← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

فمات، مات ميتة جاهلية " ١ وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " ٢ فذكر في هذا الحديث: البيعة والطاعة; فالخروج عليهم نقض للعهد والبيعة، وترك طاعتهم ترك للطاعة، وبهذه الأحاديث وأمثالها، عمل أصحاب رسول الله ﷺ بها، وعرفوا أنها من الأصول التي لا يقوم الإسلام إلا بها، وشاهدوا من يزيد بن معاوية، والحجاج، ومن بعدهم خلا الخليفة الراشد، عمر بن عبد العزيز، أمورا ظاهرة ليست خفية، ونهوا عن الخروج عليهم، والطعن فيهم، ورأوا أن الخارج عليهم خارج عن دعوة المسلمين، إلى طريقة الخوارج. ولهذا لما حج ابن عمر ﵄ مع الحجاج، وطعن في رجله، قيل له أنبايعك على الخروج على الحجاج وعزله؟ وهو أمير من أمراء عبد الملك بن مروان، غلظ الإنكار عليهم، وقال: (لا أنزع يدا من طاعة) ، واحتج عليهم بالحديث الذي تقدم ذكره; فإذا فهمتم ذلك، فاشكروا نعمة الله عليكم بما من به من إمامة إسلامية، تدعوكم إليه ظاهرا وباطنا، مما سمعتم وصدقه الفعل، من بذل المال والسلاح والقوة، وإعانة المهاجرين لأجل دينه، لا لقصد

стр. 3817

سوى ذلك، يعرف ذلك من عرفه، ولا يجحده إلا منافق فارق بقلبه ونيته، ما اعتقده المسلمون وقاموا به. وأما الطعن على العلماء، فالخطأ ما يعصم منه أحد، والحق ضالة المؤمن، فمن كان عنده علم يقتضي الطعن، فليبين لهم جهارا، ولا يخاف في الله لومة لائم، حتى يعرفوا حقيقة الطعن وموجبه، واحذروا التمادي في الضلالة، والخروج عن الجماعة، فالحق عيوف، والباطل شنوف، والشيطان متكئ على شماله، يدأب بين الأمة بالعداوة والشحناء، عياذا بالله من فتنة جاهل مغرور، أو خديعة فاجر ذي دهى وفجور، يميل به الهوى، ويزين له الشيطان طريق الغواية والردى. والله أسأل أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب; وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم. وله أيضا، رحمه الله تعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وحسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، ومحمد بن عبد اللطيف، إلى جناب عالي الجناب، الإمام المفخم، والرئيس المكرم. عبد العزيز بن الإمام عبد الرحمن آل فيصل، سلمه الله

стр. 3818

تعالى، وأكرمه بتقواه، ونظمه في سلك من خافه واتقاه، وبتر من شنأه وقلاه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالسبب الداعي لتحريره محض النصيحة، وتفهم حفظك الله: أن الله سبحانه وبحمده، ما أنعم على عباده نعمة أجل وأعظم من نعمة الإسلام، لمن تمسك به، وقام بحقوقه، ورعاه حق رعايته، ومن أعظم فرائض الإسلام، التي جاء بها الرسول ﷺ : الجماعة، وأخبر ﷺ أنه: " لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بالسمع والطاعة " ١ وهذا أمر غير خفي عليك، ولا على أحد له معرفة بفرائض الإسلام، ومن الله سبحانه وبحمده في آخر هذا الزمان - الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، وظهر فيه الفساد في البر والبحر ـ بفضله وكرمه بهداية غالب بادية أهل نجد خصوصا رؤساؤهم، وجعل الله سبحانه وبحمده لك حظا وافرا في إعانتهم، ببناء مساجدهم ومدنهم، وفشا الإسلام في نجد جنوبا وشمالا، والله سبحانه وبحمده له حكمة، وله عناية بعباده، لا يعلمها إلا هو. ورأينا أمرا يوجب الخلل على أهل الإسلام، ودخول التفرق في دولتهم، وهو الاستبداد من دون إمامهم، بزعمهم أنه بنية الجهاد، ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو، وبذل الذمة للعامة، وإقامة الحدود، أنها مختصة بالإمام، ومتعلقة به، ولا لأحد من الرعية دخل في ذلك،

