← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

في الحقيقة، لقوله ﷺ : " الدين النصيحة " ١، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " ٢؛ فهذه نصيحة لمن ولاه الله أمر الأمة، لما رأينا بعض الأمور المنكرة المحرمة في الشرع، فاشية في أهل الزمان، ولم يصر لها مُنكِر من أهل الإيمان، وجب علينا النصح للعباد والإرشاد إلى سبيل الرشاد. فنقول، وبالله التوفيق، ونسأله الهداية إلى سواء الطريق: قد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل وقل العلم وتفاقم الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً، حتى إن طائفة من المسلمين، وفقنا الله وإياهم، استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم، في حب الأغاني واللهو، والسماع والنقير والطقطقة، واعتقدته من الدين الذي يقربهم من الله، وجاهرت به جماعة من المسلمين، وخالفت العلماء والفقهاء وأهل الدين؛ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] ، قال الإمام ابن القيم، ﵀، في كتابه: إغاثة اللهفان في مكائد الشيطان:

стр. 2872

فصل ومن مكائد عدو الله ومصائده، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية والغناء، والآلات المحرمة من ضرب الدف وغيره، التي تصد القلوب عن القرآن، وتجعلها عاكفة على الفسق والعصيان؛ فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنى، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى. فلو رأيتهم عند ذياك السماع، وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، لرأيت تكسر المخانيث والنسوان. فلغير الله، بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل فيهم السكر عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وَخَزَ في صدورهم وخزاً، وأَزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أَزّاً، فَطَوْراً يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار. فيا رحمتاه للسقوف والأرض من تلك الأقدام! ويا

стр. 2873

سوأتاه من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام، بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام! قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً، ولا أزعح له قاطناً، ولا أثار فيه وجداً، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زنداً; حتى إذا تلا عليهم قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه، فَجَرَت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت. فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن المجيد؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله; ولقد أحسن القائل: تلا الكتاب فأطرقوا لا خيفةً ... لكنه إطراق ساهٍ لاهِ وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهِ ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهِ وهذا السماع الشيطاني، له في الشرع بضعة عشر

стр. 2874

اسماً: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنى، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود. أسماؤه دلت على أوصافه ... تَبًّا لذي الأسماء والأوصافِ فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام وحلاوة القرآن، فإذا سمع الغناء وضرب الدفوف، نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وخرج به شيطانه، وشكا إلى الله إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك؛ فاستحسن ما كان قبل السماع مُستقبِحه، وأبدى من شره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والهزهزة والفرقعة بالأصابع؛ فيميل برأسه ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وَثَبات الذباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران; وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعاق المجانين. وقد نهى ﷺ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب ورنة؛ قال ابن عباس، رضي الله

стр. 2875

عنه، على قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٤] : قال:? "كل داع إلى معصية"، وقال مجاهد: صوته الغناء والباطل; وقال الحسن البصري: ?"هو الدف، فكل متكلم بغير طاعة الله، أو مصوت بِيَراع أو مزمار، أو دف أو طبل، فذلك صوت الشيطان، وكل ساع في معصية الله على قدميه فهو من رَجِله، وكل راكب في معصية الله فهو من خيله". وقد أخبر ﷺ : " أنه يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير، قيل: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ قال: ويصومون ويصلون ويحجون. قيل: فما بالهم؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير "، وقال ﷺ : " تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير. ويبعث على حي من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما تنسف من كان قبلكم، باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف " ١. وعنه ﷺ قال: " يبيت قوم من هذه الأمة، على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير؛ وليصيبنهم قذف وخسف، حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة بدار فلان، وخسف الليلة ببني فلان، وليرسلن عليهم حجارة من السماء، كما أرسلت على قوم لوط على

стр. 2876

قبائل فيها، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً لشربهم الخمر، وأكلهم الربا وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم "، وعنه ﷺ قال: " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات - يعني الطبول والمعازف - والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية " ١. وفي الحديث عنه ﷺ قال: " إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء. قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: إذا كان الفيء دُوَلا، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك رجماً وخسفاً ومسخاً " ٢. وسئلت عائشة، ﵂، عن الزلزلة، فقالت:? "إذا استباحوا الربا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف - وهي الدفوف وغيرها، مما يضرب به من آلات اللعب واللهو -، غار الله في سمائه، فيقول: تزلزلي بهم، فإن تابوا وفزعوا، وإلا هدمتها عليهم". فاتق الله وأزل ما أمر النبي ﷺ بإزالته، واعلم بأنك

стр. 2877

مسؤول عن ذلك، فاستعد وأعد للسؤال جواباً، وللبلاء والمحنة جلباباً، ولا تكن كمن قال الله في حقه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٦] . ولولا الشفقة عليك مع عدم من ينصحك، لم أبين لك هذا، ولكن تعين علينا ذلك؛ فإياك أن يكون حجة عليك، والسلام. من نظر في كتاب غيره بغير إذنه سئل الشيح محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن قوله: من نظر في كتاب غيره بغير إذنه ... إلخ؟ فأجاب: أظن الذي أورده إنما عنى الرسالة، لأن هذا يكون من جنس استماع سر قوم وهم له كارهون، هذا بأذنه وذاك بعينه؛ ومما يدل عليه أن النبي ﷺ لم يكن في زمنه كتاب مكتوب مستقل، بل ولا زمن الخلفاء، حتى المصحف لم يكتب إلا بعد موت النبي ﷺ في خلافة أبي بكر. وأما الحديث، فأول من أمر بكتابته عمر بن عبد العزيز، لما خشي اندراس العلم بموت العلماء واشتغال الناس بالدنيا. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عما يقول بعض الناس: ضرني فلان، أو قتل دابتي فلان، يريد العائن، واعتقاد أنه يضر، ويتلفظون بذلك ويصرحون به؟ فأجاب: وأما قول الإنسان: ضرني فلان، أو قتل دابتي، يعني إنساناً حياً مباشراً للفعل، فلا بأس بذلك، وليس في هذا إشكال.

