← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

ومن أثنى على نفسه افتخارًا به على من دونه؛ ليتكثر به عند الناس ويتعظم، فهذا يجازيه الله بمقت الناس له، وصغره في عيونهم، والأول يكبره في عيونهم وقلوبهم، وإنما الأعمال بالنيات. قال النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفقٌ عليه (١). ولا صلاح للكائنات والمخلوقات إلا بأن تكون حركاتها وفق أمر فاطرها وخالقها وحده لا شريك له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. فلو كان للعالم إلهان، لفسد نظامه غاية الفساد، فإن كل إله يطلب مغالبة الآخر، والعلو عليه وقهره، وفي ذلك فساد أمر السموات والأرض ومن فيهما، كما قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣]. وأصل فساد العالم إنما هو من فساد اختلاف الملوك والخلفاء، وبغي بعضهم على بعض. ولهذا لم يطمع أعداء الإسلام في المسلمين في زمن من الأزمنة إلا في زمن تعدد الملوك من المسلمين، واختلافهم، وانفراد كل واحد منهم ببلاد،

стр. 8962

وطلب بعضهم العلو على بعض، وانتظام حركة الحياة لا تتم إلا إذا كان الآمر واحدًا. فصلاح أمر السموات والأرض واستقامتهما، وانتظام أمر المخلوقات على أتم نظامٍ وأحسنه من أظهر الأدلة على أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه باطل، وأنه وحده الغني عن كل ما سواه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]. اللهم وفق جميع المسلمين لما تحبه وترضاه، وأصلح حكامهم ورعاياهم، واهد ضالهم، واستعمل الجميع في طاعتك، وحسن عبادتك، ونشر دينك، يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 8963

٧ - الخزانة السابعة ٥ - طرق انعقاد الخلافة • طرق انعقاد الخلافة: تثبت ولاية إمام المسلمين بواحد مما يلي: أولاً: أن يُختار الإمام بإجماع المسلمين، ويتم نصبه بمبايعة أهل الحِلِّ والعَقد من العلماء والصالحين، ووجوه الناس وأعيانهم. ثانيًا: أن تكون ولايته بنص الإمام الذي قبله. ثالثًا: أن يحصل الأمر شورى في عدد معين محصور من الأتقياء، ثم يتفقون على أحدهم. رابعًا: أن يتولى على الناس قهرًا بقوته حتى يذعنوا له، ويَدْعوه إمامًا، فيلزم الرعية طاعته في غير معصية الله قال الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. • طرق تولية الخلفاء الراشدين: تولى الخلفاء الراشدون الخلافة بطريقتين: الأولى: الاختيار. والذي يقوم بالاختيار هم أهل الحِلِّ والعَقد، وهذه الطريقة تمت بها تولية أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، ﵄، وهذه هي الطريقة الأصل لاختيار الإمام في الإسلام.

стр. 8964

الثانية: الاستخلاف: فإذا أحس الخليفة بقرب أجله، وأراد أن يستخلف على الناس، شاور أهل الحِلِّ والعَقد، فإذا وقع رأيه على من يصلح لهذا المنصب، عهد إليه بالخلافة من بعده، سواء كان واحدًا بعينه كما استخلف أبو بكر عمر ﵄ بمشاورة كبار المهاجرين والأنصار، أو كان واحدًا من مجموعة محصورة متكافئة كما عَهِد عمر إلى الستة المبشرين بالجنة أن يختاروا أحدهم، وهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، وقد اختاروا بعد المشاورة عثمان ﵁. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ فِي مَرَضِهِ: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ، أَبَاكِ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَاباً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ». متفق عليه (١). وَعَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بتَقْوَى الله وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (٢).

стр. 8965

وَعَنْ حُذيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اقْتَدُوا باللَّذيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (١). • فضائل الخلفاء الراشدين: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ هُوَ المُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذاً خَلِيلاً لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلاَّ خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ». متفق عليه (٢). وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ». متفق عليه (٣). وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنُخَيِّرُ أبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁». أخرجه البخاري (٤).