стр. 3819

إلا بولايته; وقد سئل ﷺ عن الجهاد، فأخبر بشروطه بقوله ﷺ : " من أنفق الكريمة، وأطاع الإمام، وياسر الشريك، فهو المجاهد في سبيل الله ". والذي يعقد له راية، ويمضي في أمر من دون إذن الإمام ونيابته، فلا هو من أهل الجهاد في سبيل الله. وقد علمت حفظك الله: أنه لما صدر من الدويش جهلا منه، واستفتيت عالما من علماء المسلمين، وأفتاكم بالحق والدين، الذي يدان الله به، لم يلتفت إليه، وهذا من أعظم الوهن في دين الله، أن العالم يفتى بالحق، ويعارض بالهوى والجهل، مع أن الذين وقع الأمر عليهم، لم ينبذ إليهم على سواء، واستباحوا غنائمهم من غير أمر شرعي. فالواجب عليك: حفظ ثغر الإسلام عن التلاعب به، وأنه لا يغزو أحد من أهل الهجر إلا بإذن منك، وأمير منك لو صاحب مطية، وتسد الباب عنهم جملة، لئلا يتمادوا في الأمر، ويقع بسبب تماديهم وتغافلكم خلل كبير، وذكرنا هذا قياما بالواجب من النصيحة لك، وخروجا من كتمان العلم، والله يمدك بمدد من عنده، ويعينك على ما حملك، وصلى الله على محمد، سنة ١٣٣٨ هـ.

стр. 3820

وقال بعضهم، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا لتوحيد العبادة، الذي هو أساس الملة والدين، ومفتتح دعوة المرسلين، وقد غلط في مسمى التوحيد، الأذكياء من المتأخرين، والفقهاء، والصوفية، والمتكلمين، وهذا التوحيد هو توحيد القصد والإرادة، وهو أن لا يعبد إلا الله وحده، وأن لا يعبد إلا بما شرع، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [سورة الرعد آية: ٣٦] وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر آية: ١١] . والآيات في هذا التوحيد، أكثر من أن تحصر; فوفقنا سبحانه وبحمده، لفهم ما اختلف فيه من الحق بإذنه، وكان بحمد الله عن علم وإخلاص، وصدق ويقين، وجعلنا على ذلك مجتمعين مؤتلفين، متناصرين غير مفترقين، ولا مختلفين، اللهم اجعلنا لنعمك شاكرين ذاكرين، وبالعمل بكتابك معتصمين مستمسكين. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. وبعد: فإن الله تعالى أكمل لنا الدين، وأتم نعمته على

стр. 3821

عباده المؤمنين، فيما أوحاه إلى عبده ورسوله الصادق الأمين، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] وأوجب على عباده أن يكونوا بحبله معتصمين، وبالعمل به مستمسكين، فقال جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] وحبله هو القرآن، والتمسك به علما وعملا، يجمع الإسلام والإيمان وشرائع الدين. وذلك لا يحصل للمسلمين المؤمنين، إلا إذا كانوا على العمل بالحق مجتمعين مؤتلفين، متعاونين متناصرين، فبهذا يكون لهم الظهور، ويقوم به الدين، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] فأمر تعالى عباده بإقامة الدين، الذي أكمله لهم على لسان سيد المرسلين، ونهاهم عن التفرق فيه، لأن التفرق ينافي إقامة الحق الذي شرعه، وبعث به هذا النبي الذي ختم به المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولما كان هذا الاجتماع العظيم، وما يحصل به من المصالح العظيمة، وعدم التفرق والاختلاف، يتوقف على

