Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
إنّما المجنون من أصر على معصية الله تعالى». هذا؛ والعقل أيضا: الدية. سميت بذلك؛ لأن الإبل المؤداة دية تعقل بباب ولي القتيل، والعقال بكسر العين الحبل الذي تشد به ركبة الجمل عند بروكه على الأرض ليمنعه من القيام، والمشي، والعقال أيضا صدقة عام. قال شاعر يهجو عاملا على الصدقات في عهد بني أمية: [البسيط] سعى عقالا، فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟
لأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
هذا؛ والعقال زكاة المال في سنة واحدة، والسبد: المال القليل، واللبد: المال الكثير، وأوبادا: هلكى، جمع: وبد. فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، وقال: والله لو صار عاملا عامين لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لها عند التفرق في الحرب جمالان! فيختل أمر الغزوات.
الإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (أقيموا) في الاية رقم [٩] من سورة (الرحمن). ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به.
﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها): في محل جر بالإضافة. و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مبتدأة، أو مستأنفة. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها في محل نصب حال من واو الجماعة فيه ضعف. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل لتبيين الايات، لا محل لها.
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ:﴾ بتشديد الصاد، والدال فيهما، وأصلهما (المتصادقين والمتصدقات) وقرئ بهما على هذا الأصل، كما قرئ بتخفيف الصاد فيهما،
стр. 6407
وتشديد الدال، بمعنى الذين صدّقوا وصدّقن الله ورسوله. من: التصديق. هذا؛ ونص الاية صريح بإثابة النساء اللاتي يعملن الصالحات من الصدقات، وغيرها، ودليل واضح على أن المرأة مكلفة بالطاعات، ومنهية عن المعاصي، والمخالفات كالرجل. وانظر ما ذكرته في آية (الأحزاب) رقم [٣٥]. ﴿وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً:﴾ ففيه تغليب الرجال على النساء، أو المعنى:
أقرضوا، وأقرضن الله قرضا... إلخ وانظر ما ذكرته في الاية رقم [١١].
﴿يُضاعَفُ لَهُمْ:﴾ ويقرأ «(يضعّف)» بتشديد العين، والمضاعفة: المكاثرة، وضعف الشيء (بكسر الضاد، وسكون العين): مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، هذا هو الأصل في الضعف، ثم استعمل في المثل وما زاد، وليس للزيادة حد، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه:
ضممت إليه مثله، فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في هذه الاية: ﴿يُضاعَفُ لَهُمْ﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٣٠]: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ وفي الاية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ وفي الاية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هذا؛ وللضعف (بفتح الضاد) والضّعف (بكسرها) والضعف (بضمها) معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز] في الرأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب عظيم، وهو الجنة، وفي سورة (الأنفال) رقم [٤]: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. وفسر بما لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كد الاكتساب، وخوف الحساب، لا منة فيه ولا عذاب، وانظر شرح ﴿كَرِيمٌ﴾ في سورة (الدخان) رقم [٢٦].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْمُصَّدِّقِينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، ﴿وَالْمُصَّدِّقاتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المصدقات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَأَقْرَضُوا:﴾
(الواو): حرف عطف. (أقرضوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿قَرْضاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة ﴿قَرْضاً﴾. هذا؛ و (أقرضوا) ماض معطوف على ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ﴾ وهو عطف فعل على اسم، وساغ ذلك؛ لأن الاسم في تقدير الفعل؛ إذ المعنى: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، ومنه قوله تعالى في سورة (العاديات):
﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ إذ المعنى: فاللاتي أغرن صبحا فأثرن به نقعا. هذا؛ وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٩٥]: [الوافر] وأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
стр. 6408
إذ المعنى: وأنا الذين يشربون الماء، ويشرب... إلخ. هذا؛ وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا
قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-في شرح هذا البيت: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه، ويجوز أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم، فمن الأول قوله تعالى... وذكر آية (العاديات) والاية التي نحن بصدد شرحها، وقال: ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل] فألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا
ف: «مجر» عطاء معطوف على: «يبير» وقول الشاعر: [الرجز] بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر
ف: «جائر» معطوف على: «يقصد». ﴿يُضاعَفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل فيه وجهان: أحدهما وهو الظاهر أنه الجار والمجرور: (لهم). والثاني: أنه ضمير التصدق، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، التقدير: يضاعف لهم ثواب التصدق. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَلَهُمْ:﴾ (الواو): حرف عطف. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿كَرِيمٌ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ..﴾. إلخ: لقد اختلف في هذه الاية، هل الشهداء هم الصديقون، أم هم غيرهم؟ فقال مجاهد، وزيد بن أسلم: إن الشهداء، والصديقين هم المؤمنون أنفسهم، وروي معناه عن النبي ﷺ ، وعليه فلا يوقف على قوله: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾. وهذا قول ابن مسعود-﵁-في تأويل الاية. وروي عن ابن عباس، ومسروق-﵄:
أن الشهداء غير الصديقين، مثل قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٦٩]: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾.
وعلى القول الأول ففي الشهداء قولان: أحدهما أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. قاله الكلبي، ودليله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١)﴾.
стр. 6409
الثاني: أن أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما: أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة، ومعصية. الثاني: أنهم يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم. وعلى جميع ما تقدم؛ فالشهداء جمع: شاهد. وعلى القول الثاني: فالمراد بهم: الشهداء الذين يقتلون في سبيل الله، وهو على هذا فالشهداء: جمع: شهيد، والشهيد على ثلاثة أنواع:
الأول: شهيد الدنيا، وهذا من قاتل رياء، أو حبا في الغنيمة، أو حبا في السمعة، والشهرة، والمحمدة، فهذا تجري عليه أحكام الشهادة في الدنيا، ولا ثواب له في الاخرة.
والثاني: شهيد الاخرة فقط، فقد روى الطبراني عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال ذات يوم: «ما تعدّون الشهيد فيكم؟!». قلنا يا رسول الله! من قتل في سبيل الله. قال: «إنّ شهداء أمّتي إذا لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، والمتردي شهيد، والنفساء شهيد، والغريق شهيد، والسّلّ شهيد، والحريق شهيد، والغريب شهيد». قال الحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-: ورواه الطبراني من طريق عبد الملك بن مروان بن عنترة-وهو متروك-عن أبيه عن جده. والثالث: شهيد الدنيا، والاخرة، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
هذا؛ ومعنى: (الشهداء عند ربهم) أي: في جنات النعيم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٦٩]: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فعن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلّقة في ظلّ العرش». أخرجاه في الصحيحين. هذا؛ و ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ جمع: صدّيق، وهو كثير الصدق. واختلف فيهم فالمعتمد:
أنهم أفاضل الصحابة كأبي بكر وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين إلى الإسلام. وقال مقاتل بن حيان: الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل، ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر، وأصحاب الأخدود.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم عند الله أجر جزيل، ونور عظيم، يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في دار الدنيا من الأعمال، انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٢].
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي: بالرسل، والمعجزات. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: لا ثواب لهم إلا النار، وبئس القرار! وقال البيضاوي: وفيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار؛ من حيث إن التركيب يشعر بالاختصاص، والصحبة تدل على الملازمة عرفا، انتهى. وينبغي أن تعلم أنه تعالى لما ذكر السعداء، ومالهم؛ ذكر الأشقياء، وبين حالهم. وهذا من باب المقابلة. انظر ما ذكرته في الاية رقم [١٥] من سورة (الذاريات).
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق،
стр. 6410
والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ الواو:
حرف عطف. (رسله): معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الصِّدِّيقُونَ:﴾ خبر الضمير، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ،﴾ وإن اعتبرت الضمير فصلا، ف: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين) والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالشُّهَداءُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الشهداء): معطوف على ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾ على اعتبارهما لمعنى واحد، ومبتدأ على اعتبارهما متغايرين. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (الشهداء) على الوجه الأول فيه، ومتعلق بمحذوف خبره على اعتباره مبتدأ، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿وَنُورُهُمْ:﴾
معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل:
(الشهداء) على اعتباره مبتدأ، أو في محل رفع خبر ثان ل: (أولئك) على الوجه الأول في (الشهداء). ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الذين): مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿أُولئِكَ:﴾ مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (الذين)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا:﴾ في هذا الحصر إشارة إلى تحقير الدنيا كيف لا؛ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء! ولقد وصف الله تعالى في هذه الاية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم ب: ﴿الدُّنْيا﴾ لدناءتها وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ورحم الله الحريري؛ إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنية إنها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
стр. 6411
أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيا. وقال سليمان بن الضحاك: [السريع] ما أحسن الدنيا ولكنّها... مع حسنها غدّارة فانيه
ما أنعم الله على عبده... بنعمة أوفى من العافيه
وكلّ من عوفي في جسمه... فإنه في عيشة راضيه
والمال حلو حسن جيد... على الفتى لكنه عاريه
وانظر ما ذكرته في سورة (العنكبوت) رقم [٦٤] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: كما يلعب الصبيان، ويلهون به، ويجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون عنه متعبين، واللعب العبث، واللهو: الاستمتاع بلذات الدنيا. وقيل: هو الاشتغال بما لا يعني الإنسان، وما لا يهمه. والمعنى: ليس ما أعطاه الله الأغنياء من حطام الدنيا؛ إلا وهو يضمحل، ويزول، كاللعب، واللهو؛ الذي لا حقيقة له، ولا ثبات. وقال الخازن: واللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال، ولا في المال، ثم إذا استعمله الإنسان، ولم يشغله عن غيره، ولم ينسه أشغاله المهمة؛ فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه؛ فهو اللهو.
﴿وَزِينَةٌ﴾ أي: وزينة يتزين بها الجهلاء، كالملابس الحسنة، والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة. ﴿وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ أي: ومباهاة، وافتخار بالأحساب، والأنساب، والمال، والولد، كما قال القائل: [الوافر] أرى أهل القصور إذا أميتوا... بنوا فوق المقابر بالصخور
أبوا إلاّ مباهاة وفخرا... على الفقراء حتّى في القبور
﴿وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ﴾ أي: مباهاة، ومفاخرة بكثرة الأموال، والأولاد. قال ابن عباس-﵄: يجمع المال من سخط، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلمات بعضها فوق بعض. وقال النسفي-رحمه الله تعالى-في هذه الاية:
لعب كلعب الصبيان، ولهو كلهو الفتيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر بينكم كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدهقان.
