وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: جَاءَ أَعْرَابِيَّانِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: «منْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ». أخرجه أحمد والترمذي بسند صحيح (١).
ويجوز للمسلم إذا خاف على دينه من الفتنة أن يتمنى الموت.
عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِى مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِى». متفق عليه (٢).
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعلنا جميعًا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
стр. 9032
٦٤ - خزائن الهجرة والنصرة
وتشتمل على ما يلي:
١ - بركات الهجرة في سبيل الله
٢ - فضائل الهجرة والنصرة
٣ - فقه الهجرة والنصرة
٤ - حكم الإقامة في بلاد الكفار
стр. 9033
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٦٤ - خزائن الهجرة والنصرة
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
стр. 9034
٦٤ - خزائن الهجرة والنصرة
١ - الخزانة الأولى
١ - بركات الهجرة في سبيل الله
الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلدٍ يتمكن فيه الإنسان من إقامة دينه واجب، وإبراهيم ﷺ لما هاجر إلى ربه، وهجر الوطن والأقارب من أجل الله، عوضه الله من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة، وجعل في ذريته الخلافة والنبوة والكتاب، وشَرَّفَهُ ببناء البيت العتيق كما قال سبحانه عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٣].
وقال عن إبراهيم ﷺ : ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)
стр. 9035
وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
والهجرة في سبيل الله ضربان:
o هجرة إلى الله ورسوله بالقلب.
o وهجرة إلى الله ورسوله بالبدن.
فالله غَرَسَ شجرة محبته، ومعرفته، وتوحيده، في قلوب من اختارهم لعبوديته، واختصهم بنعمه، وفَضَّلَهُم على سائر خلقه، ولا تزال هذه الشجرة المباركة تُخْرِجُ ثمرها كل وقتٍ بإذن ربها، من طَيِّب القول، وصالح العمل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فلكل واحدٍ من هؤلاء في كل وقتٍ هجرتان:
الأولى: هجرةٌ إلى الله بالقلب:
المحبة، والتوحيد، والإيمان، والعبودية، والتوكل، والإنابة، والتسليم، والتفويض، والافتقار، والخوف، والرجاء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
стр. 9036
وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤].
الثانية: هجرةٌ إلى رسول الله ﷺ في حركاته، وسكناته، الظاهرة والباطنة:
بحيث تكون جميع حركات العبد وسكناته موافقة لشرعه الذي هو تفصيلُ مَحَابِ الله ومرضاته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فهذا العبد قد اتخذ رسوله ﷺ وحده دليله، وإمامه، وقدوته، وقائده، وسائقه، و وَحَّدَ الله بعبادته، ومحبته، وخوفه، ورجائه، وأَفْرَدَ رسوله ﷺ بمتابعته، والاقتداء به، والتَّخَلُّق بأخلاقه، والتأدب بأدابه، فهذه الهجرة بالقلوب: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». متفق عليه (١).
أما الهجرة بالأبدان فهي الهجرة في سبيل الله من بلدٍ إلى بلدٍ، ومن مكانٍ إلى مكانٍ، ومن قومٍ إلى قومٍ، حين يشتد عليه الأذى، ويحيط به الظلم،
стр. 9037
ولا يتمكن من إظهار دينه، فيهاجر إلى بلدٍ يأمن فيه على نفسه، ويتمكن من إظهار دينه، والعمل بشرعه، والدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
فالهجرة في سبيل الله ليست هجرة للثراء، أو هجرة للنجاة من المتاعب، أو هجرة لتكميل اللذات والشهوات، أو هجرة لأي عرض من أعراض الدنيا الفانية.
ومن يهاجر هذه الهجرة في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيراً لأعداء الله، حيث يتمكن من إقامة دين لله، وجهاد أعداء الله، ومراغمتهم، كما يجد سِعَةً، وفُسْحَةً، فلا تضيق به الأرض، ولا يَعْدَمَ الحيلة والوسيلة للنجاة، والرزق، والحياة الطيبة.
فقد هاجر أصحاب النبي ﷺ إلى المدينة، وهناك وجدوا الطمأنينة، ورضي الله عنهم ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
إن ضعف النفوس البشرية وحرصها وشُحَّهَا، يُخَيَّلَ إليها أن وسائل الحياة، والرزق مرهونة بأرض، وببلد، ومقيدة بظروف، لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلًا مُرضية، وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق، وأسباب الحياة، وأسباب النجاة، هو الذي يجعل النفوس البشرية المؤمنة تقبل الذُّلَ
стр. 9038
والهوان والضَّيْم، وتسكت عن الفتنة في الدين، ثم تتعرَّض لذلك المصير البائس، مصير الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
فالهجرة عند حصول الأذى، والظلم، من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، لما في تركها من تكثير سواد الكفار، وفتنة المؤمنين، وظلمهم، وتفويت الجهاد مع المؤمنين، وربما ظهر الكفار على المؤمنين، ولا يُستثنى من ذلك إلَّا المستضعفين من الرجال والنساء و الولدان، الذين لا قدرة لهم على الهجرة، ولا يهتدون سبيلًا، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم، ويعذرهم، لعدم قدرتهم.
