المقدّمة
الحمد لله الذي زيّن بذكره ألسن الذاكرين، وأظهر من جميل أسمائه وصفاته ما سَرَّ به قلوب العارفين، فأثنى عليه بها الموحدون من الأولين والآخرين …
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانه كل ما في الكون يسبحه، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، أعرف الناس بربه، وأعلمهم بجلاله وكماله وصفاته، فمن ثَم كان لا يفتر لسانه عن ذكره وتسبيحه ودعائه …
أما بعد:
فإن هذا الجزء الحديثي له نفاسته وقيمته الكبيرة من جهتين:
الأولى: من جهة موضوعه: وهو الذكر والتسبيح؛ فإن ذكر الله هو قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقوة الأبدان، ودرع المؤمن، وسلاح المسلم، وقوة الموحد، ورفعة العابد …
стр. 2
وما أجمل ما قال ذو النون المصري: «ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته» (١).
وما أصدق ما قال القائل:
إذا مرضنا تداوينا بذكركُمُ … ونترك الذكر أحيانا فننتكسُ
الثانية: من جهة مُصنِّفه: وهو العالم الجليل، الرجل الصالح العفيف، القاضي الذي حسن علمه بصناعة القضاء الإمام الحافظ الفقيه الكبير الثقة القاضي: أبو محمد يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم، البصري الأصل، البغدادي.
ويدل على منزلته في الحديث، أن كثيرًا من الأئمة الكبار قد رووا عنه، أو من طريقه في كُتبهم.
وممن روى عنه في كتبه:
وكيع القاضي في «أخبار القضاة»، وأبو عوانة في «مُستخرجه»، وابن القاص في «أدب القاضي»، وابن قانع في «معجم الصحابة»، ودعلج بن أحمد في «مسند المقلين»، وأبو بكر بن خلاد في «حديثه»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وفي «المعجم الصغير»، وفي «الدعاء»، وفي «مكارم الأخلاق»، وفي «الأحاديث الطوال»، وفي «مسند الشاميين»، وفي «طرق حديث من كذب علي متعمدًا»، وفي «من اسمه عطاء من رواة الحديث»، والرامهرزي في «المحدث الفاصل»، وأبو عمرو بن نجيد السلمي في «جزء من أحاديثه عن شيوخه»، وابن ماسي في «فوائده»، وأبو بكر الإسماعيلي في «معجم أسامي شيوخه».
_________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣٧٢).
стр. 3
وممن روى من طريقه في كتبه:
الجصاص في «شرح مختصر الطحاوي»، والتنوخي في «نشوار المحاضرة»، والدارقطني في «سننه»، وفي «العلل»، وفي «المؤتلف والمختلف»، وابن بطة في «الإبانة الكبرى»، وابن منده في «معرفة الصحابة»، وابن عمشليق في «جزئه»، وابن ثرثال في «جزئه»، وعبد الغني بن سعيد الأزدي في «الغوامض والمبهمات»، وابن نصر في «فوائده عن مشايخه»، وأبو عبد الرحمن السلمي في «سؤالاته للدارقطني»، والثعلبي في «تفسيره»، وأبو نعيم في «الحلية»، وفي «معرفة الصحابة»، وفي «دلائل النبوة»، وفي «صفة الجنة»، وفي «صفة النفاق»، وفي «الطب النبوي»، وفي «مستخرجه على صحيح مسلم»، وفي «طرق حديث إن لله تسعة وتسعين اسمًا»، وفي «أخبار أصبهان»، وفي «الإمامة والرد على الرافضة»، وفي «تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة»، وفي «مسند أبي حنيفة»، وفي «منتخب من حديث يونس بن عبيد»، وابن بشران في «أماليه»، وابن حزم في «حجة الوداع»، والبيهقي في «السنن الكبير»، وفي «الشعب»، وفي «الأسماء والصفات»، وفي «معرفة السنن والآثار»، وفي «دلائل النبوة»، وفي «الآداب»، وفي «الدعوات الكبير»، وفي «القضاء والقدر»، وفي «فضائل الأوقات»، وفي «مناقب الشافعي»، وفي «البعث والنشور»، وفي «المدخل إلى السنن الكبير»، وفي «إثبات عذاب القبر»، والخطيب البغدادي في «تاريخه»، وفي «البخلاء»، وفي «الكفاية في علم الرواية»، وفي «الأسماء المبهمة»، وفي «الفصل للوصل»، وابن عبد البر في «الاستذكار»، وفي «التمهيد»، والواحدي في «أسباب النزول»، وفي «التفسير الوسيط»، وأبو طاهر بن أبي الصقر في «مشيخته»، وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله»، والخلعي في «الفوائد المنتقاة
стр. 4
الحسان الصحاح والغرائب»، والنرسي في «ثواب قضاء حوائج الإخوان»، وقاضي المارستان في «المشيخة الكبرى»، وابن عساكر في «تاريخه»، وفي «معجمه»، وفي «الأربعون الأبدال العوالي»، وأبو طاهر السلفي في «الطيوريات»، وفي «المشيخة البغدادية»، وفي «أحاديث وحكايات»، وأبو موسى المديني في «اللطائف من دقائق المعارف في علوم الحفاظ الأعارف»، وابن الجوزي في «القصاص والمذكرين»، وفي «الموضوعات»، وعبد الغني المقدسي في «أخبار الصلاة»، وفي «نهاية المراد من كلام خير العباد»، وفي «الثاني من المصباح في عيون الصحاح»، وأبو سعد الصفار في «الأربعون من مسانيد المشايخ العشرين للقشيري»، وابن نقطة في «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد»، وابن الأثير في «أسد الغابة»، وابن خلفون في «المعلم بشيوخ البخاري ومسلم»، والضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة»، وفي «الرواة الأربعة عشر»، وفي «عوالي تخريجه من الموافقات في مشايخ أحمد»، وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد»، وابن المقير في «حديثه عن شيوخه»، وابن العديم في «بغية الطلب»، وابن الظاهري في «مشيخة ابن البخاري»، والمزي في «تهذيب الكمال»، والذهبي في «تذهيب تهذيب الكمال»، وفي «تاريخ الإسلام»، والعلائي في «جزء في تفسير الباقيات الصالحات»، وابن المحب الصامت في «صفات رب العالمين»، وابن حجر في «الأمالي المطلقة»، وغيرهم …
ومع القيمة العلمية لهذا الجزء؛ فإنه تزداد أهميته في أنه أول كتاب يصل إلينا للمصنف ﵀، ونسأل الله أن ييسر ظهور باقي مصنفاته.