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ:﴾ وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٢٨]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ وسمي المطر غيثا؛ لأنه يغيث الناس، فيزيل همهم، ويفرج كربهم، ويطلق مجازا على الجواد الكريم.
قال ذو الرمة في مدح بلال بن أبي بردة الأشعري: [الوافر] سمعت الناس ينتجعون غيثا... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
стр. 6412
فقد جعله أجود من الغيث، وأنفع، وصيدح: اسم ناقته. وللزمخشري قوله: [البسيط] لا تحسبوا أنّ في سرباله رجلا... ففيه غيث وليث مسبل مشبل
﴿أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع؛ الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك، كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار بزهرتها وزينتها، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها. وسمي الزارع كافرا؛ لأنه يغطي البذر، ويستره بالتراب. وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي الحق، ويستره بجحوده، وإنكاره. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يجف بعد خضرته، وييبس، ﴿فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: متغيرا عما كان عليه من النضرة، والخضرة الحسنة. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً﴾ أي: فتاتا، وتبنا، فتذهب بهجته، ونضرته.
هكذا الحياة الدنيا تكون أولا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزا شوهاء. والإنسان يكون كذلك في أول عمره، وعنفوان شبابه غضا طريا، لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم يكبر، فيصير شيخا كبيرا ضعيف القوى، كما قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾
ورحم الله من قال: [البسيط] ما أنت إلاّ كزرع عند خضرته... لكلّ شيء من الافات مقصود
فإن سلمت من الافات أجمعها... فأنت من بعد ذا لا بدّ محصود
تنبيه: في الاية الكريمة تشبيه التمثيل، الذي هو منتزع من متعدد، فقد شبه الله الدنيا، وبهجتها، وإقبالها على العبد، وركونه إليها بالنبات الذي ينزل عليه المطر، وهذا النبات يقوى، ويشتد، ويزهو يوما بعد يوم، ولكنه لا يلبث أن يصفر، ثم ييبس، ثم يكون هشيما، وحطاما.
وكذلك الدنيا مالها إلى الهلاك، والدمار، والفناء. هذا؛ ويشبه هذه الاية في تمثيل الدنيا الاية رقم [٤٥] من سورة (الكهف).
﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لمن كانت حياته بهذه الصفة. قال أهل المعاني: زهّد الله في هذه الاية في العمل للدنيا، وهذه صفة حياة الكافرين، وحياة من يشتغل باللعب، واللهو ورغّب في العمل للاخرة بقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ﴾ أي: لأوليائه، وأهل طاعته. وقيل: عذاب شديد لأعدائه، ومغفرة من الله، ورضوان لأوليائه؛ لأن الاخرة إما عذاب، وإما نعيم، ولا تنس المقابلة بين معنى الجملتين. وهو من المحسنات البديعية. والموت لا بد واقع بكل إنسان، ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ الناس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
ورحم الله من رد الجواب بما يلي: [البسيط]
стр. 6413
الدار جنة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار
هما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار؟
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: لمن عمل لها، ولم يعمل للاخرة، فمن اشتغل في الدنيا بطلب الاخرة، فهي له بلاغ إلى ما هو خير منه، وهي متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الاخرة. هذا؛ وأحاديث الرسول ﷺ في ذم الدنيا كثيرة لا تعد، ولا تحصى، ولكن النبي ﷺ مدحها إذا تزود منها المسلم العمل الصالح لاخرته حيث ورد قوله: «نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لاخرته». ولا تنس المقابلة في آخر الاية.
هذا؛ ويجري على ألسنة العوام: أن متاع الغرور هو ما تحمله المرأة من خرق في أيام حيضها فمن أين أتوا بهذا المعنى الذي لا يقره عقل، ولا ذوق فضلا عن عدم وجوده في كتب اللغة. ولا تنس أن الغرور بفتح الغين، إنما هو الشيطان. قال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾.
الإعراب: ﴿اِعْلَمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وانظر إعراب (أقيموا) في سورة (الرحمن) رقم [٩]. ﴿أَنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿الْحَياةُ:﴾ مبتدأ.
﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف. ﴿لَعِبٌ:﴾ خبر المبتدأ، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: (تفاخر)؛ لأنه مصدر.
وقيل: متعلق بمحذوف صفة له. ﴿وَتَكاثُرٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (تكاثر): معطوف على ما قبله. ﴿فِي الْأَمْوالِ:﴾ متعلقان ب: (تكاثر)؛ لأنه مصدر أيضا. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له.
﴿وَالْأَوْلادِ:﴾ معطوف على ما قبله، و (أنما) وما بعدها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿اِعْلَمُوا،﴾ والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي كمثل، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا،﴾ أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلقان بمحذوف صفة ل: (تفاخر)، وهو ضعيف جدا. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال من معنى ما تقدم؛ أي: ثبتت لها هذه الصفات مشبهة بغيث. هذا؛ وإن اعتبرت المحل للكاف؛ لأنها بمعنى مثل؛ فهو ضعيف جدا، و (مثل) مضاف، و ﴿غَيْثٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَعْجَبَ:﴾ فعل ماض، ﴿الْكُفّارَ:﴾ مفعول به. ﴿نَباتُهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿غَيْثٍ﴾.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَهِيجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿نَباتُهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَتَراهُ:﴾ (الفاء): حرف عطف. (تراه): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله.
стр. 6414
﴿مُصْفَرًّا:﴾ حال من الضمير المنصوب، أو مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى النبات.
﴿حُطاماً:﴾ خبر ﴿يَكُونُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَفِي:﴾ (الواو): حرف استئناف. (في الاخرة): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة ﴿عَذابٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (مغفرة):
معطوف على ﴿عَذابٌ﴾. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمغفرة، أو بمحذوف صفة له، ﴿وَرِضْوانٌ:﴾
معطوف على (مغفرة).
﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية لا عمل لها. ﴿الْحَياةُ:﴾
مبتدأ. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْغُرُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾
الشرح: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: سارعوا بالأعمال الصالحة؛ التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة؛ لأنها تؤدي إلى المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ لو وصل بعضها ببعض. وقيل: إن الله شبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض؛ لو وصل بعضها ببعض. قيل: إن السموات السبع، والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إن الله شبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض، ولا شك: أن الطول يكون أزيد من العرض، فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك، ومن عادة العرب: أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله. قال الشاعر: [الطويل] كأنّ بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل
وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، ويقع في نفوسهم، وأفكارهم، وأكثر مما يقع في نفوسهم مقدار السموات، والأرض. فشبه عرض الجنة بعرض السموات، والأرض على ما يعرفه الناس. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: هيئت، ويفهم من الاية الكريمة: أن الجنة مخلوقة موجودة، كما أن النار أعدت وهيئت بالذات للكافرين وبالعرض للعصاة الذين حادوا عن الصراط المستقيم، فهي أيضا مخلوقة، وموجودة. قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٣١]: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾.
стр. 6415
هذا؛ وقال أكثر المفسرين: فيه دليل على أن الإيمان وحده كاف في استحقاق دخول الجنة، وفيه أعظم رجاء، وأقوى أمل؛ لأن الله ذكر: أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسوله، ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر، وهذا غير مسلّم لهم من عدة وجوه: أولها: أن الله قال: ﴿سابِقُوا..﴾. إلخ؛ وقد رأيت ما ذكرته لك آنفا: أن المعنى: سابقوا، وسارعوا بالأعمال الصالحة، وليس المعنى سابقوا، وسارعوا إلى دخول الجنة بدون عمل. والله جلت قدرته يقول في الحديث القدسي: «ما أقلّ حياء من يطمع بجنتي من غير عمل، فكيف أجود بجنتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!».
وثانيها: الايات الكثيرة التي تقرن الإيمان بالعمل الصالح، وسميته في محالّه احتراسا.
وثالثها: الأحاديث الشريفة الكثيرة؛ التي تشترط العمل مع الإيمان لدخول الجنة، مثل قول الرسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه». «ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل...» إلخ.
وروى الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: «مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلاّ الله». وزاد البخاري: «ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك». والمراد بالأسنان: الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة.
ورابعها: أن ما أطلق هنا قيد في الايات رقم [١٣٣] و [١٣٤] و [١٣٥] من سورة (آل عمران) -انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك-بالتقوى، وإنفاق المال في السراء، والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس المسيئين، والإحسان إليهم، والتوبة من الذنب، وعدم الإصرار عليه. فلماذا لا يحمل المطلق على المقيد، وهذا معروف في علم الأصول لا خفاء فيه. لذا ما قاله بعض المفسرين لا يعتد به، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
هذا؛ ولا تنس قوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٢١]: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾.
وأيضا قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٨]: ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾.
﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: إن الجنة لا تنال، ولا تدخل إلا برحمة الله، وفضله، وقد قال الرسول ﷺ : «لن يدخل أحدا عمله الجنّة... إلخ». انظر الجمع بين هذا الحديث، وبين قوله تعالى في سورة (الزخرف) الاية رقم [٧٢]: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ:﴾ فلا يبعد أن يتفضل، ويتكرم بذلك؛ وإن عظم قدره، وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا:
стр. 6416
يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، بالدرجات العلى، والنعيم المقيم. قال: «وما ذاك؟».
قالوا: يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون، ولا نتصدّق، ويعتقون، ولا نعتق. قال رسول الله ﷺ : «أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلاّ من صنع مثل ما صنعتم؟». قالوا: بلى يا رسول الله؟ قال:
«تسبّحون وتكبّرون، وتحمدون دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين مرّة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». رواه البخاري ومسلم.
