Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
فأقبلت عليها؛ حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها، ما ترد عليّ شيئا، فرأيت النبي ﷺ يتهلّل وجهه). أخرجه النسائي، وابن ماجه. وعن عائشة-﵂-قالت، قال رسول الله ﷺ :
«من دعا على من ظلمه، فقد انتصر». أخرجه الترمذي، والبزار.
تنبيه: قال بعض العلماء: إن من ظلم، وأخذ له مال، فإن له ثواب ما احتبس عنه إلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم؛ لأنّ المال يصير بعد الموت للوارث.
قال أبو جعفر الداودي المالكي: وهذا صحيح في النظر، وعلى هذا القول: إذا مات الظالم قبل المظلوم، ولم يترك شيئا، أو ترك مالا لم يعلمه وارثه لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم؛ لأنّه لم يبق للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. انتهى. جمل. وأقول: ومن برّ الوالدين بعد موتهما أن يعمل أولادهما على تبرئة الوالدين من مظالم الناس وتبعاتهم، ولكن البعض يرثون مال مورثهم، ثم إن طالبهم أصحاب الحقوق؛ يقولون لهم: اذهبوا، وانبشوا قبره، وخذوا حقكم. وهذا هو العقوق، وأي: عقوق بعد هذا؟!
الإعراب: ﴿وَلَمَنِ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِنْتَصَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ظُلْمِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: ظلم الظالم إياه. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿لَمَنِ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿سَبِيلٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بالاستقرار المحذوف، التقدير: ما يقع عليهم سبيل فلست مفندا، وتكون الجملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وبقية الكلام، كما في الآية السابقة، ولا تنس اعتبار (من) اسما موصولا كما في الآية السابقة.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: الإثم، والمؤاخذة. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ أي: يعتدون على أعراضهم، وأموالهم، ويستبيحون حرماتهم، ويستحلون دماءهم... إلخ. ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: يتكبرون، ويتجبرون، ويفسدون في الأرض، والتقييد ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ لأنّ البغي قد
стр. 5707
يكون مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المعتدون بغير الحق.
﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.
هذا؛ والسبيل في الأصل: الطريق، يذكر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٤٦]: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:
﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ رقم [١٠٨]. والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل بضمتين، وقد تسكن الباء، كما في: رسل، وعسر، ويسر. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: رحم، وحلم، وأسد... إلخ.
الإعراب: ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿السَّبِيلُ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة، لا محلّ لها، وجملة: ﴿يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَيَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة لا محلّ لها مثلها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ ف: ﴿عَذابٌ﴾ يكون فاعلا بالاستقرار المحذوف. ﴿أَلِيمٌ:﴾
صفة: ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أي: على الأذى. ﴿وَغَفَرَ﴾ أي: ترك الانتصار لوجه الله تعالى.
وهذا فيمن ظلمه مسلم. ويحكى أن رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن ﵀، فكان المسبوب يكظم غيظه، ويعرق، فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها؛ والله! وفهمها؛ إذ ضيعها الجاهلون. وبالجملة: العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما أوضحته فيما سبق، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤١] من قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «دونك فانتصري».
﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: لمن الأمور المشكورة عند الله، والأفعال الحميدة عند الناس؛ التي يثاب عليها فاعلها ثوابا جزيلا. وقال الفضيل بن عياض-رحمه الله تعالى-: إذا
стр. 5708
أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى! فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني ربي ، فقل له: إن كنت تقدر أن تنتصر؛ وإلاّ فارجع إلى باب العفو، فإنّه باب واسع، فإنّه ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. انتهى. أقول: عند العجز على الانتصار لا يعد هذا من باب العفو، وإنّما هو من باب المظلوم، الذي يكل أمره إلى الله آناء الليل، وأطراف النهار، وخذ ما يلي:
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة-﵁-قال: إنّ رجلا شتم أبا بكر-﵁، والنبي ﷺ جالس، وجعل يعجب، ويبتسم، فلمّا أكثر الرجل؛ ردّ عليه الصديق بعض قوله، فغضب النبي، ﷺ ، وقام من مجلسه، فلحقه الصديق-﵁، فقال: يا رسول الله! إنّه كان يشتمني؛ وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله؛ غضبت، وقمت! قال: «إنّه كان معك ملك يردّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان (أي: وذهب الملك) فلم أكن لأقعد مع الشيطان». ثم قال: «يا أبا بكر! ثلاث كلّهنّ حقّ: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله؛ إلاّ أعزّه الله تعالى بها، ونصره. وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة؛ إلاّ زاده الله بها كثرة. وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة؛ إلاّ زاده الله بها قلة». وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق-﵁. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ والإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ راجعة إلى الصبر، والغفران. ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مما عزمه الله، وأمر به، وقطعه قطع إيجاب، وإلزام. ومنه قول النبي ﷺ : «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل». أي: لم يقطعه، ويجزم به بالنية. ومنه قول الرسول ﷺ : «إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه». وقولهم: عزمة من عزمات ربنا. ومنه عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لمن تحت يده: عزمت عليك إلاّ فعلت كذا! إذا قال ذلك؛ لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله، ولا مندوحة في تركه، وحقيقته أنّه من تسمية المفعول بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور؛ أي: مقطوعاتها، ومفروضاتها، ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من عازمات الأمور من قوله تعالى: ﴿فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ كقولك:
جدّ الأمر، وصدق القتال.
هذا؛ ودخلت لام الابتداء هنا، وهي للتوكيد، ولم تدخل في سورة (لقمان) رقم [١٧] ولا في (آل عمران) رقم [١٨٦] لأنّ الصبر على مكروه حدث بظلم، كقتل أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم، كموت ولد. كما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول، فكان أنسب بالتوكيد، وما في (لقمان) و (آل عمران) من القبيل الثاني، فكان أنسب بعدمه. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
стр. 5709
الإعراب: ﴿وَلَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء، (من صبر): انظر الآية رقم [٤١] فالإعراب واحد. ﴿وَغَفَرَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿لَمَنْ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من عزم): متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ و ﴿عَزْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْأُمُورِ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وعلى اعتبار (من) شرطية فالجملة الاسمية:
﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط، وكان الواجب اقترانها بالفاء، ولكنها حذفت، كما حذفت في قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري-وهو الشاهد رقم [٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشرّ عند الله مثلان
وإن كانت موصولة؛ فجملة: ﴿صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ صلتها، وجملة: ﴿إِنَّ ذلِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، والرابط اسم الإشارة؛ لأنّه عائد على الصبر، والغفران المفهومين من الفعلين السابقين، وهو أولى من اعتبار الرابط محذوفا. والكثير اقترانها بالفاء لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم. واعتبار الحوفي وابن عطية اللام هنا، وفي الآية رقم [٤١] للقسم ليس بجيّد، ولا وجه له.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ أي: يخذله، ويتخلى عنه. ﴿فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ:﴾ فما له من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله إياه. ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصي والسيئات. ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ:﴾ عاينوا العذاب عند الموت، أو في يوم القيامة. والتعبير في الماضي؛ لتحقق وقوعه. ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: من رجوع إلى الدنيا! فيطلبون ذلك ليؤمنوا، ويعملوا بطاعة الله، فلا يجابون إلى ذلك. وهذا التمني منهم كثير في آيات القرآن الكريم. هذا؛ وإعلال ﴿رَأَوُا﴾ مثل إعلال (نادوا) في الآية رقم [٣] من سورة (ص).
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿يُضْلِلِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، ومفعوله محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿وَلِيٍّ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿وَلِيٍّ،﴾ والهاء في
стр. 5710
محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]، والجملة الاسمية على اعتبار (من) مبتدأ، أو الفعلية على اعتباره مفعولا به مقدما. (من يضلال...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَتَرَى:﴾
الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿رَأَوُا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿إِلى مَرَدٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الظّالِمِينَ﴾.
والرابط: الضمير فقط، وجملة: (ترى...) إلخ مستأنفة، لا محلّ لها فيما يظهر.
﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أي: على النار؛ لأنّها عذابهم، فكنّى عن العذاب المذكور في الآية السابقة بحرف التأنيث؛ لأنّ ذلك العذاب هو النار، ولو راعى اللفظ؛ لقال:
عليه. وقد اختلف في هذا العرض، هل هو في القبور؟ أو هل هو يوم القيامة؟ وانظر هذا العرض في سورة (الأحقاف) رقم [٢٠]. ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ:﴾ متذللين، صاغرين، حقيرين، مما يلحقهم من الذل عند معاينة العذاب، والخشوع، والانكسار، والتذلل، والتواضع.
﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أي: لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما؛ لأنّهم ناكسو الرؤوس، والعرب تصف الذليل بغض الطرف، كما يستعملون في ضده: حديد النظر؛ إذا لم يتهم بريبة، فيكون عليه منها غضاضة. وقال الجلال: ضعيف النظر مسارقة؛ أي: يسارقون النظر إليها خوفا منها، وذلا في أنفسهم، كما ينظر المقتول إلى السيف، فلا يقدر أن يملأ عينه منه، ولا يفتحها فيه، وإنّما ينظر ببعضها. انتهى. نقلا من الخطيب.
﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ: أي: يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حلّ بالكفار: إنّ الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنّهم خسروا أنفسهم؛ لأنّهم في العذاب
стр. 5711
المخلد، وخسروا أهليهم؛ لأنّ الأهل إن كانوا في النار، فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم، وبينهم.
هذا؛ وقد قيل في تفسير الخسران: أنّه جعل لكل واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأي: خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله»، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾.
﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ:﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي. ﴿فِي عَذابٍ مُقِيمٍ:﴾
دائم لا ينقطع، وأصله: مؤقوم؛ لأنّه من أقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار مقيم وقد حذفت الهمزة منه حملا على المضارع المبدوء بالهمزة: أؤقوم، وقد ذكرت ذلك مرارا.
وأما الطرف؛ فهو تحريك جفن العين إذا نظرت. فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قول الشاعر: [الطويل]
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الّذي لا كلّه أنت قادر... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وقد وصف آصف سليمان بردّ الطّرف، ووصف الطرف بالارتداد. بقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ في الآية رقم [٤٠] من سورة (النمل) وقد يراد بالطرف: الجفن خاصة، كما في قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون، ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
هذا؛ وفي المختار: الطرف: العين، ولا يجمع؛ لأنّه في الأصل مصدر، فيكون واحدا جمعا، قال تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ وانظر سورة (ص) رقم [٥٢] تجد ما يسرّك.
الإعراب: ﴿وَتَراهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (تراهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿يُعْرَضُونَ:﴾
فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير
стр. 5712
المنصوب، والرابط: الضمير فقط. ﴿خاشِعِينَ:﴾ حال من واو الجماعة-وهي حال متداخلة- منصوب... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنَ الذُّلِّ:﴾ متعلقان به. وقيل متعلقان بما بعدهما، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، فهي حال متداخلة. ﴿مِنْ طَرْفٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: ﴿مِنَ﴾ بمعنى: الباء. ﴿خَفِيٍّ:﴾ صفة: ﴿طَرْفٍ،﴾ وجملة:
﴿وَتَراهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (قال الذين): ماض، وفاعله، وجملة:
﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿الْخاسِرِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ وجملة: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ صلة الموصول. ﴿وَأَهْلِيهِمْ:﴾
الواو: حرف عطف. (أهليهم): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿خَسِرُوا﴾ وعليه؛ فالقول في الدنيا، أو هو متعلق ب: (قال) وعليه؛ فالقول يكون في القيامة، ويكون عبر عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه. و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ لا محلّ لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿الظّالِمِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿فِي عَذابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الظّالِمِينَ..﴾. إلخ يجوز أن تكون من قول المؤمنين، ويجوز أن تكون مبتدأة من الله تعالى لا محلّ لها.
﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ لَهُمْ﴾ أي: الخاسرين الذين خسروا أنفسهم. ﴿مِنْ أَوْلِياءَ:﴾ من أعوان، وأنصار. ﴿يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: من عذاب الله، وسخطه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ أي: يخذله، ويتخلّى عنه. ﴿فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، والنجاة في الآخرة؛ لأنّه قد سدت عليه جميع طرق النجاة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة.
﴿أَوْلِياءَ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، مجرور لفظا، مرفوع محلا. ﴿يَنْصُرُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع
стр. 5713
مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل صفة: ﴿أَوْلِياءَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. و ﴿دُونِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ﴾ في الآية رقم [٤٤] بلا فارق.
﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أي: أجيبوا داعي الله-يعني: محمدا ﷺ -إلى ما دعاكم إليه من الإيمان بالله، والطاعة له. واستجاب، وأجاب بمعنى واحد. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي: لا يرده الله بعد ما حكم به. أو المعنى: من قبل أن يأتي يوم من الله لا يمكن رده، ولا يقدر أحد على دفعه. ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ:﴾ من مخلص ومهرب ومفرّ يوم القيامة. ﴿وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: إنكار لما اقترفتموه؛ لأنّه مدوّن في صحائفكم، وتشهد عليه ألسنتكم، وجوارحكم؛ إن أنكرتموه. وقيل: المعنى ليس لكم إنكار ما ينزل بكم من العذاب، وليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم، وتتنكرون فيه، فتغيبون عن بصره ﵎. قال تعالى في سورة (القيامة): ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.
الإعراب: ﴿اِسْتَجِيبُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿لِرَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿يَأْتِيَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾. ﴿يَوْمٌ:﴾ فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة قبل إليه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿مَرَدَّ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبنى على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ في محل رفع صفة: ﴿يَوْمٌ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمرد لأنّه مصدر ميمي، والجملة الفعلية: ﴿اِسْتَجِيبُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مَلْجَإٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف صفة:
стр. 5714
﴿مَلْجَإٍ،﴾ و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وتنوينه ينوب عن جملة محذوفة دلّت عليها الغاية، التقدير: يوم إذ تحشرون، أو تعاقبون، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿وَما لَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا:﴾ عن الإيمان، ولم يقبلوا هداية الرحمن. ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أي: حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل: موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا؛ أي: ليس لك إكراههم على الإيمان. ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ:﴾ أي: ليس عليك إلاّ البلاغ يا محمد وقد فعلت. قال أبو حيان: والآية تسلية للنبي ﷺ ، وتأنيس له، وإزالة لهمّه، وهي منسوخة بآية القتال.
﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً:﴾ نعمة من صحة، وعافية، وغنى، وخصب، ورخاء، وراحة بال، وهناءة ضمير ﴿فَرِحَ بِها﴾ أي: فرح بها فرح بطر، وكبر. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ:﴾
شدة من مرض، وفقر، وقحط، وغير ذلك مما يسوءهم. ﴿بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الكفر، والظلم، وارتكاب المعاصي. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي؛ نسبت الأعمال كلها إلى الأيدي، وإن كانت من أعمال القلوب والأرجل، والعيون، والآذان تغليبا للأكثر على الأقل.
﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ:﴾ بليغ الكفران؛ أي: الجحود ينسى النعمة رأسا، ويذكر البلية، ويعظمها، ولا يتأمل سببها، وهذا؛ وإن اختصّ بالمجرمين؛ جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه، وتصدير الشرطية الأولى ب: ﴿إِذا﴾ والثانية ب: (إن) لأنّ إذاقة النعمة محققة من حيث إنّها مقضية بالذات، بخلاف إصابة البلية. وإقامة علة الجزاء مقامه، ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أنّ هذا الجنس موسوم بكفران النعمة. انتهى. بيضاوي.
وقال الإمام الفخر الرازي: نعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلاّ أنها بالنسبة لسعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سماها: ذوقا، فبين الله تعالى: أنّ الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير في الدنيا؛ فإنّه يفرح بها، ويعظم غروره بسببها، ويقع في العجب، والكبر، ويظن: أنّه فاز بكل المنى، وذلك لجهله بحال الدنيا وحال الآخرة. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ و (أل) في ﴿الْإِنْسانَ﴾ للجنس الذي يدخل تحته أفراد كثيرة، ولذا جمع الضمير الواقع بين اللفظين. وما ذكر في الآية الكريمة ليس حال المؤمن، وإنّما حاله ما ذكره الرسول صلّى الله عليه وسلّم
стр. 5715
بقوله: «عجبا لأمر المؤمن! إنّ أمره له كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن: إن أصابته سرّاء؛ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء؛ صبر، فكان خيرا له». أخرجه مسلم عن صهيب الرومي-﵁.
هذا؛ والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب، وأكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذمّ الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سورة (القصص) رقم [٧٦]، وقوله جلّت قدرته: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود)، ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح لم يكن ذما لقوله تعالى في حق الشهداء رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران):
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ، وقال سبحانه في سورة (يونس) رقم [٥٨]: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه. وقال تعالى في سورة (الروم): رقم [٤]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾.
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَفِيظاً:﴾ مفعول به ثان. وقيل: حال. والمعتمد الأول. والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محل المفرد. وقيل: جواب الشرط محذوف، التقدير: فلا تحزن، ولا تبتئس. وعليه فجملة: ﴿فَما أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿فَإِنْ:﴾
حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية تعليل للنفي، لا محلّ لها.
﴿وَإِنّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [٣٧]. ﴿أَذَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾
مفعول به أول. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف حال منها، كان صفة لها، فلما قدم عليها؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة... إلخ». ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية: ﴿أَذَقْنَا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة: ﴿فَرِحَ بِها﴾ جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿وَإِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها، واعتبارها حالا ينافي الاستقبال؛ الذي تفيده: ﴿إِذا﴾. وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا بأس به.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿سَيِّئَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ. ﴿بِما:﴾ جار
стр. 5716
ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما). تحتمل الموصولة، والموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء قدمته أيديهم.
والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وأجيز اعتبار الجواب محذوفا، وعليه فالجملة الاسمية تعليل لهذا المحذوف، وقدر أبو البقاء ضميرا محذوفا. فقال:
فإن الإنسان منهم كفور، و (إن) ومدخولها معطوف على (إن) السابقة ومدخولها، لا محلّ له مثله.
﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وما فيها من عبيد، ومال، وخلق، وأفلاك، وكواكب في السماء، وما على ظهر الأرض من جبال، وأنهار وبحار... إلخ، فكل ذلك ملك لله تعالى، لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية؛ فإنّما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة، وويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! فاللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور.
﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي: من الخلق من غير لزوم عليه، ولا مجال للاعتراض. هذا؛ والملك بالضم: الاستيلاء على الشيء، والتمكن من التصرف فيه. وفي المصباح: وملك على الناس أمرهم ملكا من باب ضرب: إذا تولى السلطنة، فهو ملك، والاسم: الملك بضم الميم.
﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً:﴾ فلا يولد له ذكر. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ:﴾ فلا يولد له أنثى، وأدخل الألف واللام على ﴿الذُّكُورَ﴾ دون الإناث؛ لأنهم أشرف منهن، فميزهم بسمة التعريف، وقال واثلة بن الأسقع الصحابي-﵁: إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أنّ الله تعالى قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً..﴾. إلخ فبدأ بالإناث. انتهى. قرطبي. وقال البيضاوي: ولعلّ تقديم الإناث؛ لأنّهنّ أكثر لتكثير النسل، أو لأنّ مساق الآية للدلالة على أنّ الواقع ما يتعلّق به مشيئة الله، لا مشيئة الإنسان، والإناث كذلك، أو لأنّ الكلام في البلاء، والعرب تعدهن بلاء، أو لتطييب قلوب آبائهن، أو للمحافظة على الفواصل، ولذلك عرف الذكور، أو لجبر التأخير. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ:﴾ مضاف إليه. و ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿يَخْلُقُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخلق الذي، أو شيئا يشاء خلقه، والجملة الفعلية في
стр. 5717
محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الضمير فقط. ﴿يَهَبُ:﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهب للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿إِناثاً:﴾ مفعول به، وجملة:
﴿يَهَبُ..﴾. إلخ بدل من جملة: ﴿يَخْلُقُ..﴾. إلخ بدل البعض، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾
الشرح: قال ابن عباس، وغيره: الآيتان نزلتا في الأنبياء خصوصا، وإن عمّ الحكم في الواقع، وهب للوط، ولشعيب الإناث ليس معهن ذكر، ووهب لإبراهيم ثمانية ذكور، ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل، وإسحاق الذكور، والإناث. ووهب لسيدنا وحبيبنا الذكور، والإناث، وجعل عيسى، ويحيى عقيمين. وقال بعضهم المراد بقوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ..﴾. إلخ أولاد آدم، كانت حواء تلد لآدم في كل بطن توأمين: ذكرا، وأنثى، وكان يزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التشريع في شرع نوح ﵊.
﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً:﴾ لا ولد له، وهذا قد يكون في بعض الذكور، ويكون في بعض الإناث، يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، يستوي فيه المذكر، والمؤنث، وعقمت المرأة تعقم عقما، مثل: حمد يحمد، وعقمت تعقم مثل: عظم يعظم، وأصله القطع، ومنه الملك العقيم؛ أي: تقطع فيه الأرحام بالقتل، والعقوق خوفا على الملك. وريح عقيم؛ أي: لا تلقح سحابا، ولا شجرا. ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنّه لا يوم بعده، ويقال: نساء عقم، وعقم، قال أبو دهبل يمدح عبد الله بن الأزرق المخزومي: [الكامل]
عقم النساء، فما يلدن شبيهه... إنّ النّساء بمثله عقم
وانظر ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ في سورة (الحج) رقم [٥٥]. ومما يتعلّق بذلك فخذ ما يلي: قال النبي ﷺ : «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا». وكذلك في الصحيح أيضا: «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله». وقد جاء في حديث ثوبان-﵁-خرجه مسلم أيضا: أنّ النبي ﷺ قال لليهودي: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذ علا منيّ المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن الله».
انتهى. قرطبي. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ:﴾ فيفعل ما يفعل بحكمة، واختيار. هذا؛ وفي هذه الآية، وسابقتها فن التقسم، وهو من المحسنات البديعية.
стр. 5718
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُزَوِّجُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به. ﴿ذُكْراناً:﴾ حال من الضمير. وقيل: مفعول ثان، ولا وجه له. ﴿وَإِناثاً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَيَجْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا. ﴿مَنْ:﴾ مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يجعل الذي، أو شخصا يشاؤه. ﴿عَقِيماً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ تعليل للكلام السابق لا محلّ لها.
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾
الشرح: سبب نزول الآية: أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : ألا تكلم الله، وتنظر إليه؛ إن كنت نبيا، كما كلّمه موسى ﵇، ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال النبي ﷺ :
إنّ موسى لم ينظر إليه، فنزل قوله: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ..﴾. إلخ ذكره النقاش، والواحدي والثعلبي.
﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ أي: ما صح، وهذا التعبير و ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ونحوهما معناه:
الحظر، والمنع، فتجيء لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز، كما في هذه الآية، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النمل): ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ رقم [٦٠] وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في هذه السورة، ومثلها في (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ونحو ذلك.
﴿إِلاّ وَحْياً:﴾ قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه، فيكون إلهاما، ومنه قوله ﷺ : «إنّ روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». وانظر شرح (الوحي) في الآية رقم [٦٥] من سورة (الزمر). ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ:﴾ كما كلم موسى. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً:﴾ كإرساله جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ وإلى غيره من الرسل. ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ:﴾ وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا، ويرونه عيانا، وهكذا كانت حال جبريل ﵇ إذا نزل بالوحي على النبي ﷺ .
قال ابن عباس-﵄: نزل جبريل-﵇-على كل نبي، فلم يره منهم إلاّ محمد، وعيسى، وموسى، وزكريا، ﵈، فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام.
стр. 5719
انتهى. قرطبي. هذا؛ وجاء في التسهيل: بين الله تعالى في الآية: أنّ كلامه لعباده على ثلاثة أوجه: أحدها: الوحي بطريق الإلهام، أو المنام. والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب.
والثالث: الوحي بواسطة الملك. وهذا خاص بالأنبياء، والثاني خاص بموسى، وبمحمد؛ إذ كلّمه الله ليلة الإسراء. وأمّا الأول فيكون للأنبياء، والأولياء. وقال الصاوي: وقد يقع الإلهام لغير الأنبياء، كالأولياء، غير أنّ إلهام الأولياء قد يختلط به الشيطان؛ لأنّهم غير معصومين، بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ أي: متعال عن صفات المخلوقين. ﴿حَكِيمٌ:﴾ يفعل ما تقتضيه حكمته، فيكلم تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، إما عيانا، أو من وراء حجاب.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ قال ابن هشام في المغني: تحتمل الأوجه الثلاثة؛ أي: النقصان، والتمام، والزيادة، فعلى اعتبارها ناقصة: الخبر إما: ﴿لِبَشَرٍ،﴾ و ﴿وَحْياً﴾ استثناء مفرغ من الأحوال، فمعناه: موحيا، أو موحى، أو ﴿مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ بتقدير: أو موصّلا ذلك من وراء حجاب، أو ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ بتقدير: أو إرسالا، أي: أو ذا إرسال. وإما ﴿وَحْياً﴾ والتفريغ في الأخبار؛ أي: ما كان تكليمهم إلاّ إيحاء، أو إيصالا من وراء حجاب، أو إرسالا. وجعل ذلك تكليما على حذف مضاف، و ﴿لِبَشَرٍ﴾ على هذا تبيين.
وعلى التمام والزيادة فالتفريغ في الأحوال المقدرة في الضمير المستتر في لبشر. انتهى. مغني.
ومثل هذا يقال في آية غافر رقم [٧٨]: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ وفي آية (الأحزاب) رقم [٣٦]: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ..﴾. إلخ.
﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدم على نقصانها، ومتعلقان بها على تمامها، ومتعلقان بمحذوف خبر مقدم للمبتدأ المؤخر على زيادتها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ﴾ اسم ﴿كانَ﴾ أو هو فاعلها، أو هو مبتدأ مؤخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَحْياً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: إلا أن يوحي وحيا، والفعل المقدر مع: ﴿كانَ﴾ في تأويل مصدر في محل نصب حال، وهذا يعود إلى قول مكي، والزمخشري: وحيا مصدر في موضع الحال، وقال أبو البقاء: استثناء منقطع؛ لأنّ الوحي ليس بتكليم. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مِنْ وَراءِ:﴾
متعلقان بمحذوف معطوف على المقدر العامل في ﴿وَحْياً،﴾ أي: أو إلاّ أن يكلمه من وراء حجاب، وقال الزمخشري: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ ظرف واقع موقع الحال أيضا كقوله تعالى:
﴿وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ والتقدير: وما صحّ أن يكلّم أحدا إلاّ موحيا، أو مسمعا من وراء حجاب، أو مرسلا، و ﴿وَراءِ:﴾ مضاف، و ﴿حِجابٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُرْسِلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة جوازا بعد الواو المسبوقة باسم خالص من التقدير بالفعل، والفاعل يعود إلى الله. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر
стр. 5720
معطوف على: ﴿وَحْياً،﴾ كما رأيت تقديره. هذا؛ ومثل هذه الآية قول ميسون بنت بحدل الكلبية: [الوافر]
ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشفوف
وهذا هو الشاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» إعراب شواهد جامع الدروس العربية: [البسيط]
لولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب
وأيضا قول أنس بن مدركة الخثعمي، وهو الشاهد رقم [١٤٠] من الكتاب المذكور: [البسيط] إني وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر
انظر إعراب هذه الأبيات في محالها تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. هذا؛ ويقرأ الفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ بالرفع، على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أو هو يرسل، والجملة الاسمية هذه معطوفة على ﴿وَحْياً﴾ أي: فتكون في محل نصب حال مثله، أو الفعل ﴿يُرْسِلَ﴾ ينزل منزلة المصدر، كما في المثل العربي: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» فهو إذا معطوف على:
﴿وَحْياً﴾. انظر تقدير الكلام سابقا. (يوحي): معطوف على: ﴿يُرْسِلَ﴾ على جميع الوجوه المعتبرة فيه قراءة، وإعرابا. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فيوحي بإذنه الذي، أو شيئا يشاؤه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿عَلِيٌّ حَكِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية تعليل للكلام السابق، لا محلّ لها.
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي: وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك، أوحينا إليك، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿رُوحاً﴾ أي: نبوة. قاله ابن عباس-﵄. وقال الربيع: هو جبريل. وقال الضحاك: هو القرآن، وهو قول مالك بن دينار، وسماه روحا؛ لأنّ فيه حياة من موت الجهل، وجعله من أمره، بمعنى: أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز، والتأليف المعجب، وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن! ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب، كما أنّ الغيث ربيع الأرض. ويمكن أن يحمل قوله تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ..﴾. إلخ على القرآن أيضا ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: يسألونك من أين لك هذا القرآن؟ قل: إنه من أمر الله أنزله عليّ معجزا. ذكره القشيري.