وقد قُمت في هذا الجزء بالآتي:
١ - نسخ الكتاب عن أصله الخطي.
стр. 5
٢ - مقابلة نصوصه على ما ورد منها في الكتب التي يروي أصحابها عن المصنف أو من طريقه، وتوثيق ذلك وإثباته، وقمت بتصحيح بعض الكلمات اعتمادًا على المصادر الأخرى؛ وذلك عند وجود خطأ واضح، مع بيان ما في الأصل.
٣ - تخريج نصوص الكتاب، وجعلت التخريج على الأسانيد، فأحيانًا أُقدِّمُ في التخريج الترمذي أو غيره على البخاري أو مسلم؛ وذلك لموافقة الإسناد لرواية الترمذي أو غيره، ثم أذكر بعد ذلك رواية البخاري أو مسلم، مع عدم التوسع في التخريج؛ لأنه لا يخلو كتاب من أمهات الكتب من التوسع في التخريج؛ فأكتفي غالبًا بذكر أشهر المصادر الموافقة للرواية في الإسناد، إلا ما كان يُروى عن المصنف، أو من طريقه؛ فقد حاولت قدر الإمكان الاستقصاء والحصر.
٤ - ما وجدته من تعليق للعلماء من حيث التصحيح والتضعيف، أو من حيث فائدة توضح معنى؛ قمت بنقله، وإذا كان النص في إسناده علة؛ فأذكر هذه العلة بعد التخريج، مع ذكر الحكم على الإسناد قبل التخريج.
٥ - ترقيم فِقرات الكتاب.
٦ - شرح غريب الكلمات من كتب اللغة.
٧ - التقديم للنص بدراسة اشتملت عن المؤلف، وعن كتابه.
٨ - ختمت الكتاب بفهارس متنوعة، وقد اشتملت هذه الفهارس على:
أ - فهرس الآيات القرآنية.
ب - فهرس الأحاديث النبوية.
ج - فهرس الآثار.
د - فهرس الأعلام.
هـ - فهرس المصادر والمراجع.
стр. 6
و - فهرس موضوعي.
ز - الفهرس العام.
وفي خاتمة هذه المقدمة لا يفوتني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير والامتنان إلى كل مَنْ أعان على خروج هذا العمل، وأسأل الله أن يتقبل منهم، وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم.
وأخص بالشكر:
الشيخ الفاضل الدكتور/ عبد الله المنصور؛ فقد جعله الله سببًا في إخراج هذا الكتاب عندما نشر نسخته الخطية على قناته على التليجرام.
والأخ الفاضل البذول/ سيزار الكاتب بن نوح التركي؛ فقد أكرمني بتصوير المجموع الذي تضمن هذا الكتاب، - وسيأتي الكلام عنه عند وصف النسخة الخطية -.
وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وكتبه
أبو محمدٍ إدريسُ بنُ صُبحي نَجم
الحامول/ كفر الشيخ/ مصر
وكان الفراغ من تحقيقه في مكة المكرمة
الثلاثاء ٢٩ شعبان ١٤٤٥ هـ
١٠ مارس ٢٠٢٤ م
стр. 7
الدراسة
وتشتمل على قسمين:
القسم الأول: ترجمة المؤلف.
القسم الثاني: دراسة الكتاب.
стр. 8
القسم الأول: ترجمة المؤلف:
الفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.
المبحث الثاني: مولده ونشأته.
المبحث الثالث: أولاده.
المبحث الرابع: توليه للحسبة والنفقة والمظالم.
المبحث الخامس: توليه للقضاء، وشدته في الحكم بين الناس
بالعدل، وعدم رهبته من أحد.
المبحث السادس: ذكر طرف من أخباره.
المبحث السابع: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية:
المبحث الأول: طلبه للعلم.
المبحث الثاني: ذكر شيوخه.
المبحث الثالث: ذكر تلاميذه.
المبحث الرابع: مؤلفاته.
المبحث الخامس: منزلته العلمية، وأقوال العلماء فيه.
стр. 9
القسم الأول: ترجمة المؤلف (١)
الفصل الأول: دراسة جوانبه الشخصية
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه :
الإمام، الحافظ، الفقيه الكبير، الثقة، القاضي، أبو محمد يوسف بن يعقوب ابن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم مولى آل جرير بن حازم الأزدي، البصري الأصل، البغدادي.
المبحث الثاني: مولده ونشأته :
ولد في شهر صفر (٢) سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ)، وقد سكن بغداد وحدث
_________
(١) مصادر ترجمته: «أخبار القضاة» لوكيع القاضي (٣/ ٢٨٢)، «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للتنوخي (١/ ٢٤٥، ٧/ ١٣)، «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» لأبي يعلى الخليلي (٢/ ٦٠٨)، «تاريخ بغداد» (١٥/ ٤٥٦)، «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» للقاضي عياض (٤/ ٢٩٥)، «المنتظم» لابن الجوزي (١٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» لابن نقطة (ص ٤٩١ - ٤٩٢)، «مرآة الزمان في تواريخ الأعيان» لسبط ابن الجوزي (١٦/ ٣٧٥)، «طبقات علماء الحديث» لابن عبد الهادي (٢/ ٣٧١)، «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٨٧ - ٨٥)، «تاريخ الإسلام» (٦/ ١٠٦٩)، و «العبر في خبر من غبر» (١/ ٤٣٤)، «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٢/ ١٧٠)، «طبقات الحفاظ» للسيوطي (ص ٢٩١) «البداية والنهاية» (١٤/ ٧٦١ - ٧٦٢)، «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي (٣/ ٤١٤).
