٤ - الخزانة الرابعة
٥ - فضائل الدعوة والدعاة إلى الله
حاجة البشرية للدين كحاجة الجسد إلى الروح، فكما أنه إذا فُقدت الروح فسد الجسد، فكذلك الأمة إذا فقدت الدين فسدت دنياها وأخراها: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
• أصل الدعوة:
حقيقة الدعوة هي الدعوة إلى الله، وتعريف الناس بالله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة، وخزائنه العظمى، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، ووعده ووعيده، وتعريفهم بدينه وشرعه، وثوابه وعقابه.
فنعرِّف الناس بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليعظِّموه ويكبروه، ونعرِّفهم بعلمه وقدرته، ليخافوه ويهابوه ويتوكلوا عليه، ونعرِّفهم بخزائنه، ليسألوه ويدعوه، ونعرِّفهم بوعده ليسارعوا إلى طاعته، ونعرِّفهم بوعيده لينفروا من معصيته، ويحذروا سخطه، ونعرِّفهم بنعمه وإحسانه ليشكروه، ونعرِّفهم بدينه وشرعه ليعبدوه بما شرع رسوله ﷺ مع كمال الحب والتعظيم والذل
стр. 9137
له ﷻ : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وبهذا يمتلئ القلب بالإيمان، وتنقاد الجوارح للطاعة والعبادة، وينطق اللسان بالذكر والشكر والتكبير لله .
وأصل الدعوة للداعي تركيزًا؛ ليزيد إيمانه، وتحسن أعماله وأخلاقه، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والدعوة كذلك لغير الداعي تذكيرًا له بالفطرة التي فطر الله عليها ذرية آدم حين خلقهم، وأشهدهم على أنفسهم فأقروا له بالربوبية، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فالداعي يذكِّر الناس بهذا العهد، ليعبدوا ربهم الذي شهدوا له بالوحدانية من قبل، كما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
стр. 9138
• فضل الله بإرسال الرسل:
الله هو الرحمن الرحيم، ورحمته وسعت كل شيء، ومن رحمته بعباده أن أنعم عليهم بنعمه التي لا تعد ولا تُحصى، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، فالرسل يُعَرِّفونهم بربهم وخالقهم ورازقهم، ويبينون لهم ما يرضيه، ويدعونهم إلى طاعته وعبادته وحده لا شريك له، ويبينون ما أعد الله من الثواب لمن أطاعه، وما أعدّ من العقاب لمن عصاه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
ومن رحمة الله أنه كلما ضعف الإيمان، ووقع الناس في الشرك، أرسل الله إليهم رسولًا يدعوهم إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه.
وكان كل رسول يُبعث إلى قومه خاصة، حتى ختم الله النبوة والرسالة بخاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، نبينا محمد ﷺ : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
فاصطفى الله رسوله محمداً ﷺ بالرسالة والنبوة، وأرسله بالهدى ودين الحق إلى الناس كافة، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله حق جهاده، وترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
стр. 9139
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
• أفضل الأنبياء والرسل:
نبينا محمد ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين وآخرهم، وأمته أفضل الأمم وآخرها: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقد بلَّغ ﷺ الرسالة كاملة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده فقد قام بالدعوة إلى الله في أرضٍ معلومة، وهي جزيرة العرب، وفي زمنٍ معلوم قدره ثلاث وعشرون سنة، شاملًا بدعوته ما استطاع من أهل عصره، مبتدئًا بدعوة أهله، ثم عشيرته الأقربين، ثم قومه، ثم أهل مكة، وما حولها، ثم العرب قاطبة، ثم الناس كافة، مبينًا أنه رسول الله إلى الناس كافة، وأنه رحمةً للعالمين، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ثم توفاه الله بعدما بلغ البلاغ المبين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
• أفضل الأمم:
ختم الله الأنبياء والرسل ببعثة محمد ﷺ ، وختم الأمم بهذه الأمة، وأعطاها وظيفة الأنبياء والرسل وهي الدعوة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها إلى أن تقوم الساعة ولهذا كانت أفضل الأمم، في الدنيا والآخرة، وأكثر أهل الجنة.
стр. 9140
ولعظمة هذا العمل، وشَرَف هذه الوظيفة، وثقل هذه المسؤولية، فقد رَبَّى الله هذه الأمة على هذا العمل العظيم من أول يوم كما رَبَّى الأنبياء، واصطفاها واجتباها لذلك من بين الأمم.
وتَوَّج الله هذه الأمة من أجل القيام بالدعوة إلى الله بأربعة تيجان، فاقت بها مَنْ سواها من الأمم:
التاج الأول: تاج الخيرية:
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
الثاني: تاج الاجتباء:
قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
الثالث والرابع: تاج الوسطية، وتاج الشهادة.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
• أفضل القرون:
أفضل القرون القرن الذي فيه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، الذين كانت في حياتهم خمس صفات جعلتهم خير القرون، وهي:
الإيمان .. والعبادة .. والدعوة .. والعلم والتعليم .. والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لإبلاغ دين الله.