стр. 5721
﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ المراد بالكتاب: القرآن، والمراد: بالإيمان: شرائعه، ومعالمه، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والختان، وإيقاع الطلاق، والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة، والصهر. وهذا هو الحق، وبه اندفع ما يقال: كيف قال: ﴿وَلا الْإِيمانُ﴾ والأنبياء كلهم كانوا مؤمنين قبل الوحي إليهم بأدلة عقولهم، وكان نبينا ﷺ يتعبّد على دين إبراهيم ﵊، ويحج، ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم على ما مرّت الإشارة إليه؟
وقال الكواشي: ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب، وهو القرآن، وعطف عليه لاختلاف لفظيهما؛ أي: ما كنت تعرف القرآن، وما فيه من الأحكام. ويدلّ على هذا التأويل توحيد الضمير في: ﴿جَعَلْناهُ﴾. وقيل: المراد بالإيمان: الكلمة التي بها دعوة الإيمان، والتوحيد، وهي: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. والإيمان بهذا التفسير، إنّما علمه بالوحي، لا بالعقل.
انتهى. نقلا من كرخي.
﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أي: الإيمان، أو القرآن، أو الوحي. ﴿نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ أي: من نختاره للنبوة، كقوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ﴾. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ أي: لتدعو الناس. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ:﴾ إلى دين الإسلام. هذا؛ وانظر شرح ﴿يُدْرِيكَ﴾ في الآية رقم [١٧]. وإعلال ﴿مُقِيمٍ﴾ في الآية رقم [٤٥] فإعلال ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ مثله.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أوحينا إليك إيحاء كائنا مثل إيحائنا لمن كان قبلك من المرسلين. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رُوحاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْرِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رُوحاً﴾. وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له؛ لأنّ ﴿رُوحاً﴾ نكرة. و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر «كان»، وجملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط:
الضمير فقط.
﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْكِتابُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي الفعل ﴿تَدْرِي﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿الْإِيمانُ:﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابُ﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف.
стр. 5722
(لكن): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿نُوراً:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ما كُنْتَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿نَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: نهدي به الذي، أو: شخصا نشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و (نا): في محل جر بالإضافة.
﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَتَهْدِي:﴾
اللام: هي المزحلقة. (تهدي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: لتهدي الناس، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿إِلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة: ﴿صِراطٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَدْرِي﴾ المستتر، والرابط:
الواو، والضمير. وإن اعتبرتها مستأنفة فلست مفندا.
﴿صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿صِراطِ اللهِ:﴾ هو الإسلام، رواه النواس بن سمعان عن النبي ﷺ . ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ملكا، وخلقا، وعبيدا. ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ:﴾ المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك: زيد يعطي، ويمنع؛ أي: من شأنه ذلك، وليس المراد به حقيقة المستقبل؛ لأنّ الأمور منوطة به تعالى كل وقت، وهذا؛ وعد للمطيعين، ووعيد للمجرمين، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب، وعقاب. انتهى. خطيب. وعبارة البيضاوي: ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ترجع بارتفاع الوسائط، والمتعلقات. وفيه وعد ووعيد للمطيعين، والمجرمين. انتهى.
وفي الخازن: ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلائق في الآخرة، فيثاب المحسن، ويعاقب المسيء. انتهى. وعلى هذا يكون المضارع على ظاهره.
فائدة:
قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف، ولم يبق منه إلاّ قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ وغرق مصحف، فانمحى كله إلاّ قوله تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ والله أعلم. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿صِراطِ:﴾ بدل مما قبله بدل المعرفة من النكرة. وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة. ﴿اللهِ:﴾ جار
стр. 5723
ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة: ﴿الَّذِي﴾ لا محلّ لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تَصِيرُ:﴾ مضارع. ﴿الْأُمُورُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. تأمّل وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بعون الله وتوفيقه انتهت سورة (الشورى) شرحا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 5724
سورة الزّخرف
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الزخرف)، وهي مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا..﴾. إلخ رقم [٤٥] وهي تسع وثمانون آية، وألف وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وأربعمئة حرف. انتهى. خازن، وسميت سورة (الزخرف) لما فيها من التمثيل الرائع لمتاع الدنيا الزائل، وبريقها الخادع بالزخرف اللامع، الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولهذا يعطيها الله للأبرار والفجار، وينالها الأخيار، والأشرار. أمّا الآخرة فلا يمنحها الله إلاّ لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ وقال الرسول ﷺ : «وإنّ الله يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه». من حديث ابن مسعود-﵁.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)﴾
الشرح: ﴿حم:﴾ انظر أول سورة (غافر). ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي: المبيّن الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والنافع من الضار، فأقسم الله بالكتاب، وهو القرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلال، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة. وقيل: معنى ﴿الْمُبِينِ﴾ الواضح للمتدبرين.
الإعراب: ﴿حم:﴾ انظر سورة (غافر) لإعرابه، وأضيف هنا: أنّه قيل: ﴿حم:﴾ قسم.
﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ:﴾ قسم ثان، ولله أن يقسم بما شاء، والجواب: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾. وقال ابن الأنباري: من جعل جواب ﴿وَالْكِتابِ﴾ ﴿حم﴾ -كما تقول: نزل والله، وجب والله-وقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. ومن جعل جواب القسم: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ لم يقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. انتهى. قرطبي.
وقال البيضاوي: أقسم بالقرآن على أنّه جعله قرآنا عربيا، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم، والمقسم عليه، ولعلّ إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث إنّه معجز عظيم، مبيّن طرق الهدى، وما يحتاج إليه في الديانة، أو بيّن للعرب يدلّ على أنّه تعالى صبّره كذلك. انتهى. بتصرف.
стр. 5725
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾
الشرح: هذه الآية مذكورة في سورة (يوسف) رقم [٢] بحروفها مع إبدال ﴿جَعَلْناهُ﴾ هنا بأنزلناه هناك. هذا؛ و (قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة (الناس). وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين، أنزله الله ﵎ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق، وليكون آية على صدق الرسول، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين، تشهد بأنه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة؛ التي تتحدى الأجيال والأمم على كرّ الأزمان، ومرّ الدهور، ولله درّ شوقي إذ يقول: [البسيط]
جاء النبيون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم
آياته كلما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم
وللقرآن أسماء عديدة كلها تدل على رفعة شأنه، وعلو مكانته، وعلى أنه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذكر، والكتاب... إلخ. كما وصفه الله ﵎ بأوصاف جليلة عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيته. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.
هذا؛ وقال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ .. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: بلغتكم يا معشر قريش لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه، فعلى هذا يكون خاصا للعرب دون العجم. قاله ابن عيسى.
وقال ابن زيد: المعنى: لعلكم تتفكرون، فعلى هذا يكون خطابا عاما للعرب، والعجم. ويؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأنّ سورة (الزخرف) وسورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بعض القرآن، ولأنه اسم جنس يقع على الكل، والبعض. واختلف: هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة-﵃-أنّ فيه من
стр. 5726
غير العربية، مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق، وسندس) ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح المختار؛ لأنّ هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلغة العرب، ولسانهم، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى، ووجه الجمع بينهما: أنّ هذه الألفاظ لما تكلّمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل.
هذا؛ والترجي في هذه الآية وأمثالها إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ، ورجاء لعباده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْناهُ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿قُرْآناً:﴾ مفعول به ثان. ﴿عَرَبِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إن)، والجملة الاسمية جواب القسم، لا محلّ لها.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية تعليل للجعل، لا محل لها.
﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ أي: مسجل في اللوح المحفوظ قديم الأزل. ﴿لَدَيْنا:﴾ عندنا. ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي: رفيع محكم، لا يوجد فيه اختلاف، ولا تناقض. قال تعالى في سورة (البروج): ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ وقال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٢] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. وقال ابن جريج: المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: أعمال الخلق من إيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية. وقال ابن عباس-﵄: أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ..﴾. إلخ انتهى. قرطبي.
هذا؛ وفي لفظ ﴿أُمِّ﴾ استعارة تصريحية، فقد استعير لفظ الأم للأصل.
هذا؛ و ﴿لَدَيْنا﴾ ظرف مكان بمعنى: «عند» وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزمان، وإذا أضيف لدى إلى مضمر كما هنا قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلاّ بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف على، وإلى، ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]
إلا كم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضراعة والهوانا
فلو برأت عقولكم بصرتم... بأنّ دواء دائكم لدانا
وذلكم إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكم علانا
стр. 5727
ثم اعلم: أنّ «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به، ويمتنع ذلك في لدى، ذكره ابن الشجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلاّ إذا كان حاضرا. قاله جماعة، منهم: الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشجري، وزعم المعري: أنّه لا فرق بينهما، وقول غيره أصح. انتهى. «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فِي أُمِّ:﴾ متعلقان ب: (عليّ) بعدهما، واللام لا تمنع ذلك، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها، صار حالا».
و ﴿أُمِّ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان بدل من ﴿فِي أُمِّ،﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابِ،﴾ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله ب: (نا)؛ التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلِيٌّ:﴾ اللام:
هي المزحلقة. (علي حكيم): خبران ل: (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الواقعة جوابا للقسم، لا محلّ لها مثلها. هذا؛ وأجيز اعتبار الجار والمجرور: ﴿فِي أُمِّ﴾ خبرا ل: (إنّ) وعليه فيكون قوله: ﴿لَعَلِيٌّ﴾ خبرا ثانيا، وهو معترض من حيث ما يلزم عليه من تقديم الخبر الغير مقرون باللام على المقرون بها، وهو ممتنع عند بعضهم. انتهى. جمل نقلا عن شيخه.