(٢) لم أجد عند أحد ممن ترجم له ذكر الشهر الذي ولد فيه، وقد ذكر أبو طاهر المخلص في «الجزء الثامن من المخلصيات» (١٩٣) عن أبي محمد عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، عن أحمد بن إسماعيل، أنه ذكر قصة حدثت بين ابن أبي الدنيا وبين يوسف القاضي - سيأتي ذكرها -، ثم =
стр. 10
بها، ونشأ في أسرة علمية، واهتموا به. قال الذهبي: «حرص عليه أهله، فإنهم بيت علم».
وقال الذهبي أيضًا: «بكر بطلب العلم بتحريض والده».
وذكر أنه سمع وهو حدث من عدة مشايخ سيأتي ذكرهم في مبحث طلبه للعلم.
وهذا طرف من بيان اهتمام أسرته بالعلم :
فإن والده (١) كان قاضيًا بمدينة الرسول ﷺ ، وقدم بغداد وحدث بها عن سفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة.
وقد ترجم القاضي عياض ليوسف القاضي، مع جملة من العلماء من آل حماد بن زيد، وقبل أن يترجم لهم، قال: «كانت هذه البيت على كثرة رجالها، وشهرة أعلامها، من أجلِّ بيوت العلم بالعراق، وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا، وهم نشروا هذا المذهب هناك، ومنهم اقتبس، فمنهم من أئمة الفقه والمشيخة في الحديث والسنن عدة، كلهم أجلة، ورجال سنة، روي عنهم في أقطار الأرض، وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب، وتردد العلم في طبقاتهم، وبيتهم، نحو ثلاثمئة عام، من زمن جدهم الإمام حماد بن زيد، وأخيه سعيد، ومولدهما نحو المئة، إلى وفاة آخر من وُصِف منهم بعلم، المعروف بابن أبي يعلى. ووفاته قرب عام أربعمئة … ».
_________
= نقل أبو طاهر عن أبي محمد أنه قال: «وكان مولدهما جميعًا في سنة وهي سنة ثمان ومئتين، ولد القاضي يوسف في صفر … ».
(١) انظر ترجمة والده في «تاريخ بغداد» (١٦/ ٤٠١)، و «المنتظم» (١١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و «تاريخ الإسلام» (٥/ ٢٩٠)، وترجم الذهبي لوالده إثر ترجمته للمصنف.
стр. 11
المبحث الثالث: أولاده :
كان للقاضي يوسف ثلاثة من الولد، وهم:
أحمد، وكنيته أبو عبد الله، وقد توفي سنة (٢٩٩ هـ) (١).
والقاضي أبو يعلى، واسمه الحسين، وقد توفي سنة (٣٠٦ هـ) (٢).
القاضي أبو عمر واسمه محمد، وقد ولد سنة (٢٤٣ هـ)، وتوفي سنة (٣٢٠ هـ) (٣).
المبحث الرابع: توليه للحسبة والنفقة والمظالم :
قال القاضي عياض: «كان ذا جلالة وقدر عظيم ببغداد، وأول ما ولي بها الحسبة، سنة إحدى وسبعين، وولي أيضًا نفقات الموفق، فكان يتولاها دون رأي وزير أو غيره. ولما استعفى إسماعيل أيام المعتضد من القضاء وأجيب صيَّر مكانه يوسف هذا. فيما ذكره الفرغاني».
وقال الطبري في أحداث سنة سبع وسبعين ومئتين (٢٧٧ هـ): «وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم، فأمر أن ينادى: من كانت له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله أو أحد من الناس فليحضر وتقدم إلى صاحب الشرطة ألا يطلق أحدًا من المحبسين إلا من رأى إطلاقه يوسف، بعد أن يعرض عليه قصصهم» (٤).
_________
(١) انظر ترجمته في «جمهرة تراجم الفقهاء المالكية» (١/ ٣٠٣).
(٢) انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (٨/ ٧٣١)، و «المنتظم» (١٣/ ١٨٤).
(٣) انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» (٤/ ٦٣٥ - ٦٣٩)، و «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٥٥٥)، و «تاريخ الإسلام» (٧/ ٣٧٦ - ٣٧٧).
(٤) «تاريخ الطبري» (١٠/ ١٨).
стр. 12
المبحث الخامس: توليه للقضاء، وشدته في الحكم بين الناس بالعدل، وعدم رهبته من أحد، وسبب عزله عن القضاء :
أولًا: توليه للقضاء :
كان قد ولي القضاء بالبصرة في سنة ست وسبعين ومئتين (٢٧٦ هـ)، وضم إليه قضاء واسط، ثم أضيف إلى ذلك قضاء الجانب الشرقي من بغداد.
وقال أبو يعلى الخليلي: «تولى قضاء القضاة ببغداد بعد ابن عمه إسماعيل، وكان له معرفة بالحديث، أدرك من شيوخ إسماعيل الكثير».
ثانيًا: شدته في الحكم بين الناس بالعدل، وعدم رهبته من أحد :
وقد أثنى العلماء على علمه بالقضاء، وعلى حكمه بالعدل وعدم رهبته من أحد.
ومما ذُكر عنه في ذلك ما حكاه ابنه القاضي أبو عمر محمد بن يوسف، قال: «قدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي في حكم، فجاء فارتفع في المجلس، فأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالًا بعظم محله من الدولة، فصاح أبي عليه، وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟ يا غلام! عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة لأتقدم إليه ببيع هذا العبد، وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه، فأخذ كرهًا وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث المعتضد بالحديث، وبكى بين يديه فصاح عليه المعتضد، وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدًا، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم، فإنه عمود السلطان، وقوام الأديان».