стр. 9141
ولما أعطى الله هذه الأمة هذا الدين، وأكرمها بوظيفة الأنبياء والرسل وهي الدعوة إلى الله، فقد أبقى الله من البلاد والعباد والزمان ما يكون ميدانًا لدعوتها في مشارق الأرض ومغاربها إلى أن تقوم الساعة.
وقد اجتهد النبي ﷺ على أصحابه ﵃ حتى جاء فيهم أمران:
أحدهما: إقامة الدين في حياتهم.
الثاني: وإقامته في حياة الناس.
وعلموا أن بقية البلاد والعباد مسؤولية أمته إلى قيام الساعة، وفهموا أن المسلم محاسبٌ على ترك المقصد الانفرادي وهو العبادة، ومحاسب على ترك المقصد الاجتماعي وهو الدعوة إلى الله، ثم توفاه الله بعد أن بلَّغ البلاغ المبين، وترك الأمة على الصراط المستقيم.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
والبصيرة تكون بالعلم قبل الدعوة، واللين مع الدعوة، والصبر عند الدعوة وبعد الدعوة. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]
стр. 9142
وعَنْ ابن مسعود ﵁ عنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمينَهُ، وَيَمينُهُ شَهَادتَهُ». متفقٌ عليه (١).
فرضي الله عنهم، ورضوا عنه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨].
• قيام أصحاب النبي ﷺ بالدعوة إلى الله:
تلقى أصحاب النبي ﷺ منه وسائل وأساليب الدعوة عمليًا، وتحملوا مسؤولية الدعوة بعده ﵊، فضَحَّوا براحتهم، وشهواتهم، وتركوا ديارهم، وأهلهم، وأموالهم، من أجل إعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم، وأموالهم، وأوقاتهم لنشر الدين في العالم.
فساروا دعاةً إلى الله ، يحملون لا إله إلا الله لتدخل كل بيت في مشارق الأرض ومغاربها، في الشام والعراق، وفي مصر وشمال أفريقيا وفي روسيا وما وراء النهر وفي غيرها من البلدان.
وفُتحت هذه البلاد، وانتشر فيها الإسلام، وحل فيها التوحيد بدل الشرك والإيمان بدل الكفر، والعدل والإحسان بدل الظلم والعدوان.
وظهر فيها من العلماء والدعاة والعُبَّاد والزُّهَّاد والصالحين والمجاهدين ما تَقرُّ به عين كل مسلم.
стр. 9143
فالمهاجرون تركوا كل شيء من أجل الدين، والأنصار بذلوا كل شيء من أجل الدين، فقام الدين وانتشر، وتحقق الأمن والعدل.
أولئك خير القرون، أولئك الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أولئك هم المهاجرون والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
والنبي ﷺ وأصحابه ﵃ لما قدموا أوامر الجهد والدعوة إلى الله على أوامر الكسب والمعاش نقصت في حياتهم الأموال والأشياء لكن في المقابل زاد الإيمان، وزادت الأعمال الصالحة، وظهرت حقيقة الأخلاق، وكثرت الفتوحات، وانتشر الأمن والخير: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وأكثر المسلمين اليوم لما قدموا أوامر الكسب على أوامر الجهد والدعوة زادت عندهم الأموال والأشياء، وبالمقابل نقص الإيمان ونقصت الأعمال، فجاء في حياتهم أمران:
الأول: الاهتمام بجمع الأموال كاليهود.
والثاني: الاهتمام بتكميل الشهوات كالنصارى.
فلما تغير المقصد قوي جانب الدنيا والبدن، وضعف جانب الدين والروح، وصار الجهد للدنيا، لا للدين وصار الدين كاليتيم يطوف على الناس لا يجد من يكفله، لأن الناس مشغولون عنه بدنياهم وشهواتهم فانتشر الشر
стр. 9144
والفساد في أكثر العالم، وما يجري ويفري أعظم من أن يوصف، وهيهات أن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها من الإيمان واليقين، والعبادة والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
• فضائل الدعوة إلى الله:
كل من آمن وقام بالعبادة والدعوة إلى الله فالله يكرمه بكرماتٍ عظيمةٍ في الدنيا والآخرة أهمها:
أن الله يعزه وإن لم تكن عنده أسباب العزة كما حصل لبلال وسلمان ﵄: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
стр. 9145
وكذا يجعل الله أعمال الدين كلها محبوبةٌ لديه، يقوم بها، ويدعو إليها ويجد حلاوة ذلك في قلبه، ويجعل الله له محبة في قلوب الخلق، ويطوي بساط الباطل من حوله، ويؤيده بنصرة غيبية من عنده، ويستجيب دعاءه، ويجعل له هيبةً في قلوب الناس، ويعطيه من الأجر مثل أجور من دعاه واستجاب بسببه، ويرزقه الاستقامة والهداية ويجعله سببًا لهداية البشرية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى
стр. 9146
ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثامهم شَيْئًا». أخرجه مسلم (١).