стр. 8966

وَعَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ، فَقَالَ: أنَا أتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللهُ فِي صَبَاحِهَا، قالَ رَسُولُ الله ﷺ : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ -أوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ- غَدًا رَجُلاً يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أوْ قالَ: يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ، فَقالوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأعْطَاهُ رَسُولُ الله ﷺ الرَّايَةَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ». متفق عليه (١).

стр. 8967

٦ - البيعة • صفة البيعة: البيعة: هي إعطاء العهد من المبايع للخليفة على السمع والطاعة في غير معصية الله، والخلافة يكون بأحد أمرين: أحدهما: الاختيار. الثاني: أو الاستخلاف لمن بعده. وكل منهما لا بد فيه من البيعة من قِبَل أهل الحل والعقد، ثم من قِبَل عموم المسلمين الذين يتيسر حضورهم. وصفة البيعة: التي بايع النبي ﷺ أصحابه عليها تشمل خمسة أنوار: الأول: البيعة على الإسلام: وهي آكد أنواع البيعة وأوجبها وأعظمها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢]. وَعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». متفق عليه (١).

стр. 8968

الثاني: البيعة على النصرة والمنعة: كما بايع وفد الأنصار رسول الله ﷺ على أن يمنعوه وينصروه وهي بيعة العقبة الثانية في منى. الثالثة: البيعة على الجهاد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩]. الرابعة: البيعة على الهجرة: وكانت فرض عين على من أسلم ثم انتهت بعد فتح مكة، والمراد بالهجرة، الهجرة من مكة إلى المدينة، وهذه قد انقطعت، أما الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فهي باقية إلى قيام الساعة. عَنْ مُجَاشِع بن مَسْعُودٍ السّلَمِيّ ﵁ قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله بَايِعْهُ عَلَى الهِجْرَةِ، قَالَ: قَدْ مَضَتِ الهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا». قُلتُ: فَبِأَيّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: «عَلَى الإِسْلَامِ وَالجِهَادِ وَالخَيْرِ». متفق عليه (١).

стр. 8969

الخامسة: البيعة على السمع والطاعة: وهذه هي التي تعطى للأئمة عند تعيينهم خلفاء للمسلمين، وهي المقصودة في هذا الباب. عَنْ عُبَادَةَ ﵁ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقّ أَيْنَمَا كُنّا، لَا نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ». متفق عليه (١). وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ الله ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ». متفق عليه (٢). • أسباب البيعة: الأحوال التي تؤخذ فيها البيعة هي: الأول: موت الخليفة، فتؤخذ للخليفة من بعده. الثاني: خلع الخليفة بسبب، فتُبايع الأمة بعده إمامًا يقوم بأمورها. الثالث: بيعة الخليفة المعهود إليه بعد وفاة العاهد. الرابع: أخذ الخليفة البيعة على الناس لمن يكون خليفة بعده. الخامس: إذا خرجت ناحية من البلاد عن الطاعة، فيوجه إليهم نائبه أن يأخذ له البيعة عليهم لينقادوا لأمره.

стр. 8970

• أقسام البيعة: البيعة للخليفة قسمان: الأولى: بيعة الانعقاد: وهي التي يقوم بها أهل الحل والعقد، وبموجبها يكون الشخص المبايع له خليفة للمسلمين، ويكون له حق الطاعة والانقياد كما فعل كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر ﵁ بالخلافة. الثانية: البيعة العامة: وهي البيعة التي يؤديها من تيسر من المسلمين بعد بيعة الانعقاد، كما بايع الصحابة أبا بكر ﵁ في المسجد بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من قبل في سقيفة بني ساعدة، ومثل بيعة أبي بكر بقية الخلفاء الراشدين، ثم من بعدهم من الأئمة المسلمين. • شروط صحة البيعة: يشترط لصحة البيعة ما يلي: أولًا: أن يكون متولي عقد البيعة أهل الحل والعقد. ثانياً: أن تتحقق شروط الإمامة فيمن تؤخذ له البيعة. ثالثاً: أن يقبل المبايع له البيعة، فلو امتنع لامتنع عقد إمامته. رابعًا: أن تكون البيعة لواحد بعينه، فلا تنعقد البيعة لأكثر من واحد. خامسًا: أن تكون البيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالعمل بموجبهما وحمل الناس عليهما. سادسًا: حرية المبايعة، فيبايع كل إنسان باختياره ولا يكره أحد عليها. هذه هي أهم شروط صحة البيعة، فإذا تمت فالبيعة صحيحة، وإن اختل منها شيء لم تنعقد البيعة.