وهذا الموقف جعل العلماء يثنون على شدته في الحكم، ومن ذلك:
قال التنوخي: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال: «يوسف بن يعقوب بن
стр. 13
إسماعيل بن حماد بن زيد كان رجلًا صالحًا عفيفًا خيرًا حسن العلم بصناعة القضاء، شديدًا في الحكم، لا يراقب فيه أحدًا، وكانت له هيبة ورياسة، وحمل الناس عنه حديثًا كثيرًا، وكان ثقة أمينا».
ثالثًا: سبب عزله عن القضاء :
واستمر يوسف القاضي في القضاء إلى قبل وفاته بسنة واحدة. قال وكيع القاضي: «فلم يزل يوسف بن يعقوب قاضيًا على الجانب الشرقي من مدينة السلام إلى سنة ست وتسعين ومئتين (٢٩٦ هـ)، ثم صرف عن القضاء فيه».
والسبب في عزله عن القضاء؛ ما ذكره القاضي عياض، أنه: «لما قام عبد الله ابن المعتز، لطلب الخلافة أيام المقتدر سنة ست وتسعين، وبايع له من بايع، كان في جملتهم: القاضي أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب هذا، وهو شريك لأبيه في القضاء، فلما ظفر بابن المعتز، وانحل أمره، انتشر أبو عمر، - وكان من محنته ما يأتي ذكره في خبره -. فصرفه المقتدر عن القضاء، وصرف بصرفه ابنه أيضًا، واقتصر على الصرف، فلزم يوسف منذ ذلك منزله، ولم يتول للسلطان عملا من القضاء، إلى أن توفي إثر ذلك».
المبحث السادس: ذكر طرف من أخباره :
أولًا: عدم خشيته من أحد:
قد سبق ذكر موقفه مع خادم من وجوه خدم المعتضد بالله، مما يدل على صرامته في الحق، وهذا ليس في القضاء فقط، بل موقف آخر في مجلس من مجالس العلم، ذكره القاضي عياض، فقال:
«وقال ابن الخطيب مؤدب المعتضد: حضرت يومًا في مجلس يوسف بن يعقوب مع أصحاب الحديث، فدخل عليه مؤنس صاحب شرطة بغداد، وكان
стр. 14
جبارًا غاشمًا، من كبار خدام المعتضد، والمكتفي، فقصد إلى سرير يوسف، فلم يقم له، فسلم عليه مؤنس، وهو قائم، فأومأ إليه يوسف، فأجلسه بين يديه، وكان مع مؤنس إلى أن قضى حديثه مع يوسف، ثم انصرف».
ثانيًا: ذكاؤه في التعامل مع المعتضد، عندما أراد لعن معاوية ﵁: قال الطبري في أحداث سنة أربع وثمانين ومئتين (٢٨٤ هـ): «وذكر: أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يُعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد؛ فمضى يوسف بن يعقوب، فكلم المعتضد في ذلك، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة! فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعتُ سيفي فيها. فقال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بالطالبيين الذين هم في كل ناحية يخرجون، ويميلُ إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؛ وفي هذا الكتاب إطراؤهم، - أو كما قال -، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جوابًا، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء» (١).
قال القاضي عياض تعقيبًا على القصة بعد ذكرها: «فعد الناس هذه من مناقب ابن حماد، بخاصة ليوسف بن يعقوب.
قال: فدخل على القاضي يوسف بعض أهل الحديث، يشكره ويقول: جزاك الله خيرًا، فإنكم أهل بيت سنة».
وقبل أن ينقل القاضي عياض القصة عن الطبري ذكر أن القاضي يوسف، كان يسعى في رد ذلك، وما زال يتردد حتى ترك الأمر بذلك، وانصرف عنه، ثم ذكر القصة السابقة.
_________
(١) «تاريخ الطبري» (١٠/ ٦٣).
стр. 15
ثالثًا: موقفه مع ابن أبي الدنيا:
عن أبي محمد عبيد الله بن عبد الرحمن السكري، قال: حدثني أحمد بن إسماعيل - وكان إلفًا لأبي بكر بن أبي الدنيا صديقًا له -، قال: مضيت يومًا مع أبي بكر بن أبي الدنيا إلى القاضي يوسف بن يعقوب في حاجة لأبي بكر بن أبي الدنيا، فسأل أبو بكر القاضي عن حاله وقوته، فقال له القاضي: أنا كما قال سيبويه: [من الرجز]
الأمر في جد وأنت تهزل
لا ينفع الهليون والأطريفل
انخرق الأعلى وجار الأسفل
كيف تجدك أنت، أصلحك الله يا أبا بكر؟
قال: أنا كما قال الأول: [من الوافر]
أراني كل يوم في انتقاص … ولا يبقى على النقصان شيُّ
طوى العصران ما نشراه مني … فأخلق جدتي نشرٌ وطيُّ (١)
المبحث السابع: وفاته :
سبق في المبحث الخامس الكلام عن عزله عن القضاء، وأنه توفي إثر ذلك.
وقد توفي ﵀ يوم الاثنين لتسع خلون من شهر رمضان، سنة سبع وتسعين ومئتين (٢٩٧ هـ)، كما أسند الخطيب البغدادي عن أحمد بن كامل القاضي، وإسماعيل بن علي الخطبي.
_________
(١) أسنده أبو طاهر المخلص في «الجزء الثامن من المخلصيات» (١٩٣). وأسنده الخطيب البغدادي أيضًا، ولكنه لم يذكر أحمد بن إسماعيل، وإنما قال: حدثني بعض أصحابي أنه دخل مع أبي بكر ابن أبي الدنيا …
стр. 16
ودفن في داره ﵀.
وذكر السمعاني أنه توفي لسبع خلون من شهر رمضان (١).
وكان عمره عند وفاته: تسع وثمانون سنة كما ذكر ابن الأثير (٢).
ونقل القاضي عياض عن ابن كامل، والمسعودي، أنه توفي وهو ابن خمس وتسعين سنة، ثم قال القاضي: وقال ابن أبي طاهر: بل تسع وثمانون سنة وثمانية أشهر.
وذكر سبط ابن الجوزي أنه كان له سبع وثمانون سنة (٣).