стр. 3822

مشروعية نصب إمام، يبايعه المسلمون على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والأثرة عليهم، ولهذا بايع المهاجرون والأنصار، أبا بكر الصديق ﵁ في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ خشية التفرق والاختلاف، ﵃ أجمعين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وفي الأحاديث أيضا ما يؤكد ذلك ويوجبه، لما فيه من المصالح، لأن عدمه يفضي إلى التفرق والاختلاف، وذهاب الدين، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به " ١، وعن أنس مرفوعا: " اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " ٢، وعن عبادة بن الصامت، قال: " بايعنا سول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى الأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث كان، لا نخاف في الله لومة لائم ". وعن أبي هريرة مرفوعا: " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا إلا مات ميتة

стр. 3823

جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو أو ينصر عصبية، فيقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيف، يضرب برها وفاجرها، لا يخشى لمؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه " ١. وسأل يزيد بن سلمة الجعفي رسول الله ﷺ قال: أرأيت يا رسول الله، إن قام علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ قال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم " وعن ابن عمر مرفوعا " من خلع يدا من طاعة أميره، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية " ٢. وعن الحارث الأشعري مرفوعا " آمركم بخمس، بالجماعة، والسمع، والطاعة، والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جثى جهنم، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم " ٣. وفي صحيح مسلم مرفوعا: " من أتاكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه " ٤. ولم نذكر من الأحاديث إلا بعضها، وفيما لم نذكر تشديد في حق من خرج عن الجماعة، وعصى الإمام، ولم يسمع ويطع للإمام. نسأل الله: أن يجعلنا على الحق أعوانا، وعلى طاعته إخوانا، مؤتلفين، آمين، وأن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا

стр. 3824

من دين الإسلام، والاجتماع عليه، والدعوة إليه، والحث على لزومه بذكره، وعدم الغفلة عنه، والقيام بالنصيحة لمن وجبت له، وبالله التوفيق. وعلى الإمام وفقه الله تعالى: أن يعمل بثلاث آيات من كتاب الله، تجمع له الخير كله، وتدفع عنه الشر كله، ونظائرها في الكتاب والسنة كثيرة جدا، الآية الأولى، قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] فنهاه تعالى عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، لما فيه من مخالفة الشريعة والخروج عنها، إلى ما يسخط الله تعالى، ويحل نقمته وعقوبته، والشريعة: ما أمر الله به رسوله والمؤمنين، وأوجب عليهم أن يفعلوه، وأن يتركوا ما نهاهم عنه، خالصا لوجهه الكريم. ومن ذلك: الذي أمر الله به نبيه، وأوجبه عليه، وعلى من ولي أمر المسلمين إلى يوم القيامة، قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [سورة آل عمران آية: ١٥٩] وقد بين النبي ﷺ معنى هذه الآية فيما صح عنه، ففي صحيح مسلم وغيره، أنه قال: " اللهم من ولي من أمور

стр. 3825

أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فشق عليه " ١. وكان ﷺ يأمر أمراءه وعماله، ويقول: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " ويقول: " إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " ٢ والتيسير دعوة إلى الإسلام، وترغيب للناس في قبوله، والدخول فيه، لأن من صحت سريرته، وحسنت سيرته، أقبلت القلوب إليه، وصغت إليه، وصفت عليه، والضد بالضد، وبالله التوفيق، والعمل بهذه الآيات والأحاديث، من أعظم ما تشكر به النعم، وتستدفع به النقم. ومما أمر الله به نبيه، ورضيه له واختاره له ولأنبيائه ورسله، ولمن له عقل ودين، قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] . فما أعظمها من آية، وما انفعها للقلوب لمن عمل بها؟! فذكر الخير وسببه وأمر به، وذكر الشر وسببه ونهى عنه أشد النهي، فتدبر. وعن عائشة أم المؤمنين ﵂، عن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله بالأمير خيرا، جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه " ٣.