تنبيه: ذكر الله : أن عرض الجنة كعرض السماء والأرض للمبالغة في وصفها بالسعة؛ لأن العرض دون الطول، يقال: هذه صفة عرضها؛ فكيف طولها؟! قال الزهري: إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا على سبيل التمثيل، لا أنها كالسموات، والأرض لا غير، بل معناه: كعرض السموات السبع، والأرضين السبع عند ظنكم؛ لو وصل بعضها ببعض. روي: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب-﵁: إذا كانت الجنة عرضها ذلك، فأين تكون النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، وإذا جاء النهار؛ فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة. ومعناه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك-﵁-عن الجنة: أفي السماء، أم في الأرض؟ فقال: وأي سماء وأي أرض تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة-﵁: كانوا يرون: أن الجنة فوق السموات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿سابِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَغْفِرَةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَجَنَّةٍ:﴾ معطوف على (مغفرة).
﴿عَرْضُها:﴾ مبتدأ، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿كَعَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وإن اعتبرت الكاف اسما؛ فهي الخبر، وتكون مضافة، و (عرض): مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر صفة (جنة). ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى جنة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: (جنة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بالجملة الاسمية بعدها، وتكون «قد» قبلها مقدرة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و (الله) مضاف إليه، من إضافة
стр. 6417
المصدر لفاعله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول.
﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يؤتيه الذي، أو شخصا يشاء إيتاءه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الله):
مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة ﴿الْفَضْلِ﴾.
﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يحدث في الأرض مصيبة من المصائب كقحط، وزلزلة، وآفة في الزروع، وجائحة في الثمار، وعاهة في الحيوانات المسخرة لمنفعة الإنسان. ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من الأمراض، والأوصاب، والفقر، وذهاب الأولاد. ﴿إِلاّ فِي كِتابٍ:﴾ المراد به: اللوح المحفوظ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ أي: نخلقها، ونبرزها للوجود.
والضمير يعود إلى الخليقة، والنسمة. وقال بعضهم: الضمير عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة، والبرية لدلالة الكلام عليها، كما روي عن منصور بن عبد الرحمن؛ قال: كنت جالسا مع الحسن، فقال رجل: سله عن قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ..﴾. إلخ. فسألته عنها، فقال: سبحان الله، ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض في كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة.
هذا؛ و «أصاب» يحتمل معاني كثيرة، تقول: أصاب السهم يصيب: لم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى بالصواب، وأصاب فلانا البلاء يصيبه: وقع عليه، وهو ما في هذه الاية، وأصابهم المطر: نزل عليهم. قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤٨]:
﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وأصاب: قصد وأراد. قال تعالى في سورة (ص) رقم [٣٦]: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ قاله مجاهد. والعرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب. قاله ابن الأعرابي، وقال الشاعر: [المتقارب] أصاب الكلام، فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل
стр. 6418
هذا؛ والمضارع يصيب، وانظر إعلال (يوقنون) في الاية رقم [٣٦] من سورة (الطور)، فهو مثله. وهذه الاية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق لله تعالى قبحهم الله تعالى! روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة». وزاد ابن وهب:
«وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾. أخرجه مسلم، وأحمد، ورواه الترمذي بالزيادة، وقال: حسن صحيح. ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي: إن علمه تعالى بالأشياء قبل وجودها سهل عليه ؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: وبلغنا: أنه ليس أحد يصيبه خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلخال عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، أقول:
هو فحوى قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٣٠]: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
وأقول أيضا: عفو الله عن كثير من الذنوب يتجلى بقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٦١]:
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. وبقوله جل ذكره في سورة (فاطر) رقم [٤٥]: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
هذا؛ وبين الرسول ﷺ في أحاديثه الشريفة أن المصائب على اختلاف أنواعها، وتفاوت مراتبها تكفر السيئات، وتمحو الخطايا. وخذ نبذة من ذلك فيما يلي:
عن أبي سعيد، وأبي هريرة-﵄-عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ؛ حتّى الشوكة يشاكها إلاّ كفّر الله بها من خطاياه». رواه البخاري، ومسلم. وعن عائشة-﵂: أن النبي ﷺ قال:
«إذا اشتكى العبد المؤمن؛ أخلصه الله من الذنوب، كما يخلّص الكير خبث الحديد». رواه الطبراني، وغيره. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الصداع، والمليلة لا تزال بالمؤمن، وإنّ ذنبه مثل أحد، فما تدعه؛ وعليه من ذلك مثقال حبّة من خردل». رواه أحمد، وغيره.
هذا؛ وليست كل المصائب انتقاما، ولا تكفيرا للسيئات، ولا دليلا على أن الله يبغض العبد المبتلى، والمصاب، بل على العكس قد تكون المصائب دليلا على أن الله يحب العبد، ويبتليه ليرفع درجاته في أعلى عليين، وكلما كان أقوى إيمانا؛ اشتد بلاؤه، فعن مصعب بن سعد عن أبيه-﵁. قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإذا كان دينه صلبا؛ اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة؛ ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد؛ حتّى يمشي على الأرض؛ وما عليه خطيئة». رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن محمود بن لبيد-﵁: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 6419
قال: «إذا أحبّ الله قوما؛ ابتلاهم، فمن صبر؛ فله الصّبر، ومن جزع، فله الجزع». رواه الإمام أحمد. وعن أنس بن مالك-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحبّ قوما؛ ابتلاهم، فمن رضي؛ فله الرّضا، ومن سخط؛ فله السّخط». رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ورحم الله من قال: [الطويل] بنى الله للأخيار بيتا سماؤه... هموم وأحزان وحيطانه الضّرّ
وأدخلهم فيه وأغلق بابه... وقال لهم: مفتاح بابكم الصّبر
وانظر ما أذكره في سورة (التغابن) رقم [١١] إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَصابَ:﴾ فعل ماض. ﴿مِنْ:﴾ حرف صلة. ﴿مُصِيبَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ما أصابكم مصيبة. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَصابَ،﴾ أو بمحذوف صفة ﴿مُصِيبَةٍ﴾ على اللفظ، أو على المحل، أو هما متعلقان بنفس ﴿مُصِيبَةٍ﴾. هذا؛ وذكّر الفعل ﴿أَصابَ؛﴾ لأن ﴿مُصِيبَةٍ﴾ مؤنث مجازي. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾ وجاز ذلك وإن كانت نكرة؛ لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أو هما متعلقان بمحذوف خبر مبتدأ محذوف التقدير:
إلا هي كائنة في كتاب، وتكون الجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿مُصِيبَةٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، التقدير: إلا ثابتة في كتاب من قبل. ﴿أَنْ نَبْرَأَها:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، (وها): مفعول به، و ﴿أَنْ نَبْرَأَها﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة قبل إليه.
﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿أَنْ،﴾ واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما.
﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنْ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها على جميع الاعتبارات.
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ أي: أعلمناكم بتقدم علمنا، وسبق كتابتنا للأشياء قبل وجودها، وقبل إظهارها لكم. وأخبرناكم بتقديرنا الأمور قبل وجودها؛ لتعلموا علما يقينيا: أن
стр. 6420
ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، أو من أمور الدنيا. وعن ابن مسعود-﵁: أن نبي الله ﷺ قال: «لا يجد أحدكم طعم الإيمان؛ حتّى يعلم: أنّ ما أصابه؛ لم يكن ليخطئه، وما أخطأه؛ لم يكن ليصيبه».
ثم قرأ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾.
﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ أي: أعطاكم. قال عكرمة-رحمه الله تعالى-: ليس أحد إلا وهو يفرح، ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرا، والحزن صبرا. قال صاحب الكشاف: إن قلت: ما من أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها ألاّ يحزن ولا يفرح، قلت: المراد: الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر، والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين. والفرح المطغي الملهي عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله، والاعتداد بها مع الشكر؛ فلا بأس بهما، والله أعلم.
وقال جعفر الصادق بن محمد الباقر-﵄: يا بن آدم! ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت؟! وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟! هذا؛ وأصل «تأسوا»: تأسيون، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصارت: تأساون، فالتقى ساكنان: الألف، والواو التي هي الفاعل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار وزنه:
(تفعون)؛ لأن لامه التي هي الياء المنقلبة ألفا قد حذفت، والمصدر: أسى، فهو مقصور، فيقال: أسي أسى، مثل: جوي جوى.
هذا؛ والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب؛ ولذا أكثر ما يستعمل في اللذات البدنية الدنيوية، وقد ذم الله الفرح في مواضع من كتابه، كقوله تعالى في سورة (القصص) الاية رقم [٧٦]: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ولكنه مطلق، فإذا قيد الفرح؛ لم يكن ذما، لقوله تعالى في حق الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران)، وقال جل ذكره: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ رقم [٥٨] من سورة (يونس)، وقال في سورة (الروم): ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾ رقم [٣] من سورة (الروم).
﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ أي: متكبر. ﴿فَخُورٍ:﴾ يفخر على الناس، ويعدد عليهم مناقبه تطاولا، وتكبرا، ومعنى عدم محبة الله للمتكبر: سخطه، وغضبه عليه، وإبعاده من رحمته، وعفوه، ورضوانه. وهذا يشمل الذكر، والأنثى؛ وإن كان المخاطب به الذكر وحده.
تنبيه: في الاية الكريمة مسألة بيانية لم يتعرض لها المفسرون ألبتة، وهي ما إذا وقعت «كل» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: ما جاء كلّ القوم، ولم آخذ كلّ الدراهم، وكلّ الدراهم لم آخذ. وإن وقع
стр. 6421
النفي في حيزها، اقتضى السلب عن كل فرد، كقول النبي ﷺ لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قاصرات الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾.
وقوله تعالى في سورة (البقرة)، الاية [٢٧٦]: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾. والاية التي نحن بصدد شرحها، ومثلها في سورة (لقمان) رقم [١٨] حيث وقعت (كلّ) في حيز النفي، فتفيد أن المنفي الشمول، وأن البعض ثابت له المحبة من الله.
والجواب عن الايات: أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود؛ إذ دل الدليل، وهو الإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشريفة الكثيرة. هذا؛ ويعبر عما تقدم بسلب العموم، وعموم السلب.