والله ﵎ يَعِدُ كل من يهاجر في سبيل الله أنه سيجد في الأرض مُنطلقًا وسيجد فيها سعةً، وسيجد الله معه في كل مكان يذهب إليه، يُحيِّيه ويرزقه، ويُنْجِيه ويحفظه، وقد ضَمِنَ الله الأجر لكل من هاجر إلى الله ورسوله، ثم أدركه الموت قبل الوصول إلى غايته بقتلٍ أو غيره، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
يوفيه الله أجره كله، أجر الهجرة، وأجر الوصول إلى دار الإسلام، وأجر الحياة في دار الإسلام، فماذا بعد ضمان الله من ضمان؟، وقع ضمان
стр. 9039
الأجر كاملًا، التلويح بالمغفرة للذنوب، والرحمة في الحساب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
إنها صفقة رابحة دون شك، يقبض فيها المهاجر في سبيل الله الثمن كله منذ الخطوة الأولى في الهجرة من أجل الله.
والموت هو الموت، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا علاقة له بهجرة أو إقامة، ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده، ولَخَسِرَ الصفقة الرابحة، فلا أجر، ولا مغفرة، ولا رحمة، بل هناك الملائكة تتوفاه ظالمًا لنفسه.
والذين هاجروا من ديارهم وأموالهم، وتَعَرَّوْا عَمَّا يملكون، وعَمَّا يحبون، من أجل الله، وتركوا الأوطان والخلَّان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، هؤلاء يرجون في الآخرة عوضًا عن كل ما خَلَّفوا، وكل ما تركوا، وقد عانوا الظلم وفارقوه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢].
فذكر لهم سبحانه ثوابين:
ثوابًا عاجلًا في الدنيا من الرزق الواسع، والعيش الهنيء، الذي رأوه عيانًا، بعدما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وفتحوا البلدان.
والأجر الآخر أكبر، وأعظم، وأدوم، ويحصل عليه المؤمنون في الجنة في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ٢٠ - ٢٢].
стр. 9040
إن الهجرة في سبيل الله، تَجَّرُدٌ من كل ما تهفو إليه النفس وترغب فيه، ومن كل ما تعتز به وتحرص عليه من الأهل والأولاد والأموال والديار، وسائر أعراض الحياة الدنيا، وإيثار العقيدة على هذا كله، ابتغاءَ رضوان الله، وتطلعًا إلى ما عند الله، خيرٌ مما في الأرض جميعًا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
فالذين جمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأهل و الأموال والأوطان، طلبًا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فماذا أعدا الله لهؤلاء، وبماذا وعدهم: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران: ١٩٥].
إن الإيمان، والهجرة، والجهاد، هذه الثلاثة هي عنوان سعادة العبد المسلم، وقُطبُ رَحَىَ العبودية، وبها يُعرَفُ ما على العبد من الربح والخسران.
فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيءٍ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 9041
وهو الذي إذا كان مع العبد، قُبِلَت أعمال الخير منه، وإذا عُدِمَ منه لم يُقبَل منه صَرفٌ، ولا عدلٌ، ولا فرضٌ، ولا نفل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢].
وأما الهجرة في سبيل الله، فهي مفارقة المحبوب والمألوف من أجل رضا الله ، فيترك المهاجر وطنه، وأمواله، وأهله، وخلَّانه، تقربًا إلى الله، ونُصْرَةً لدينه.
وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وعَبَدَةِ الأوثان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، فهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام، وخذلان عُبَّاد الأصنام، وأمن المسلمين، ويكون باللسان والسِّنان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].
فمن قام بهذه الثلاثة على مشقتها، كان بغيرها أشد قيامًا، فجديرٌ بهؤلاء أن يكونا هم الراجون رحمة الله، لأنهم آتوا بالسبب الموجب للرحمة، كما
стр. 9042
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة: ٢١٨].
والهجرة كانت قبل الفتح، أما بعد فتح مكة، فلم تعد هجرة من مكة إلى المدينة، لأنها صارت دار إسلام.
فمن جاهد في سبيل الله، وعَمِلَ بدينه، كان له حكم الهجرة، وكان له ثوابها كما قال النبي ﷺ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا». متفق عليه (١).
ويبقى حكم الهجرة ساريًا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ [الحج: ٥٨ - ٥٩].
فقد خرج هؤلاء من ديارهم وأموالهم في سبيل الله، مستعدين لكل مصير، وضَحُّوا بكل أعراض الحياة الدنيا، إبتغاء رضوان الله، ونصر دينه، فتَكَفَّلَ سبحانه لهم بالعوض الكريم عَمَّا فقدوه، وهو الرزق الحسن، وهو رزقٌ أكرم، وأجزل، من كل ما تركوا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقد خرج هؤلاء المهاجرون مخرجًا يُرضي الله، فَتَعَهَّدَ لهم بأن يدخلهم مُدخلًا يرضونه، فييسر لهم دخول الديار التي قصدوها، ويفتح لهم البلدان،
стр. 9043
ويُمَكِّنَهم من الاستيلاء على أموالها وخيراتها عوضًا عما فقدوا، وهذا ما حصل للمهاجرين السابقين، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم الجنة.