وعن سهل بن سعد ﵁ أن الرسول ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فيه فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». متفقٌ عليه (٢).
• أفضل الوظائف:
أفضل وظائف المسلم هي الدعوة إلى الله .
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فكل مسلمٍ نائبٌ عن الرسول ﷺ في أمته في توحيده وإيمانه، وفي نيته وفكره، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه الكريمة وفي عبادته ومعاملته، حسب قدرته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ولا يقول المسلم أنا داعي أو عالم، لأنه سيجد من يعارضه، فالهم والفكر والشفقة على الأمة، هو روح الدعوة، فمن ليس لديه هم وفكرٌ فليس عنده
стр. 9147
دعوة وفكر النبي ﷺ لهداية الأمة أعظم الأفكار وأوسعها فكان يتفكر ﷺ في ثمان دوائر.
يتفكر لهداية نفسه، وأهله، وعشيرته، وقومه، وبلده، والناس، والعالمين.
فيتفكر لهداية نفسه وأهله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
ويتفكر لعشيرته، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤].
ويتفكر لقومه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ [يس: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ [القصص: ٤٦].
ويتفكر لبلده وما حولها، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧].
ويتفكر للناس كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
ويتفكر للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فالنبي ﷺ قد مات، ونحن نوابه في أمته في جميع أعماله وأقواله وأخلاقه، فالدعوة جزءٌ من النيابة، والتعليم جزءٌ من النيابة، والإفتاء جزءٌ من النيابة،
стр. 9148
والنائب أعم من الداعي والعالم والعابد، لأن النيابة عن النبي ﷺ تمثل القيام بجميع شعب حياة النبي ﷺ ، والنبي قد مات وليس بعده نبي، فأنا نائبه في أمته في تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي والتخلق بالأخلاق الكريمة ورحمة الخلق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». أخرجه البخاري (١).
فالقرآن العظيم لكل الناس، والنبي ﷺ بُعث لكل الناس، فأنا نائبه في كل الناس، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
والله بعث الأنبياء والرسل؛ ليأمروا الناس بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه، والله سبحانه حرك الصحابة ﵃ في العالم، فانتشر الإسلام في العالم، وأنا نائب الرسول ﷺ في العالم الآن، والعطاء على قدر النية، فمن نوى هداية أهل بيته وبدأ هداهم الله، ومن نوى العالم الله يجعله سببًا لهداية العالم، ويعطيه قلبًا يحمل هم العالم، ومن نوى هداية كل فرد أعطاه الله مفتاحًا لقلب كل واحدٍ من الناس؛ لأنه يحمل فكر الرسول ﷺ ، والله لم يجعل الترقي في الدعوة بالأسباب الخارجية، وإنما جعل الترقي بالنوايا الداخلية، والهمم العالية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
стр. 9149
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فالله يقبلك في الدين ولو لم يكن معك أسباب، وإذا قبلك أعانك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والأسد في الغابة يتحرك في كل مكان، ولكنه في القفص لا يتحرك إلا فيه، وكثيرٌ من الناس وضعهم الشيطان في القفص بسبب نيتهم الصغيرة، ولو نوينا هداية العالم لسيرنا الله فيه كما يُسير الكواكب في السماء: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
وكل واحدٍ يملك النية، وليس كل واحدٍ يملك الإمكانية، فإذا حصلت النية سخر الله لنا الإمكانية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
اللهم ارزقنا نيابة النبي ﷺ في أمته حتى نلقاك يا رب العالمين.
стр. 9150
٥ - الخزانة الخامسة
• فضائل الدعوة إلى الله:
الدعوة إلى الله أعظم الوظائف، وأشرف الأعمال، وقد أرسل الله بها جميع الأنبياء والرسل، فبعث ﷻ إلى بني آدم مائة وأربعةٍ وعشرين نبيًا، وذلك من كمال رحمته بخلقه وشفقته ورحمته لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
ومما يدل على شرف الدعوة وفضلها ما يلي:
أولًا: أن الله أضافها إليه، وجعلها من إحسانه إلى خلقه.
كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
ثانيًا: أن الله انتدب لها أشرف خلقه من الأنبياء والرسل، ومن ورثتهم في العلم والعمل من العلماء الربانيين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 9151
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ثالثًا: أنها دعوةٌ للثقلين إلى ما أنزل الله من الهدى الذي يسعد به الإنس والجن في الدنيا والآخرة وينجو به من العذاب.
قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال الله تعالى:: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
رابعًا: أن الله ضمن للدعاة إلى الله الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
خامسًا: شهادة الله للدعاة إلى سبيله بأنهم أحسن الناس قولًا في الدنيا، وأعظمهم ثوابًا في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
стр. 9152
سادسًا: عظم أجر الداعي إلى الله، واستمرار ثوابه، ما انتفع أحدٌ بدعوته، وللداعي مثل ثواب من دعاه.
عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثامهم شَيْئًا». أخرجه مسلم (١).
وعن سهل بن سعد ﵁ أن الرسول ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فيه فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ». متفقٌ عليه (٢).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أخرجه مسلم (٣).
• مراتب الدعوة إلى الله:
تنقسم مراتب الدعوة إلى الله بحسب حال المدعو إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون المدعو محبًا للحق، مؤثرًا له على غيره، طالبًا له فهذا يدعى بالحكمة، وهي القول الصائب، والبرهان القاطع ولا يحتاج إلى موعظة: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
стр. 9153
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
الثاني: أن يكون المدعو معرضاً عن الحق لنوع شهوة، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، ببيان عظمة الله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظيم نعمه وإحسانه، وما عد من النعيم لأوليائه، وما أعد من العقوبة لأعدائه ومن كفر به، فمن عرف ربه أحبه ووحده، وآمن به وأطاعه.
الثالث: أن يكون المدعو معرضاً عن الحق لنوع شبهة، فهذا يجادل بالتي هي أحسن بالأدلة الشرعية والعقلية والحسية، فإن استجاب كف شره وإلا جاهدناه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وقد ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة في قوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
стр. 9154
مقاصد الدعوة إلى الله
الله وكل الشمس بالإنارة، ووكل السحب بإنزال الغيث، ووكل الأرض بالإنبات، ووكل الأنبياء والرسل وأتباعهم بنشر الهداية في العالم.
والدعوة إلى الله هي مقصد بعثة الأنبياء والرسل إلى الناس.
وللدعوة إلى الله مقاصد عظيمة، وغاياتٌ كريمة ومن أهمها:
أولًا: دعوة الناس إلى الإيمان بالله، وتعريف الناس بربهم بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة وإنعامه وإحسانه إلى خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٧].
ثانيًا: دعوة الخلق لأداء حق الله عليهم، وهو عبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 9155
ثالثًا: أمر الخلق بالاستقامة على الدين الحق الذي جاء به رسوله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
رابعًا: تحقيق الإيمان بما أخبر الله ورسوله من أمور الغيب من الملائكة والجن، والبعث، وأحوال اليوم الآخر كالصراط والميزان، والجنة والنار والعمل بموجب ذلك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
خامسًا: تعريف الناس أنه لا حاكم في الكون قدرًا وشرعًا إلا الله وحده لا شريك له وله الحكم وحده في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
وقال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
стр. 9156
سادسًا: حث الخلق على التحلي بمكارم الأخلاق، والمسارعة إلى محاسن الأعمال، واجتناب ضدها.
قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق». أخرجه ابن خزيمة والبزار (١).
سابعًا: إنكار الشرك والبدع وكبائر الذنوب.
قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ثامنًا: تبشير الناس بما أعد الله لهم من النعيم في الآخرة.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
стр. 9157
تاسعًا: تحذير الناس من التعرض لعقاب الله يوم القيامة بإتباع الهوى والشيطان، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وقال الله : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١].
وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
عاشرًا: دعوة جميع بني آدم إلى الدخول في الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
إذا كانت مسؤولية أهل الدنيا تفقد الملك والأموال والأشياء، والفكر فيها، وحسن رعايتها وطلبها، والقيام عليها، فمسؤولية أهل الدين هي تفقد الإيمان والأعمال الصالحة، وكيف تأتي فينا وفي حياة الناس، وكيف يتحقق مراد الله من عباده فيعبدوه وحده لا شريك له، وكيف يتحقق مراد الخلق من ربهم، فيتوجهوا إليه في جميع حوائجهم، لينالوا رضاه، ويفوزوا بجنته، وينجوا من عذابه، وتعريف الناس بربهم وخالقهم، وما هو حقه عليهم؟ ولماذا خلقهم؟ وماذا يريد منهم؟
стр. 9158
وبيان طريق السعادة، وطريق الشقاوة للناس، وتعريف الخلق بما يحب ربهم ليفعلوه، وتعريفهم بما يبغض ليجتنبوه، وتعليمهم الآداب الإسلامية، وحسن المعاشرات، وأحسن الأخلاق، وتعريفهم بنعم الله ليشكروه، وتعريفهم بأسمائه وصفاته، وأفعاله وخزائنه ليعظموه ويكبروه ويحمدوه ويسألوه ويستغفروه، وإخبار الناس بما أعد الله من الكرامات لمن أطاعه، وما أعد من العذاب لمن عصاه.