стр. 3826

وعن أبي سعيد مرفوعا: " ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله ". وفي الحديث الصحيح: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " ١ وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على محمد أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. وقال الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين: فيصل الدويش، وسلطان بن بجاد بن حميد، ومن لديهما من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالموجب لهذا الكتاب، والداعي إليه، هو النصح لكم والشفقة عليكم، لأن من حقكم علينا بذل ذلك لكم، وقد بلغنا اجتماعكم، وتزاوركم، فإن كان المراد بذلك التذكر بما من الله به عليكم، من نعمة الإسلام، واجتماع الكلمة، وذهاب العدو، والحرص على التزام هذه الإمامة والولاية، والقيام بحقها، فما أحسن ذلك. وإن كان الاجتماع إنما هو للتفرق والاختلاف، الذي

стр. 3827

هو من دين الجاهلية الأولى، والطعن على من ولاه الله عليكم، وعيبه، وثلبه، وتتبع عثراته للتشنيع عليه، ونسبة علمائه إلى المداهنة والسكوت، فهذه- والله- وصمة عظيمة، وزلة وخيمة، وقاكم الله شرها، وحال بينكم وبين أسبابها. فأذكركم إخواني أولا: نعمة الإسلام، وما من الله به عليكم من الانتقال، عن عوائد الآباء والأجداد، وسوالفهم، التي خالفوا في أكثرها ما جاء في الكتاب والسنة، واتباع هذا النبي الكريم ﷺ الذي جعل الله بعثته رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على أعداء الملة والدين، فاشكروا مولاكم على ذلك. واشكروه أيضا: على ما من به في هذا الزمان، من ولاية هذا الإمام، الذي أسبغ الله عليكم على يديه، من النعم العظيمة، ودفع به عنكم من النقم الكثيرة، وخولكم مما أعطاه الله، وتابع عليكم إحسانه، صغيركم وكبيركم، وقام بما أوجب الله عليه، حسب الطاقة والإمكان، ونظره في مصالح المسلمين، وما يعود نفعه عليهم، ودفع المضار عنهم، وحسم مواد الشر أولى من نظركم، والكمال لم يحصل لمن هو أفضل منه. فالذي يطلب الأمور على الكمال، وأن تكون على سيرة الخلفاء، فهو طالب محالا; فاسمعوا له وأطيعوا، وراعوا حقه وولايته عليكم، واحذروا غرور الشيطان، وتسويله

стр. 3828

وخدعه ومكره، فإنه متكئ على شماله، يدأب بين الأمة بإلقاء الشحناء والعداوة، وتفريق الكلمة بين المسلمين عادة له مذ كان، ولا يسلم من مكره إلا من راقب الله في سره وعلانيته، ووقف عند أقواله وأعماله، وحركاته وسكناته، وتفكر في عاقبة ما يصير إليه في ماله، وراجع أهل البصائر والمعرفة من أهل العلم، الذين لهم قدم راسخ في المعرفة والفهم. فإن كان أحد ممن يدعي العلم زين لكم ذلك، وألقى عليكم التشكيكات والتشبيهات، وحسن لكم طريقة أهل البدع والضلالات، فاعلموا: أنه منفاخ سوء، يبدي لكم ما يخفيه كيره، ويلبس عليكم دينكم، فإن كان يدعي أن معه دليلا، من الكتاب والسنة، في الطعن على الأئمة والولاة وعلمائهم، فليبرز إلينا بما لديه، فنحن له مقابلون ومناظرون بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وسيرة الخلفاء المهديين، التي تجلو عن القلب عماه، وترد المعارض عن انتكاسه. فوالله ثم والله: إنا لا نعلم على وجه الأرض شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، شخصا أحق وأولى بالإمامة منه، ونعتقد صحة إمامته وثبوتها، لأن إمامته إمامة إسلامية، وولايته ولاية دينية، فلو نعلم أن عليه من المثالب والمطاعن شيئا يوجب مخالفته ومنابذته، لكنا أولى منكم بالنصح له