والله سبحانه العليم بما وقع عليهم من ظلمٍ ومن أذىً، وبما يُرضي نفوسهم ويعوضها؛ العليم بجميع الأمور ظاهرها وباطنها؛ الحليم الذي يَعصيِه الخلائق، ويبارزونه بالعظائم، وهو لا يعاجلهم بالعقوبة، مع كمال قدرته وعلمه، بل يواصل لهم رزقه ويُسدي إليهم فضله؛ حليمٌ يمهل، ثم يوفي الظالم والمظلوم الجزاء الأوفى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
إنه إذا اشتد الأذى على المؤمنين، وفُتِنوا في دينهم، ولم يملكوا أن يعبدوا الله، فعليهم أن ينجوا بدينهم بالهجرة إلى أرض الله الواسعة، وما دامت الأرض كلها لله، فأحب بقعة منها هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه، وإظهار شعائر دينه، فليهاجروا إليها: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [العنكبوت: ٥٦].
وكل نفس ذائقة الموت، والله لن يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، فلا داعي للخوف من خطر الهجرة، فالآجال مُقَدَّرة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ [العنكبوت: ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١١].
اللهم ارزقنا الهجرة في سبيلك، من أجل نشر دينك، يا رب العالمين.
стр. 9044
٢ - الخزانة الثانية
٢ - فضائل الهجرة والنصرة
المهاجرون في سبيل الله فرارًا بدينهم، مهاجرون إلى الله في أرضه الواسعة، من أجل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وهم عائدون إليه قبل يوم القيامة، وهم عباده الذين يؤويهم إليه في الدنيا والآخرة، فلماذا الخوف والقلق: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
ومع هذا فالله الكريم لا يَدَعُ المهاجرين في سبيله، إلى هذا الإيواء وحده، فإذا فارقوا وطنهم الذي يحبون، فلهم في الأرض سعة، وإذا فارقوا الدنيا فلهم في الجنة عوضٌ أعظم وأدوم، فليصبروا على ما ينالهم، وليتوكلوا على الله، ويحسنوا الظن به، فهو مولاهم الذي سيحقق لهم ما وعدهم به في الدنيا والآخرة: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [العنكبوت: ٤٩ - ٥٠].
ولا داعي كذلك لقلق المهاجرين على الرزق بعد مغادرة الوطن وترك المال، ومجال العمل، وأسباب الرزق المعلومة، فإن رزق الإنسان يطلبه كما يطلبه أجله.
стр. 9045
وقد قَدَّرَ الله لكل إنسان رزقه من أربع جهات:
كميته .. ونوعيته .. ومكانه .. وزمانه.
قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
فالرزق مقسوم كما قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فالله ﵎ قد تَكَفَّلَ بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم و ضعيفهم، قادرهم وعاجزهم، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، فكم من دابة في الأرض، وعلى ظهر الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل لا تحمل رزقها، ولا تدَّخِره، ولا يزال الله يُسَخِّر لها الرزق في كل وقتٍ بوقته.
والله يرزق هؤلاء الدواب وإياكم، فكلكم عيال الله، القائم برزقكم، كما قام بحفظكم، وتدبيركم، وهو السميع لأقوالكم ودعائكم، والعليم بأحوالكم، فلا تخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافيةٌ عليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وكيف يقلق المؤمن على الرزق عند الهجرة، وهو يرى مليارات الدواب تَدُّبُ على وجه الأرض، وهي لا تُحَصِّلُ رزقها، ولا تجمعه، ولا تحمله، ولا تهتم به، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، ولا كيف تحتفظ به لنفسها،
стр. 9046
ومع هذا فإن الله العزيز الرحيم يرزقها، ولا يدعها تموت جوعًا، سواءً كانت على وجه الأرض، أو في قعر البحار، أو في أعالي الجبال، أو في جو السماء: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فالله هو الذي تَكَفَّلَ بأرزاق الخلائق جميعاً، يلقى الناس حيثما كانوا، وأين كانوا، وإن خُيِّلَ إليهم أنهم يخلقون رزقهم ويجمعونه، فالله الذي وهبهم وسيلة الرزق وأسبابه، وهذه الهبة ذاتها رزقٌ من الله، فلا مجال للقلق على الرزق عند الهجرة، فهم عباد الله، مهاجرون إلى أرض الله الواسعة من أجل الله، والله يرزقهم حيث كانوا كما يرزق كل دابة وهي لا تحمل رزقها ولكن الله يرزقها، ولا يدعها تموت جوعًا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠].
والهجرة في سبيل الله، والهجرة إلى الله ورسوله، وإلى نصرة دينه، هي ترك كل شيءٍ من المحبوبات من أجل الله، وبذل كل شيء مما يملك الإنسان من أجل الله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ [الحج: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
стр. 9047
لا هجرة من بعد الفتح من مكة إلى المدينة، لأن مكة صارت دار إسلام، ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة.
وقد وقع في صدر الإسلام هجرتان:
الأولى: هجرة المسلمين إلى الحبشة، فرارًا من أذى قريش، وفي الحبشة كان لهم إيواءٌ بلا نصرة، فلم ينتشر الدين هناك.
الثانية: هجرة الرسول ﷺ والمسلمين من مكة إلى المدينة، وفي المدينة كان الإيواء والنصرة بتهيئة الفرصة للدعوة، فانتشر الدين.
والهجرة إلى الله تتضمن أمرين:
هجران ما يكرهه الله، وإتيان ما يحبه ويرضاه.
وهذه الهجرة تقوى وتضعف، بحسب داعي المحبة في قلب العبد المؤمن.
ومن العجيب أن الإنسان يوسع الكلام في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وفي الهجرة من مكة التي انقطعت بالفتح، وهذه هجرة عارضة، ربما لا تتعلق به في العمر أصلًا.