وكيف يقضي الإنسان حياته على طريقة الأنبياء والمرسلين، لا على طريقة البهائم والشياطين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
وتعريف الناس بالطريق الموصل إلى الله وما لهم بعد القدوم على الله يوم القيامة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وأُمر الناس بتكميل محبوبات رب العالمين في الدنيا من الإيمان، وأنواع الطاعات والعبادات، وأحسن المعاملات، وأحسن المعاشرات، وأحسن الأخلاق، حتى يكمل الله لهم في الآخرة ما يحبون من المطاعم والمشارب، والمساكن والملابس، والأزواج والحور العين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 9159
فمسؤولية كل فرد من المسلمين عظيمة، ووظيفته كبيرة، وعمله مستمرٌ دائمٌ ما دام حيًا كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ومكانة المسلم عند الله عظيمة، وحياته عند الله غالية؛ لأنه مؤمنٌ بالله، ويقيم أمر الله، ويعبد الله، ويدعو إلى الله، ولذا توعد الله من قتل مؤمنًا بغير حق متعمدًا بأشد العقوبات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
وبحسب المكانة تكون المسؤولية، ويكون المقام عند الله، فمكانة المسلم عظيمة، ومسؤوليته كذلك عظيمة: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ٥ - ١٠].
ولا أحب عند الله من المسلم الذي يدعو الناس إلى ربهم، ويحببهم إليه، ويردهم إليه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فأعظم الواجبات بعد الإيمان والتقوى الدعوة إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 9160
وقال النبي ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً». أخرجه البخاري (١).
لذا فواجبنا جميعًا رجالًا ونساءً، كبارًا صغاًرا، العامة والخاصة، الأغنياء والفقراء، والسادة والعبيد، والعرب والعجم، أن نقوم بالدين، ونستقيم عليه، ونقيم الدين وندعو إليه في العالم، حتى يكون الدين كله لله، وينعم الناس بهذا الدين الكامل الذي رضيه الله لهم، وأرسل به رسوله محمًدا ﷺ .
كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 9161
٦ - الخزانة السادسة
٧ - حقيقة الدعوة إلى الله
الدعوة إلى الله، ونشر الدين في العالم، وهداية البشرية إلى ما يسعدها في الدنيا والآخرة، عمل عظيم وكبير، يحتاج إلى فكر مستمر، وعمل دائب، وهم مذيب، وسير الأقدام، وإيلام الأبدان، وبذل الأموال، والتضحية بالأنفس والأوقات والشهوات، والصبر على المشاق، وتحمل الأذى، وذلك كله من أجل إعلاء كلمة الله، ونشر دينه في الأرض، وإزالة الباطل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وهذا العمل العظيم جزاؤه عند الله عظيم كما قال سبحانه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
وبداية الفكر والعمل أن نجتهد أولًا على أنفسنا حتى تكون حياتنا مطابقة لحياة النبي ﷺ في سره وسيرته، وعباداته ومعاملاته، ومعاشراته وأخلاقه، وسائر أحواله، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فالمقصود صفات الرسول ﷺ لا ذات الرسول، وأعمال الرسول ﷺ لا ذات الرسول، والناس يتأثرون من الصفات والأخلاق، لا من الأبدان والذوات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
стр. 9162
فكل إنسان له ذات، لكن ليس مع كل إنسان الصفات والأخلاق العالية، وإنما فضل الله المسلم على غيره بالإيمان، والأعمال الصالحة، والصفات العالية، لا بالذات أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الجاه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
والصفات التي يحبها الله، والأعمال التي يحبها الله، والأقوال التي يحبها الله، أظهرها الله في الأنبياء، وأكملها في حياة سيد الأنبياء والمرسلين.
كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فعلينا التخلق بها، ودعوة الناس إليها، فإذا جاءت فينا الصفات والأعمال التي يحبها الله كان الله معنا، وإذا كان الله معنا فما نحتاج لأحد سواه، فلا نرجو إلا إياه، ولا نخاف إلا منه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نستعين إلا به، ولا نسأل إلا إياه، ولا نعبد إلا هو، وهو مولانا وناصرنا: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨].
ثم ننظر ونتفكر في العالم البشري، وفي العالم الإسلامي، وفي العالم الجاهلي، لنعرف حجم العمل، وحجم التقصير، ونعلم مساحة الكفر، ومساحة الإسلام، ومقدار العدل، ومقدار الظلم، وحجم الصلاح، وحجم الفساد في الأرض، ونضع العالم بين أيدينا، وأمام أعيننا، ونجعل ذلك همّ قلوبنا، وشغل أبداننا، فنحن مسئولون عن إبلاغهم الدين، ومأمورون به جميعاً.
стр. 9163
كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال النبي ﷺ : «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنْهُ». متفق عليه (١).
وقد بعث الله النبي ﷺ رحمة للعالمين، وهذا الدين رحمة للعالمين، وهو حق لكل إنسان في العالم، لا بدَّ من أدائه إليه، وإيصاله له، وإسماعه إياه، ودعوته إليه، لينجو من عذاب الله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
إن حجم المسؤولية كبير واسع، طويل الأمد، فلا بدَّ من الفكر والعلم والعمل، وتصور أحوال الأمم في الأرض.