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥)﴾
الشرح: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً:﴾ الخطاب لأهل مكة، والمعنى: أفنترك عنكم الوحي، ونمسك عن إنزال القرآن، فلا نأمركم، ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم، وتركتم الإيمان، فنعتبركم كالبهائم، فلا نعظكم ولا نذكركم بالقرآن؟! ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ أي: لأجل أنكم مسرفون في التكذيب، والعصيان. لا، بل نذكركم، ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق. وقيل: المعنى أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين؟! أي:
معرضين عنكم. وقيل: معناه: أفنطوي الذكر عنكم طيا، فلا تدعون، ولا توعظون؟! وقيل:
أفنترككم، فلا نعاقبكم على كفركم؟!.
وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة؛ لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته، وكرمه، ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة، أو ما شاء الله. قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله: أنّه تعالى من لطفه، ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي به من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. انتهى.
стр. 5728
الإعراب: ﴿أَفَنَضْرِبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: عاطفة على محذوف، التقدير: أنهملكم، فنضرب. (نضرب) فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:
«نحن». ﴿عَنْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له. ﴿صَفْحاً:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنّه مفعول مطلق، عامله من معناه، وهو نضرب؛ لأنّه بمعنى: نصفح. الثاني: أنّه حال بمعنى:
صافحين. الثالث: أنّه مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفا، نحو قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ قاله ابن عطية. الرابع: أن يكون مفعولا من أجله. انتهى. جمل نقلا من السمين. وقيل: منصوب على الظرف أيضا. ولا وجه له. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري.
﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿قَوْماً:﴾ خبره. ﴿مُسْرِفِينَ:﴾
صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و ﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿كُنْتُمْ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن كنتم... إلخ، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نضرب) التقدير: لكونكم قوما مسرفين. هذا؛ وقرئ بكسر همزة (إن) على اعتبارها شرطية، وعليه ف: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ فعل شرطها، وجوابها محذوف، دلّ عليه ما قبلها، التقدير: إن كنتم فنحن نضرب. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَكَمْ:﴾ خبرية بمعنى: كثير هنا، وتأتي استفهامية، ويستعمل الأولى من يريد الافتخار، والتكثير، والثانية بمعنى: أي عدد، ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء ومقداره، ويشتركان في خمسة أمور: الاسمية، والإبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير، ويفترقان في خمسة أمور.
أحدها: أنّ الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق والتكذيب، بخلافه مع الاستفهامية.
الثاني: أن المتكلم بالخبرية لا يستدعي من مخاطبه جوابا؛ لأنه مخبر، والمتكلم بالاستفهامية يستدعيه، لأنه مستخبر.
الثالث: أنّ الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بالهمزة، بخلاف المبدل من الاستفهامية، يقال في الخبرية: كم عبيد لي، خمسون بل ستون! وفي الاستفهامية يقال: كم مالك أعشرون أم ثلاثون؟
الرابع: أنّ تمييز الخبرية مفرد، أو مجموع، ولا يكون تمييز الاستفهامية إلاّ مفردا خلافا للكوفيين.
стр. 5729
الخامس: أنّ تمييز الخبرية واجب الخفض، وتمييز الاستفهامية منصوب، ولا يجوز جرّه مطلقا، خلافا للفراء، والزجاج، وابن السراج وآخرين، بل يشترط أن تجر «كم» بحرف جر، فحينئذ يجوز في التمييز وجهان: النصب، وهو الكثير، والجر خلافا لبعضهم، وهو ب: «من» مضمرة وجوبا، لا بالإضافة، خلافا للزجاج.
وتلخص: أن في جر تمييزها أقوالا، الجواز، والمنع، والتفصيل، فإن جرت هي بحرف جر، نحو (بكم درهم اشتريت؟) جاز وإلاّ فلا. انتهى. «فتح القريب المجيب».
الإعراب: ﴿وَكَمْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كم): خبرية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي الْأَوَّلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿نَبِيٍّ﴾.
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧)﴾
الشرح: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ﴾ أي: ما أتاهم، فالمضارع بمعنى: الماضي، والمعنى: ما أتى الأمم السابقة نبي ولا رسول إلاّ استهزؤوا به، كاستهزاء قومك بك. ففي الآية الكريمة تعزية، وتسلية للنبي ﷺ من استهزاء قومه به، والآية مذكورة بحروفها في سورة (الحجر) رقم [١١] وفي سورة (يس) رقم [٣٠]، مع إبدال ﴿نَبِيٍّ﴾ هنا ب: ﴿رَسُولٍ﴾ فيهما.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة الفعلية: ﴿كانُوا..﴾. في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال.
﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾
الشرح: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي: أشد بطشا من القوم المسرفين؛ أي: قومك، فكنى عنهم بعد أن خاطبهم في الآية رقم [٥] والبطش: الأخذ بشدة، وقسوة، وغلظة. ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: وسبق في كثير من السور أحاديث إهلاكهم، مثل قوم صالح، وهود، ونوح،
стр. 5730
وغيرهم؛ ليكونوا عظة، وعبرة لمن بعدهم من المكذبين. قال الإمام الفخر الرازي: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، فقد ضربنا لهم مثلهم. انتهى. صفوة التفاسير. وفي الآية وعد للرسول ﷺ بالنصر، والظفر بأولئك المشركين، ووعيد، وتهديد لأولئك المعاندين.
الإعراب: ﴿فَأَهْلَكْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أهلكنا): فعل، وفاعل. ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به.
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿بَطْشاً:﴾ تمييز. وقيل: حال. ولا وجه له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَمَضى:﴾ الواو: حرف عطف.
(مضى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿مَثَلُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمسؤول منهم أهل مكة. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ذكر الله من آثار قدرته، ودلائل عظمته خلق السموات والأرض، وخصهما بالذكر هنا، وفي كثير من الآيات؛ لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وجمع السموات دون الأرض، وهي مثلهن؛ لأنّ طبقاتها مختلفة بالذات، متفاوتة بالصفات، والآثار، والحركات. وقدمها؛ لشرفها، وعلوّ مكانها، وتقدم وجودها، ولأنها متعبد الملائكة، ولم يقع فيها معصية كما في الأرض، وأيضا: لأنّها كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض، كنزول المنيّ من الذكر في رحم المرأة؛ لأنّ الأرض تنبت، وتخضر بالمطر.
﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ليقولن: خلقهن الله وحده، العزيز في ملكه، العليم بخلقه. قال القرطبي: أقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم، وسفها.
انتهى. وإنّما اعترفوا بذلك لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. هذا؛ وأصل: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ (يقول) فاتصلت به واو الجماعة، فصار (يقولون) فاتصلت به نون التوكيد الثقيلة، فصار: (ليقولوننّ) فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فصار: (ليقولونّ) فالتقى ساكنان: واو الجماعة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد، فحذفت واو الجماعة لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على اللام لتدلّ عليها.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿سَأَلْتَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والهاء مفعوله الأول، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة
стр. 5731
شرط غير ظرفي. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿السَّماواتِ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه ملحق بجمع المؤنث.
﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب سدّت مسدّ المفعول الثاني. ل: (سأل) المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يقولنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون حرف لا محلّ له. ﴿خَلَقَهُنَّ:﴾
فعل ماض، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ فاعله.
﴿الْعَلِيمُ:﴾ بدل منه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية:
﴿لَيَقُولُنَّ..﴾. إلخ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم؛ فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت، فهو ملتزم
والكلام: ﴿وَلَئِنْ..﴾. إلخ مستأنف لا محلّ له.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً:﴾ هذا؛ ويقرأ: «(مهادا)» مثل قوله تعالى في سورة (النبأ): ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ فقيل: هما لغتان لما يبسط، ويفرش. وقيل: ﴿مَهْداً﴾ مصدر و ﴿مَهْداً﴾ جمع له، والمعنى: جعلها فراشا، وقرارا تستقرون عليها، ولو شاء لجعلها مزلة، لا يثبت فيها شيء، كما ترون من بعض الجبال، ولو شاء لجعلها متحركة، فلا يمكن الانتفاع بها في الزراعة، والأبنية، فالانتفاع بها إنّما حصل لكونها مسطحة قارة ساكنة. وهذا ابتداء كلام من الله جلّت قدرته وصف نفسه بكمال القدرة، ولو كان هذا إخبارا عن قول الكفار؛ لقال: الذي جعل لنا.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ أي: طرقا بين الجبال، والأودية، والبراري، تسلكونها من أرض إلى أرض؛ لتبلغوا منافعها. وفي سورة (طه) رقم [٥٣]: ﴿وَسَلَكَ﴾ بدل ﴿وَجَعَلَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك، فتستدلون بمقدوراته على قدرته. وقيل: لعلكم تعرفون نعمة الله عليكم. قاله سعيد بن جبير-﵁.
وانظر الترجي برقم [٣].
стр. 5732
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وما سرد من الأوصاف عقيبه، إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وإن كان من قول الله؛ فما وجهه؟ قلت: هو من قول الله، لا من قولهم، ومعنى قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ:﴾ الذي من صفته كيت وكيت؛ لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه، وليسندنه إليه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بدلا من الاسم الكريم قبله، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح، ونحوهما. وعليهما يوقف على: ﴿الْعَلِيمُ﴾. وعلى الأول لا يوقف. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَهْداً:﴾ مفعول به ثان على اعتبار الفعل من أفعال التصيير، وحال على اعتباره بمعنى: «خلق». والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:
﴿سُبُلاً:﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤]. ﴿سُبُلاً:﴾ مفعول به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ:﴾ الجملة الاسمية تعليل للجعل، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٣].