وأما الهجرة إلى الله ورسوله بالإيمان والأعمال الصالحة، والتي هي واجبةٌ على مدى الأنفاس والأزمان لا يحصل فيها علم ولا إرادة، وما ذاك إلا للإعراض عما خُلِقَ له، والاشتغال عَمَّا لا يُنجِيه غيره.
وهذه حال من ضعفت معرفته بمراتب العلوم والأعمال، وعميت بصيرته، وانتكس قلبه، فَقَدَّمَ الأدنى على الأعلى، وآثر الفاني الرخيص على الباقي النفيس، وهذه الحياة الدنيا ليست إلا لهو ولعب، حين لا ينظر المرء فيها إلى الآخرة، حين تكون هي الغاية العليا للناس، حين يصبح المتاع فيها هو الغاية من الحياة، فلا ينخدع العبد بزينتها، ويلهو بلعبها، وليعمل للحياة
стр. 9048
الآخرة، فهي الحياة الفائضة بالحيوية، والرضا، والبقاء، والخلود، وبكل أنواع النعيم: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
فلو كان الخلق يعلمون ذلك لَمَا آثروا الدنيا على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لَمَا رغبوا عن دار الحيوان إلى دار اللهو واللعب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
وأما الذين يعلمون حال الدارين، فلا بد أن يؤثروا الآخرة على الدنيا بالإيمان بالله وطاعته وعبادته وحده لا شريك له، وبذل كل شيء في سبيل مرضاته: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والهجرة في سبيل الله هجرةٌ نفسية، قبل أن تكون هجرةٌ مكانية، والهجرة البدنية مبنيةٌ على الهجرة القلبية، فمن هاجر إلى الله ورسوله بالإيمان والعبودية لله، والاقتداء برسوله ﷺ ، ولم يتمكن من القيام بذلك، هانت عليه الهجرة البدنية، وسهل عليه فراق الأهل والدار والمال، وما هاجر إلا من أجل هدف، وهجرة الأنبياء والرسل وأتباعهم كانت من أجل إعلاء كلمة الله، وعبادته وحده لا شريك له، والعمل بشرعه، وهم يسيرون في
стр. 9049
رعاية الله يحفظهم ويرزقهم ويوفقهم ويهديهم، كما قال إبراهيم ﷺ : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ [العنكبوت: ٢٦].
فلمَّا لم يستجب له قومه، هاجر من العراق إلى الأرض المباركة في الشام: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾ [الصافات: ٩٩].
فهاجر ﷺ وترك كل شيءٍ وراءه، ترك أباه وقومه وأهل بيته و وطنه، وترك وراءه كل عائق، وكل شاغل، وهاجر إلى ربه متخففًا من كل شيء، طارحًا وراءه كل شيء، مسلمًا نفسه لربه، موقنًا أن ربه سيهديه، وسيرعى خطاه.
إنها الهجرة الكاملة من حالٍ إلى حال، ومن وضعٍ إلى وضع، ومن يقينٍ إلى يقين، إنها الهجرة الكبرى التي يختار الله لها الكُمَّل من الناس، فاتَّجَهَ إبراهيم ﷺ إلى ربه، الذي أعلن أنه ذاهبٌ إليه، اتَّجَهَ يسأله الذرية المؤمنة، والخلف الصالح: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠].
واستجاب الله دعاء عبده الصالح، الذي ترك كل شيءٍ وراءه، وجاء إلى ربه بقلبٍ سليم، فبماذا بشره ربه؟
قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ [الصافات: ١٠١].
ولمَّا رزق الله إبراهيم ﷺ بالغلام الحليم، وهو إسماعيل ﷺ ، ابتلاه الله به، ليتبين صفاء توحيد إبراهيم ﷺ ، وكمال محبته لربه وخُلَّتَه.
فإن إسماعيل لما وَهَبَهُ الله لإبراهيم أحَبَّهُ حُبًا شديدًا، وهو خليل الرحمن، والخُلَّة أعلى أنواع المحبة، وهو منصبٌ لا يقبل المشاركة، فلما تعلقت شُعْبَةٌ من شُعَب قلب إبراهيم بابنه إسماعيل، أراد الله أن يُصَفِّي وُدَّهُ، ويختبر خُلَتَه، فأمره أن يذبح ويقطع بالسكين من زاحم حُبَّهُ حُبَّ ربه كما
стр. 9050
قال سبحانه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٠ - ١٠٢].
فأَمْرُ الله تعالى لا بد من تنفيذه، فقال إسماعيل صابرًا محتسبًا مُرضيًا لربه، وبارًا بوالده: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢].
فقام إبراهيم ليُضجع ابنه إسماعيل للذبح، وسَلَّمَا لأمر الله، الأبُ جازمٌ على ذبح ابنه، وثمرة فؤاده، امتثالًا لأمر ربه، وخوفًا من عقابه.
والابن إسماعيل قد وَطَّنَ نفسه على الصبر، وهانت عليه نفسه في طاعة ربه، ورضا والده، وحان وقت التنفيذ، فتلَّ إبراهيم ﷺ ابنه إسماعيل على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انْكَبَّ لوجهه، لئلَّا ينظر إبراهيم إلى وجه إسماعيل وقت الذبح، فيرحمه ويشفق عليه، فلا يُنَفِذ أمر ربه، وفي تلك الحال الشديدة نادى الله إبراهيم، وأخبره بصدقه، وفِعْلِ ما أَمَرَ به جازمًا، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٦].