فكم قارة في العالم؟ وكم بلد في العالم؟ وكم مدينة في العالم؟ وكم قرية في العالم؟ وكم بيت في العالم؟ وكم إنسان في العالم؟ وكم كافر في العالم؟ وكم مسلم في العالم؟ وكم جاهل في العالم؟ وكم غافل في العالم؟ وكم ضال في العالم؟ وكم تائه في العالم؟ وكم محتار في العالم؟ وكم مشرك في العالم؟ وكم مبتدع في العالم؟ وكم مطيع لله في العالم؟ وكم عاص لله في العالم؟
стр. 9164
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وكم ظالمٍ في العالم؟ وكم من مظلوم في العالم؟ وكم من فاسق في العالم؟ وكم داعٍ إلى الحق في العالم؟ وكم داعٍ إلى الباطل في العالم؟.
إن هذه الأمم والشعوب والأفراد، والقارات والمدن والقرى، كلها تحتاج إلى رسالتين عظيمتين:
الأولى: لا إله إلا الله؛ لإصلاح قلوبها بالإيمان واليقين والتوحيد.
الثانية: محمد رسول الله؛ لإصلاح أبدانهما وعباداتها، ومعاملاتها ومعاشراتها وأخلاقها، فلا بدَّ من الحركة والقيام، والجهد والتضحية والسير في الأرض، لنعرف حجم المرض الكبير الذي تفشى في البشرية، وهو الشرك، والكفر، والبدع، والمعاصي والفواحش، والإثم والبغي، والظلم والطغيان والفساد.
ثم نقوم فورًا رجالًا ونساءً بعلاج هذا الداء الذي عمَّ وطمَّ، وذلك بالدعوة إلى الله، ليعود الناس إلى ربهم، ويتوبوا إليه، ويؤمنوا به وحده لا شريك له.
فقد جاء الباطل في حياة الأمة، لأنهم تركوا الدعوة إلى الله، فجاءهم من يدعوهم إلى الباطل، ويقول لهم: إن السعادة والنفع والضر في المخلوقات والأشياء، وأن المخلوق يفعل ما يريد، وله أن يقضي حياته كالبهائم كيف شاء بلا أمر ولا نهي، ولا حد ولا قيد، وهذه دعوة الباطل، وهي توجب غضب الرب، وتمنع نزول النصر، وتسبب الشقاء، وتحول
стр. 9165
بين المرء والسعادة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
أما دعوة الحق فهي أن نعلم أن الله هو الخالق وحده، وهو الفعّال لما يشاء، وهو الذي بيده كل شيء، وما سواه مهما كان ليس بيده شيء، فله سبحانه الخلق والأمر وحده، لكن الله يفعل من وراء الأسباب.
فذاته وقدرته سبحانه مغيبة وراء الأسباب ابتلاء وامتحانًا، وبسبب ضعف الدعوة ضعف الإيمان، فجاء اليقين على المخلوقات والأسباب، وصار تعامل الناس معها بدون اللجوء إلى الله سبحانه، فأصابهم بسبب ذلك التعب والشقاء.
فكل من لم يرض بالتوجه إلى رب الأسباب وكله الله إلى الأسباب وأذله بها، ثم عاقبه على ذلك، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
стр. 9166
فالله هو الفعال وحده لا شريك له، ولكنه أخفى قدرته وراء الأسباب امتحانًا وابتلاءً للعباد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالله بحكمته وعلمه وقدرته يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويظهر ما يشاء، ويخفي ما يشاء ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقد أظهر سبحانه خمساً، وأخفى خمساً:
أظهر المخلوقات، وأخفى نفسه .. وأظهر الدنيا، وأخفى الآخرة .. وأظهر قيمة الأموال الأشياء، وأخفى قيمة الأعمال.
وأظهر الأبدان والأجساد، وأخفى الأرواح والعقول.
وأظهر سننه وأخفى قدرته.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والأمة إذا تركت الدعوة إلى الله أصيبت بآفتين:
الأولى: ذهاب الدين من حياتها تدريجيًا حتى لا يبقى منه إلا بعض الشعائر والآداب.
الثانية: أن يكون اليهود والنصارى أئمتها في أمور حياتها كلها.
قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
стр. 9167
وأصحاب النبي ﷺ لما عرفوا حقيقة الإيمان، وقاموا بالدعوة، صار إمامَهم إمُام الهدى محمد ﷺ في جميع أحوالهم، فسعدوا وأسعدوا، فرضي الله عنهم ورضوا عنه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وكل إنسان من بني آدم يملك ثلاثة جواهر:
النفس .. والمال .. والوقت.
وقد جاد أصحاب النبي ﷺ بهذه الثلاثة، وبذلوها للدين، لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨ - ٨٩].