وصلى عليه ابنه أحمد، وقيل: ابنه أبو عمر.
وذكر سبط ابن الجوزي أنه لما احتضر دخل عليه إخوانه يعودونه فقالوا: كيف تجدك؟ فأجابهم ببيتين من الشعر، وهما البيتان اللذان أنشدهما له ابن أبي الدنيا المذكوران في المبحث السابق.
* * *
_________
(١) ذكر الخطيب البغدادي أنه «لتسع»، وذكر السمعاني في ترجمته لأبي بكر بن داود الأصبهاني الظاهري، أنه مات ويوسف بن يعقوب القاضي في يوم واحد، ثم ذكر أنه «لسبع». انظر: «الأنساب» (٩/ ١٣٢).
(٢) «الكامل» (٦/ ٦٠٨)
(٣) «مرآة الزمان» (١٦/ ٣٥٩)
стр. 17
الفصل الثاني: دراسة جوانبه العلمية
المبحث الأول: طلبه للعلم :
سبق الكلام عن نشأته في أسرة علمية، وكان لذلك أثر واضح في تكوين شخصيته العلمية.
قال القاضي عياض: «سمع الحديث، ودرس الفقه، وكان أكثر تفقهه مع ابن عمه إسماعيل».
وذكر الذهبي أنه سمع في صغره من عدد من العلماء، فقال: «وسمع وهو حدث من: مسلم بن إبراهيم، وسليمان بن حرب، وعمرو بن مرزوق، ومحمد ابن كثير العبدي، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، وهدبة بن خالد، وشيبان بن فروخ، وعلي بن المديني، وطبقتهم».
المبحث الثاني: ذكر شيوخه :
سمع الإمام يوسف القاضي من الكثير من العلماء، وسأذكر مشايخه ممن روى عنهم في هذا الكتاب، ثم غيرهم ممن ذكرهم العلماء في ترجمته.
أولًا: مشايخه في هذا الكتاب :
وعددهم (١٢) شيخًا، وهم: محمد بن أبي بكر المقدمي وروى عنه (١٦) رواية، وأبو الربيع الزهراني سليمان بن داود وروى عنه (٧) روايات، ومسدد ابن مسرهد وروى عنه (٥) روايات، وعمرو بن مرزوق وروى عنه (٥) روايات، وأحمد بن عيسى المصري وروى عنه (٤) روايات، وسليمان بن حرب وروى عنه (٤) روايات، وعبد الله بن محمد بن أسماء ابن أخي جويرية
стр. 18
وروى عنه (٤) روايات، وإبراهيم بن بشار وروى عنه (روايتين)، وعثمان بن أبي شيبة وروى عنه (روايتين)، ونصر بن علي وروى عنه (روايتين)، وحفص ابن عمر أبو عمر الحوضي وروى عنه (رواية)، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك وروى عنه (رواية).
ثانِيًا: مشايخه ممن ذكرهم العلماء في كتب التراجم، ولم يرو عنهم في هذا الكتاب :
شيبان بن فروخ، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، وعبد الواحد بن غياث، وعلي بن المديني، وكامل بن طلحة، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومحمد بن كثير العبدي، ومسلم بن إبراهيم، وهدبة بن خالد، ويحيى بن حبيب بن عربي، ويوجد غيرهم في كتب الرواية.
المبحث الثالث: ذكر تلاميذه :
سمع منه عدد كبير من العلماء، ويدل على ذلك قول طلحة بن محمد بن جعفر، قال: «وحمل الناس عنه حديثًا كثيرًا».
وقد ذكرت في المقدمة (١١) تلميذا من تلاميذه رووا عنه في كتبهم، ويُضافُ إليهم علي بن محمد بن كيسان - راوي الكتاب عنه -.
وأيضًا ذكر العلماء في ترجمته أن من تلاميذه: أبو عمرو بن السماك، وأبو سهل بن زياد، وإسماعيل بن علي الخطبي، وأبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، ويوجد غيرهم في كتب الرواية.
المبحث الرابع: مؤلفاته :
ذكر له العلماء (٨) مصنفات، وهي:
стр. 19
«السنن» (١)، و «العلم» (٢)، و «فضائل أزواج النبي ﷺ » (٣)، و «مسند شعبة» (٤)، و «الصيام» (٥)، و «الدعاء» (٦)، و «الذكر والتسبيح من السنن عن رسول الله ﷺ » - وهو كتابنا هذا -، و «الزكاة» (٧).
المبحث الخامس: منزلته العلمية، وأقوال العلماء فيه :
قال وكيع القاضي: «وكان صلبًا عفيفًا، بلغ سنًّا عالية، وحُمِل عنه علم كثير من المسند وغيره».
أسند الخطيب عن إبراهيم بن محمد بن عرفة أنه قال: «وجلس في مسجد الجامع سنة ثلاثة وثمانين ومئتين (٢٨٣ هـ)، فأُحمِدَت مذاهبه، وحسن حكمه، واستقامت طريقته، وكثر الشاكر له».
وأسند عن أحمد بن كامل القاضي أنه قال: «وكان مصروفًا عن القضاء، وكان ضعيف الفقه غير مطعون عليه في الحديث ولم يغير شيبه».
_________
(١) ذكره ابن نقطة، وابن عبد الهادي، والذهبي، وغيرهم.
(٢) ذكر الذهبي سماعه للكتاب في ترجمة المصنف، وذكر إسناده للكتاب العلائي في «إثارة الفوائد المجموعة» (١/ ٣٠٥)، والروداني في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٩٩).
(٣) ذكره القاضي عياض في ترجمته.
(٤) ذكره القاضي عياض في ترجمته.
(٥) ذكره القاضي عياض في ترجمته، وذكره محمد بن أحمد المالكي في «تسمية ما ورد به الخطيب دمشق من الكتب» (ص ١٤٩)، وذكر ابن حجر إسناده للكتاب في «المعجم المفهرس» (ص ٦٧).