هذا؛ وفي الاية الكريمة نهي عن الكبر، والتكبر، والفخر، والتفاخر، والخيلاء. وقد نهى الله عنه في كثير من الايات القرآنية، وبين أنه يكون سببا في صرف العبد المتكبر عن قبول الحق، واتباع الهوى. وقد ذكرت في سورة (لقمان) وغيرها كثيرا من الأحاديث الشريفة التي تشدد النكير على المتكبرين، وتتوعدهم بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، وخذ هنا ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلّة، تعجبه نفسه، مرجّل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم. وعن ابن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تعظّم في نفسه، أو اختال في مشيته؛ لقي الله ﵎، وهو عليه غضبان».
رواه الطبراني في الكبير، والحاكم بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن ابن عباس ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله جل وعلا: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار». رواه ابن ماجه.
الإعراب: ﴿لِكَيْلا:﴾ (اللام): حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب. (لا):
نافية. ﴿تَأْسَوْا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (كي) وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (كي) والفعل ﴿تَأْسَوْا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿عَلى:﴾ حرف جر. ﴿ما:﴾
نكرة موصوفة، أو اسم موصول مبني على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ وهو الرابط، أو العائد، والجملة الفعلية صفة ﴿ما،﴾ أو صلتها. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَفْرَحُوا:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، والواو فاعله، والألف
стр. 6422
للتفريق. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة.
﴿آتاكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: بالذي، أو بشيء آتاكموه الله.
﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿لِكَيْلا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مُخْتالٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿فَخُورٍ:﴾ صفة ثانية، وجملة: ﴿لا يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (الله...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾
الشرح: (البخل) هو منع المال، وإمساكه عن التصدق به في وجوه الخير، وشر البخلاء الذي يكون بخيلا، وينهى الناس عن الإنفاق، ويحثهم على الإمساك. وفي القرطبي: قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة النبي ﷺ ؛ التي في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس، فتذهب مأكلتهم. قاله السدي، والكلبي. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يعني: بالعلم ﴿وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: بألا يعلّموا الناس شيئا. انتهى.
أقول: والتي نزلت في حق اليهود صراحة قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٧]: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن الإيمان، وعن أمر الله، وطاعته في إنفاق المال في وجوهه المشروعة، ولا سيما المفروض منه، كزكاة، وكفارة، ومن تعليم العلم، ومن نشره، وإذاعة أوصاف النبي ﷺ . ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ:﴾ عن عباده غير محتاج إليهم في شيء. ﴿الْحَمِيدُ:﴾
المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.
هذا؛ والبخل على أنواع: البخل قد يكون من الإنسان على أولاده، وزوجه، فهو في سعة، ويقتر عليهم؛ بينما يبذر على نفسه وعلى أصحابه في المعاصي والمنكرات، وقد يبخل الإنسان على نفسه، ويسخو على أولاده، وزوجه، وهذا نوع آخر من البخل. والبخل قد يكون بما فرض الله على الإنسان من زكاة، وكفارة، ونذر، ونحو ذلك. وهذا مذموم، ولا سيما إذا كان ينفق المال في الشهوات الدنيئة. وخذ ما يلي:
стр. 6423
عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ألا إن كلّ جواد في الجنة حتم على الله، وأنا كفيل به. ألا وإنّ كل بخيل في النار حتم على الله، وأنا به كفيل». قالوا: يا رسول الله! من الجواد، ومن البخيل؟ قال: «الجواد من جاد بحقوق الله في ماله، والبخيل من منع حقوق الله، وبخل على ربّه، وليس الجواد من أخذ حراما، وأنفق إسرافا». رواه الأصبهاني.
هذا؛ وقال الشاعر الحكيم يذم البخل بجميع أنواعه: [البسيط] البخل شين ولا يرضى به أحد... إلاّ الأسافل أهل الذمّ والعار
المنافقون لهم إخلاف ما بذلوا... والممسكون لهم إتلاف مع نار
هذا؛ ومن أنواع البخل البخل بإلقاء السّلام على من عرفت من المسلمين، ومن لم تعرف، وقد حث النبي ﷺ فقال: «أفشوا السّلام بينكم». ما لم يكن مانع من إفشائه كفسق، وفجور وإهمال واجب لله تعالى، فيكون عدم السّلام زجرا، وردعا للفاسق عن فسوقه، وللعاصي عن عصيانه.
وأبخل الناس من يبخل بالصلاة والسّلام على سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ عند سماع ذكره، فعن أبي ذر الغفاري-﵁-قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟!». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فذلك أبخل الناس». رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة من طريق علي بن يزيد عن القاسم.
هذا؛ وأشنع أنواع البخل من يكون بخيلا بنوع من الأنواع المذكورة، ثم يأمر غيره، ويحثه على البخل. قال أبو تمام الشاعر المعروف: [الطويل] وإنّ امرأ ضنّت يداه على امرئ... بنيل يد من غيره لبخيل
والاية هنا وآية (النساء) تنعيان هذا النوع من البخل على صاحبه، وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. وقيل: أبخل الناس من بخل بما في يد غيره. قال الزمخشري: ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد شخص به وعلا صوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه كأنما نهب رحله، وكسرت خزانته ضجرا من ذلك.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ بدل كل من كل. وأجيز اعتباره صفة ل: ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ كذا في المغني؛ لكنه ضعفه. أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. تقديره: أعني الذين. أو هي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف؛ التقدير: هم الذين، أو في محل مبتدأ خبره محذوف، التقدير: لهم وعيد شديد وعذاب أليم. ﴿يَبْخَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿بِالْبُخْلِ:﴾
متعلقان بما قبلهما.
стр. 6424
﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَوَلَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿فَإِنَّ:﴾ (الفاء): واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ خبران ل: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ خبرين له؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر (إنّ)، ورجح الأول؛ لأنه قرئ بإسقاط الضمير، والجملة الاسمية (إن الله...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.
وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفا، التقدير: ومن يتول عن الإيمان؛ فلا يضر إلا نفسه فلا بأس به، بل هو أجود؛ لأن الجملة الاسمية (إن الله...) إلخ خالية من رابط يربطها باسم الشرط كما هو واضح، وعليه تكون الجملة الاسمية تعليلا لجواب الشرط المقدر، وهذه الجملة مذكورة في سورة (الممتحنة) برقم [٦]. والجملة الاسمية: (من يتولّ...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرة، والحجج الدامغة، والبراهين الساطعة. وقيل: المراد بالرسل: الملائكة، وقيل المراد: جبريل، وجمع للتشريف، والتعظيم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ﴾ أي: الكتب، وجمهور المفسرين على حمل الرسل على البشر، وأولات (مع) بمعنى: إلى.
﴿وَالْمِيزانَ﴾ أي: العدل؛ أي: وأمرنا بالعدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى: أنزلنا الكتاب، ووضعنا الميزان، فهو من باب قول الشاعر: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها
انظر ما أذكره في الاية رقم [٩] من سورة (الحشر). قال القرطبي: ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾. ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي:
بالعدل. قال تعالى في سورة (الرحمن) الاية رقم [٩]: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾. انظر شرح هاتين الايتين في محلهما.
стр. 6425
﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ:﴾ قيل: إن الله تعالى أنزل مع آدم-﵊-لما أهبط إلى الأرض السندان، والمطرقة، والكلبتين. روى عمر-﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
«إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد، والنار، والماء، والملح». وروى عكرمة عن ابن عباس-﵄-قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم ﵇: الحجر الأسود؛ وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى؛ وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد، أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان، والكلبتان، والميقعة، وهي المطرقة. هذا؛ وقيل: (أنزلنا) هنا بمعنى: أنشأنا، وأحدثنا الحديد، وذلك: أن الله أخرج لهم الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه وإلهامه، فيكون كقوله في سورة (الزمر): ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ رقم [٦].
﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: لإهراق الدماء. والمعنى فيه قوة شديدة، فمنه: جنة، وهي آلة الوقع والدفع، والدفاع عن النفس، ومنه: السيف ونحوه، وهي آلة الهجوم والضرب. ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ أي: ومنه ما ينتفعون به في مصالحهم، كالسكين، والفأس، والإبرة، ونحو ذلك؛ إذ الحديد آلة لكل صنعة، فلا غنى لأحد عنه.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ﴾ أي: وأرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم هذه الأشياء، أو أنشأناها ليتعامل الناس بالحق، والعدل، وليعلم الله، علم ظهور؛ لأن الله قد علم كل شيء قبل وجوده. ومثله كثير. قال تعالى في سورة (آل عمران): ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾. ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ:﴾ من ينصر دينه. ﴿وَرُسُلَهُ﴾ أي: وينصر رسله. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: ينصرون دين الله وينصرون رسله، وهم لم يروا الله، ولم يروا رسله، ولم يروا الاخرة؛ التي يعملون لها، وإنما يحمد، ويثاب من أطاع، وامتثل بالغيب. قال ابن عباس-﵄: ينصرونه، ولا يبصرونه. ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ:﴾ يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته. ﴿عَزِيزٌ:﴾ غالب لا يغالب، يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته.
والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أن الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبل المراشد، والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام، والحدود، ويأمر بالعدل، والإحسان، وينهى عن البغي، والطغيان، واستعمال العدل، والاجتناب عن الظلم، إنما يقع بآلة يقع بها التعامل، ويحصل بها التساوي، والتعادل، وهي الميزان، ومن المعلوم: أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والالة الموضوعة للتعامل بالسّويّة، إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف، الذي هو حجة الله على من جحد، وعند، ونزع عن صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي يوصف بالبأس الشديد. انتهى. نسفي.