وبجهد النبي ﷺ وأصحابه وأتباعه خرج كثير من الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الهوى إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن البدعة إلى السنة، ومن الضلال إلى الهداية، ومن غضب الله وسخطه إلى رحمته ورضاه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وجهد الدعوة لا يؤتي ثمرته حتى يكون حسب ما جاء به الرسول ﷺ من فكر وقول، وعمل وأخلاق، وصدق وإخلاص، وحكمة وصبر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 9168
فأول ما دعا ﵊ إلى الله اجتهد على ثلاثة أصناف من الناس:
الرجال .. والنساء .. والأطفال.
فأول من استجاب له من الرجال أبو بكر ﵁.
وأول من استجاب له من النساء خديجة ﵂.
وأول من استجاب له من الأطفال علي ﵁.
فآمنوا بالله ورسوله، ولازموا رسول الله ﷺ ، يتعلمون منه، ويقتدون به، وأول ما انتقل إليهم منه جهد الدعوة قبل العبادة، فقاموا به خير قيام قبل نزول الأحكام.
وما قاموا به هو ما تعلموه من النبي ﷺ من الإيمان واليقين وذلك بالدعوة إلى الله، لنقل فكر الناس من اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق وحده لا شريك له، ومن اليقين على الأموال والأسباب إلى اليقين على الإيمان والأعمال الصالحة، ومن العادات والتقاليد الجاهلية إلى السنن والأحكام الشرعية، ومن عمارة الدنيا إلى عمارة الآخرة، ومن الشرك والكفر إلى الإيمان والتوحيد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
أعظم أعمال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى الله، بالجولة على الناس، وزيارتهم، وغشيانهم في مجالسهم وبيوتهم لدعوتهم إلى الله.
стр. 9169
وكان النبي ﷺ يغشى الناس في مجالسهم، ويذكرهم بالله، ويدعوهم إليه، ويتلو عليهم القرآن، وكان ﷺ يتجول في سوق ذي المجاز على الناس ويقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ الله تُفْلِحُوا قَالَ: وَأَبُو جَهْلٍ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ لِتَتْرُكُوا آلِهَتَكُمْ وَتَتْرُكُوا اللاَّتَ وَالْعُزَّى، قَالَ: وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ». أخرجه أحمد بإسناد صحيح (١).
وقد أمر الله رسوله ﷺ بالصبر على مشاق الدعوة في أكثر من ثمانين موضعًا، كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٥ - ٧].
وفعل فِعْله أصحابه ﵃ في مكة، وفي المدينة، وفي الحضر والسفر، وفي الليل والنهار، وفي البيوت والأسواق وفي كل حال اقتداءً به ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وأمر الله موسى وهارون ﵉ أن يذهبا إلى فرعون لدعوته إلى الله بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٦].
стр. 9170
وكان همُّ النبي ﷺ تغيير فكر الناس من المخلوق إلى الخالق، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، وتغيير اليقين، وتغير العمل، وتغيير البيئة وتكميل الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وليس همه ﷺ تغيير الأشياء، ولا جمع الأشياء، ولا الفكر في الأشياء، ولا إتباع الشهوات والملذات: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ [البقرة: ١١٩].
والله أمر رسوله ﷺ بأربعة أشياء:
أن يتعلم الوحي .. وأن يعمل به .. وأن يعلمه .. وأن يقيم الناس عليه.
وهذه المسؤوليات العظيمة انتقلت إلينا بعد وفاة الرسول ﷺ .
فبالدعوة يأتي الإيمان، وإذا جاء الإيمان جاءت الرغبة في الأعمال والطاعات، والنفرة من المعاصي والمنكرات، وبذلك يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة.
ولما ضعف الإيمان والعمل بالدين في عهد نوح ﷺ أرسل الله نوحًا ﷺ فلما دعا الناس إلى الله جاء الإيمان والدين، فلما مات ضعف الإيمان، ثم ضعفت الأعمال، وبقي العلم وحده فجاء الكفر.
وهكذا كلما ضعف الإيمان والعمل بعث الله رسولًا يدعو الناس إلى ربهم، والعمل بشرعه، وهكذا بعث الله رسولًا بعد رسول، حتى بعث محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين فدعا إلى الله فجاء الإيمان والدين في الأمة، ومن أول يوم أقام النبي ﷺ الأمة على الإيمان والدعوة إلى الله قبل زوال
стр. 9171
الأحكام: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ووضع الشيء في غير موضعه ظلم، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه ظلم، وعدم أداء الأمانة ظلم، والمسلم عليه حق وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وله حق وهو دخول الجنة إذا أدى حق الله، وعليه واجب وهو الدعوة إلى الله، فالمسلم ميدانه الدعوة إلى الله، فإذا لم يستعمل نفسه في ميدانه، ولم يؤد الأمانة، فهو ظالم لنفسه، وظالم لغيره، والله لا يحب الظالمين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وجهد الداعي إلى الله نوعان:
جهد على الكافر حتى يأتي عنده الإيمان.