(٦) ذكره القاضي عياض في ترجمته، وذكره محمد بن أحمد المالكي في «تسمية ما ورد به الخطيب دمشق من الكتب» (ص ١٤٩)، وذكر إسناده للكتاب ابن حجر في «المعجم المفهرس» (ص ١٠٣)، والروداني في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٣٣).
(٧) ذكره القاضي عياض في ترجمته، ومحمد المالكي في المصدر السابق، وذكر إسناده للكتاب ابن حجر في «المعجم المفهرس» (ص ٦٥)، والروداني في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٥٩).
стр. 20
وقال أبو يعلى الخليلي: «وكان له معرفة بالحديث».
وقال الخطيب البغدادي، وعنه ابن الجوزي: «وكان ثقة».
وقال القاضي عياض: «وكان الغالب عليه الحديث، وكان مسندًا فاضلًا، سمع منه الناس ببغداد، قراءة وإملاءً».
وقال سبط ابن الجوزي: «وكان حسن السيرة، جميل المذهب، مستقيم الطريقة، صالحًا، ورعًا، عفيفًا، حاكمًا بالحق، مات مصروفًا عن القضاء في رمضان، غير مطعون عليه في شيء».
وقال الذهبي: «وكان أسند أهل زمانه ببغداد».
وقال ابن كثير: «وكان يوسف بن يعقوب هذا من أكابر القضاة وأعيان العلماء».
* * *
стр. 21
القسم الثاني: دراسة الكتاب
المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب.
المبحث الثاني: أهمية الكتاب.
المبحث الثالث: إثبات صحة نسبة الكتاب للمؤلف.
المبحث الرابع: إثبات صحة النسخة الخطية.
المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية مع صورِ منها.
стр. 22
القسم الثاني: دراسة الكتاب
المبحث الأول: تَحْقيقُ اسم الكتاب :
ورد اسم الكتاب في المصادر بثلاثة أسماء.
الاسم الأول: «كتاب الذكر». وقد أورده بهذا الاسم الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ١٢٣)؛ فقد ذكر الخبر رقم (١٤) وعزاه إلى المصنف في الكتاب بالاسم المذكور.
قلت: هذا اختصار من الحافظ ﵀ لاسم الكتاب كعادة المؤلفين في العزو للكتب، ويدل على ذلك أن الحافظ ﵀ ذكر إسناده إلى الكتاب في «المعجم المفهرس» (ص ١٠٣)، وسماه: «كتاب الذكر والتسبيح».
الاسم الثاني: «كتاب الذكر والتسبيح والدعاء». وقد ذكره بذلك الروداني في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٤١).
قلت: «كتاب الدعاء»، هو كتاب مستقل عن «كتاب الذكر والتسبيح»، وقد ذكر العلماء أن للمصنف كتابًا باسم «كتاب الدعاء»، وقد ذكره القاضي عياض، وغيره كما سبق ذكره في مؤلفات المصنف.
ويؤكد ذلك أن ابن حجر قبل أن يذكر إسناده إلى «كتاب الذكر والتسبيح» ذكر إسناده إلى «كتاب الدعاء» للمصنف.
وكذلك الروداني نفسه ذكر «كتاب الدعاء»، وذكر إسناده له في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٣٣).
стр. 23
الاسم الثالث: «كتاب الذكر والتسبيح من السنن عن رسول الله صلى الله وسلم عليه».
وهذا هو اسم الكتاب كما هو مثبت على غلاف النسخة الخطية، وسيأتي ذكر من سماه بهذا الاسم عند إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، مع التنبيه هنا على أن الكتاب ورد اسمه في المصادر التي سيأتي ذكرها باسم «كتاب الذكر والتسبيح» فقط دون باقي الاسم المثبت، ولم يذكره بباقي الاسم إلا تاج الدين السبكي في «معجم الشيوخ» (ص ٨٦)، فقال: «كتاب الذكر والتسبيح من السنن»، ولم أقف على باقي الاسم إلا على غلاف النسخة الخطية، وأثبته كما هو لأنه معلوم اختصار العلماء لأسماء الكتب عند ذكر أسمائها.
المبحث الثاني: أهمية الكتاب :
تكمن أهمية هذا الكتاب في عدة نقاط:
الأولى: أن هذا أول كتاب يصلنا للمؤلف من كتبه الثمانية التي ذكرها العلماء.
الثانية: أن هذا الكتاب يُعد من أوائل الكتب المسندة التي دونت في مؤلف مستقل عن الذكر والتسبيح.
الثالثة: أن أغلب الأحاديث المروية فيه صحيحة، والضعيف منها قليل جدًّا.
الرابعة: أنَّ الكثير من العلَماء قد رووا بإسنادهم عن المصنف أو من طريقه نصوصًا مذكورة في هذا الكتاب في كتبهم، فهذا الكتاب يُعد مصدرًا هامًا لكتب الرواية عمومًا، ولكتب الذكر والدعاء خصوصًا، فقد روى الطبراني في كتابه «الدعاء» فقط (١٧) رواية من هذا الكتاب، وقد روى (١٢) عالمًا في كتبهم روايات من طريق المصنف مع التَّفاوت بينهم في الكثرة والقلَّة، ومنهم من نقل النصوص فقط، وقد وثَّقتُ كلَّ ذلك في تخريج النُّصوص.
стр. 24
المبحث الثالث: إثبات صحة نسبة الكتاب للمؤلف :
وسيكون ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ذِكرُ مَنْ له إسنادٌ إلى الكتابِ.
الوجه الثاني: ذِكرُ مَنْ نقل نصوصًا من الكتاب وعزاها له.
الوجه الثالث: ذِكرُ من أخرجوا نصوصًا في كتبهم عن المؤلف أو من طريقه.
أمَّا الوجه الأول: وهو ذِكرُ مَنْ له إسنادٌ إلى الكتابِ.
ذكر أربعة من العلماء إسنادهم إلى الكتاب، وجميعهم يروي الكتاب من
طريق سبط ابن الجوزي راوي هذه النسخة.