стр. 8971

• من يأخذ البيعة؟. الذي يأخذ البيعة من المسلمين هو الخليفة بنفسه، والأقاليم البعيدة له أن يأخذها منهم بنفسه أو ينيب عنه من ولاته من يقوم بها نيابة عنه. • صور البيعة: للبيعة في عهد النبي ﷺ عدة صور منها: أولًا: المصافحة والكلام، كما فعل ذلك النبي ﷺ في بيعة الرضوان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]. ثانيًا: الكلام بدون مصافحة، وهذا عادته ﷺ في مبايعات النساء، لأنه لا يجوز للمسلم مس يد المرأة الأجنبية. عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال عُرْوَةُ: قالتْ عَائِشَةُ: «فَمَنْ أقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ، قال لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : «قَدْ بَايَعْتُكِ» .. كَلامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلا بِقَوْلِهِ». متفق عليه (١). ثالثًا: الكتابة كما بايع النجاشي النبي ﷺ على الإسلام.

стр. 8972

• حكم من بايع الخليفة من أجل الدنيا: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهمُ اللهُ يومَ القيامةِ ولا يُزكِّيهمْ ولهمْ عذابٌ أليمٌ: رجُلٌ على فضْلِ ماءٍ بالطريق يَمنعُ مِنِه ابْنِ السبيلِ. ورجلٌ بايَعَ إمامًا لا يُبايِعُهُ إلا لِدنْيا، فإنْ أعطاهُ مِنْها ما يريد وفَى به، وإلا لمْ يَفِ له، ورجلٌ يبايَعَ رجلًا بِسلعةٍ بعدَ العصْرِ فيحَلَفَ باللهِ لقد أعطي بها كذا وكذا فصدَّقَهُ فأخذها ولم يُعطى بها». متفق عليه (١). • كيف يبايع الناس الإمام: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت ﵁ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقّ أَيْنَمَا كُنّا، لَا نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لَائِمٍ». متفق عليه (٢). وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي: «فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ». متفق عليه (٣). • حكم نكث البيعة: يجب الوفاء بالعهود والعقود، سواء كانت بين المسلمين، أو بين المسلمين والكفار، أو بين الأفراد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].

стр. 8973

والبيعة بجميع أنواعها داخلة في هذه العقود والعهود، البيعة على الإسلام إذا نكتها المبايع يكون كافرًا مرتدًا عن الإسلام، والبيعة على الإسلام خاصة بالنبي ﷺ ، ولم يبايع ﷺ جميع المسلمين على الإسلام، فإن منهم من أسلم ولم يره، وكثير منهم أسلم ولم يضع يده في يده ﷺ . ثانيًا: البيعة على الهجرة، والهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة. ثالثًا: نكث البيعة على النصرة والجهاد والسمع والطاعة دون مبرر شرعي فهذا مرتكب لكبيرة من الكبائر، وأشدها نكث البيعة على السمع والطاعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]. وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ، فَليَصْبِرْ، فَإنّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ، فَمِيتَةٌ جَاهِلِيّةٌ». متفق عليه (١). وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ الله البَجَلِيّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِىَ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». أخرجه مسلم (٢).

стр. 8974

٨ - الخزانة الثامنة ٧ - واجبات الخليفة الخلافة عبادة من أعظم العبادات، لما يتحقق من خلالها من المصالح العظمى للنفس والغير. وللقيام بها على الوجه الأكمل يجب على الخليفة من الواجبات ما يلي: الأول: إقامة الدين: وذلك بحفظه، والعمل به، والدعوة إليه، ودفع الشبه عنه، وتنفيذ أحكامه وحدوده، والحكم بين الناس بما أنزل الله، والجهاد في سبيل الله. قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].