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار ينفع، ولا يضر. قال ابن عباس ﵄: أي: لا كالذي أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم، بل هو بقدر، لا طوفان مغرق، ولا قاصر عن الحاجة حتى يكون معاشا لكم، ولأنعامكم. قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٢١]: ﴿وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي: أحيينا بالماء أرضا ميتة لا نبات فيها، كما قال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ رقم [٥]. ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: من قبوركم بعد دفنكم فيها. والمعنى: أنّ هذا الكلام كما دلّ على قدرة الله، وحكمته، ووحدانيته فكذلك يدلّ على قدرته على الحشر، والنشر للحساب، والجزاء يوم القيامة، ووجه التشبيه: أن جعلهم أحياء بعد الإماتة، كهذه الأرض التي انتشرت بعد ما كانت ميتة. وكذلك شبه الأرض قبل نزول المطر بالإنسان الميت، ثم أنشرها الله؛ أي: أحياها بالمطر. ففيه استعارة تبعية.
هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم، وهو ظاهر، وواضح، وللالتفات فوائد كثيرة: منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضّجر، والملال. لما جعلت عليه النفوس من
стр. 5733
حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.
هذا؛ ووصف ﴿بَلْدَةً﴾ ب: ﴿مَيْتاً﴾ وهو مذكر؛ لأنّ البلدة بمعنى: البلد، والمكان. وقال الليث: البلد كل موضع من الأرض عامر، أو غير عامر، خال، أو مسكون. والطائفة منه:
بلدة، والجمع بلاد. زاد غيره: والمفازة تسمى بلدة؛ لكونها مسكن الوحش، والجن. قال الأعشى في معلقته: [البسيط]
وبلدة مثل ظهر التّرس موحشة... للجنّ في اللّيل في حافاتها زجل
وقال جران العود: وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية». [الرجز]
وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير، وإلاّ العيس
وتذكّر البلدة، قال تعالى: ﴿*لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ وقال رؤبة بن العجاج، وهو الشاهد رقم [١٧٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
بل بلد مثل الفجاج قتمه... لا يشترى كتّانه وجهرمه
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف عطف. (الذي): معطوف على ما قبله. ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي)، وهو العائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ كان صفة له على مثال ما رأيت في الآية رقم [٤].
﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿نَزَّلَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فَأَنْشَرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿بَلْدَةً:﴾ مفعول به.
﴿مَيْتاً:﴾ صفة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف:
حرف تشبيه وجر، و «ذا»: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: تخرجون من قبوركم خروجا مثل خروج النبات من البلدة الميتة. ﴿تُخْرَجُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، ويقرأ: «(يخرجون)» بالبناء للمعلوم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها:﴾ أصناف المخلوقات من الإنسان، والحيوان، والنبات. وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى،
стр. 5734
وصحة وسقم. وقال بعض المحققين: كل ما سوى الله تعالى، فهو زوج، كالفوق، والتحت، واليمين، واليسار، والقدام، والخلف، والماضي، والمستقبل، والذوات، والصفات، والصيف، والشتاء، والربيع، والخريف، وكونها أزواجا يدلّ على أنّها ممكنة الوجود، محدثة مسبوقة بالعدم، فأمّا الحق تعالى، فهو الفرد المنزّه عن الضد، والند، والمقابل، والمعاضد.
انتهى. جمل نقلا من الخطيب.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي: السفن التي تمخر عباب البحار. ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ أي: الإبل التي تجوب الصحراء. والمعنى: سخر لكم السفن، والإبل، وذللها لكم؛ لتستفيدوا من النقل، والحمل، والركوب في البر والبحر. هذا؛ ومن المعلوم: أنّه لا يركب من الأنعام إلاّ الإبل؛ إذ الأنعام: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، فحينئذ في (الأنعام) هنا تغليب، فأريد بها ما يركب من الحيوان، وهو: الإبل، والخيل، والبغال، والحمير. وقرينة هذا قوله في سورة (النحل) رقم [٨]: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾.
الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
(الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الْأَزْواجَ:﴾ مفعول به.
﴿كُلَّها:﴾ توكيد، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَرْكَبُونَ،﴾ أو في محل نصب حال. و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما﴾.
﴿وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: وجعل لكم الذي تركبونه من الفلك والأنعام.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي: على ظهور الفلك، والأنعام. ذكّر الضمير، وأفرده نظرا للفظ (ما). وجمع (الظهر) وهو المضاف، نظرا لمعناها. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد؛ لأنّ المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش، والجند، فلذلك ذكّر، وجمع الظهور؛ أي: على ظهور هذا الجنس، والمراد: ظهور الإبل؛ لأنّ الفلك إنّما تركب بطونها، ولكنه ذكّرهما جميعا في أول الآية، وعطف آخرها على أحدهما، ويحتمل أن يجعل ظاهرهما باطنهما؛ لأنّ الماء غمره وستره، وباطنهما ظاهرهما؛ لأنّه انكشف للظاهرين، وظهر للمبصرين. انتهى. قرطبي بتصرف.
стр. 5735
﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: إذا ركبتم عليه، وذكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر، والبحر. ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا﴾ أي: ذلّل لنا هذا المركب. وفي قراءة: «(سبحان من سخّر لنا هذا)». والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ والإشارة فيهما مراعاة للفظ (ما) أيضا. ﴿وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مطيقين في قول ابن عباس، والكلبي. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد، والقوة؛ من قولهم: هو قرن فلان:
إذا كان مثله في القوة. ويقال: فلا مقرن لفلان؛ أي: ضابط له، ومن مجيئه بمعنى: مطيقين ما أنشده قطرب من قول عمرو بن معديكرب الزبيدي-﵁: [الوافر]
لقد علم القبائل ما عقيل... لنا في النائبات بمقرنينا
وقال آخر: [الوافر]
ركبتم صعبتي أشرا وحيفا... ولستم للصعاب بمقرنينا
هذا؛ ويقال: أقرن الشيء: إذا أطاقه. قال ابن هرمة: [الطويل]
وأقرنت ما حملتني ولقلّما... يطاق احتمال الصّدّ يادعد والهجر
هذا؛ و ﴿مُقْرِنِينَ﴾ بتشديد الراء بمعنى: مقيدين بالسلاسل، والأغلال.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: علمنا الله ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ما نقول إذا ركبنا السفن، وهي قوله تعالى في سورة (هود): ﴿*وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ،﴾ فكم من راكب دابة عثرت به، أو شمست، أو تقحمت، أو طاح من ظهرها فهلك، وكم من راكبين سفينة انكسرت بهم، فغرقوا، فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور، واتصالا بأسباب من أسباب التلف أمر ألاّ ينسى عند اتصاله به موته، وأنّه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله ، غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه، ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه.
قال ابن العربي: وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا، وليس بواجب ذكره باللسان، فيقول متى ركب-وخاصة في السفر-إذا تذكر: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل، والمال. يعني بالحور بعد الكور: تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه.
وذكر الثعلبي عن علي-﵁ «أنّ النبيّ ﷺ كان إذا وضع رجله في الركاب قال:
(بسم الله) فإذا استوى قال: الحمد لله على كلّ حال. ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾ إلى قوله ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وإذا نزلتم من الفلك والأنعام، فقولوا: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ»﴾.
стр. 5736
الإعراب: ﴿لِتَسْتَوُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعل).
وجوز ابن عطية اعتبار اللام للأمر، وفيه بعد؛ لقلة دخولها على أمر المخاطب. ﴿عَلى ظُهُورِهِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَذْكُرُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والواو فاعله. ﴿نِعْمَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِذَا:﴾
ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله، وهو مجرد عن الشرطية، على المعتمد. وقيل: شرطية، والجواب محذوف، وهو ضعيف. ﴿اِسْتَوَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿وَتَقُولُوا:﴾ معطوف على ما قبلها، منصوب مثله، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سُبْحانَ:﴾
مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو من إضافته لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، والفعل المقدر، والمصدر جملة فعلية في محل نصب مقول القول. ﴿سَخَّرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والهاء حرف تنبيه لا محلّ له. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿لَهُ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُقْرِنِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿وَما كُنّا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾
الشرح: هذه الآية من تتمة الكلام، الذي يسن أن يقوله المسلم عند ركوبه الفلك، والأنعام. ومعنى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ:﴾ لراجعون إلى الله تعالى، والمنصرفون من هذه الدنيا، ومراكبها إلى دار الاستقرار، والبقاء، ويتذكر المسلم بالحمل على السفينة، والدابة الحمل على الجنازة.
وهذا الرجوع، وهذا الانصراف لا رجوع بعده إلى هذه الدار الفانية، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي. وفيه إشارة إلى الرد على المشركين في إنكارهم البعث، والحساب، والجزاء بعد الموت. انتهى. بتصرف كبير.
وعن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا للسفر حمد الله تعالى، وسبّح، وكبر ثلاثا، ثم قال: «﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا..﴾. إلخ اللهمّ إنا نسألك في
стр. 5737
سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى! اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنّا بعده! اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل! اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل، والمال، والولد!» وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهن: «آيبون، تائبون عابدون لربّنا حامدون». أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والإمام أحمد.