هذا؛ و (الناس) اسم جمع لا واحد له من لفظه: مثل: معشر، ونفر... إلخ، واحده:
إنسان من غير لفظه، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى
стр. 6426
في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ﴾ وأصله: الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، لكن بدون لام التعريف. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ رقم [٧١] من سورة (الإسراء). وقيل: إن أصله: النّوس، ولم يحذف منه شيء، وإنما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وانظر (الإنس) في الاية رقم [٥٦] من سورة (الرحمن)، وشرح ﴿الْإِنْسانَ﴾ في الاية رقم [١٩] من سورة (المعارج)، ولا تنس قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٩]: ﴿وَأَناسِيَّ كَثِيراً﴾.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: والله. وبعضهم يعتبرها لام الابتداء. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب القسم المقدر لا محل لها. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَرْسَلْنا﴾ أي:
مؤيدين بالبينات، ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَعَهُمُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. وأجيز تعليقه بمحذوف حال من ﴿الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ والأول أقوى، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به.
﴿وَالْمِيزانَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِيَقُومَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد اللام.
﴿النّاسُ:﴾ فاعل. ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بالفعل (يقوم)، و «أن» المضمرة والفعل (يقوم) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أنزلنا). ﴿وَأَنْزَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿الْحَدِيدَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بَأْسٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الْحَدِيدَ،﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿وَمَنافِعُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب: (منافع).
﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (ليعلم): هو مثل ﴿لِيَقُومَ﴾ في الإعراب، والتأويل، والجار، والمجرور الناتجان معطوفان على ﴿لِيَقُومَ﴾ وهو قول الجلال، لكن المعطوف عليه إرسال الرسل، وإنزال الكتاب والميزان، والمعطوف علة لإنزال الحديد. وفي أبي السعود: أنه معطوف على محذوف دلت عليه الجملة الحالية، وهي قوله: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ وعبارته: عطف على محذوف، يدل عليه ما قبله، فإنه حال متضمنة للتعليل، كأنه قيل: ليستعملوه، وليعلم الله.
﴿اللهُ:﴾ فاعل ليعلم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿يَنْصُرُهُ:﴾ مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَرُسُلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، والهاء في محل جر
стр. 6427
بالإضافة. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد على ﴿اللهُ﴾. ﴿الْمِيزانَ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ:﴾
خبران ل: ﴿الْمِيزانَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ:﴾ لما ذكر الله بعثه الرسل؛ ذكر هنا شيخ الأنبياء نوحا، وأبا الأنبياء إبراهيم، على حبيبنا، وشفيعنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام. وبين أنه جعل في نسلهما النبوة، والكتب السماوية؛ أي: وبالله لقد أرسلنا نوحا، وإبراهيم، وجعلنا النبوة في نسلهما، كما أنزلنا الكتب الأربعة، وهي: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن على ذريتهما، وإنما خص نوحا وإبراهيم بالذكر تشريفا لهما، وتخليدا لماثرهما الحميدة. هذا؛ وقال تعالى في حق نوح ﵊ سورة (الصافات) رقم [٧٧]: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ وقال تعالى في حق إبراهيم على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ سورة (العنكبوت) رقم [٢٧]، وانظر شرح ذرية في الاية رقم [٢١] من سورة (الطور).
﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذرية نوح وإبراهيم أناس مهتدون ممتثلون أوامر الله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، مخالفون لأوامره، ومثله قوله تعالى في سورة (الصافات) رقم [١١٣]: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر إعراب هذا اللفظ في الاية رقم [١٣] من سورة (النجم). ﴿أَرْسَلْنا:﴾
فعل، وفاعل. ﴿نُوحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها. (إبراهيم):
معطوف على ﴿نُوحاً﴾. (جعلنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فِي ذُرِّيَّتِهِمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ويقال: هما في محل المفعول الثاني تقدم على الأول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿النُّبُوَّةَ:﴾ مفعول به. ﴿وَالْكِتابَ:﴾
معطوف على ما قبله.
﴿فَمِنْهُمْ:﴾ (الفاء): حرف تفريع، واستئناف. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُهْتَدٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. هذا الإعراب هو الظاهر والمتعارف عليه في مثل هذه الجملة، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور (منهم) مبتدأ، و ﴿مُهْتَدٍ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، التقدير: وبعضهم مهتد. وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه
стр. 6428
مبتدأ، يرشدك إلى ذلك الجملة التالية، وأيضا قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]:
﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ فعطف (كثير) و (أكثرهم) على (منهم) يؤيد أن معناه:
بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة: «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو الأسد. «لا ترام»: لا تقصد. «قمشت»: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. (كثير): مبتدأ. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بكثير، ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع.
﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾ أي: أتبعناهم رسولا في إثر رسول: موسى وهارون، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وأصل ﴿قَفَّيْنا﴾ قفونا، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة. واشتقاقه من: قفوته: إذا اتبعت قفاه، ثم اتسع فيه، فأطلق على كل تابع، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع. والقفا:
مؤخر العنق، ويقال له: القافية أيضا، ومنه قافية الشعر، وهي آخر حرف من البيت. هذا؛ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٨٧]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾. وقال في سورة (المائدة) رقم [٤٦]: ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ قال القرطبي: على آثار الذرية. وقال البيضاوي: الضمير إلى نوح، وإبراهيم، ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل، لا للذرية، فإن الرسل المقفّى بهم من الذرية. هذا؛ و (الرسل) جمع: رسول، وهو بضم الراء، والسين، ويجوز تسكين السين. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف، أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل: عسر، ويسر، ورحم... إلخ.
﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ:﴾ فهو من ذرية إبراهيم، وهو آخر الأنبياء من بني إسرائيل. ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي: وأنزلنا عليه الإنجيل، الذي فيه البشارة بمحمد ﷺ . ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾
стр. 6429
﴿رَأْفَةً:﴾ عطفا، ولينا، وشفقة، والمراد بهم: الحواريون. قال في التسهيل: هذا ثناء من الله عليهم بمحبة بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب سيدنا محمد ﷺ بأنهم: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ سورة (الفتح) [٢٩] وهؤلاء بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه.
هذا؛ و ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، يذكر، ويؤنث، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب، وهو الأكثر، وهو مشتق من النجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدين، يرجع إليه، ويؤتم به، والإنجيل خال من الأحكام، وكل ما فيه حكم، ومواعظ، لذا فالنصارى عيال علينا في كثير من الأحكام، وخاصة المواريث، وقد دخل الإنجيل التحريف، والتزييف، كما دخلا التوراة، وما إنجيل متى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم.
﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ أي: اختلفوها واصطنعوها من قبل أنفسهم؛ أي: أحدثها القسس والرهبان من تلقاء أنفسهم لم يفرضها الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا أمرناهم بها. وقيل: إنه معطوف على (الرأفة، والرحمة) والمعنى على هذا: أن الله تعالى أعطاهم إياها، فغيروا، وبدلوا، وابتدعوا فيها. والأول أقوى، وهو المشهور. والرهبانية: رفض النساء، وشهوات الدنيا، واتخاذ الصوامع.
وسببها: أن ملوكهم غيروا، وبدلوا، وبقي نفر قليل، فترهبوا، وتبتلوا. قال الضحاك-﵀: إن ملوكا بعد عيسى-﵇-ارتكبوا المحارم ثلاثمئة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى، فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم؛ قتلونا، فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس، واتخذوا الصوامع.
﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها ﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ:﴾
استثناء منقطع؛ أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقيل: متصل، فإن معنى ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ:﴾ ما تعبدناهم بها. وهو كما ينفي الإيجاب المقصود منه دفع العقاب؛ ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة الله، وهو يخالف قوله: ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ إلا أن يقال: ابتدعوها، ثم ندبوا إليها، أو ابتدعوها بمعنى: استحدثوها، وأتوا بها أولا، لا أنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. انتهى. بيضاوي.
﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها:﴾ فما حفظوها حق حفظها؛ أي: كما ينبغي بل ضيعوها، وضموا إليها التثليث، والاتحاد. يقولون: اتحد اللاهوت بالناسوت. وكفروا بدين عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، ودخلوا في دين ملوكهم، وأقام أناس منهم على دين عيسى ﵇ حتى أدركوا محمدا ﷺ ، فآمنوا به. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: أعطينا الذين ثبتوا على الإيمان الصحيح في شريعة عيسى، وعملوا الصالحات، وآمنوا بمحمد ﷺ ثوابا
стр. 6430
عظيما، وأجرا جزيلا. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي: وكثير من النصارى خارجون عن حدود الطاعة منتهكون لمحارم الله تعالى، كقوله في سورة (التوبة) رقم [٣٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ..﴾. إلخ فلما بعث الله محمدا ﷺ ، ولم يبق منهم إلا قليل؛ جاؤوا من الكهوف، والصوامع، والغيران فآمنوا به، وهم الذين قال تعالى في حقهم في سورة (المائدة): ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾.
قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وهذه الاية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده، فيدخل في الاية. وعن أبي أمامة الباهلي، -واسمه: صدي بن عجلان-. قال: أحدثتم قيام رمضان (التراويح) ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام؛ إذ فعلتموه، ولا تتركوه، فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، لم يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله، فما رعوها حقّ رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها..﴾. إلخ.
ثم قال: وفي الاية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع، والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد أهل الزمان، وتغير الأصدقاء، والإخوان. انتهى. أقول: وقد جاء الحث، والترغيب في العزلة في الأحاديث الشريفة مثل قول النبى ﷺ لحذيفة بن اليمان-﵁-من الحديث الطويل: «اعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة». وهو في البخاري:
«يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال يفرّ بدينه من الفتن». وحديث عقبة بن عامر-﵁-مشهور لما سأله عن النجاة، فقال له النبي ﷺ : «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه الترمذي.
هذا؛ وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود-﵁. قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، فقال: «يا بن مسعود! اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرهن: فرقة وازرت الملوك، وقاتلوهم على دين عيسى، فأخذوهم، وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى، فساحوا في البلاد، وترهبوا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ»﴾. قال ﷺ : «من آمن بي، وصدّقني، واتبعني؛ فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي؛ فأولئك هم الهالكون». وعنه-﵁-قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: «يا بن أم عبد، هل تدري من أين أخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ﵇ يعملون بالمعاصي، فغضب أهل
стр. 6431
الإيمان، فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء؛ فتنونا، ولم يبق أحد يدعو إليه تعالى، فتعالوا: لنتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى-يعنون محمدا ﷺ -فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا الرهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر». ثم تلا هذه الاية: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من الذين ثبتوا عليها ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
ثم قال النبي ﷺ : «يا بن أمّ عبد! أتدري ما رهبانيّة أمّتي؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال:
«الهجرة، والصلاة، والجهاد، والصوم، والحجّ، والعمرة، والتكبير على التلاع». وروي عن أنس بن مالك-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ لكلّ أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمّة الجهاد في سبيل الله».