وهم:
١ - العلائي في «إثارة الفوائد المجموعة» (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
٢ - تاج الدين السبكي في «معجم الشيوخ» (ص ٨٦).
٣ - ابن حجر في «المعجم المفهرس» (ص ١٠٣)، وفي «معجم الشيخة مريم» (ص ١٢٤).
٤ - الروداني في «صلة الخلف بموصول السلف» (ص ٢٤١).
أمَّا الوجه الثاني: وهو ذِكرُ مَنْ نقل نصوصًا من الكتاب وعزاها له:
١ - ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ١٢٣)؛ فقد ذكر الخبر رقم (١٤) وعزاه إلى المصنف في الكتاب باسم: «كتب الذكر».
٢ - السيوطي في «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (١/ ٨٠)؛ فقد ذكر الخبر رقم (٤٨) وعزاه إلى المصنف في الكتاب باسم: «جزء الذكر والتسبيح».
стр. 25
أمَّا الوجه الثالث: وهو ذكرُ مَنْ أخرجوا نصوصًا في كتبهم عن المؤلف أو من طريقه:
وعددهم (١٣) عالمًا، روى عنه: الطبراني في «الدعاء»، وفي «المعجم الكبير».
وروى من طريقه: ابن عمشليق في «جزئه»، وأبو نعيم في «الحلية»، وفي «معرفة الصحابة»، وفي «مستخرجه على صحيح مسلم»، وابن بشران في «أماليه»، والبيهقي في «السنن الكبير»، وفي «الشعب»، وفي «الأسماء والصفات»، وفي «الآداب»، وفي «الدعوات الكبير»، والخطيب البغدادي في «تاريخه»، وابن عساكر في «تاريخه»، وفي «معجمه»، وفي «الأربعون الأبدال العوالي»، وأبو طاهر السلفي في «الطيوريات»، وفي «المشيخة البغدادية»، وابن الجوزي في «الموضوعات»، وعبد الغني المقدسي في «الثاني من المصباح في عيون الصحاح»، والضياء المقدسي في «الرواة الأربعة عشر»، والعلائي في «جزء في تفسير الباقيات الصالحات»، وابن حجر في «الأمالي المطلقة».
المبحث الرابع: إثبات صحة النسخة الخطية .
يوجد عدة قرائن تدل على صحة النسخة الخطية:
أولها: أن كل مَنْ ذكر إسناده للكتاب ذكره من طريق سبط ابن الجوزي راوي النسخة بإسناده إلى المصنف.
ثانيها: أن ألفاظ الأحاديث المذكورة في هذا الجزء، أغلبها ورد كما هي في مصادر التخريج التي تروى من طريق المصنف.
ثالثها: قال الخطيب البغدادي في ترجمة أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي - راوي الكتاب عن المصنف -: «ذكر الجوهري
стр. 26
أنه سمع منه في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة». «تاريخ بغداد» (١٣/ ٥٦٣).
وأبو محمد الجوهري هو الذي يروي هذه النسخة عن أبي الحسن علي بن كيسان، وقال في إسناد النسخة: «أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد ابن كيسان النحوي، - قراءة عليه في شوال من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة».
المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية مع صورٍ منها :
اعتمدت في تحقيق هذا الجزء الحديثي على نسخة فريدة مصورة عن الأصل الخطي المحفوظ في مجموع بمكتبة أولو جامع التابعة لمكتبة إين باي العامة في بورصه بتركيا، ولم أعثر على أية نسخة أخرى بعد مطالعة فهارس المخطوطات في المكتبات.
وهذا المجموع رقمه بالمكتبة (١٨٤٢)، وكتابنا المذكور قد نُسب بالخطأ في الفهرسة إلى ابن الجوزي ﵀، ولعل هذا الخطأ يعود إلى أحد أمرين: الأول: أن النسخة يبدأ إسنادها برواية سبط ابن الجوزي، عن جده ابن الجوزي، فظن المفهرس أنها لابن الجوزي.
الثاني: أنه يوجد على غلاف المجموع، رسالة باسم مولد النبي ﷺ منسوب تأليفه إلى ابن الجوزي، فلعل المفهرس ظن أن هذه النسخة أيضًا له.
والمجموع قد فُهرس ما فيه على غلافه، والرسالة المنسوبة لابن الجوزي مع رسائل أخرى فُهرست على الغلاف لم أجدها في آخر المجموع.
وهذا المجموع فيه (١٣١) لوحة، ويبدأ الجزء الحديثي لكتابنا من اللوحة (٦٩/ ظ) إلى (٩٩/ ظ)، أي في (٣٠) لوحة.
وفي كل وجه (تسعة) أسطر، ومتوسط كلمات السطر (سبع) كلمات،
стр. 27
والنسخة مكتوبة بخط النسخ، والتزم الناسخ نظام التعقيبة، والكتابة بالمداد الأسود، وماز الناسخ بالمداد الأحمر أسماء الأبواب، وقول: «قال»، و «قيل»، و «حدثنا»، و «أخبرنا»، والصلاة على النبي ﷺ .
وفي أول كل إسناد كان يقول راوي النسخة: «حدثنا يوسف»، وقد اكتفيتُ بذكره في أوَّل إسناد الكتاب.
وفي آخر النسخة ذكر الناسخ اسمه، وقيد فراغه، فقال: «وكان الفراغ من كتابة هذه الأحاديث الشريفة ضحوة الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني ببلدة لاهور المعمورة سنة ست وتسعين وتسعمئة على يد الفقير إلى الله تعالى المجيد عبد الحميد ابن قاضي مزيد غفر الله له ولوالديه ولصاحب الكتاب، ولجميع المسلمين، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم». ثم ختم كلامه ببيت الشعر الذي يختم به أغلب النساخ بعد فراغهم، وهو:
إِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … جَلَّ مَنْ لَاعَيْبَ فِيهِ وَعَلَا
ويوجد قيد وقف على المجموع ختم فيه قيد وقف، وكلمات الختم: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وقف الحاج السيد عبد الله في البروسه في الجامع الكبير، سنة مئتين بعد الألف».