فلما قَدَّمَ إبراهيم ﷺ حُبَّ الله ، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحمة، بقي الذبح لا فائدةً فيه، فلهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٦ - ١٠٧].
стр. 9051
فلكمال إيمان إبراهيم ﷺ ، وكمال يقينه، وكمال طاعته ومحبته لربه، وسرعته لتنفيذ أمره بذبح أحب شيءٍ إليه، حَفِظَ الله له ابنه، ورَضِيَ عنه، و فداه بذِبحٍ عظيم، فهو عظيم من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانًا وسُنَّةً إلى يوم القيامة، بذَبح كل حُبٍ يزاحم حُبَّ الله، ويُشْغِلُ عنه، بذبح الأضحية في كل عام.
وبعد هذا البلاء العظيم، وحُسْن الطاعة والانقياد من إبراهيم ﷺ ، أثنى الله على إبراهيم ﷺ ، وأبقى له الذكر الحَسَن إلى يوم القيامة، وهذا جزاء الكريم للمحسنين في عبادة الله، ومعاملة خلقه، أن يُفَرِّجَ عنهم الشدائد، ويجعل لهم العاقبة والثناء الحسن، لكمال إيمانهم بربهم، كما قال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٣].
المؤمن حقًا لا يقعد به حُبُّ الوطن، وإلفُ المكان، وحُبُّ المال، وأواصر النسب والقُربى والصحبة في دارٍ، عن الهجرة منها إذا ضاقت به في دينه، وعجز فيها عن الإحسان والعبادة، فالالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخلٌ من مداخل الشيطان، ولونٌ من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان، وذلك مدخلٌ من مداخل الشرك الخفية في قلب الإنسان: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
стр. 9052
والله ﵎ يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرةٌ على النفس، وأن ترك مألوف الحياة، ووسائل الرزق، واستقبال الحياة في أرضٍ جديدة، تكليفٌ صعبٌ على الناس، ومن ثَمَّ يفتح الله على الصابر على ذلك أبواب العِوَض عن الوطن، والأرض، والأهل، والإلف، عطاءً من عنده بغير حساب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والإيمان ليس كلمةٌ تُقال باللسان فقط، وإنما هو نورٌ، وحركةٌ دافعةٌ في القلب، يتولد منها حُسْن العبادة، وأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وهذا الإيمان لا يأتي، ولا يتم، ولا يَقْوَىَ، إلا بالتضحية بكل شيء من أجله.
والتضحية مركبةٌ من أمرين:
أحدهما: بذل كل شيء من أجل إعلاء كلمة الله.
الثاني: وترك كل شيء من أجل إعلاء كلمة الله.
فالمهاجرون هجروا، وتركوا المحبوبات والمألوفات، من الديار والأوطان، والأموال والشهوات، والأحباب والأهل.
تركوها لمن؟
تركوها للكفار، وبذلوا الأنفس، والأموال، والأوقات، رغبةً في الله، ومحبةً لرسول الله، ونصرة لدين الله، وإعلاء لكلمة الله .
فهؤلاء هم الصادقون الذين صَدَّقُوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، والعبادات الشاقة، وهم أسبق الناس إلى الإيمان، وأحقهم بكل فضيلة، لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة، والبذل والترك، كما قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
стр. 9053
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
والأنصار؛ وهم الأَوْس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ طوعًا ومحبة واختيارًا، وآوَوا رسول الله ﷺ ، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوَؤا دار الهجرة والإيمان وهي المدينة، حتى صارت موئلًا وملجئاً يلجأ إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماها المهاجرون، فقد كانت البلدان كلها بلدان حربٍ، وشركٍ، وشر، فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار، والأنصار يحبون من هاجر إليهم ويؤوونهم في المدينة، ويطعمونهم، ويستقبلونهم بالمحبة والإيثار، ويعلمونهم الدين، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئًا فشيئًا وينمو قليلًا قليلًا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيوف والسِّنَان.
فما أجمل هذه الصفات العظيمة في الأنصار، وما أحسن أخلاقهم، إيمانٌ ومحبةٌ، وإيثارٌ مع الحاجة، وبذلٌ بلا بُخْلٍ ولا شُحٍّ، كما قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
فهم يحبون من هاجر إليهم من أجل إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحَبُّوا أحبابه، وَأَحَبُّوا من نصر دينه، فبذلوا أموالهم لمن جاء فارًا بدينه.
стр. 9054
وهؤلاء الأنصار لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله، وخَصَّهم الله به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، لسلامة صدور الأنصار، وانتفاء الغل و الحقد والحسد من قلوبهم.
ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار: وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خُلُقٍ زكي، ومحبةٍ لله تعالى ودينه، مقدمةٌ على شهوات النفس ولذاتها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتَهُ وَقُوتَ صِبْيَانِه، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الْصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِيِ الْسِّرَاجَ، وَقَرِّبِيِ لِلْضَّيْفَ مَاَ عِنْدَكِ، قَاَلَ فَنَزَلَتَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].». أخرجه مسلم (١).
ومن رُزِقَ الإيثار فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه، ومن وُقِيَ شُحَّ نفسه سمحت نفسه بامتثال أوامر الله ورسوله ﷺ ففعلها، طائعًا، منقادًا، منشرحًا بها صدره.
وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبًا للنفس، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل للعبد الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
стр. 9055
هذان الصنفان الفاضلان الزَّكيان، هم الصحابة الكرام، والأئمة الأعلام من المهاجرين والأنصار، الذين حازوا من السوابق والمناقب، والفضائل والمكارم ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقدوة المتقين، وأفضلهم المهاجرون، ثم الأنصار.
وحَسْبُ مَنْ بعدهم من الفضل أن يسيروا خلفهم، ويأتمُّوا بهداهم، ويتخلَّقوا بأخلاقهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
والسابقون الأولون من الهاجرين والأنصار، هم الذين سبقوا هذه الأمة، وبادروها إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة، والجهاد، والدعوة، والأعمال الصالحة، ومن المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان من الصحابة فمَن بعدهم إلى يوم القيامة، إذا اتبعوهم بإحسان في الأفعال والأقوال، اقتداءً منهم بالسابقين الأولين، فهؤلاء هم المؤمنون حقًا، لأنهم صَدَّقُوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة، والنصرة، والموالاة، ولموالاة بعضهم لبعض، وجهاد أعداءهم من الكفار والمنافقين، من أجل إعلاء كلمة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
стр. 9056
٣ - الخزانة الثالثة
٣ - فقه الهجرة والنصرة
المهاجرون، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم الجنات في الآخرة، وقد ذكرهم الله بصفاتهم وأعمالهم، لا بأنسابهم ومناصبهم، فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فالهجرة في سبيل الله أصل من أصول الدين، والنصرة من أجل الله كذلك، فلما اجتمعا جاء الثالث، وهو رضوان الله، ودخول الجنة.
فالهجرة والنصرة من أجل إعلاء كلمة الله، وإقامة دين الله، أصلٌ من أصول الدين الإسلامي، وعمل الأنبياء والمرسلين، ومن سار على هديهم إلى يوم القيامة، وبذلك يقوم الدين في العالم، وتنتشر الهداية في أنحاء الأرض، وتظهر السنن والآداب الشرعية في الأمة، ويزول الباطل، ويظهر الحق ويُعبَد الله وحده لا شريك له.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة، هم أصناف هذه الأمة المجتباه، وهؤلاء هم أفضل أهل الإسلام الذين هم أهله، جعلنا الله وإياكم منهم.
وإبلاغ هذا الدين إلى العالم كله، يحتاج من كل مسلم إلى التضحية بكل شيءٍ من أجل الدين، تضحيةٌ بالمال، وتضحيةٌ بالنفس، وتضحيةٌ بالأهل، وتضحيةٌ بالوقت، وتضحيةٌ بالديار، وتضحيةٌ بالشهوات، وتضحيةٌ بالجاه،
стр. 9057
فأهل مكة كانوا تجارًا فتركوا كل شيء، وهاجروا إلى المدينة من أجل الدين.
وأهل المدينة كانوا مزارعين فتركوا كل شيء، وقاموا بنصرة دين الله.
فنشر هذا الدين، قائمٌ على الهجرة والنصرة، من أجل إعلاء كلمة الله، والمهاجرون والأنصار لما صدقوا وعملوا نشر الله بسببهم هذا الدين في العالم، ورضي الله عنهم، ورضوا عنه، و وعدهم على ذلك الرضوان والجنان: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ونحن خلفاء النبي ﷺ في الإيمان والأعمال الصالحة، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
стр. 9058
و واجبنا في هذا الزمان إحياء الدين، وإحياء جُهْدُ الدين، فالمطلوب من كل مسلمٍ ومسلمة جهدان:
الأول: جُهدٌ لإحياء الدين كله، في العالم كله.
الثاني: وجُهدٌ لإحياء جُهْدُ النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، ليكون كل مسلم في العالم عابدًا لربه، معلمًا لدينه، داعيًا إليه، محسنًا إلى خلقه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وهذه وظيفة الأمة إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وذلك يتطلب منَّا التضحية بالوقت، والنفس، والمال، والشهوات، كما فعل الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وكما فعله أصحاب النبي ﷺ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وكثيرٌ من المسلمين اليوم بدءوا يخرجون من الدين إلى حياة اليهود والنصارى، فكيف نحفظ الدين في هؤلاء؟.
أبو بكر ﵁ لم يَتَحَمَّل نقص عِقَالٍ من الدين، واليوم كم نقص من الدين في حياة كثيرٍ من المسلمين رجالاً ونساء؟.
ولمَّا تُوفي الرسول ﷺ ، وارتدت القبائل عن الدين، اجتهد عليهم أبو بكر الصديق ﵁ في ردهم إلى الدين، وحفظ الدين في حياة المسلمين، وكان
стр. 9059
فكره وفكر المهاجرين والأنصار، لحفظ الدين في الأمة كما كان في عهد النبي ﷺ .
ولمَّا رجع الناس إلى الدين الكامل، وتاب من ارتد من المسلمين، انطلق هؤلاء وهؤلاء لنشر الدين في بلاد الكفر.
ثم جاء عهد عمر ﵁، وكان فكر الأمة لنشر الدين، فكانت الفتوحات الإسلامية في الشام، والعراق، ومصر، وغيرها.