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قَفَّيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثلها. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِرُسُلِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وصنيع أبي السعود يقتضي: أن الباء زائدة في المفعول، ونصه: أي: ثم أرسلنا بعدهم رسلنا.
انتهى. جمل. و (نا) في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسَى﴾ معطوفة على ما قبلها، والإعراب مثلها. ﴿اِبْنِ:﴾ صفة عيسى، أو هو بدل منه، وهو مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. وجملة: ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ:﴾ معطوفة على ما قبلها. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿قُلُوبِ:﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، ﴿اِتَّبَعُوهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَأْفَةً:﴾ مفعول به لجعلنا. (رحمة): معطوف على ما قبله، وهو مرادف له.
﴿وَرَهْبانِيَّةً:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً،﴾ وجعل إما بمعنى: خلق، أو بمعنى صير، و ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ في هذا صفة ل: (رهبانية) وإنما خصت بذكر الابتداع؛ لأن الرأفة، والرحمة في القلب أمر غريزي، لا تكسّب للإنسان فيه، بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسّب، إلا أبا البقاء منع هذا الوجه بأن ما جعله الله لا يبتدعونه. وجوابه ما تقدم من أنها لما كانت مكتسبة صح ذلك فيها. والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر، يفسره الظاهر، فتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء، وجماعة؛ إلا أن هؤلاء يقولون: إنه إعراب المعتزلة، وذلك: أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان؛ فهو مخلوق له، فالرأفة، والرحمة لمّا كانتا من فعل الله؛ نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى، بل من فعل العبد يستقل بفعلها؛ نسب ابتداعها إليه. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
стр. 6432
﴿اِبْتَدَعُوها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رهبانية) على اعتبارها معطوفة على ما قبلها، ولا محل لها على اعتبارها مفسرة لجملة محذوفة مستأنفة.
قال ابن هشام في مغنيه: والمشهور: أنه عطف على ما قبله، و ﴿اِبْتَدَعُوها﴾ صفة. ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: وحب رهبانية. انتهى.
﴿ما:﴾ نافية. ﴿كَتَبْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة (رهبانية) أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاَّ:﴾
أداة استثناء. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ استثناء منقطع. وقيل: هو متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى:
ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله، ويكون (كتب) بمعنى: قضى، وهذا قول مجاهد، وإلى الأول ذهب قتادة، وجماعة. قالوا: معناه: لم نفرضها عليهم، ولكنهم ابتدعوها. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ وأجيز اعتباره بدلا من (ها) والمعنى: ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء، وهو ضعيف معنى كما ترى، و ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و ﴿رِضْوانِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿رِضْوانِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿فَما:﴾ (الفاء): حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿رَعَوْها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، (وها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿حَقَّ:﴾ مفعول مطلق، أو نائب مفعول مطلق، و ﴿حَقَّ﴾ مضاف، و ﴿رِعايَتِها﴾ مضاف إليه، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿فَآتَيْنَا:﴾
(الفاء): حرف استئناف. (آتينا): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به أول، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿أَجْرَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَكَثِيرٌ:﴾ (الواو): حرف استئناف.
(كثير): مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (كثير). ﴿فاسِقُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير العائد على الموصول، أو من الموصول نفسه؛ فالرابط: الواو، والضمير.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ الخطاب لأهل الكتابين من اليهود، والنصارى، المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بموسى، وعيسى. ﴿اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ:﴾ محمد ﷺ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ:﴾
نصيبين. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى، والإنجيل، وبمحمد ﷺ والقرآن،
стр. 6433
كما قال تعالى في سورة (القصص) رقم [٥٤]: ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾. فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وبمحمد ﷺ ، فله أجران، وعبد مملوك أدّى حقّ الله وحقّ مواليه فله أجران ورجل أدّب أمته، فأحسن تأديبها، ثمّ أعتقها، وتزوّجها، فله أجران». أخرجه البخاري ومسلم.
هذا؛ وقال سعيد بن جبير-﵁: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين (انظر القصص رقم [٥٤]) أنزل الله تعالى على محمد ﷺ هذه الاية في حق هذه الأمة.
وفي أسباب النزول للسيوطي مثله، وقد أسنده إلى مقاتل، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وزادهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: هدى يتبصر به من العمى، والجهالة، وسبيلا واضحا في الدين تهتدون به في الدنيا، وأيضا في الاخرة على الصراط كما رأيت في الاية رقم [١٢]. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ:﴾ هذا زيادة من فضله تعالى. ومثل هذه الاية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ومما يؤيد هذا القول ما يلي:
فعن عبد الله بن عمر-﵄. قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلكم، ومثل اليهود، والنصارى، كمثل رجل استعمل عمّالا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشّمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء! قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنّما هو فضلي أوتيه من أشاء». أخرجه الإمام أحمد.
وعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «مثل المسلمين، واليهود، والنصارى كمثل رجل استعمل قوما يعملون له عملا، يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم:
لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملا! فأبوا، وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم، فقال: أكملوا يومكم، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلّوا العصر؛ قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتّى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم، ومثل ما قبلوا من هذا النور». رواه البخاري. انتهى. مختصر ابن كثير للصابوني.
هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع؛ قال:
حدثنا شعيب عن الزهري؛ قال: أخبرني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر-رضي الله
стр. 6434
عنهما-. قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول وهو قائم على المنبر: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أعطي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها؛ حتى انتصف النهار، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا به حتى صلاة العصر، ثمّ عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أعطيتم القرآن، فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين. قال أهل التوراة: ربّنا هؤلاء أقلّ عملا، وأكثر أجرا! قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا. فقال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء».
وفي رواية: «فغضبت اليهود، والنصارى، وقالوا: ربنا...». الحديث. انتهى.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، (وها): حرف تنبيه لا محل لها، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من (أيها)، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، وجملة: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿يُؤْتِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الله تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿كِفْلَيْنِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿كِفْلَيْنِ﴾.
﴿وَيَجْعَلْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يجعل): معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ،﴾ والفاعل يعود إلى (الله).
﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نُوراً:﴾ مفعول به. ﴿تَمْشُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿نُوراً﴾. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يغفر): فعل مضارع معطوف على (يجعل). ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والفاعل يعود إلى (الله) أيضا، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها.
﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المعنى: ليعلم أهل الكتاب. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: حسد أهل الكتاب المسلمين، فنزلت الاية الكريمة. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-:
стр. 6435
قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي، والأرجل، فلما خرج من العرب؛ كفروا، فنزلت الاية الكريمة، وهو فحوى قول المفسرين: إن أهل الكتاب كانوا يقولون: الوحي، والرسالة فينا، والكتاب، والشرع ليس إلا لنا، والله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. فرد الله عليهم بهذه الاية الكريمة، ورمى كيدهم في نحورهم، ثم بين ﷻ ، وتعالى شأنه بأنهم عاجزون، لا يستطيعون تحصيل شيء من فضل الله، وأن الفضل: النبوة، والنعمة، وخيرات الدنيا بيد الله، يختص بها من يشاء من عباده، والله هو صاحب الفضل العظيم، والخير العميم. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٥] وسورة (آل عمران) رقم [٧٤]:
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقال في سورة (البقرة) رقم [٢٦٩]:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ ومعنى ﴿بِيَدِ اللهِ:﴾ في ملكه، وتصرفه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الله؛ لأنه قادر مقتدر مختار، وانظر شرح (اليد) في الاية رقم [٤٧] من سورة (الذاريات).
الإعراب: ﴿لِئَلاّ:﴾ (اللام): حرف تعليل وجر. (أن): حرف مصدري، ونصب، واستقبال.
(لا): صلة. ﴿يَعْلَمَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن». ﴿أَهْلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه، و (أن) والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أعلمكم بذلك؛ ليعلم... إلخ. وقال أبو البقاء: وقيل: ليست زائدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب عجز المؤمنين. انتهى. (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنهم. (لا): نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) المخففة، واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يعلم). ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ فَضْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ و ﴿فَضْلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَأَنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفَضْلَ:﴾ اسمها. ﴿بِيَدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (أن). و (يد) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله.
﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والهاء مفعوله الأول. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، لا محل لها. وقيل في محل رفع خبر ثان ل: (أنّ). وقيل: هي الخبر وحدها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الفضل، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيد الله لا ينتقل ألبتة. انتهى. نقلا عن السمين. هذا؛ وأقول: يجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين ب: ﴿الْفَضْلَ؛﴾ لأنه مصدر.
стр. 6436
﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلَ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾
صفة ﴿الْفَضْلَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الحديد) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 6437
سورة المجادلة
بسم الله الرّحمن الرّحيم سورة (المجادلة) مدنية في قول الجميع، وهي اثنتان وعشرون آية، وأربعمئة وثلاث وسبعون كلمة، وألف وسبعمئة، واثنان وتسعون حرفا. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾
الشرح: نزلت الاية الكريمة في خولة بنت ثعلبة-﵂-وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت-﵄-وهو رجل أدركه الكبر، وألحت عليه الشيخوخة حتى أفسدت بعض رأيه، وجعلته متبرما بكل شيء، ضعيف الاحتمال لأي شيء، لا يطيق نقاشا في رأي يرتئيه، ولا يحتمل معارضة في أمر يشير به، فدار بينه وبين زوجته حديث، فراجعته في بعض الكلام، فساءه ذلك، وأثار في نفسه، وأغضبه، فالتفت إليها، وألقى في وجهها بكلمة اعتاد كثير من الناس أن يلقوا بها وبأمثالها في وجوه نسائهم إذا غضبوا، فقال لها:
أنت عليّ كظهر أمي.