وعن علي بن ربيعة: قال: شهدت علي بن أبي طالب-﵁، وقد أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب؛ قال: بسم الله. فلما استوى على ظهرها؛ قال:
الحمد لله، سبحان الذي سخر...) إلخ ثم قال: الحمد لله (ثلاث مرّات) ثم قال: الله أكبر (ثلاث مرات) ثم قال: سبحانك إنّي ظلمات نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، ثم ضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين! ممّ ضحكك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت فقلت: يا رسول الله! من أيّ شيء ضحكت؟ قال: «إنّ ربّك يعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب غيرك». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
الإعراب: ﴿وَإِنّا:﴾ الواو: واو الحال. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿إِلى رَبِّنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَمُنْقَلِبُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (منقلبون): خبر «إن» مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً:﴾ هذه الآية متصلة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي:
ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض؛ ليعترفنّ به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزآ، فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى: ﴿مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ أن قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزآ له، وبعضا منه، كما يكون الولد بضعة من والده، وجزآ له. انتهى. كشاف.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: عجّب الله المؤمنين من جهلهم؛ إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكا، أو ولدا، ولم يعلموا: أن من قدر على خلق السموات والأرض، لا يحتاج إلى شيء يعتضد به، أو يستأنس به؛ لأنّ هذا من صفات النقص. انتهى.
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ﴾ أي: الكافر، والملحد. ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ:﴾ لجحود للنعم بيّن ظاهر الجحود.
هذا؛ و ﴿مُبِينٌ﴾ اسم فاعل من: أبان الرباعي، أصله: مبين بسكون الباء وكسر الياء، فنقلت كسرة الياء إلى الباء بعد سلب سكونها؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة. ولا تنس: أنّ اسم الفاعل من بان الثلاثي: بائن، أصله: باين، وإعلاله مثل إعلال: قائل.
стр. 5738
الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: واو الحال. (جعلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة بقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ في الآية رقم [٩]، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: مستأنفة. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿جُزْءاً:﴾ مفعول به أول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كفور): خبر: ﴿إِنَّ﴾.
﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ..﴾. إلخ تعليل لجعلهم لله جزآ.
﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ..﴾. إلخ: أي: بل اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم، وتعجبا من شأنهم حيث ادعوا: أنّه اختار لنفسه المنزلة الأدنى، ولهم الأعلى. ﴿وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أي: اختصكم بالذكور، وأخلصكم بهم. يقال: أصفيته بكذا؛ أي: آثرته به. وأصفيته الود:
أخلصته له، وصافيته وتصافينا: تخالصنا. عجب من إضافتهم إلى الله اختيار البنات مع اختيارهم لأنفسهم البنين، وهو مقدس عن أن يكون له ولد؛ إن توهم جاهل أنّه اتخذ لنفسه ولدا؛ فهلاّ أضاف إليه أرفع الجنسين؟! ولم جعل هؤلاء لأنفسهم أشرف الجنسين، وله الأخس؟! وهذا كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾. انتهى. قرطبي.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٥٧]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ﴾ وقال فيها أيضا رقم [٦٢]: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ ما يَكْرَهُونَ،﴾ وقال في سورة (الإسراء) رقم [٤٠] موبخا لهم: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الصافات) رقم [١٥٣]: ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ،﴾ وقال تعالت حكمته في سورة (الطور) رقم [٣٩]: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ انظر شرح هذه الآيات في محالها. هذا؛ وتقديم البنات على البنين، وتنكيرهن وتعريف البنين في هذه الآية انظر مثله في الآية رقم [٤٩] من سورة (الشورى).
الإعراب: ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف بمعنى: «بل» التي للإضراب. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ ماض، وفاعله مستتر تقديره: «هو» يعود إلى الله. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما). اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿يَخْلُقُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أم اتخذ من الذي، أو من شيء يخلقه. ﴿بَناتٍ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنّه ملحق بجمع المؤنث السالم، والمفعول الثاني الجار والمجرور تقدّم عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها، وقال الجلال: ﴿أَمِ﴾ بمعنى: همزة الإنكار،
стр. 5739
والتقريع، والتوبيخ، والقول مقدر؛ أي: أتقولون: اتخذ... إلخ. ﴿وَأَصْفاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿بِالْبَنِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً﴾ أي: بالجنس الذي جعله له مثلا؛ أي:
شبها؛ لأنه إذا جعل الملائكة جزآ لله وبعضا منه، فقد جعله من جنسه، ومماثلا له؛ لأنّ الولد لا يكون إلاّ من جنس الوالد، والمعنى: أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم: أن أحدهم إذا قيل له: قد ولدت لك بنت؛ اغتم واربدّ وجهه غيظا، وتأسفا، وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب: أن امرأته وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت: [الرجز]
ما لأبي حمزة لا يأتينا؟ ... وإنما نأخذ ما أعطينا
حكمة ربّ ذي اقتدار فينا
﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا:﴾ صار وجهه أسود في الغاية؛ لما يعتريه من الكآبة. هذا؛ وقرئ «(مسودّ)» و «(مسوادّ)» برفعهما. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ:﴾ ممتلئ غيظا، وغما من سوء ما بشر به. قال الإمام الفخر الرازي: والمقصود من الآية التنبيه على قلة عقولهم، وسخافة تفكيرهم، فإن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد، كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى. هذا؛ وانظر الآيتين [٥٨] و [٥٩] من سورة (النحل) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
هذا؛ و (أحد) أصله: وحد؛ لأنّه من الوحدة، فأبدلت الواو همزة، وهذا قليل في المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة والمكسورة، مثل قولهم: وجوه، وأجوه، ووسادة، وإسادة، وهو مرادف للواحد في موضعين: أحدهما: وصف الباري جلّ علاه، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد. والثاني: أسماء العدد، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين الموضعين يفرق بينهما في الاستعمال، فلا يستعمل أحد إلاّ في النفي، وهو كثير في الكلام، أو في الإثبات مضافا، كما في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ بخلاف الواحد. وقولهم: ما في الدار أحد هو اسم لمن يعقل، ويستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الحاقة): ﴿فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾.
стр. 5740
هذا؛ و (أحد) أكمل من الواحد، ألا ترى أنّك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان، فأكثر. بخلاف قولك: لا يقوم له أحد. وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار أحد، فيجوز أن يكون فيها من الدواب، والطير، والوحش والإنس، فيعمّ الناس، وغيرهم، بخلاف ليس في الدار واحد، فإنّه مخصوص بالآدميين.
ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى: الواحد، فيستعمل في النفي، والإثبات، نحو قوله تعالى في سورة (الإخلاص): ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أي: واحد، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: واحدا منكم، وبغير معنى الواحد فلا يستعمل إلاّ في النفي، تقول: ما جاءني من أحد، ومنه قوله تعالى في سورة (البلد): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ وواحد يستعمل فيهما مطلقا، وأحد يستعمل في المذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، كما رأيته، بخلاف الواحد، فلا يقال:
كواحد من النساء بل كواحدة. والأحد له جمع من لفظه، وهو: الأحدون، والآحاد، وليس للواحد جمع من لفظه، فلا يقال: واحدون، بل يقال: اثنان، وثلاثة. والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب، بخلاف الواحد، فتلخص من ذلك سبعة فروق. ولا تنس الالتفات في الآيات.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿بُشِّرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿أَحَدُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿بِما:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿ضَرَبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿أَحَدُهُمْ﴾. وهو بمعنى: «جعل» ينصب مفعولين، الأول محذوف، وهو عائد الصلة؛ إذ التقدير: بالذي ضربه. ﴿لِلرَّحْمنِ:﴾ متعلقان بالفعل:
﴿ضَرَبَ﴾. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به ثان. ﴿ظَلَّ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿وَجْهُهُ:﴾ اسم: ﴿ظَلَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْوَدًّا:﴾ خبر: ﴿ظَلَّ﴾. هذا؛ وأجاز أبو البقاء، ومكي اعتبار اسم: ﴿ظَلَّ﴾ مستترا فيه. ﴿وَجْهُهُ:﴾ بدلا من الضمير المستتر. وعلى قراءة «(مسودّ)» بالرفع؛ فاسم ﴿ظَلَّ﴾ مستتر فيه، و ﴿وَجْهُهُ:﴾ مبتدأ، و «(مسود)» خبره، والجملة الاسمية في محل نصب خبر: ﴿ظَلَّ،﴾ وجملة: ﴿ظَلَّ..﴾. إلخ جواب (إذا)، لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَظِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأنّ المضاف جزؤه، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
стр. 5741
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾
الشرح: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا﴾ أي: يربّى، ويشب. والنشوء: التربية؛ يقال: نشأت في بني فلان نشئا، ونشوآ: إذا شببت فيهم. ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ أي: في الزينة. ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي:
وهو في الجدال، والمخاصمة غير مظهر لضعف رأيه، وسقم تفكيره، والمعنى: أنّ الأنثى إذا خاصمت، أو تكلّمت؛ لم تقدر أن تبين حجتها لنقص عقلها، وقلّما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه النقائص. وقال ابن كثير: فالأنثى ناقصة الظاهر، والباطن في الصورة، والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها بلبس الحلي؛ ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشّعراء: [الطويل]
وما الحلي إلاّ زينة من نقيصة... يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا
وأمّا إذا كان الجمال موفّرا... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا
وأمّا نقص معناها؛ فإنّها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب، وقد بشر ببنت: «والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة». قال مقاتل: لا تتكلّم المرأة إلاّ وتأتي الحجة عليها، وفيه: أنّه جعل النشأة في الزينة، والنعومة من المعايب، والمذام، وأنّه من صفات ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر-﵁: اخشوشنوا، واخشوشبوا، وتمعددوا. وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى. هذا؛ وقد جمع كفرة العرب في كفرهم ثلاث كفرات، وذلك: أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين، فاستخفوا بهم. انتهى. كشاف، ونسفي، وغيرهما.
وقيل: المنشأ في الحلية: أصنامهم؛ التي صاغوها من ذهب، وفضة، وحلوها. قاله ابن زيد، والضحاك، ويكون معنى: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي: ساكت عن الجواب. انتهى.