стр. 2878

باب عشرة النساء سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، رحمهما الله: عن وطء المرأة المجدورة ... إلخ؟ فأجاب: أما وطء المرأة المجدورة فلا بأس به، وأما الضرر، فإن كان على المرأة ضرر في ذلك، لم يكن للزوج أن يضر بها. وسئل: عن وطء المرأة من دبرها في قبلها؟ فأجاب: وطء المرأة من دبرها في قبلها حلال، كما فسر به قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٣] ، أي: مقبلة أو مدبرة، في صمام واحد. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الكلام حال الجماع ... إلخ؟ فأجاب: أما الكلام حال الجماع، فيكره كثرة الكلام حال الوطء، قيل إنه يكون منه الخرس والفأفأة. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن رجل تزوج بثانية، فقالت له امرأته الأولى: إن تزوجت

стр. 2879

فلانة فلا بد من رضوة تدفعها إلي، وإلا فلا تزوج ... إلخ؟ فأجاب: الرجل الذي عنده زوجة أخرى، فالله سبحانه قد أباح له أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة، وليس لزوجته الأولى منعه من ذلك؛ ولكن يجب عليه العدل بين زوجاته بالعطية والقسم، إلا إذا رضيت المرأة بترك العدل، فلا بأس بذلك برضاها، وليس لها عليه رضوة إلا بطيب نفس منه. وسئل: عن القسم للحائض أو المريضة أو النفساء ... إلخ؟ فأجاب: عليه أن يبيت عندها، لأن القسم يراد للأنس والإيواء، إلا إن أذنت له؛ ولكن لا يجامع الحائض والنفساء حتى تطهر وتغتسل بعده. وأجاب الشيخ حسين بن الشيخ محمد: الرجل الذي معه امرأتان، فالتي يأتيها الحيض يقسم لها في وقت الحيض; والنفساء في عرفنا لا تطلب القسم أيام نفاسها. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما الرجل المتزوج اثنتين، فإنه يجب عليه المساواة في القسم بينهما، ولا يجب عليه أن يساوي بينهما في الجماع. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن خروج

стр. 2880

النساء بالزينة ... إلخ؟ فأجاب: أما خروج النساء من البيوت بالزينة، فيحرم، مخافة الفتنه بالنساء، فإنهن فتنة لكل مفتون. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، وحمد بن ناصر بن معمر: عمن قال لزوجته: ما حصل من الكسب فهو لي، ومؤنتك علي، فقالت: ما حصل فهو لي، وأقوم في بيتك مع صنعتي؟ فأجابا: اختلف الفقهاء في مسألة الخدمة، وهل يلزمها أن تخدمه، من طبخ وعجن وخبز ونحوه، أم لا؟ فمذهب الحنابلة: أنه لا يلزمها، وهو الذي نصره في الشرح. ومذهب مالك والشيخ تقي الدين: أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه يلزمها عادة أمثالها لمثله. وكذلك اختلفوا هل يجب عليها أن ترضع ولدها منه؟ فذهب الحنابلة إلى أنه لا يلزمها، ومذهب مالك أنه يرجع في ذلك إلى العرف، وأنه إن كان مثلها ترضع ولدها، وجب عليها أن ترضعه. وأما مسألة التكسب المسؤول عنها، فظاهر كلامهم أنه لا يلزمها، وليس له أن يجبرها عليه، ولكن ليس لها أن تكتسب إلا بإذنه، فإن أذن لها فظاهر كلامهم أنها تختص بالأجرة؛ ولهذا صرح الموفق في المقنع، في باب الإجارة: أنه يصح أن يستأجرها على رضاع ولده منها.

стр. 2881

وصرح في كتاب النفقات: أنها أحق برضاع ولدها بأجرة مثلها، سواء كانت في عصمة الزوج أو مطلقة. وصرح أيضاً في النفقات: أنه لا يملك إجبارها على رضاع ولده من غيرها، ولا على خدمته فيما يختص به. وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الله: ما يجب للزوجة على زوجها من المؤونة، فكلام الشيخ في هذا من أحسن الكلام: أنه يجب عليه لمثلها من مثله، فإذا كان المعروف أنها تطبخ وتعجن لزوجها ولنفسها وجب عليها ذلك; فإن كان المعروف عند أهل بلدها أن مثلها لا تخدم نفسها، وجب على الزوج إخدامها، وأن يفعل بها ما يليق لمثلها من مثله; واستدل الشيخ، ﵀، وغيره على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء آية: ١٩] ، والمعروف يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، وهو المفتى به عندنا. وأجاب أيضاً: يجب على الزوج التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٣] ، ولا بأس أن يولي إحداهما على الأخرى، إذا كانت أوثق وأصلح لحاله، إذا كان لم يرد في ذلك مضارة، ولا يلحق به ضرر من الزوجة الأخرى. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن المرأة

стр. 2882

الناشز ... إلخ؟ فأجاب: وما ذكرت من حال المرأة الناشز، فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [سورة النساء آية:٣٤ -٣٥] ؛ فالذي عليه جمهور العلماء في معنى الآية: أن الحاكم يبعث حكماً ثقة من أهلها، وثقة من قوم الرجل، فإن حصل بينهما التوفيق، وإلا صارا إلى التفريق، إذا اتفقا عليه، ففرقا بطلقة أو طلقتين أو ثلاث، على حسب ما يريان؛ فهما حَكَمان من جهة الحاكم ووكيلان من جهة الزوجين، إذا تراضيا على توكيلهما فلهما التفريق. وعن الإمام أحمد: أنهما حكمان يفعلان ما يريانه، من جمع وتفريق وغيره، ولو لم يرضيا ولا وكلا، وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يذكر العلماء فيما وقفت عليه بذل العوض. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ومن حال المرأة مع زوجها، فلا يظهر لي في شأنها سوى ما تضمنه حديث ثابت بن قيس وامرأته جميلة، ولا تأل جهدا في نصيحة زوجها، والمشورة عليه بعدم المضارة. وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: لم أذكر لك بالفسخ، وإنما ذكرت أن حديث ثابت ظاهر، وأهل العلم