هذه عبارة كان العرب في جاهليتهم يحرمون بها نساءهم على أنفسهم، يشبه الرجل منهم زوجته بظهر أمه، وأمه عليه حرام، فتحرم عليه بهذا زوجته، قذف أوس في وجه زوجته، وربة بيته، وأم أبنائه، وبناته بهذه العبارة الموروثة، ولكن لم يلبث أن سكن غضبه، فأراد أن يعاود زوجته، ولكنها أبت حتى تستفتي في أمرها رسول الله ﷺ ، فانطلقت إليه تسعى، وقصت عليه قصتها، وانتظرت أن تنفرج شفتاه عن حكم تعود به إلى بيتها، وزوجها، وأولادها، ولكن رسول الله ﷺ لم يكن قد نزل عليه في مثل ذلك وحي من ربه، فقال لها: «ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم ينزل عليّ في أمرك شيء». فراجعته، وقالت: يا رسول الله! إنه ما ذكر لفظ الطلاق، فأعاد عليها حكمه: «ما أراك إلا قد حرمت عليه».
وقفت المرأة بهذا وجها لوجه أمام معضلة عسيرة، وتمثل لها بؤس ما هي قادمة عليه من فرقة، وشتات بعدما نعمت به من ألفة، واجتماع، فأبت بغريزتها أن يكون ذلك مصيرها، وغاية أمرها، فظلت تراجع رسول الله ﷺ ، وتجادله، وتناشده أن يجد لمعضلتها حلا غير هذا الحل،
стр. 6438
وتناديه بصوت يخنقه الحزن، ونبرات تخالطها العبرات: يا رسول الله! تزوجني أوس وأنا شابة مرغوب فيّ، فلما خلا سني، ونثرت له بطني؛ جعلني عليه كأمه، وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله؛ فحدثني بها، ولكن رسول الله ﷺ يعيد عليها ما قال من قبل: «لم ينزل عليّ في أمرك شيء، وما أراك إلا قد حرمت عليه».
وكأن إحساسا خفيا بالفرج يساور المرأة؛ لأن رحمة الله تأبى أن تصيرها إلى هذا الشتات، وأن ترمي بها في ظلام هذا المستقبل الكريه، فتتوجه إلى الله شاكية ضارعة: رب أشكو إليك وحدتي، وشدة فاقتي، وما يشق علي من فراق زوجي، وأولادي؛ رب إنك تعلم أن لي منه صبية صغارا، إن تركتهم إليه؛ ضاعوا؛ وإن ضممتهم إليّ؛ جاعوا.
بهذه الشكوى الضارعة توجهت المرأة إلى ربها، وحينئذ أذن الله لشكواها، وتقبل ضراعتها، ورحم ضعفها، وحل معضلتها، وأنزل على نبيه ﷺ قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي..﴾. إلخ. وحينئذ طلب الرسول ﷺ زوجها، وسأله: «هل تستطيع العتق؟». فقال: لا والذي بعثك بالحق، فقال:
«هل تستطيع الصوم؟». فقال: لا والله! إن أخطأني الأكل في اليوم مرة، أو مرتين كلّ بصري، وظننت أني أموت، فقال: «فأطعم ستين مسكينا». قال: ما أجد إلا أن تعينني منك يا رسول الله بمعونة وصلة، فأعانه رسول الله ﷺ بمعونة تصدق بها على ستين مسكينا. وخذ ما يلي:
فعن عائشة-﵂: أنها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة خولة إلى النبي ﷺ تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي﴾. أخرجه البخاري تعليقا، ورواه النسائي، وابن ماجه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي يزيد-﵁-قال: لقيت امرأة عمر-﵁، يقال لها:
خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها، حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال: ويحك! تدري من هذه؟ قال: لا! قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت عنها؛ حتى تقضي حاجتها؛ إلا أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها؛ حتى تقضي حاجتها!
هذا؛ وروي: أنها قالت لعمر-﵁-في موقفها ذلك: يا عمر! قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: يا عمر، ثم قيل لك: يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر! فإنه من أيقن بالموت؛ خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب؛ خاف العذاب.
هذا؛ والمحاورة: المراجعة في الكلام من: حار الشيء، يحور: إذا رجع، يرجع، ومنه الدعاء المأثور: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور». قال عنترة في معلقته رقم [٩٥]: [الكامل] لو كان يدري ما المحاورة اشتكى؟ ... ولكان لو علم الكلام مكلّمي
стр. 6439
﴿وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ:﴾ تتضرع إلى الله في تفريج كربتها. انظر ما تقدم. ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ أي: والله-جل وعلا-يسمع حديثكما، ومراجعتكما الكلام. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: ومعنى سماعه تعالى لقولها: إجابة دعائها، لا مجرد علمه تعالى بذلك، وهو كقول المصلي: سمع الله لمن حمده. ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لمن يناجيه، ويتضرع إليه. ﴿بَصِيرٌ﴾ أي:
بأعمال العباد، لا تخفى عليه خافية من أمرهم. وهما من صيغ المبالغة، وهما من صفات الذات، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة؛ أي: لم يزل الخالق-جل وعلا-متصفا بذلك.
وفي الوقت نفسه يعدان من الأسماء الحسنى. تأمل، وتدبر.
فائدة: هذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد السور، فهي الثامنة والخمسون منها، وليس فيها آية إلا وفيها ذكر الجلالة مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿سَمِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿قَوْلَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿تُجادِلُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي زَوْجِها:﴾ متعلقان بما قبلهما، (وها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَتَشْتَكِي:﴾ الواو: حرف عطف. (تشتكي): فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿وَاللهُ:﴾
(الواو): واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿يَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتفخيم والتعظيم. وقيل: الجملة مستأنفة.
﴿تَحاوُرَكُما:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ:﴾
خبران ل: ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية تعليلية، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي: الذين يقولون لنسائهم: أنتن كظهور أمهاتنا، يقصدون بذلك تحريمهن عليهم، كتحريم أمهاتهم؛ لسن في الحقيقة أمهاتهم، وإنما هن
стр. 6440
زوجاتهم. قال الإمام الفخر الرازي: الظهار: هو عبارة عن قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، يقصد: علوّي عليك حرام كعلوّي على أمي. والعرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي؛ أي: طلقتها، فغرضهم من هذه اللفظة تحريم معاشرتهم تشبيها بالأم. ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ:﴾ المعنى: لا تصير الزوجة بقول زوجها لها: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي، أو كظهر أمي، وما أشبه ذلك لا تصير أمه بذلك، إنما أمه الحقيقية هي التي ولدته.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ أي: كلاما فاحشا، وباطلا، ينكره الواقع، والحقيقة، وينكره الشرع الشريف، والدين الحنيف، وهو كذب، وزور، وبهتان؛ لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا، فلا جرم صار ذلك منكرا من القول وزورا. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: كثير العفو وكثير المغفرة، فهما صيغتا مبالغة، وهما من أسماء الله الحسنى. وانظر ما قبلهما في الاية السابقة.
هذا؛ و ﴿أُمَّهاتِهِمْ﴾ جمع: أم، والقياس أن يكون جمعها (أمّات) قال الزمخشري: والهاء مزيدة في أمّات، كما زيدت في: أراق، فقيل: أهراق، وشذت زيادتها في الواحدة في قول قصي الجد الرابع للنبي ﷺ : [الرجز] أمّهتي خندف والياس أبي... عند تناديهم بهال وهب
وقال ابن عصفور في الممتع: أما أمّهة، فمنهم من يجعل الهاء زائدة فيه، ومنهم من يجعلها أصلية، فالذي يجعلها زائدة يستدل على ذلك بأنها في معنى الأم، وأورد بيت قصي، إلا أن الفرق بين أمّهة، وأم: أن أمّهة تقع في الغالب على من يعقل، وقد تستعمل فيما لا يعقل، وذلك قليل جدا، نحو قول السفاح بن بكير: [السريع] قوّال معروف وفعّاله... عقّار مثنى أمّهات الرّباع
و «أم» يقع في الغالب على ما لا يعقل، وقد يقع على العاقل بنحو قول جرير: [الوافر] لقد ولد الأخيطل أمّ سوء... على باب استها صلب وشام
ومما يدل أيضا على زيادة الهاء في أمّهة قولهم: أمّ بينة الأمومة بغير هاء، ولو كانت أصلية لثبتت في المصدر، والذي يجعلها أصلية يستدل على ذلك بما حكاه صاحب العين من قولهم:
تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة تنبّهت، مع أن زيادة الهاء قليلة جدا، فمهما أمكن جعلها أصلية، كان ذلك أولى فيها، والصحيح: أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به لكثرة اضطرابه، وخلله. انتهى. بعد هذا؛ فالأمّ تعم من ولدتك، أو ولدت من ولدك، وإن علت، ويقرأ: أمّهات بضم الهمزة، وفتح الميم، وهي قراءة العامة، ويقرأ بكسر الهمزة، وفتح الميم، وبكسرهما معا.