стр. 8975

الثاني: اختيار الأكفأ للمناصب والولايات. قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]. وَعَنْ مَعْقِل بن يَسَارٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ أمِيرٍ يَلِي أمْرَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلا لَمْ يَدْخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ». متفق عليه (١). الثالث: محاسبة الإمام عماله على ما يقولون ويعملون. عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلا مِنَ الأَزْدِ، يُقال لَهُ ابْنُ اللتْبِيَّةِ، عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أهْدِيَ لِي. قالَ: فَهَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أبِيهِ أوْ بَيْتِ أمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْخُذُ أحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، ثلاثًا». متفق عليه (٢). الرابع: تفقد أحوال الرعية، وتدبير أمورها بما يحقق المصلحة. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «أَلَا كُلّكُمْ رَاعٍ، وَكُلّكُمْ مسئول عَنْ رَعِيّتِهِ، فَالأَمِيرُ الّذِي عَلَى النّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مسئول عَنْ رَعِيّتِهِ، وَالرّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مسئول عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى

стр. 8976

بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مسئولة عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيّدِهِ، وَهُوَ مسئول عَنْهُ، أَلَا فَكُلّكُمْ رَاعٍ، وَكُلّكُمْ مسئول عَنْ رَعِيّتِهِ». متفق عليه (١). الخامس: الرفق بالرعية، والنصح لهم، وعدم تتبع عوراتهم. عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ .. قُلنَا: لِمَنْ؟ قال: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٢). وَعَنْ مَعْقِل بن يَسَارٍ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ أمِيرٍ يَلِي أمْرَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلا لَمْ يَدْخُل مَعَهُمُ الجَنَّةَ». متفق عليه (٣). السادس: مشاورة أهل الشورى في الأمور والحوادث. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. السابع: رعاية مصالح الأمة الداخلية والخارجية. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 8977

وعن عائشة ﵂ قالت: سَمِعْتُ الرَسُولِ ﷺ يَقُولُ فِى بَيْتِى هَذَا: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ». أخرجه مسلم (١). الثامن: أن يكون الخليفة قدوة حسنة لرعيته في دينه وخلقه. قال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٣ - ٢٤]. التاسع: حسن الظن بالمسلمين قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢]. وَعَنْ مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنِ تتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ». أخرجه أبو داوود (٢).

стр. 8978

العاشر: اختيار البطانة الصالحة قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما بعَث اللهُ مِنْ نبيٍّ، ولا استَخلَف من خليفةٍ، إلَّا كانتْ له بِطانتان: بِطانةٌ تأمرُه بالمعروفِ وتَحضُّه عليه، وبِطانةٌ تأمرُه بالشرِّ وتحضُّه عليه، فالمعصومُ مَنْ عصَم اللهُ تعالى». أخرجه البخاري (١). الحادي عشر: استيفاء الحقوق المالية لبيت المال، وصرفها في مصارفها الشرعية. مثل الزكاة، والجزية، والخراج، والفي، والغنائم ونحوها من الموارد كالبترول والمعادن ونحوها: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].

стр. 8979

الثاني عشر: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. الثالث عشر: عدم موالاة الكفار قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٤٠].

стр. 8980

٨ - واجبات الأمة. يجب على الأمة نحو إمام المسلمين الوظائف الآتية: الأولى: طاعة ولي الأمر في غير معصية الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وَعَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قالَ: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ». متفق عليه (١). الثانية: عدم نزع طاعة إمام المسلمين، فلا يُطاع في المعصية، ولا تُنزع طاعته في غيرها. عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ جَيْشاً وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، فَأَوْقَدَ نَاراً، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ الآخرونَ: إنّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ، لِلّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَوْلاً حَسَناً، وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ الله، إنّمَا الطّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». متفق عليه (٢). الثالثة: المناصحة لولي الأمر. عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمَنْ قال: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٣).