стр. 2883

اختلفوا: هل الأمر فيه بالطلاق أمر إيجاب أو إرشاد؟ وأما إذا امتنع الزوج في مثل هذه الصورة، هل يؤمر بفسخ أو يؤذن فيه للمرأة؟ فلم أر من ذكره فيما أشرفت عليه من كلام الشراح والفقهاء، ولا أظن الفسخ الصادر صار صحيحاً، وأولى ما يصار إليه إذا كان الحال هكذا: بعث حكمين كما ذكر الله، وتفويض الأمر إليهما. ولا يخفاك الخلاف: هل هما وكيلان فلا ينفذ طلاقهما إلا بإذن الزوج، أو حكمان فلا يحتاج إلى الإذن؛ ورجح هذا الثاني جمع، لظاهر القرآن من تسميتهما حكمين، والحاكم من ينفذ حكمه على غيره.

стр. 2884

باب الخلع سئل الشيح حسين بن الشيخ محمد: إذا كرهت زوجها، هل يجبر على الخلع؟ فأجاب: إذا كرهت زوجها، فالذي نفتي به أنه مستحب، ولا يجبر الزوج على الخلع؛ وإذا طلبته الطلاق وتبرئه من النفقة، وطلقها ثم طلبت النفقة، فإن كانت مبغضة له البغضاء المعروفة، فليس لها طريق في النفقة، وإن كان حين ضيق عليها طلبته الطلاق ومسيء عشرتها، فنفقتها تلزمه إلى أن تعتد، وإن كانت حاملاً إلى أن تضع. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا طلق امرأته على عوض، ثم بعد ذلك ألحقها طلاق البت؟ فأجاب: الذي عليه أكثر الحنابلة، أن الخلع طلاق بائن إلا أن يقع بلفظ الخلع، أو الفسخ أو المفاداة، ولا ينوي به طلاقاً، فيكون فسخاً لا ينقص به عدد الطلاق، وهو من مفردات المذهب. والرواية الثانية عن أحمد: أنه طلاق بائن بكل حال. والرواية الثالثة: أنه فسخ ولو نوى به الطلاق، اختاره الشيخ تقي الدين. ومن شرط وقوع الخلع فسخاً، أن لا يوقعه بصريح

стр. 2885

الطلاق، فإن أوقعه بصريح الطلاق كان طلاقاً على الصحيح من المذهب; وقيل: هو فسخ ولو أتى بصريح الطلاق أيضاً إذا كان بعوض، واختاره الشيخ تقي الدين أيضاً، وقال: عليه دل كلام الإمام أحمد وقدماء الأصحاب، وابن عباس، صح عنه أنه قال: ما أجازه المال فليس بطلاق، قاله في الإنصاف. فعلى القول الأول، لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به، قال في الإنصاف: لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق، هذا المذهب وعليه الأصحاب. انتهى. وعلى الرواية التي اختارها الشيخ تقي الدين: لا يلحقها الطلاق أيضاً، سواء كان بلفظ الطلاق أو لم يكن، لكن المراد بهذا الخلع الصحيح، وهو إذا كانت المرأة مبغضة للرجل، وتخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٢٩] . وأكثر الخلع في وقتنا لا يوجد منه هذه الشروط، بل الغالب أنه لسوء عشرة الرجل; فلهذا كان شيخنا، ﵀، يفتي بأنه طلاق بائن، ينقص به عدد الطلاق، ولا يجوز له الرجعة إلا بعقد جديد ومهر، لكون الخلع في هذه الأزمنة، على غير الخلع الصحيح المذكور في القرآن.

стр. 2886

وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن طلبت من زوجها طلاقها ... إلخ؟ فأجاب: إذا طلبت المرأة طلاقها، فطلقها ثلاثاً، صح طلاقه وطلقت; وأما كلام ابن عباس في الخلع، وقوله: "ليس الخلع بطلاق"، فالظاهر أن مراده: الخلع الصحيح، وهو المستكمل للشروط المذكورة في القرآن، بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] ، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو مروي عن طاووس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور، وهو أحد قولي الشافعي. وأما في مثل كثير من خلع الناس اليوم، فليس الخلع صحيحاً، والذي نفتي به لمثلهم أن الخلع طلاق بائن؛ وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، سواء نوى به الطلاق أم لا، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ومالك وأصحاب الرأي. وأجاب أيضاً: الذي خلع زوجته، وقال: أنت طالق عدد الخوص، فإن كان الخلع صحيحاً فليس بطلاق وإن قال ذلك، وإن كان الخلع كخلع أكثر الناس اليوم، فهو طلاق بائن.

стр. 2887

وأجاب أيضاً: الخلع الصحيح الموجود فيه الشروط التي ذكرها الله، ليس من عدد الطلاق، ولا يلحقها بعد الخلع طلاق؛ ولكن أكثر خلع الناس اليوم فاسد، والذي نفتي به: أنه يعد من الطلاق. وأجاب بعضهم: وأما الحلف بطلاق المختلعة، فينبني على صحة الخلع وعدمه: فإن كان غير صحيح، كما إذا ضارها الزوج لتفتدي منه، فالخلع غير صحيح; فإن كان بلفظ الطلاق أو نيته، مع اللفظ الصريح للخلع لحقها الطلاق، فإن كان بلفظ الخلع من غير نية الطلاق، فالزوجة بحالها، ولا يقع الطلاق على المختار عند الأصحاب؛ وهذا مذهب أحمد، وقول ابن عباس وابن الزبير وجمع من التابعين، وبه يقول مالك والشافعي. وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح دون الكناية، يروى عن سعيد بن المسيب وجماعة، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة "، ولم يمكن آخر هذا اليوم البحث عن هذا الحديث وسنده، وإن صح فهو الحجة. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً على عوض، هل يجوز أن يتراجعا بملاك جديد؟ فهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل: فإن كانت المرأة أعطت زوجها عوضاً على طلاقها، بأن كرهته وخافت أن لا

