنات كلها أن تطيع من أطاعه، فيقول لها: عبدي كان لي فكوني له، عبدي أطاعني فأطيعوه، فتطيعه المياه والبحار، والجبال والرياح، والإنسان والحيوان، هذه هي الخلافة كما حصل للأنبياء والصحابة وسادة المتقين. وهذه الخلافة لا يُسلمها الله لأي أحد، بل يسلمها للذي يُسلم نفسه لله تعالى، فمن سلم نفسه لله حقًا سلم له ما شاء من الكائنات، فالله لا يسلم كائناته لغير المسلم، لكنه لا يحرمه الرزق بسبب كفره، بل يرزقه ما كتب له، ثم يحاسبه عليه يوم القيامة، فكل شيء بقدر، فلا عبث ولا ظلم ولا

стр. 8929

حسد: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. والحاكم المسلم هو الذي يؤمن بالله، ويحكم بين الناس بما أنزل الله، وبما شرعه رسول الله ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. ومن لم يحكم بما أنزل الله فتارةً يكون كافرًا، وتارةً يكون ظالمًا، وتارةً يكون فاسقًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال سبحانه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. والكافر ظالم؛ لأنه جحد حق الله، وهو فاسق؛ لأنه خرج عن طاعة الله، فيكون كافرًا إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، أو اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله، أو اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. ويكون الحاكم ظالمًا إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للبلاد والعباد، وأن الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض أو الحسد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله، فهذا ظالمٌ لنفسه وغيره: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 8930

ويكون الحاكم فاسقًا إذا حكم لهوى في نفسه كأن يحكم لشخص؛ لأنه أعطاه رشوة، أو لكونه قريبًا أو صديقًا ونحو ذلك، مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل، والواجب اتباعه، فهذا فاسق: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. وقد جعل الله سبحانه ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صورة ملوكهم وولاتهم. فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم ملوكهم، وإن جاروا جارت عليهم ملوكهم، وإن ظهرت فيهم صفات المكر والخديعة والاحتيال فولاتهم كذلك. وإن منعوا حقوق الله لديهم من زكاةٍ وصدقات وبخلوا بها، منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق، وبخلوا به عليهم. وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه أخذت منهم ملوكهم ما لا يستحقونه، وضربت عليهم المكوس والضرائب. وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم ظهرت في صورة أعمالهم. وليس في الحكمة الإلهية أن يولي على الأشرار الفجار إلا من يكونوا من جنسهم، فحيثما تكونوا يولى عليكم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢]. ولما كان الصدر الأول من هذه الأمة خير القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة. وحكمة الله ﷻ تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فضلًا عن أبي بكرٍ وعمر، بل ولاتنا على قدرنا،
следующие страницы →