وهكذا وقتنا الآن يشبه زمن أبي بكر الصديق ﵁، فنقوم بالدعوة إلى الله، ونجتهد على المسلمين حتى يعودوا إلى الدين، والصفات التي كانت في القرن الأول، وهي:
عبادة الله ، والدعوة إلى دينه، وتَعلُّم وتعليم الدين، والإحسان إلى الخلق، وبذلك يرى الكفار الإسلام قائمًا في حياة المسلمين، فيسهل دخولهم فيه، ويأتي اليوم الذي يدخل الناس في الدين أفواجًا، كما دخلوه أفواجًا في عهد الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
والأصل في دين الله أن يكون السيف تابعًا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسُنَّة، وكان السيف تابعًا لذلك، كان أمر الإسلام قائمًا، فقوام الدين بكتابٍ يَهدِي، وسيفٍ يَنْصُر ويحمي، وذلك شرع الله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا
стр. 9060
وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٥ - ٢٦].
وأما إذا كان علم الكتاب فيه تقصير، وكان السيف تارة يوافق الكتاب، وتارة يخالفه، جاء من الاضطراب والمصائب في الأمة بحسب ذلك، وفسدت أحوال الناس، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو إتباع القرآن والسُّنَّة، والاقتداء بخير القرون، وهو القرن الذي كان فيه النبي ﷺ وأصحابه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠].
والعبادة موعودها الجنة، والدعوة موعودها النُّصرة، وبسبب ترك الدعوة رفع الله النصرة، وبقيت العبادة صورة بلا روح، فالعمل الذي أعطاه الرسول ﷺ كل الوقت هو الدعوة إلى الله، نحن تركناه أو أعطيناه أقل الوقت، والعمل الذي أعطاه النبي ﷺ أقل الوقت هو نوافل العبادات، نحن أعطيناه أكثر الوقت: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
والمسلمون الآن يأتون إلى مكة للعبادة، ولكنهم لا يرجعون بالمقصد، وهو الدعوة إلى الله، لأنهم يرون العبادة هي المقصد، وهي جزءٌ من عمل النبي ﷺ ، فأعمال النبي ﷺ هي:
عبادة الله في كل حال، والدعوة إلى الله في كل مكانٍ، وزمانٍ، وحالٍ، وتعليم شرع الله ، والإحسان إلى الخلق: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ
стр. 9061
رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
والهجرة والنصرة من أجل إعلاء كلمة الله، ونصر دين الله، وإقامة دين الله في الأرض، من أعظم البراهين الدالة على صدق الإيمان، وحُبِّ الله ورسوله، وبها يحصل الرضوان للمهاجر والمناصر، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقد هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وآَخَىَ النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ولمَّا قَدِمَ المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسمٌ صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم آمنون على دمائهم وأموالهم.
وقسمٌ حاربوه، ونصبوا له العداوة.
وقسمٌ تركوه فلم يصادقوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه.
ثم من هؤلاء من يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه، ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهم عدوه في الباطن، وهم المنافقون، فعامل ﷺ كل طائفة من هؤلاء بما أمره به ربه، حتى أظهره الله على الجميع، وكانت العاقبة له، ولمن آمن معه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
стр. 9062
• أقسام الهجرة:
الهجرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: هجرة المكان؛ بأن ينتقل المسلم من بلدٍ إلى بلد، من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وهذه واجبة إذا كان غير قادر على إظهار دينه في بلده.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
الثاني: هجرة العمل؛ وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق.
قال النبي ﷺ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والْمُهَاجِرُ مِنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». متفق عليه (١).
الثالث: هجرة العامل؛ كالمسلم الذي يجاهر بالمعصية، إذا ترتب على هجره مصلحة، وحصلت فائدة، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خُلِّفُوا بعد غزوة تبوك.
• حكم الهجرة من بلاد الكفار:
إذا كان المسلم يعيش في بلاد الكفار، ويستطيع أن يظهر دينه في بلاد الكفر، ولا يمنعه أحد من ذلك، فالهجرة له مستحبة، لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
فالذي يعيش بين المؤمنين يزيد إيمانه، وينتفع بإخوانه، وإن كان لا يستطيع ذلك، فالهجرة واجبة إن استطاع الهجرة لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
стр. 9063
الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
وإذا خاف المسلم على نفسه من الفسق والفساد فالهجرة إلى بلاد الإسلام عليه واجبة، وان كان في بقائه نفعٌ وصلاح فبقاؤه واجب لنفعه في الإصلاح، وإزالة الفساد: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 9064
٤ - الخزانة الرابعة
٤ - حكم الإقامة في بلاد الكفار:
الإقامة في بلاد الكفار لها خمس حالات:
الأولى: أن يقيم في بلاد الكفار، للدعوة إلى الله، هذا نوع من الجهاد في سبيل الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الثانية: أن يقيم بها لدراسة أحوال الكفار، ليحذر الناس مما يدبرونه للمسلمين، فهذا جائزٌ أو مستحبٌ بحسب المصلحة.
الثالثة: أن يقيم بها للحاجة، كتجارة أو علاج، فتُباح الإقامة بقدر الحاجة.
الرابعة: أن يقيم بها لحاجة دولته المسلمة، كالسفراء ومن في حكمهم، فهذا جائز.
الخامسة: أن يقيم بها للدراسة، وهذا جائز، إذا لم يكن هذا العلم متوفرًا في بلاد المسلمين، والمسلمون بحاجةٍ إليه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
• حكم الهجرة:
الهجرة نوعان:
الأول: هجرة بالجسد من بلدٍ إلى بلد، وهي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
стр. 9065
الثاني: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها.