стр. 2888

تقيم ما أوجبه الله عليها من القيام بحقوق الزوج، من المعاشرة بالمعروف، وتمكينه من الاستمتاع منها، وخدمته كما ينبغي من مثلها لمثله، فلا بأس بذلك، ولا على الزوج حرج في أخذ العوض منها، إذا كانت الحال كما وصفنا؛ ويسمى هذا: الخلع الصحيح، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] . وقد اختلف العلماء: هل يكون هذا الخلع طلاقاً يعد من الطلقات الثلاث، أم لا يكون طلاقاً ولو خالعها أكثر من ثلاث؟ فمذهب ابن عباس، ﵄، كما روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس، عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: "نعم; ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] ، وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة آية:٢٣٠] "؛ وبهذا قال أحمد بن حنبل وجمهور أصحابه، وإسحاق وأبو ثور

стр. 2889

وداود، واختار هذا القول طوائف من العلماء، منهم الشيخ تقي الدين، وهو اختيار شيخنا، ﵀. وقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم: هو طلاق يعد من الطلقات الثلاث، وهو طلاق بائن لا رجعة فيه للزوج إلا برضاء الزوجة؛ فعلى هذا القول: لو خالعها ثلاث مرات، أو طلقها طلقتين وخالعها مرة، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، سواء تلفظ بلفظ الطلاق أو غيره. واختلف العلماء: هل يلحق المختلعة طلاق، ما دامت في العدة؟ فقال مالك: إن طلقها بعد الخلع من غير سكوت طلقت، وإن كان بينهما سكوت لم تطلق; وقال الشافعي: لا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة، وهو قول ابن عباس وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور؛ وهذا هو المفتى به عندنا، وهو أظهر الأقوال، وعكس قول أبي حنيفة وكثير من التابعين. واختلف أيضاً: في قدر عدتها، فقال أكثر العلماء: عدة المطلقة. وقال عثمان وابن عباس، ﵃: عدتها حيضة واحدة، وبه قال عكرمة وإسحاق بن راهويه، وحجتهم: ما روي عن رسول الله ﷺ : "أنه جعل عدة جميلة بنت أبي بن سلول حيضة، حين اختلعت من زوجها ثابت بن قيس بن شماس"، وأصل القصة في الصحيحين. فالذين قالوا: إن الخلع الصحيح، المجتمع فيه الشروط التي

стр. 2890

ذكرها الله، ليس من الطلاق، يقولون: إنه إذا خالعها ولم يذكر الطلاق لفظاً ولا نواه بقلبه، فإنه لا يقع به شيء من الطلاق. قال العسقلاني: واستدل لمن قال: إنه فسخ، بما وقع في بعض طرق حديث امرأة ثابت بن قيس، عند أبي داود والترمذي، والنسائي وابن ماجة، وحديث الربيع بنت معوذ: "أن عثمان ﵁ أمرها أن تعتد بحيضة"; قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في امرأة ثابت بن قيس؛ قال الخطابي: في هذا أقوى دليل لمن قال إن الخلع فسخ، وليس بطلاق، إذ لو كان طلاقاً لم تعتد بحيضة. انتهى. وأما إذا تلفظ بالطلاق عند الخلع، أو نواه بقلبه، فالذي عليه الجمهور من التابعين، وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام، أنه يقع طلاقاً بائناً، لا تجوز الرجعة إلا بعد عقد جديد، ورضاء الزوجة، إلا أن يقول: أنت طالق ثلاثاً، فلا يجوز له مراجعتها إلا بعد زوج، كالمطلقة ثلاثاً بغير عوض. وقيل: إنه فسخ، سواء تلفظ بالطلاق أو نواه، أو لم يكن؛ وهو قول ابن عباس، فإنه صح عنه أنه قال: "ما أجازه المال فليس بطلاق"، وصح عنه أنه قال: "الخلع يفرق وليس بطلاق"، وصح عن ابن الزبير; وروي ذلك عن غير

стр. 2891

واحد من الصحابة، ﵃، والتابعين، ﵏؛ واختاره الشيخ تقي الدين، ﵀، وعليه دل كلام أحمد ﵀، وقدماء أصحابه. قال صاحب الفروع: ومراده ما قال عبد الله: رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس. وأما إذا كان حال الزوجين مستقيمة، ولم يوجد ما ذكر الله من الخوف أن لا يقيما حدود الله، ثم خالعها زوجها على ما بذلته له الزوجة أو غيرها، فالذي عليه جمهور الفقهاء أنه يكره، ويصح الخلع; وعن أحمد: أن ذلك لا يجوز ولا يصح. وأما إن عضلها وأساء عشرتها لتفتدي منه، ففعلت، فالخلع باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها إلا أن يذكر الطلاق فيقع رجعياً، وقيل يقع طلاقاً بائنا، إن قيل: إن الخلع يصح بلا عوض. قال العسقلاني في شرح البخاري: أخرج عبد الرزاق بسند صحيح، عن سعيد بن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئاً; وقال: لم أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر، لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] ، ولحديث حبيبة بنت سهل؛ فإذا كان الخلع من قِبَلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قِبَله لم يحل، ويرد عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة. انتهى. قلت: وهذا القول كان يفتي به شيخنا، ﵀،

стр. 2892

لكثرة الظلم للنساء في هذا الزمان، لأن كثيراً من الذين لا يخافون الله، إذا أراد أن يطلق امرأته بعد أن تستقيم حالها مدة، عضلها وأضر بها، ومنهم من يضربها، فإذا فعل ذلك اشترت نفسها بمال تبذله له على طلاقها فيطلقها، فكان شيخنا ﵀ يفتي: إذا كان الأمر ما وصفنا، أن العوض الذي بذلت له المرأة على الطلاق مردود، وتبين منه المرأة، فلا يمكن من مراجعتها إلا برضاها. وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا طلق على عوض، هل رجعتها بيده؟ فأجاب: الطلاق بائن إذا كان على عوض، لا رجعة فيه، بل لا بد من عقد جديد إن لم يكمل ثلاث طلقات للحر واثنتان للعبد. سئل الشيخ حمد بن ناصر: عمن بذلت له عوضاً على أن يطلقها فقبل، ثم قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاثاً; هل تبين منه بالأولى ولا تلحقها البواقي؟ فأجاب: الذي ذكر الفقهاء، ﵏، أنها تبين بالأولى ولا يلحقها ما بعدها، لأنها بانت بالجملة الأولى، فإذا لحقها جملة ثانية وثالثة لم يصادف ذلك محلاً; وأما عند من يقول: إن المختلعة يلحقها الطلاق، كما ذهب إليه كثير من التابعين، فالطلاق عندهم لاحق.