стр. 8981

الرابعة: نصرته ومؤازرته في الحق: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] الخامسة: عدم الغش والخيانة لولاة الأمر وغيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (١). السادسة: لزوم الصبر على جور الولاة واستئثارهم. عَنْ أسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ﵁ أنَّ رَجُلا مِنَ الأنْصَار خَلَا برَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: «ألا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلتَ فُلانًا؟ فَقَالَ: سَتَلقَوْنَ بَعْدِي أثرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ». متفق عليه (٢). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه. (٣) السابعة: طاعة الأمراء في غير معصية الله، وإن منعوا الحقوق. سَألَ سَلَمَة بن يَزِيد الجُعْفِيّ ﵁ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: يَا نَبِيّ الله أَرَأَيْتَ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمّ سَأَلَهُ فِي الثّانِيَةِ أَوْ فِي الثّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ

стр. 8982

قَيْسٍ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلتُمْ». أخرجه مسلم (١). الثامنة: لزوم جماعة المسلمين وإمامهم عند ظهور الفتن، وفي كل حال: عَنْ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ ﵁ قالَ: كَانَ النّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشّرّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله إنّا كُنّا فِي جَاهِلِيّةٍ وَشَرِّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ شَرّ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقُلتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشّرّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنّونَ بِغَيْرِ سُنّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله صِفْهُمْ لَنَا، فقَالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلدَتِنَا، وَيَتَكَلّمُونَ بِأَلسِنَتِنَا قُلتُ: يَا رَسُولَ الله فَمَا تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ». فَقُلتُ: فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِل تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». أخرجه البخاري (٢). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النّبِيّ ﷺ أَنّهُ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً الجَاهِلِيّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عَمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيّةً، وَمَنْ

стр. 8983

خَرَجَ عَلَى أُمّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنّي وَلَسْتُ مِنْهُ». أخرجه مسلم (١). وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةُ الجَاهِلِيَّةٌ». متفق عليه. (٢) التاسعة: الإنكار بالحكمة على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]. وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وعَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا صَلّوْا». أخرجه مسلم (٣).

стр. 8984

العاشرة: عدم الغش والخيانة للخلفاء ولغيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧] وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (١). وَعَنْ زَيْد بن ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلبُ مُسْلِمٍ أَبَدًا: إِخْلَاصُ العَمَلِ لله، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ». أخرجه أحمد وابن حبان بسند صحيح (٢). الحادي عشر: عدم الخروج على الخلفاء والأئمة، وعدم كشف عوراتهم أمام الناس، بل يناصحهم سرًا ولا يجوز التشهير بهم على المنابر والصحف ونحوها، وذلك لما في ذلك من الفتنة العظيمة وتمزيق وحدة الأمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. وَعَنْ عَرْفَجَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ، عَلَىَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (٣).

стр. 8985

الثاني عشر: البقاء في الحكم مدة صلاحيته للإمامة حتى ينتهي أجله، أو يفقد قدرته وطاقته، ليأمن الناس الملق والنفاق، كما بقي رسول الله ﷺ إلى أن مات، وبقي خلفاؤه الراشدون في الخلافة إلى أن ماتوا ﵃ أجمعين: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وغير ذلك من الواجبات التي تجب على الأمة نحو الخليفة. • أولوا الأمر: أولوا الأمر هم الأمراء والعلماء، فالعلماء ولاة أمورنا في بيان شريعة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]. والأمراء ولاة أمورنا في تنفيذ شريعة الله، والحكم بما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النبي ﷺ قَالَ: «خِيَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُحِبّونَهُمْ وَيُحِبّونَكُمْ، وَيُصَلّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمّتِكُمُ الّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلعَنُونَهُمْ وَيَلعَنُونَكُمْ قِيلَ: يَا رَسُولَ الله أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصّلَاةَ، وَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَداً مِنْ طَاعَةٍ». أخرجه مسلم. (١)

стр. 8986

ولا يستقيم الأمراء إلا بالعلماء، ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء، فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء ليعرفوا شريعة الله، والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء ويعظوهم ليطبقوا شريعة الله في عباد الله، وعلى الأمراء أن يطيعوهم، وعلينا طاعة الأمراء والعلماء في غير معصية الله، فالأمراء والعلماء هم روح الحياة، وهم أئمة الناس في الخير والشر، وصلاح الدنيا والآخرة بصلاح الأمراء والعلماء، وفساد الدنيا والآخرة بفساد الأمراء والعلماء. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا هداة مهتدين، ووفقنا جميعًا لما تحبه وترضاه يا كريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المرْءِ المسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفق عليه (١). • أقسام أوامر الأمراء: تنقسم أوامر ولاة الأمر إلى ثلاثة أقسام وهي: الأول: أن يأمر إمام المسلمين بما أمر الله ورسوله به، فتجب طاعته. الثاني: أن يأمر بما نهى الله ورسوله عنه، فلا طاعة له، ولكن تجب مناصحته.