وكانت بورصه تسمى قديمًا: بورسه - بالسين - قبل فتحها.
وهذه تفاصيل المجموع الموجود فيه هذا الجزء الحديثي:
من أوله إلى اللوحة (١٥)؛ فيه: الفصل الأربعون من كتاب «الروض الفائق» لشعيب الحريفيش (ت: ٨١٠ هـ)، وعنوان الفصل: «في مولد الرسول ﷺ وسبب خلقه».
ومن أول اللوحة (١٦) إلى اللوحة (٣٦)؛ فيه الفصل الحادي والعشرين من
стр. 28
نفس الكتاب المذكور، وعنوان الفصل: «في معراج النبي ﷺ ».
ومن أول اللوحة (٣٧) إلى اللوحة (٦٢/ و)؛ فيه الفصل الثالث والأربعون من نفس الكتاب المذكور، وعنوان الفصل: «وفاة النبي ﷺ ».
ومن أول اللوحة (٦٢/ ظ) إلى اللوحة (٦٨/ و)؛ رسالة فيها «صفة النبي ﷺ ».
ثم لوحة فارغة، ثم كتابنا هذا.
ومن أول اللوحة (١٠٠) إلى آخر المجموع؛ فيه الفصل الثامن والأربعون من كتاب «الروض الفائق» أيضًا، وعنوان الفصل: «في ذكر مولد رسول الله ﷺ ».
* * *
стр. 29
[إسنادي إلى الكتاب]
أخبرنا شيخنا عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي إجازة، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله بن سالم البغدادي، عن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عن جده محمد بن عبد الوهاب التَّمِيمي، عن عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشَّمَّرِي، عن أبي المواهب محمد بن عبد الباقي البَعْلِي، عن النجم محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغَزِّي، عن أبيه، عن زكريا بن محمد الأنصاري.
(ح) وأخبرنا شيخنا أحمد بن معبد بن عبد الكريم إجازة، قال: أخبرنا شيخنا عبد الرحمن بن أبي بكر الأحسائي إجازة، عن بهاء الدين بن عبد الله الأفغاني، عن أبيه، عن محمد مرتضى الزبيدي، عن أحمد بن شعبان بن عزام بن سابق الزَّعْبَلي، عن شمس الدين محمد بن علاء الدين البابلي، عن محمد حجازي بن محمد بن عبد الله القلقشندي الشعراوي الشهير بحجازي الواعظ، عن أحمد بن محمد بن يَشْبَك اليوسفي، قال: أخبرنا جمال الدين إبراهيم بن علي بن أحمد بن إسماعيل القلقشندي بقراءة والدي.
كلاهما عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، قال: أخبرنا به فرج بن عبد الله الحافظي إجازة مكاتبة، أنبأنا مولاي القاضي الزين عبد الله بن الحسن بن الحافظ، أنبأنا أبو المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي، أنبأنا جدي لأبي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عبد الواحد الدينوري، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن كيسان عنه.
стр. 30
[إسنادُ الكتابِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإمامُ الحافظُ بَقِيَّةُ المَشايخ: شَمْسُ الدِّينِ أبو المُظَفَّرِ يُوسُفُ سِبْطُ (١) الشيخ الإمام ناصرِ السُّنَّةِ أبي الفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن علي الجوزيِّ، - قراءةً عليه وأنا أسمعُ، قدِمَ علينا حاجًا -، قال: أخبرنا جدِّي الإمامُ العالِمُ الأوحَدُ: جَمالُ الدين أبو الفَرَجِ عبدُ الرحمن بنُ علي بن محمدِ ابن علي بن الجوزيِّ، - قراءةً عليه وأنا أسمعُ، في يوم الأربعاء رابعَ عشَرَ ذي الحِجَّةِ، سنة خمس وتسعين وخمس مِئَةٍ (٢) بمنزله [بَقُطُفْتَا] (٣) غربيَّ بَغْدادَ -، قالَ: أخْبَرَنَا أبو الحَسَنِ عليُّ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ أحمدَ الدِّيْنَوَريُّ (٤) - قراءةً عليه
стр. 31
في السادس والعشرين من جُمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمئة (١)، قال: أخبرنا أبو مُحمد الحَسَنُ بنُ عليِّ بنِ محمدٍ الجَوْهَريُّ، - قراءةً عليه في المُحرَّم سنة خمس وأربعين وأربعمئة (٢) -، قال: أخبرنا أبو الحسن عليُّ ابنُ محمدِ بن أحمدَ بنِ كَيْسانَ النَّحْويُّ، - قراءةً عليه في شَوَّالٍ من سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاثمئة (٣) - قال: أخبرنا القاضي أبو محمد يوسفُ بنُ يَعقوبَ بنِ إسماعيل بن حمَّادِ بنِ زَيْدٍ، قال:
стр. 32
١ - بابُ ما رُوِيَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى والدُّعاءِ
١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحمَّدِ بنِ أسماءَ ابنُ أخي جُوَيْرِيَةَ، قال: حَدَّثَنَا مَهديُّ ابنُ مَيْمونٍ، قالَ: حَدَّثَنَا واصِلٌ مَوْلى أبي [عُيَيْنَةَ] (١)، عن يَحْيى ابنِ عُقَيلٍ، عن يَحْيى بنِ يَعْمُرَ، عن أبي الأسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عن أبي ذَرٍّ، أَنَّ ناسًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ صلى اللهُ وسلَّمَ عليه (٢) قالوا للنبيِّ صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليه: يا رسولَ الله، ذهبَ أهلُ الدُّثورِ بالأُجورِ يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، ويَصومونَ كما نَصومُ، ويتصدَّقُونَ بفُضُولِ أموالِهم قال: «أفَلَيْسَ (٣) قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إنَّ كُلَّ (٤) تَسْبيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلَّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلَّ تَحْميدَةٍ صَدَقَةٌ، وكُلَّ تَهْليلَةٍ صَدَقَةٌ» (٥).