стр. 2893

وسئل أيضاً: عمن خلع زوجته، بأن بذلت له العوض وقبله، ولم يتلفظ بخلع ولا طلاق ولا فسخ، هل تبين بمجرد أخذ العوض؟ فأجاب: الذي عليه الجمهور: أنه لا بد من اللفظ، لقوله ﷺ : " اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة " ١. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما إذا طلق ثلاثاً في الخلع، فالأكثر على أنه طلاق إذا كان بلفظ الطلاق; والشيخ تقي الدين يقول: الخلع فسخ ولو كان بلفظ الطلاق. فعلى هذا: إن قيل بقول الجمهور حرمت عليه في الصورتين، وإن قيل بقول الشيخ تقي الدين، فله الرجوع في الصورتين بعقد جديد. وأجاب أيضاً: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً، فإنها تقع الثلاث ولو كان على عوض. وأجاب أيضاً: إذا طلبت المرأة من زوجها الخلع على عوض بذلته وقبله الزوج، وقال: الله يرزقك، ونحو ذلك من ألفاظ العامة، فهذه مسألة مشكلة جداً، لأن فقهاء أصحابنا وغيرهم ذكروا كنايات الخلع، ولم يذكروا فيها شيئاً نحو هذه الألفاظ، وقالوا: إن ما لا يدل على الطلاق، من نحو: كلي واشربي، وبارك الله عليك، ونحو ذلك، لا يقع به طلاق ولو نواه، لأنه لا يحتمل الطلاق،

стр. 2894

فلو وقع به الطلاق وقع لمجرد النية. وكذا كنايات الخلع، فمقتضى قولهم هذا أن قائل: الله يرزقك ونحوه، ناوياً به طلاقاً أو خلعاً، لا يقع به شيء من ذلك، لأن هذا اللفظ ونحوه ليس من الكنايات المذكورة، فلو أوقعنا به طلاقاً أو خلعاً، لكنا قد أوقعناه بالنية؛ ولكنهم قد ذكروا من كنايات الطلاق: أغناك الله، بلفظ الماضي، ولم يذكروه بلفظ المضارع، كالله يغنيك، مثله: الله يرزقك ونحوه، ولم يذكروا في ألفاظ الكنايات لفظ المضارع، والله أعلم. ولو ذهب ذاهب بوقوع الخلع، بقول العامي: الله يغنيك ونحوه، ولم يذكر طلاقاً أو فسخاً، مع بذل العوض وقبوله، لم يبعد، لقول الشيخ تقي الدين المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه، ألفاظهم كلها صريحة في أن الخلع بلفظ البيع فسخ، وبأي لفظ كان. وقال أيضاً، بعد أن ذكر ألفاظ العقود في الماضي. والمضارع، واسم الفاعل واسم المفعول، وأنها لا تنعقد بالمضارع، قال: وما كان من هذه الألفاظ محتملاً، فإنه يكون كناية حيث تصح الكناية، كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال; قال: وهذا الباب عظيم المنفعة، خصوصاً في الخلع وبابه. انتهى. وأفتى بعض متأخري الأصحاب النجديين، بأن

стр. 2895

الزوجة إذا طلبت الفرقة على عوض بذلته لزوجها، فقال: خلعت جوازك، صح; قال: لأن ذلك لغة أهل بلدنا، قال: والعبرة في ذلك، ومثله بلغة المتكلمين به. انتهى. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الخلع يصح بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوج، وإلى ذلك ذهب أبو حفص، وابن شهاب العكبريان من أصحابنا، واحتجا بما رواه ابن منصور عن أحمد، قال: قلت لأحمد، كيف الخلع؟ قال إذا أخذ المال فهي فرقة. وقال إبراهيم النخعي: أخذ المال تطليقة بائنة; وروي عن الحسن نحوه; وروي عن علي ﵁: "من قبل مالاً على فراق، فهي مطلقة بائنة". وبكل حال، ففي المسألة إشكال، وعدم إيقاع الطلاق أو الفسخ بنحو هذا اللفظ أسلم. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الخلع يقع بائناً لا تحل الزوجة بعده لزوجها إلا بعقد جديد، وليس له استرجاعها، كما نص عليه أهل العلم. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن طلق زوجته طلقة على عوض منها، ثم بعد ذلك طلقها ثلاثاً؟ فأجاب: إذا صدقته الزوجة على قوله أنه طلقها الأولى على عوض منها، فلا يلحقها الطلاق الذي بعد ذلك، وتجوز له بعقد جديد.

стр. 2896

وسئل: هل للزوج أخذ أكثر من المهر؟ وهل الهدية منه؟ فأجاب: أما هدية الزوج فليست من المهر، والزوجة إذا نشزت لم يلزم الزوج أخذ شيء، لكن إن طلبت العوض ولا رضي بالمهر بل طلب غيره، فإن أحبوا أعطوه ما طلب، قليلاً كان أو كثيراً، ولا يجبر أحدهما على دفع شيء أو أخذ شيء مقدر. وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا خالعته، وشرطت أن لا تعطيه إلا إذا تزوجت؟ فأجاب: إذا خالعت المرأة زوجها على شيء مسمى، وشرطت عليه أنها لا تعطيه إلا إذا تزوجت، وطلقها على ذلك، فإنها تعطيه إياه إذا تزوجت. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا خالعت على نفقة الحمل، ثم تبين عدمه؟ فأجاب: وأما الخلع على نفقة الحامل ورضاع الولد، ثم تبين عدمه، فالموافق للقاعدة المشهورة من المذهب: صحة الخلع، ويرجع عليها بقدر النفقة المشترطة، وهي نفقة الحامل، وقدر أجرة المرتضع حولين، إذا كان الخلع على نفقتها ورضاع ولدها. وأجاب أيضاً: إن كانت الزوجة قالت: إني حامل،