стр. 6441
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَظْهَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل:
«ليس». ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿أُمَّهاتِهِمْ:﴾ خبر ﴿ما﴾ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. هذا؛ وقرئ برفع: «(أمهاتهم)» على إهمال ما، وعلى المبتدأ، والخبر، وعلى الاعتبارين فالجملة اسمية، وهي في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أُمَّهاتِهِمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿إِلاَّ:﴾
حرف حصر. ﴿اللاّئِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَدْنَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَإِنَّهُمْ:﴾ (الواو): واو الحال. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَيَقُولُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (يقولون): مضارع، وفاعله. ﴿مُنْكَراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: ليقولون قولا منكرا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير، وهو أقوى من الاستئناف ومن العطف على ما قبلها. ﴿وَزُوراً:﴾ الواو: حرف عطف. (زورا): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية ﴿وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا:﴾ هذا تفصيل لحكم الظهار بعد بيان أنه أمر منكر، وقول زور؛ أي: والذين يقولون هذا القول المنكر، ثم يعودون فيه، والعود عند الشافعي يكون بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة يحصل باستباحة استمتاعها، ولو بنظرة شهوة، وعند الإمام مالك بالعزم على الجماع، وعند الحسن البصري بالجماع، أو بالظهار مرة أخرى. انتهى. بيضاوي، وجمل. وخذ تفصيل ذلك مما في الخازن فقد قال-رحمه الله تعالى-:
اختلف العلماء في معنى العود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية، ثم بيان أقوال الفقهاء، فنقول: قال الفراء: لا فرق بين اللغة بين أن يقال:
يعودون لما قالوا، وفيما قالوا. وقال أبو علي الفارسي: كلمة (إلى) و (اللام) تتعاقبان، كقوله
стр. 6442
تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ،﴾ وقوله في سورة (الزلزلة): ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها﴾ وأما لفظة (ما) في قوله: ﴿لِما﴾ فهي بمعنى «الذي» والمعنى: يعودون إلى الذي قالوا، أو في الذي قالوا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه لفظ الظهار، والمعنى: أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ. الوجه الثاني: أن المراد ﴿لِما قالُوا؛﴾ أي: المقول فيه، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه.
وعلى هذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ أي: يعودون إلى شيء، وذلك الشيء هو الذي قالوا فيه ذلك القول، ثم إذا فسر هذا اللفظ بالوجه الأول؛ يجوز أن يكون المعنى: عاد لما فعل؛ أي: فعله مرة أخرى. وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقال: عاد لما فعل؛ أي: نقض ما فعل، وذلك:
أن من فعل شيئا، ثم أراد أن يفعله ثانيا فقد عاد إليه، وكذا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله، فقد عاد إليه بالتصرف فيه، فقد ظهر بما تقدم: أن قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه، بأن يفعلوا مثله مرة أخرى، ويحتمل أن يكون المراد، ثم يعودون إليه بالنقض، والرفع، والإزالة. وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين، ثم اختلفوا فيه على وجوه:
الأول: وهو قول الشافعي-رحمه الله تعالى-أن معنى العود لما قالوا هو السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك؛ لأنه لما ظاهر، فقد قصد التحريم، فإن وصله بالطلاق؛ فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع التحريم، ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق؛ فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة. وفسر ابن عباس-﵄-العود بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة.
الوجه الثاني: في تفسير العود، وهو قول أبي حنيفة-رحمه الله تعالى-: أنه عبارة عن استباحة الوطء، والملامسة، والنظر إليها بشهوة، وذلك: أنه شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء، ثم قصد استباحة ذلك كان مناقضا لقوله: (أنت عليّ كظهر أمّي).
الوجه الثالث: وهو قول مالك-رحمه الله تعالى-أن العود إليها عبارة عن العزم على وطئها. وهو قريب من قول أبي حنيفة.
الوجه الرابع: وهو قول الحسن، وقتادة، وطاووس، والزهري: أن العود إليها عبارة عن جماعها، وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها.
قال العلماء: والعود المذكور هنا هب: أنه صالح للجماع، أو للعزم عليه، أو لاستباحته، إلا أن الذي قاله الشافعي هو أقل ما ينطلق عليه الاسم، فيجب تعليق الحكم عليه؛ لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود، وأما الباقي؛ فزيادة لا دليل عليه. انتهى. خازن.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ المراد بالتماس: المجامعة، فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها؛ حتى يكفر عند الشافعي، وعند أبي حنيفة: يحرم الاستمتاع بها من
стр. 6443
جماع، أو لمس بشهوة، أو غير ذلك. وهو أولى؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ثم الرقبة الواجب إعتاقها أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، ومن كمالها: إسلامها عند مالك، والشافعي، كالرقبة في كفارة القتل، حملا للمطلق على المقيد. وعند أبي حنيفة، وأصحابه:
تجزئ الكفارة؛ ولو كانت كافرة. ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: الحكم المذكور. ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ يعني: أن غلظ الكفارة وعظ حتى تتركوا الظهار، وتبتعدوا عنه. وهو دليل على أن الظهار جناية، وجريمة، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم؛ حتى لا تعودوا إلى الظهار، وتخافوا عقاب الله عليه، ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، من التفكير وغيره، وخبير بالتدابير الظاهرة، والباطنة، وخبير بمصالح العباد، وحاجاتهم، وفاقتهم، وخبير بنيات العباد، وأفعالهم وأقوالهم.
هذا؛ والألفاظ المستعملة للظهار في الشريعة، وعرف الفقهاء الأصل فيه قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وأنت مني، أو معي، أو عندي كظهر أمي. وكذا لو قال: أنت عليّ كبطن أمي، أو كرأس أمي، أو كيد أمي، أو قال: بطنك، أو رأسك، أو يدك عليّ كظهر أمي، أو شبه عضوا منها بعضو من أعضاء أمه يكون ذلك ظهارا. وهذا عند الشافعي-﵁. وقال أبو حنيفة-﵁: والظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، وإذا وضع موضع أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة، أو مكان الظهر عضوا آخر، يحرم النظر إليه من الأم، كالبطن، والفخذ، أو مكان الأم ذات رحم محرم منه بنسب، أو رضاع، أو صهر، أو جماع، نحو أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو امرأة ابني، أو أبي، أو أم امرأتي، أو ابنتها، فهو مظاهر. انتهى. نسفي، والأول من الخازن، والنسفي حنفي، والخازن شافعي.
ولو قال: أنت عليّ كأمي، أو كروح أمي، وأراد به الإعزاز، والإكرام، لا يكون ظهارا، حتى ينويه، ويريده، وهذا ما يسمى كناية. هذا؛ ولا يجوز له أن يطأها حتى يكفر لقوله تعالى:
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾. هذا؛ وأركان الظهار أربعة: صيغة، وهي أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي، ونحوه مما تقدم، ومظاهر، وهو الزوج، ومظاهر منها، وهي الزوجة، ومشبه به، وهي الأم ونحوها مما تقدم. والله أعلم.
تنبيه: الظهار من الكبائر، وإذا امتنع المظاهر من الكفارة فللمرأة أن ترافعه، وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه، ويحبس إلا كفارة الظهار؛ لأنه يضرّ بها في ترك التكفير، والامتناع من الاستمتاع، فإن مس من قبل أن يكفر استغفر الله، ولا يعود حتى يكفر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ (الواو): حرف عطف. (الذين): مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَعُودُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه
стр. 6444
ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لِما:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وقال الأخفش: اللام متعلقة ب: (تحرير) وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فعليهم تحرير رقبة؛ لما نطقوا به من الظهار، و (ما) تحتمل الموصولة والمصدرية، فعلى الأول مبنية على السكون في محل جر باللام، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: للذي قالوه، وانظر الشرح، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر باللام، التقدير: يعودون إلى القول، والقول بتأويل المقول؛ أي:
يعودون للمقول فيهن لفظ الظهار. وهن الزوجات. انتهى. مغني اللبيب. فهي في التأويل مثل قوله تعالى في سورة (يونس) على حبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ رقم [٣٧]. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَتَحْرِيرُ:﴾
(الفاء): صلة، وزيدت في خبر الموصول؛ لأنه يشبه الشرط في العموم. (تحرير): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليهم تحرير، أو هو خبر لمبتدأ محذوف التقدير: فالواجب تحرير. وهو مضاف، و ﴿رَقَبَةٍ:﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالمصدر: (تحرير). ﴿أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه.
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تُوعَظُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿رَقَبَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (الله): مبتدأ.
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: الرقبة. ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام شهرين. ﴿مُتَتابِعَيْنِ:﴾
فإذا أفطر، ولو آخر يوم؛ انقطع التتابع، ووجب عليه الاستئناف. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا:﴾ هو مثل
стр. 6445
سابقه عند الشافعي، وأبي حنيفة، رحمهما الله تعالى. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ أي: الصوم للكبر، أو مرض، ﴿فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فعليه إطعام ستين مسكينا، ولم يقيده هنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ كما قيده في العتق والصوم، فقال الإمام مالك: يجوز له الوطء قبله. وعند الاخرين:
الإطلاق في الإطعام محمول على المقيد في العتق، والصيام. فإن جامع قبل أن يكفر؛ لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وسفيان. وقال بعضهم: إن واقعها قبل أن يكفر؛ فعليه كفارتان. وهو قول عبد الرحمن بن مهدي.
﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي بيناه من أحكام الظهار. ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لتصدقوا الله فيما أمر به، وتصدقوا الرسول ﷺ فيما أخبر به عن الله تعالى. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ أي: محارمه، فلا تنتهكوها، بخروجكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله. هذا؛ وفي آية (البقرة) رقم [١٨٧]:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾. وفيها رقم [٢٢٩]: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾. ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لم يؤمنوا، ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا: أنهم ناجون من الانتقام؛ كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة. هذا؛ وأطلق لفظ الكافر على متعدي الحدود تغليظا، وزجرا.
هذا؛ والصيام في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حد قوله تعالى لمريم -على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ وقد يكون إمساكا عن غيره، خذ قول النابغة الذبياني: [البسيط] خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما
ثم نقل في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنية مخصوصة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هذا؛ وفعل المادة واوي، صام، يصوم، ومصدره:
صوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر: قام، يقوم.
فقد ذكر السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه: (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي:
تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معل العين، موزون ب: «فعال» نحو قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان، وسواك، والمصدر المفتوح أوله، كرواح، أو المضموم كقوار، أو المكسور الذي لم تعل عين فعله، كلاوذ لواذا. وعاود عوادا، أو الموزون ب: «فعل» كالحول، وتبدل أيضا: كثوب، وثياب، وحوض، وحياض، ودار، وديار، وريح، ورياح بخلاف عين المفرد.
هذا؛ و ﴿شَهْرَيْنِ﴾ تثنية: شهر، وفيه لأهل اللغة قولان: أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان، الذي يكون مبدؤها الهلال ظاهرا إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، وغيرها. والثاني قاله الزجاج: أنه اسم للهلال نفسه. ويجمع على: أشهر، وشهور.
следующие страницы →