قرطبي. أقول: هذا قول ضعيف لا يعوّل عليه.
فائدة:
قال الرسول ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلاّ ثلاث: خديجة بنت خويلد، ومريم، وآسية امرأة فرعون». وللشعراء في وصف النساء بقلة العقل الشيء الكثير.
الإعراب: ﴿أَوَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: حرف عطف.
(من): اسم موصول مبني على السكون وفيه وجهان: أحدهما: أنّه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: وجعلوا، أو ويجعلون له من ينشأ في الحلية ولدا. والثاني: أنّه في محل رفع مبتدأ خبره محذوف. التقدير: أو الذي ينشأ في الحلية ولد لله؟! تعالى عن ذلك علوا
стр. 5742
كبيرا. ﴿يُنَشَّؤُا:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْحِلْيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكلام كله مستأنف، أو معطوف على مقدر، لا محلّ له مثله، التقدير: أيجترئون، ويجعلون لله من ينشأ... ؟! ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿فِي الْخِصامِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبِينٍ﴾ بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف يدلّ عليه ﴿مُبِينٍ،﴾ التقدير: هو لا يبين في الخصام، وهذا يعني: أنّ الجملة خبر أول للمبتدأ. ﴿غَيْرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿مُبِينٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب حال من نائب الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
تنبيه: تعليق الجار والمجرور: ﴿فِي الْخِصامِ﴾ ب: ﴿مُبِينٍ﴾ على الوجه الأول، وهو معمول للمضاف إليه، وتقدم على المضاف. استدلّ ابن هشام في هذه الآية على جواز هذه المسألة، وجعل منه قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ وقول الشاعر: وهو الشاهد رقم [١١٤٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فتى هو حقا غير ملغ تولّه... ولا تتخذ يوما سواه بديلا
وأيضا قول أبي زيد الطائي، وهو الشاهد رقم [١١٤١] من الكتاب المذكور: [البسيط]
إنّ امرأ خصّني يوما مودّته... على التنائي لعندي غير مكفور
﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً:﴾ هذا كفر آخر، تضمنه مقالهم، شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد، وأكرمهم على الله أنقصهم رأيا، وأخسّهم صنفا. ومعنى (جعلوا): حكموا، وأثبتوا. قال الكلبي، ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي ﷺ ، فقال:
«ما يدريكم أنهم إناث؟». قالوا: سمعنا من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال تعالى:
﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ أي: عنها في الآخرة. وهذا وعيد، وتهديد؛ إذ ستأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم.
قال البقاعي-رحمه الله تعالى-: يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا، ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة-﵁-أنّ النبي ﷺ قال: «كاتب الحسنات على يمين الرّجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب اليسار: دعه ستّ ساعات، لعلّه يسبّح الله، أو يستغفر». انتهى. جمل.
стр. 5743
الإعراب: ﴿وَجَعَلُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعلوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة:
﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عِبادُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرَّحْمنِ﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِناثاً:﴾ مفعول به ثان، وجملة: ﴿وَجَعَلُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿أَشَهِدُوا:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (شهدوا): ماض، وفاعله.
﴿خَلْقَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿سَتُكْتَبُ:﴾ السين: حرف استقبال. (تكتب): فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿شَهادَتُهُمْ:﴾ نائب فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيُسْئَلُونَ:﴾
الواو: حرف عطف. (يسألون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمفعول الثاني انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ..﴾. إلخ: يعني: قال المشركون على طريق الاستهزاء، والسخرية: لو شاء الرحمن على زعمكم ما عبدنا هؤلاء الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل، وكل شيء بإرادة الله، وإرادته تجب، وكذا علمه، فلا يمكن الاحتجاج بها.
﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ:﴾ هذا رد من الله على الكافرين في قولهم. ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون بقولهم. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أنّ الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافرين، وإنما شاء الإيمان منهم، فإن الكفار ادعوا: أنّ الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام؛ لمنعنا من عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله:
﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ..﴾. إلخ. انتهى. نسفي.
هذا؛ وخذ ما قاله محشي الكشاف أحمد جزاه الله خيرا؛ حيث قال: نحن معاشر أهل السنة نقول: إن كل شيء بمشيئة الله تعالى، حتى الضلالة، والهدى اتباعا لدليل العقل، وتصديقا لنص النقل في أمثال قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ وآية (الزخرف) هذه لا تزيد هذا المعتقد الصحيح إلاّ تمهيدا، ولا تفيده إلاّ تصويبا، وتسديدا، فنقول: إذا قال الكافر: لو شاء الله ما كفرت، فهذه كلمة حق أراد بها باطلا، أما كونها كلمة حق، فلما مهدناه، وأما كونه أراد بها باطلا، فمراد الكافر بذلك أن يكون له الحجة على الله، توهما أنّه يلزم من مشيئة الله تعالى لضلالة من ضلّ ألاّ يعاقبه على ذلك؛ لأنّه إنّما فعل مقتضى مشيئته. كما توهم القدرية إخوان
стр. 5744
الوثنية ذلك، فأشركوا بربهم، واعتقدوا: أنّ الضلالة وقعت بمشيئة الخلق على خلاف مشيئة الخالق، فالذين أشركوا بالملائكة أرفع منهم درجة؛ لأنّ هؤلاء أشركوا أنفسهم الدنية في ملك ربهم المتوحد بالربانية، جلّ، وعلا، فإذا وضح ما قلناه، فإنّما رد الله عليهم مقالتهم هذه؛ لأنّهم توهموا: أنها حجة على الله، فدحض الله حجتهم، وأكذب أمنيتهم، وبين: أن مقالتهم صادرة عن ظن كاذب، وتخرص محض، فقال: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ و ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾.
وقد أفصحت أخت هذه الآية مع هذه الآية عن هذا التقدير، وذلك قوله في سورة (الأنعام): ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ رقم [١٤٨].
فبين الله تعالى: أنّ الحامل لهؤلاء على التكذيب بالرسل، والإشراك بالله اغترارهم بأن لهم الحجة على الله بقولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ فشبه تعالى حالهم في الاعتماد على هذا الخيال بحال أوائلهم، ثم بين: أنّه معتقد نشأ عن ظن خلب، وخيال مكذب، فقال: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾. ثم لما أبطل أن يكون لهم في مقالتهم حجة على الله، أثبت تعالى الحجة له عليهم بقوله: ﴿فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ رقم [١٤٩] من سورة (الأنعام)، ثم أوضح: أنّ الردّ عليهم ليس إلاّ في احتجاجهم على الله بذلك، لا لأن المقالة في نفسها كذب، فقال: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تتمة الآية، وهو معنى قولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ من حيث أن ﴿لَوْ﴾ مقتضاها امتناع الهداية لامتناع المشيئة، فدلّت الآية الأخيرة على أنّ الله تعالى لم يشأ هدايتهم، بل شاء ضلالتهم، ولو شاء هدايتهم؛ لما ضلّوا.
فهذا هو الدين القويم، والصراط المستقيم، والنور اللائح، والمنهج الواضح، والذي يدحض به حجة هؤلاء مع اعتقاد: أنّ الله تعالى شاء وقوع الضلالة منهم، هو أنه تعالى جعل للعبد تأتيا، وتيسرا للهداية، وغيرها من الأفعال الكسبية، حتى صارت الأفعال الصادرة منه مناط التكليف؛ لأنّها اختيارية، يفرق بالضرورة بينهما وبين العوارض القسرية. فهذه الآية أقامت الحجة، ووضحت لمن اصطفاه الله للمعتقدات الصحيحة المحجة، ولما كانت تفرقة دقيقة، لم تنتظم في سلك الأفهام الكثيفة، فلا جرم أنّ أفهامهم تبددت، وأفكارهم تبدلت، فغلت طائفة القدرية، واعتقدت: أنّ العبد فعّال لما يريد على خلاف مشيئة ربه.
وحارت الجبرية، فاعتقدت أن لا قدرة للعبد البتة، ولا اختيار، وأنّ جميع الأفعال صادرة منه على سبيل الاضطرار. أما أهل الحق، فمنحهم الله من هدايته قسطا، وأرشدهم إلى الطريق الوسطى، فانتهجوا سبل السّلام، وساروا، ورائد التوفيق لهم إمام، مستضيئين بأنوار العقول
стр. 5745
المرشدة إلى أنّ جميع الكائنات بقدرة الله تعالى، ومشيئته، ولم يغب عن أفهامهم أن يكون بعض الأفعال للعبد مقدورة لما وجدوه من التفرقة بين الاختيارية، والقسرية بالضرورة، لكنها قدرة تقارن بلا تأثير، وتميز بين الضروري، والاختياري في التصوير، فهذا هو التحقيق، والله ولي التوفيق. انتهى.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ ماض. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للأصنام. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿عَبَدْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جواب شرط غير جازم، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا.
وقيل: مستأنفة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿بِذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عِلْمٍ﴾ بعدهما؛ لأنه مصدر. وقيل: في محل نصب حال منه، والأول أقوى، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ حرف جر صلة.
﴿عِلْمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي.
﴿عَبَدْناهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿يَخْرُصُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾
الشرح: هذا رد آخر على المشركين، والمعنى: أم آتيناهم كتابا من قبل القرآن، فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟! قال الإمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن حتى يعولوا عليه، ويتمسكوا به؟ انتهى. صفوة التفاسير. وقيل: الضمير عائد على النبي ﷺ . والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي بمعنى: همزة الاستفهام الإنكاري التوبيخي.
﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿كِتاباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿كِتاباً﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء:
حرف تعليل. (هم): مبتدأ. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْتَمْسِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية تعليل لإتيانهم الكتاب.
следующие страницы →