стр. 2897

وطلبت من الزوج أن يطلقها على البراءة من الحمل وتوابعه، وصار ليس فيها حمل، فالذي يبين لي من كلام العلماء: أن الزوج يرجع عليها بقيمة ما غرته به; فإن كانت المرأة ما ادعت الحمل، لكن الزوج خاف أنها حامل، وطلب البراءة، فلا أرى له عليها شيئاً; وأما الطلاق فيقع بكل حال، وليس له منعها من نكاح غيره، إذا كانت قد انقضت عدتها، وهو يطالبها بالغرامة في صورة الغرر منها. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، رحمهما الله: إذا قال لزوجته: إذا أعطيتيني كذا وكذا فأنت طالق، وإذا نزلت إلى أهلك فأنت طالق، ونيته وقتاً معلوماً كيومين. فأجاب: لا تطلق إلا إذا مضى الوقت الذي نواه، والظاهر أنه يحلف أن هذا مراده; وأما إذا علق الطلاق على شرط، فأراد الرجوع عن ذلك التعليق قبل وجود الشرط، فالذي صححه في الإنصاف وغيره، أنه ليس له الرجوع عن ذلك. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث، إن لم تعطيني كذا؟ فأجاب: إن كان نيته الفورية، أو مع قرينة تقتضي الفورية، وقع الطلاق بفوات الفورية، وإن لم ينو فورية ولا قرينة تدل على الفورية، فهو للتراخي؛ لكن لو تلف الشيء المعلق عليه الطلاق، والحالة هذه، وقع الطلاق.

стр. 2898

سئل الشيخ حسين بن الشيخ: إذا قال: إن أبريتيني من صداقك طلقتك، فأبرأته فطلقها ثلاثاً؟ فأجاب: في هذه المسألة نظر، فإن كان الباعث على الإبراء أنها مبغضة للزوج، وهو قائم بحقها، فالإبراء صحيح، وإن كان غير ذلك، وأن الخلاف جاء من جهة الزوج، إما لعدم نفقة، أو لسوء عشرة، فالطلاق يتم، والصداق ما يبرأ منه لها. وسئل ابنه: الشيخ حسن: إذا وقع الطلاق في الخلع بلفظ الثلاث؟ فأجاب: قال في الإنصاف بعد كلام سبق: وأنت طالق ثلاثاً بألف، فقالت: قبلت واحدة بألف، أو بألفين، وقع الثلاث واستحق الألف; وقال في المنتهى وشرحه: ومن قالت له زوجته: طلقني واحدة بألف، فطلقها بأكثر، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، استحقه – أي: الألف - لأنه أوقع ما استدعته وزيادة. انتهى. وقال في تصحيح الفروع، عند قول المصنف: إن قالت: طلقني واحدة بألف، ونحوه، فقال: أنت طالق، وطالق، وطالق، بانت بالأولى، وقيل بالكل. انتهى. والصحيح أنها تطلق ثلاثاً، ولا فرق بين قوله: أنت طالق، وطالق وطالق، وبين قوله: ثلاثاً، نبه على ذلك في

стр. 2899

القواعد الأصولية. انتهى. وقد صرحوا أيضاً بوقوعه ثلاثاً، فيما إذا قالت زوجة المريض له: طلقني ثلاثاً بعوض، فطلقها ثلاثاً، أنها تعود إليه بالطلاق الثلاث. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن خالعت زوجها على شيء من مالها، وشرطت عليه أن يقف ذلك الشيء على ولدها منه، دون سائر أولاده؟ فأجاب: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: شرط وقف ذلك الشيء المخالع عليه؛ فهذا الشرط فاسد، لأن الفقهاء قد ذكروا من الشروط الفاسدة في البيع، أن يشترط البائع على المشتري: أن يقف المبيع، ونحوه من الشروط؛ والخلع مثله، لأن كليهما معاوضة بمال. والثاني: شرطها تخصيص ولدها به، فهذا لا يجوز إلا بإجازة سائر الورثة، لقول النبي ﷺ : " اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم " ١. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀: عما إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها على عوض سألها إياه، فأنكر ذلك، وأقامت شاهداً، والعوض تحت يد الزوج من نحو سنة منذ فارقها، هل قبض الزوج للعوض مع الشاهد يوجب صحة دعواها عليه، أم لا؟ فأجاب: القول في هذه المسألة قول الزوج مع يمينه، فإن نكل قضي عليه؛ قال العلامة ابن القيم، ﵀، في كتابه: الطرق الحكمية: الطريق التاسع: الحكم بالنكول

стр. 2900

مع الشاهد الواحد، لا بالنكول المجرد، ذكر ابن وضاح عن أبي مريم عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ قال: " إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل، استحلف زوجها، فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنْزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه " ١. اهـ. وتمام المسألة مبسوط في الطرق. وقبض الزوج العوض، وكونه عنده سنة، لا أثر له.

стр. 2901

كتاب الطلاق سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: عن طلاق الصبي الذي لم يبلغ؟ فأجاب: قد اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وطائفة من العلماء: إلى أنه لا يقع طلاقه حتى يبلغ، وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي وطائفة من العلماء: إلى أنه إذا عقل الطلاق، وعلم أن زوجته تبين منه بذلك، خصوصاً إذا تجاوز العشر، فإنه يقع الطلاق. وسئل: عمن طلق زوجته واختل عقله؟ فأجاب: إن كان حال الطلاق ثابت العقل، وطلق مختاراً، فالطلاق واقع؛ فإن كانت آخر ثلاث تطليقات، لم تحل له إلا بعد زوج وإصابة، ولو اختل عقله بعد ذلك، ولو آل به الأمر إلى الجنون. وإن كان الطلاق الذي وقع بكلمة واحدة، جمع فيها الطلاق ثلاثاً، فكذلك عند الأئمة الأربعة، وهو الذي يفتى به عندنا. وعند الشيخ تقي الدين، وابن القيم: أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة، تحسب طلقة واحدة، وحينئذ فله رجعتها، والعمل على كلام الجمهور.