стр. 8987

الثالث: أن يأمر بما لم يؤمر به شرعًا، ولم ينه عنه شرعًا، مما يحقق المصلحة، ولا يخالف الشرع؛ كنظام المرور، وأنظمة البلدية، والتجارة، والصناعة، والزراعة ونحوها، فتجب طاعته، لما في ذلك من المصالح: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. • عقوبة طاعة الخلفاء والأمراء في المعصية: إذا أطاع الناس حكامهم فيما يبتدعون لهم من البدع، أو فيما يأمرونهم به من المعاصي، خوفًا على ذهاب دنياهم ومصالحهم، أخرج الله من قلوبهم الأمن والإيمان، وأسكنها الرعب والخوف، وأورثهم الفقر، وشدة الأحوال، فإن تابوا ورجعوا إلى ربهم بدل الله أحوالهم أمنًا وإيمانًا، وطمأنينة وسعادة وغنى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ [الطلاق: ٨ - ٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].

стр. 8988

وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. • حكم هجر الإمام أهل المعاصي: الإمام مسئول عن رعيته، وله تأديبهم بما يصلحهم، وذلك يختلف باختلاف المعاصي، ويختلف باختلاف العلم والإيمان، والجهل والنسيان والإصرار. عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: «سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فِي غزوة تَبُوكَ فَذَكَرَ حَديثَه وَنَهَى رَسُولِ الله ﷺ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِنَا، فَلَبَثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمسِينَ لَيلَة وآذن رَسُول الله ﷺ بِتَوبَة اللهِ عَلينَا». متفق عليه (١). • حكم ذي الوجهين: لا يجوز لأحد من الناس أن يُثني على الحاكم في مجلسه، وإذا خرج سبه فهذا نفاق، وشر الناس ذو الوجهين. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُول: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٢).

стр. 8989

وعَن مُحمَّدِ بِنِ زَيدِ بِنِ عَبدِ اللهِ بِنِ عُمَرِ ﵄ قَالَ: قال أُنَاسٍ لابِنِ عُمَرِ: إِنَّا نَدخُل عَلىَ سُلطَانِنَا فَنَقُولُ لَهُمْ خِلافِ مَا نَتَكَلَّمَ إِذَا خَرَجنَا مِنْ عِندِهُم، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّهَا نِفَاقًا». أخرجه بالبخاري (١). • حكم اللجوء السياسي: إذا كان المسلم في بلده مهددًا بالقتل أو السجن ظلمًا، ويخاف على نفسه ودينه، فيجوز له طلب اللجوء إلى بلد إسلامي، فإن لم يجد طلب اللجوء إلى بلد غير إسلامي، بشرط أن يأمن على دينه، ولا يُعين الكفار على المسلمين، وأن ينوي الرجوع إلى بلده الإسلامي متى قدر. وقد هاجر بعض الصحابة ﵃ من مكة إلى الحبشة فرارًا من أذى قريش ودخلوا في حماية الملك الحبشي النجاشي وكان آنذاك كافرًا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ [التغابن: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 8990

• أقسام الخلفاء في الحكم: ينقسم الخلفاء في الحكم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الإمام العادل المقسط، فهذا تجب طاعته، ويحرم الخروج عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. الثاني: الحاكم الكافر والمرتد، فهذا يجب الخروج عليه، ومنابذته وعزله، لأنه لا ولاية لكافر على المسلمين. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. الثالث: الإمام الفاسق، فهذا له حالتان: الأولى: إن تعدى فسقه إلى غيره، فنشر الفساد في الأمة، ودعا إليه، فهذا يجب عزله وتولية من هو أصلح للمؤمنين منه. الثاني: إن اقتصر فسقه على نفسه، وغلب على الظن حصول الفتنة بالخروج عليه، فهذا لا يجوز الخروج عليه، دفعًا للفتنة، وإيغار الصدور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥]. • سياسة الإمام العادل: السياسة هي سلوك كل ما يصلح به الخلق في الدين والدنيا.