وجهد على المسلم ضعيف الإيمان، ليقوى إيمانه، وتحسن أعماله، فإذا زاد إيمانه جاءت عنده الرغبة في الأعمال الصالحة كلها من عبادة، ودعوة، وتعليم، وإحسان إلى الخلق، وحسن خلق وغيرها من أنواع الطاعات والعبادات: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والدعوة إلى الله على منهاج النبوة واجبة على كل مسلم ومسلمة بحسب ما لديه من الإيمان والعلم الشرعي، يدعو إلى الله، ويحيي السنن، ويميت البدع، وينصر الحق، ويخذل الباطل، ويكون قدوة لغيره، يفعل الخير، ويدعو إليه، وينتهي عن الشر، ويحذر منه.
стр. 9172
أما من يملك قسطًا من الحماس مع خلو من الفقه الشرعي، أو يقول: فسد الزمان ويدعو إلى العزلة، أو من قعد يبكي وصلح في نفسه، وأعرض عن آلام أمته، أو من رمى الناس بالكفر ويأس من الإصلاح، أو من قنع من الإسلام بالزهديات، وكف عن النزول في الساحات، وغشيان الناس في أماكنهم وأسواقهم، فهؤلاء وأمثالهم ومن في حكمهم بحاجة إلى دعوة وعودة إلى منهج النبوة؛ ليزول عنهم الخطر، وتنتفع بهم الأمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
أما من أعرض عن الدعوة وركض وراء المال والجاه، واتبع الشهوات، وأضاع الأوامر، فهؤلاء نعوذ بالله من شرورهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].
والدعوة والعبادة والتعليم أهم أعمال الدين، وحتى تكون هذه مقبولة عند الله لا بدَّ أن تقوم على المحبة والرحمة، والإخلاص والمتابعة، فيجب دعوة الناس إليها باللين والرفق والحكمة من غير تنفير، حتى تنشرح لها صدورهم، وترغب فيها نفوسهم، وتتحرك بها جوارحهم.
стр. 9173
قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وجميع الأمة عمال يعملون في دار الملك إلى أجل مسمى، فليحذروا معصيته في ملكه، ومخالفة أمره في مملكته، فإن أخذه أليم شديد: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
وقال عمن عصى رسله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
стр. 9174
٧ - الخزانة السابعة
٨ - أصول الدعوة إلى الله
• من أهم أصول الدعوة:
أن يجعل المسلم هدفه في الدنيا عبادة الله وحده، والدعوة إلى دينه، فيصلح نفسه بأوامر الله ورسوله، ويدعو الناس إلى ذلك ابتغاء مرضات الله : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وأن يختار في إبلاغ دين الله لعباده الطرق النبوية التي فعلها النبي ﷺ ، وعرف أصحابه عليها، وعلمهم إياها، وأمرهم بها، من بذل المال والنفس والوقت لنشر دين الله، والتضحية بكل ما يملك المسلم من أجل إعلاء كلمة الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وفي القرآن والسنة خيرات كثيرة، وكنوز مختلفة، وسير عبقة للأنبياء والرسل، فيأخذ الداعي منها ليفلح في دعوته، وأن يستمر في إبلاغ الناس هذا الدين، والعمل به، وتعليمه في أي حال، ومهما كانت الأحوال، في الليل والنهار، وفي حال العسر واليسر، وفي حال الصحة والمرض، وفي حال الأمن والخوف، وفي البيت والسوق، وفي حال الإقامة والسفر، ولا تؤثر عليه التغيرات والتقلبات الجوية والمكانية والاجتماعية، ولا يعبأ بأي عارض أو معرض، أو كائد أو حاسد، فإن الله معه يسمع ويرى، وهو
стр. 9175
حامل رسالة الله إلى خلقه، فليؤد الرسالة، ويبلغ ما أمر به، والله يعصمه من الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وأن يستمر الداعي في دعوته، ويبلغ دين الله، ولا يأخذ على ذلك أجرًا من أحد، فقد تكفل الله بأجرته، فعليه الصبر، وانتظار العقبى الحسنة: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٩].
وكل نبي ورسول قال لقومه هذا.
وأن يجعل المسلم هذا الدين والعمل به والدعوة إليه مقصد حياته، ويواصل العمل، حتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، فلا تفلت منه لحظة في غير طاعة الله ورسوله وإبلاغ دينه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
إن كل ما يراه الإنسان من ظاهرة التمسك بالكتاب والسنة، وحسن الاستقامة، والرغبة في الدين لدى بعض الناس، إنما ذلك ثمرة جهود العلماء والدعاة المخلصين الذين نذروا أنفسهم لله، وانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها يبلغون دين الله ويعلمون شرع الله، فلا نكتفي بالفرح