стр. 2902

سئل الشيخ محمد، ﵀: عمن طلق من غير إكراه؟ فأجاب: إذا طلقها من غير إكراه، لزمه الطلاق. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: إذا هدده ظالم قادر على قتله، أو أخذ ماله، أو آلمه بالضرب ونحوه، فهل يتخلص منه بحلف بالطلاق أو غيره؟ فأجاب: إن أمكن التأول في حلفه تأول، وإن لم يمكن فلا حنث عليه، سواء حلف بالطلاق أو غيره. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قولهم: يقع في النكاح الفاسد، ولا يقع في الباطل إجماعاً؟ فأجاب: الفاسد هنا، هو ما اختلف في صحته، لأن كلاً من المختلفين إمام مجتهد، وله استدلال على ما ذهب إليه; فإذا قال الإمام أحمد، ﵀: إن النكاح لا يصح، لحديث كذا، وقاله أصحابه لقوة دليله عندهم، ورأينا غيره يقول بالصحة، ويقدح في إسناد حديثه مثلاً، فإنا لا نحكم والحالة هذه بأن النكاح لم ينعقد، فنقول: هو فاسد، لا يخرج من ذلك إلا بالطلاق، خروجاً من خلاف العلماء. وأما الباطل: فهو ما أجمع على بطلانه، لظهور دليله وعدم المعارض، فيكون غير منعقد من أصله، فلا يحتاج إلى طلاق، لكونه لم ينعقد بيقين.

стр. 2903

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما الطلاق في النكاح الفاسد، فقال في الإنصاف: يقع الطلاق في النكاح المختلف فيه، كالنكاح بلا ولي عند أصحابنا؛ ونص عليه أحمد، ﵀، وهو المذهب. ثم ذكر وجهاً بعدم الوقوع، ثم قال: حيث قلنا بالوقوع فيه، فإنه يكون طلاقاً بائناً، قاله في الرعاية والفروع والنظم وغيرهم، قال: فَيُعابا بها. انتهى. فعلى هذا، يحسب من الطلقات الثلاث. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن طلاق الغضبان؟ فأجاب: وأما طلاق الغضبان فهو يقع إذا لم يغب عقله. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا أقر بطلاق امرأته، وادعى أنه لا يشعر من شدة الغضب، فهذه الدعوى لا تقبل منه إلا ببينة تشهد أنه حال الطلاق لا شعور له، قد بلغ حد الإغماء والسكر؛ فإن شهدت بذلك لم يقع، وإن كان مجرد غضب وقع، أو لم يحضر بينة وقع أيضاً. سئل الشيخ حمد بن ناصر: عمن وكل وكيلاً في طلاق زوجته، هل للوكيل أن يزيد على طلقة، إذا كان الموكل لم يأمره بكثير ولا قليل؟ وهل إذا طلق ثلاثاً تقع أم لا؟ وهل يعتبر إنكار الموكل؟

стр. 2904

فأجاب: هذه المسألة، الراجح فيها أن الوكيل لا يزيد على واحدة، لأن الزيادة خلاف السنة؛ فإن زاد لم يقع إلا واحدة، إلا أن يأمره الموكل بذلك، فإن لم يأمره بذلك ولم يثبت ببينة ولا بإقرار الموكل، لم يثبت إلا طلاق السنة، وهي الطلقة الواحدة. سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن تطليق المرأة نفسها؟ فأجاب: والمرأة إذا طلقت نفسها لم تطلق. انتهى. قال أبناء الشيخ محمد: حسين وإبراهيم وعبد الله وعلي، ﵏: ومنها - أي من البدع -: ما يفعله بعض الناس من مخالفة أمر الله، وارتكاب ما نهى عنه في كتابه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [سورة الطلاق آية: ١] . أمر الله من أراد أن يطلق: أن يطلق طلاق السنة، وذلك: بأن تكون المرأة طاهرة طهراً لم يجامعها فيه، ونهى الزوج عن إخراجها من بيتها الذي كانت فيه قبل الطلاق، وأوجب عليها أن تعتد في بيتها، ونهاها أن

стр. 2905

تخرج؛ فلا يجوز لزوجها أن يخرجها، ولا يجوز لها أن تخرج ولو تراضت هي والزوج على الخروج، فقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ١] ؛ وكثير من الناس يتهاون بهذا مع هذا التغليظ الشديد فيه، وصار هذا عادة عند الأكثرين، إذا أراد الزوج الطلاق، خرجت المرأة من بيت الزوج، واعتدت في بيت أهلها. فالواجب عليكم تقوى الله بامتثال ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] . وأجابوا أيضاً، والشيخ حمد بن ناصر، رحمهم الله تعالى: وأما الطلاق، فله عدد؛ وقد ذكر العلماء، ﵃: أن الناس كانوا يطلقون متى شاؤوا، ويراجعون متى شاؤوا، حتى أضر ذلك بالنساء، فقصرهم الله على ثلاث تطليقات، كما قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة آية:٢٢٩-٢٣٠] ، فنسخ الله بهذه الآية الكريمة ما كانوا يفعلونه في أول الإسلام، فإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً واحدة بعد واحدة، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