стр. 8991

والسياسة إما: داخلية .. وإما خارجية. فالداخلية: أن يسوس الإمام رعيته بالعدل وعدم الجور. أما السياسة الخارجية: فهي معاملة غير المسلمين. وللإمام العادل مع غير المسلمين أربعة مقامات: ١ - المعاهدون. ٢ - والمستأمنون. ٣ - والذميون. ٤ - والحربيون. أولًا: المعاهدون: وهم الذين عقد بينهم وبيننا عهد ألا يعتدوا علينا، ولا نعتدي عليهم، فهؤلاء إن استقاموا على العهد وجب علينا أن نستقيم لهم، وإن خانوا ونقضوا العهد انتقض عهدهم وصاروا حربيين. ثانيًا: المستأمنون: وهم الذين طلبوا الأمان على أنفسهم مدة معينة، فهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء عليهم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]. الثالث: الذميون: وهم كل من التزم بدفع الجزية، وهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء عليهم، وتوفى لهم حقوقهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. الرابع: الحربيون: وهم الكفار المحاربون للمسلمين، وهؤلاء يجب قتالهم حتى يكون الدين كله لله بأن يسلموا، أو يدفعوا الجزية.

стр. 8992

أما سياسة الخليفة الداخلية فيخلف رسول الله ﷺ في أربعة أمور: أولًا: العلم، فيكون عالمًا يشرع الله، فإن عجز اتخذ بطانة ذات علم في شرع الله، عالمة بأحوال العصر. ثانيًا: العبادة، بأن يكون قدوة صالحة في عمله وعبادته وأخلاقه، ليكون أسوة لغيره. ثالثًا: الدعوة، بأن يدعوا إلى الله، ويكاتب ملوك الأرض، ويدعوهم إلى الإسلام، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. رابعًا: السياسة، بأن يسوس الناس بالعدل والإحسان، والرفق والرحمة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 8993

٩ - الخزانة التاسعة ٩ - نظام الحكم في الإسلام. • مبادئ نظام الحكم في الإسلام هي: الأول: الشورى: فيشاور الإمام بطانته وأهل مشورته في القضايا الدينية والدنيوية. والشورى هي استخلاص الرأي السديد لمصلحة الدين والدنيا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] الثاني: العدل بين الناس كلهم مسلمهم وكافرهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦]. الثالث: المساواة بين الناس في الحقوق. عن عائشة ﵂ أن أسامة كلم النبي ﷺ في امرأة فقال: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الْحَدَّ عَلَى الْوَضِيعِ وَيَتْرُكُونَ

стр. 8994

الشَّرِيفَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». متفق عليه (١). الرابع: حماية كرامة الإنسان: فالله خلق الإنسان، وكرمه بأنواع الكرامات، حيث خلقة بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفته في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠] فلا يجوز إهدار كرامة أحد من الناس، ولا إباحة دمه إلا بالحق، سواء كان مسلمًا أم كافرًا؛ لأن العقاب إصلاح وزجر لا تنكيل وإهانة وإذلال. عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». متفق عليه (٢). الخامس: تحقيق الحرية الإنسانية، فالحرية ملازمة لكرامة الإنسانية، فلا إكراه في الدين. وقد رغب الإسلام في حرية الفكر والقول السديد، وحرية الرأي، والنقد: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].

стр. 8995

وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. السادس: رقابة الأمة للحاكم، ورقابة الحاكم للولاة والرعية، فالخليفة يخضع لرقابة الأمة التي ولته، فإن قادهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجبت طاعته، وإن زاغ خلع وولي غيره، والإمام راع ومسئول عن رعيته. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧] وقال النبي ﷺ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه (١). • أقسام الولايات في الإسلام: تنقسم الولايات في الإسلام إلى أربعة أقسام: الأول: أهل الولايات العامة في الأعمال العامة، وهم الوزراء الثاني: أهل الولايات العامة في الأعمال الخاصة، وهم أمراء المناطق، لأن ولايتهم عامة، لكن تخص بلدهم فقط من تلك الدولة. الثالث: أهل الولايات الخاصة في الأعمال العامة كرئيس البلدية أو رئيس جباية الصدقات، ونحو ذلك من الولايات.