والهجرة إلى الله ورسوله فرض عين على كل أحد، في كل وقت، وهي مطلوب الله ومراده من عباده، وهي هجر كل ما يكرهه الله ويبغضه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وإتيان ما يحبه الله ويرضاه، وهي واجبة على مدى الأنفاس، أما هجرة الجسد فهي عارضة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
أتباع الأنبياء والرسل:
أتباع الأنبياء والرسل هم السعداء في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)
стр. 9066
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٣].
والأتباع السعداء قسمان:
الأول: أتباع لهم حكم الاستقلال، وهم في هذه الأمة أصحاب محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهؤلاء ثبت لهم رضا الله عنهم، فهم أسعد الخلق كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
الثاني: أتباع المؤمنين من ذريتهم، الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في الدنيا، فهؤلاء يلحقهم الله بآبائهم المؤمنين في الجنة، فضلًا من الله ورحمة.
وكذا يلحق الله البالغين من ذرية المؤمن بأبائهم، وإن كانوا دونه في العمل، إذا كانوا مؤمنين، لتقر عينه بهم في الجنة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ [الطور: ٢١].
стр. 9067
• حكم سب الصحابة:
أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، هم خيار الأمة بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك لِمَا قاموا به من الهجرة والنصرة، ونصرة دين الله، والجهاد مع رسول الله، وبذل أموالهم، وأنفسهم، وأوقاتهم، في سبيل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٤ - ٧٥].
ومَن سَبَّ الصحابة ﵃ فهو كافر، لأن سَبَّ الصحابة قدحٌ في الشريعة الإسلامية التي جاءت من طريقهم، وسَبُّ الصحابة ﵃ سَبٌّ للرسول ﷺ ، لأن رجلًا يكون أصحابه محل التَّنَقُّص والعيب لا خير فيه، فالمرء على دين خليله، فَسَبُّهم سَبٌّ له ﷺ .
وسَبُّ الصحابة يتضمن سّبَّ الله ﷻ ، حيث اختار لنبيه، وهو أفضل الخلق عنده، مثل هؤلاء الرجال.
وسَبُّ الصحابة تكذيبٌ للقرآن الذي أثنى الله عليهم فيه، ورضي عنهم، و وعدهم الحسنى على ما قاموا به من نصرة الله ورسوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
стр. 9068
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
فَسَبُّ الصحابة ﵃ من أخطر الجنايات على الإسلام وأهله، وقد جَرَّ الشيطان إلى ذلك الرافضة فسبوهم إلا قليلًا منهم.
وسَبُّ الصحابة ﵃ يتضمن خمسة محاذير عظيمة:
١ - سب الصحابة.
٢ - سب النبي ﷺ .
٣ - سَبُّ الشريعة الإسلامية.
٤ - سب الله .
٥ - سَبُّ القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
• أفضل الأسفار:
سفر الهجرة إلى الله ورسوله أفضل الأسفار، والتعاون على هذا السفر من أعظم التعاون على البر والتقوى، ويكون ذلك باليد، واللسان، والقلب، والنصيحة، والدعوة إلى الله، والتعليم لشرع الله، والإحسان إلى خلق
стр. 9069
الله، ومن قام بهذا الواجب العظيم أعطاه الله كل خير، وأقبل بقلوب عباده إليه، وفَتَحَ على قلبه أبواب الهداية والعلم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
و زاد هذا السفر العظيم العلم الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين:
o ألا يوصغي العبد في الحق إلى لومة لائم
o وأن تهون عليه نفسه في الله.
ولا يتم له هذان الأمران إلا بالصبر، فمن صبر قليلًا صارت تلك الأهوال ريحًا رُخَاءً تحمله بنفسها إلى مطلوبه، فبينما هو يخاف منها، إذ صارت أعظم أعوانه، وخدمه، وجنوده: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 9070
وأما مركبه فصدق اللجوء إلى الله، والانقطاع إليه، وعدم الالتفات إلى ما سواه، وتحقيق الافتقار إليه، والضراعة إليه، والاستعانة به، وصدق التوكل عليه، والإخبات إليه: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
ورأس مال الأمر، وعموده، دوام النظر والتَّفَكُّر في أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، والنظر في عظيم بِرِّهِ وإحسانه، وإنعامه، وتَدَبُّر آيات القرآن.
فإذا امتلأ القلب بتلك المعارف، تَمَكَّنَ الإيمان من قلبه، وجلس على كرسيه، وصار له التصرف في البدن والحياة، لأنه استبان له الطريق، فاستقام له سيره إلى الله ورسوله، يفعل كل خير، ويجتب كل شر، ويأمر بكل خير، وينهى عن كل شر، ويَتَحَلَّىَ بكل خُلُقٍ حسن.
ومن أراد هذا السفر فلا بد له من رفقةٍ صالحة، وهم أهل العلم والإيمان، إن نَسِيَ ذَكَّرُوه، وإن ذَكَرَ أعانوه، وإن جَهِلَ عَلَّمُوه.
فإن تَعَذَّرَ عليه صحبة هؤلاء، وابتُلي بضدهم، نَصَحَهُم بقدر طاقته، وأقام لهم المعاذير ما استطاع، وسار فيهم بعينيين، عينٌ ناظرة إلى الأمر والنهي، بها يأمرهم وينهاهم، ويواليهم ويعاديهم.