стр. 2906

والسنة لمن أراد الطلاق: أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه، طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن بدا له أن يراجعها في العدة جاز له ذلك بغير رضاها ورضى وليها، فإن أراد بعد ذلك أن يطلقها جاز له ذلك، إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه. ثم إن شاء أن يراجعها بعد الطلقة الثانية، جاز له ذلك بغير رضاها ما دامت في العدة. ثم إذا طلقها بعد ذلك حرمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً بلا تحليل. وأما جمع الثلاث بكلمة واحدة، فهذا عند جمهور العلماء طلاق بدعة، ويقع الطلاق، وتبين منه المرأة بذلك، ولا يجوز له ارتجاعها، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ هذا الذي عليه الجمهور من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وأتباعهم، وهو الذي عليه الفتوى عندنا. وهذه المسألة ليست من مسائل الإجماع، فقد خالف في ذلك بعض العلماء، وقال: إن جمع الثلاث بكلمة واحدة تكون طلقة واحدة، واستدل بحديث طاووس عن ابن عباس، الذي رواه مسلم في صحيحه، وقد أجاب العلماء عنه بأجوبة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها. مسألة الطلاق في الحيض وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن محمد: عمن طلق امرأته وهي حائض ثلاثاً؟ فأجاب: أما مسألة الطلاق في الحيض، فالمشهور

стр. 2907

والمفتى به عند علماء الأمصار، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وغيرهم، أن الطلاق في الحيض طلاق بدعة، ومعصية لله ولرسوله؛ ولكنه لازم ويحسب من الطلقات الثلاث؛ وهذا هو المعمول به عندنا، ودلائل ذلك كثيرة مذكورة في البخاري ومسلم وغيرهما. ومن أشهر ذلك: " أن ابن عمر، ﵄، طلق امرأته في زمن رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ فيه رسول الله ﷺ وأمره بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك "، وفي البخاري عن ابن عمر أنها حسبت عليه طلقة. وأجاب أيضاً: وأما الطلاق في الحيض، فهو يقع. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: وأما مسألة الطلاق في الحيض، أو في الطهر الذي جامعها فيه، فمسألة معروفة مشهورة، وجمهور أهل العلم يوقعون الطلاق فيها، ويرون أنه طلاق بدعة محرم، فاعله مستهزئ بآيات الله. طلاق الثلاث سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن رجل تزوج امرأة وطلقها ثلاثاً قبل أن يدخل بها؟ فأجاب: تبين منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ ولا أعلم فيه نزاعاً بين العلماء. ثم قال: واعلم أن مرادي

стр. 2908

بذلك: إذا أوقع كل واحدة بعد الأخرى. ثم الأخ حمد بن ناصر بن معمر ذكر لي، أن فيها نزاعاً مشهوراً بين السلف، فراجعت المسألة، ورأيت فيها خلافاً بين الصحابة فمن بعدهم، وأما الأئمة الأربعة، فالمشهور عنهم هو ما ذكرته لك، وهو المفتى به والمعمول به عندنا. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن طلاق الثلاث ... إلخ؟ فأجاب: المسألة التي ذكرتها مروية عن الصحابة في مسلم، ويكفي في ذلك ما ورد فيها عن المحدَّث الملهَم، الذي أُمِرْنا باتباع سنته، ثاني الخلفاء، عمر بن الخطاب، ﵁، ولكن ليس في هذا ما يرد القول الآخر. وأما الحديث: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " ١، فهذا يدل على أن جمع الثلاث لا يجوز; وأما كونه ألزم بها فلم يذكر في الحديث؛ والذي يقول: إنها واحدة، لا يقول: إن التلفظ بها يجوز، بل يقول: هو منكر من القول وزور، كما في الحديث. وأما رد الإمام أحمد ذلك بمخالفة راويه له، فهذا مبني على مسألة أصولية، وهي: أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى، هل يقدح في روايته؟ والصحيح أنه لا يقدح فيها، فإن الحجة في روايته لا في رأيه; وبالجملة: فالمسألة مسألة طويلة، لعل المذاكرة تقع فيها مشافهة.

стр. 2909

وقال ابنه: الشيخ عبد الله: وأما قولكم إنه يحكى لنا أنكم أحللتم المرأة بعد طلاق الثلاث، فنقول: هذا كذب وزور وبهتان علينا، بل نقول إن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثاً، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. وقال أيضاً: وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه، إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهما في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا محمداً ﷺ . ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل، منها: طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإنا نقول به تبعاً للأئمة الأربعة. وأجاب أيضاً: وأما الثلاث المجموعة، ففيها خلاف مشهور بين العلماء في جوازها، وفي كونها تقع ثلاثاً؛ والذي عليه الأكثر: أن التلفظ بها بكلمة واحدة بدعة ومعصية، لأن الله تعالى إنما أباح الطلاق للعدة، وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] ، والمرتان لا تكون إلا مرة بعد مرة، كما قال في سورة البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٩] ، ولا تكون إلا مرة بعد أخرى، ولما أخرجه النسائي وغيره، أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فغضب، وقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " ١ الحديث، وأنها تقع ثلاثاً كما أمضاه عمر ﵁ في

стр. 2910

خلافته، وتبعه على ذلك جمهور الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من الأئمة الأربعة وغيرهم؛ والأدلة على ذلك مذكورة في كتب الفقه، وشروح الحديث. وأجابوا عن حجج القائلين بعدم الوقوع، وأنها لا تقع إلا واحدة بأجوبة كثيرة، ليس هذا موضع ذكرها. وأجاب أيضاً: وأما الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، فالذي نفتي به أنه يصير ثلاث طلقات، كما ألزم عمر ﵁، وتابعه الصحابة على ذلك. وأجاب أيضاً: والرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد، لم يجز له مراجعتها إلا بعد زوج؛ وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهذا إن نوى بالتكرار التأكيد، أو إفهامها، لم يقع به إلا واحدة، فإن نوى به طلاق ثلاث، وقعت ثلاثاً عند الجمهور. وأما إذا طلق البتة، وقال: لم أرد به التأكيد والإفهام، ولا إيقاع الثلاث، بل عزبت النية، فهذا محل الخلاف: فبعض أهل العلم يقول: يقع به ثلاث طلقات إن لم ينو التأكيد والإفهام، وبعضهم يقول: يقع واحدة، إلا لمن ينوي طلاق الثلاث فتقع. وطلاق الشرك يحسب عليه في الإسلام، فإن طلقها في الشرك ثلاثاً أو أكثر، وجاء الإسلام وهي معه، أمر بفراقها حتى تنكح زوجاً غيره.
следующие страницы →