стр. 8996

الرابع: أهل الولايات الخاصة في الأعمال الخاصة كقاضي بلد، أو جابي صدقة ونحوهما. • وظائف الولاة: تنقسم وظائف الولاة إلى قسمين: ١ - الوزارة. ٢ - وإمارة الأقاليم. وتنقسم الوزارة إلى قسمين: الأول وزارة تفويض؛ وهي من يفوض الإمام إليه تدبير الأمور برأيه وهي تشبه رئاسة الوزارة اليوم، وهي أعظم منصب بعد الخلافة، لما فيها من كبير الصلاحيات. الثاني: وزارة التنفيذ؛ وهي أقل مرتبة من وزارة التفويض؛ لأن الوزير ينفذ رأي الإمام وتدبيره، وهي وسط بينه وبين الرعية والولاة. الثاني: إمارة الأقاليم؛ وهو من يفوض إليه الإمام تدبير أمور بلد ما في مملكته، ويجب على الجميع السمع والطاعة، والتعبد لله بطاعة ولي الأمر فيما يصلح أمور الدين والدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].

стр. 8997

• حكم الانتخابات: الانتخابات سواء كانت رئاسية أو برلمانية أو غيرها جائزة، لأنها تحقق مصلحة راجحة للمسلمين، وذلك باختيار أهل الخير، وإبعاد أهل الشر عن الأمر والنهي والتوجيه، إذا كانت وفق الضوابط الشرعية الواردة في القرآن والسنة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. والخلافة بيد الله وحده، يؤتيها من يشاء من عباده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. اللهم ولي على المؤمنين خيارهم، وأبعد عنهم أشرارهم واجعلنا جميعًا هداة مهتدين يارب العالمين.

стр. 8998

١٠ - حكم الخروج على الأئمة: أولاً: حكم الخروج على الإمام العادل: لا يجوز لفرد أو جماعة الخروج على الإمام العادل، ومن خرج عليه وجب قتاله وقمعه ورد شره وبغيه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩]. وعن عرفجة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعًا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوَ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (١). وعن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفق عليه (٢). ثانياً: حكم الخروج على الإمام الجائز: لا يجوز الخروج على أئمة الظلم والجور بالسيف، ما لم يصل بهم ظلمهم وجورهم إلى الكفر، وترك الصلاة، أو قيادة الأمة بغير كتاب الله تعالى، إذا كان غالب الظن القدرةِ عليه، ويجب على الأمة الصبر على ظلم الحكام

стр. 8999

والبغاة، وترك الخروج عليهم إلى أن يستريح البر أو يستراح من الفاجر، وذلك خشية الفتنة التي تأكل الأخضر واليابس، وإراقة الدماء، وتمزيق الشمل، فيناصحون ويوعظون، ويطاعون في غير معصيةٍ الله. عن ابن عباس ﵄ قال، قال النبي ﷺ «مَنْ رَأَى من أَمِيرِهِ شَيْئَاً فكْرَهُهُ فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْراً فَيَمُوتَ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (١). وعن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِه مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ». أخرجه مسلم (٣). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي وَالْعُسْرِ الْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا وَلَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ». متفق عليه (٤).

стр. 9000

وعن أسيد بن حضير ﵁ أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله ﷺ فقال ألا تستعملني كما استعملت فلان قال: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». متفق عليه (١). وعن سلمه بن يزيد الجعفي ﵁ قال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ». أخرجه مسلم (٢). وعن عوف بن مالك ﵁ عن الرسول ﷺ قال «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ». أخرجه مسلم (٣). وعن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ أنه قال: «إِنْهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ، قَالَ: لَا مَا صَلَّوْا». أخرجه مسلم (٤).
следующие страницы →