стр. 3829

وتحذيره ومراجعته، فإنه- ولله الحمد- يقبل الحق ممن جاء به، ولا يستنكف من الناصح، ومقاماته ونصحه، ومدافعته عن الإسلام وأهله، وبذل إحسانه، وعفوه وعدم انتقامه، شهيرة بين الورى، لا يجحدها إلا معاند مماحل. وأيضا: حرصه على اجتماع المسلمين، وعدم اختلافهم معلوم، لا يخفى على منصف، فأفيقوا عن سكرتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وأقول لكم مثل ما حكاه الله عن مؤمن آل فرعون ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة غافر آية: ٤٤] . فلا تنسوا عباد الله إحسان إمامكم، ومعروفه عليكم، فإن نعمة الله تترى عليكم باطنا وظاهرا، والنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت وجحدت فرت، فارجعوا إلى مولاكم بالتوبة والندم، والانطراح بين يدي الله أولا، لأنه مقلب القلوب والأبصار، وبين يدي إمامكم وعلمائه ترشدوا، فهذا الواجب لكم علينا، الذي تعبدنا الله به، وهو الذي نحبه ونرضاه لكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد. [ما من الله به من هذا الدين والاجتماع عليه] وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن

стр. 3830

إبراهيم بن عبد اللطيف، وفقهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وما أقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، ونشهد: أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبة، والتابعين، ومن سلك طريقهم إلى يوم الدين. أما بعد: فإنه لا يخفى على من نور الله قلبه، وألهمه رشده، ما من الله به على أهل نجد، من معرفة ما بعث الله به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق، والعمل بذلك، والدعوة إليه على بصيرة، والاجتماع على ذلك، والائتلاف عليه، وما حصل بذلك من العز والظهور، وإقامة دين الله، وقهر أعدائه.

стр. 3831

وقد كان أهل نجد، قبل هذه الدعوة الإسلامية، التي من الله بها على يد شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في شر عظيم من التفرق والاختلاف، والفتن العريضة، من الشرك بالله فما دونه، من سفك الدماء، وأخذ الأموال بغير حق، وإخافة السبل، وليس لهم إمامة يجتمعون عليها، ولا عقيدة صحيحة يعولون عليها، بل هم في أمر مريج، حتى أزال الله ذلك بدعوة هذا الشيخ، رحمه الله تعالى. فإنه قام بهذه الدعوة أتم القيام، ووازره على ذلك، ونصره الإمام محمد بن سعود، وأولاده وإخوانه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، فبسببهم دخل الناس في دين الله أفواجا، ونفذت الدعوة الإسلامية، وشملت كافة أهل نجد، البادية والحاضرة، وقام علم الجهاد، وانقمع أهل الغي والفساد. ثم لما وقع الخلل من كثير من الناس، من عدم القيام بشكر هذه النعمة ورعايتها، ابتلوا بوقوع التفرق والاختلاف، وتسلط الأعداء، والرجوع إلى كثير من عوائدهم السالفة، حتى من الله في آخر هذا الزمان، بظهور الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، أيده الله ووفقه، وما من الله به في ولايته، من انتشار هذه الدعوة الإسلامية، والملة الحنيفية، وقمع من خالفها، وإقبال كثير من البادية

стр. 3832

والحاضرة على هذا الدين، وترك عوائدهم الباطلة. وكذلك ما حصل بسببه، من هدم القباب، ومحو معاهد الشرك والبدع، وردع أهل المعاصي والمخالفات، وإقامة دين الله في الحرمين الشريفين، زادهما الله تعالى تشريفا وتكريما، وكذلك ما من الله به على قبائل العرب، من الاجتماع بعد الفرقة، والائتلاف بعد العداوة التي كانت بينهم، والأمن والطمأنينة بعد الخوف، حتى صار الراكب يسير من الشام إلى اليمن، لا يخشى إلا الله. وهذه النعم يجب شكرها على جميع المسلمين، والحذر من الأسباب التي توجب زوالها، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك. إذا علم ذلك فإنه لما رأينا ما وقع من كثير من الناس من الاختلاف، والخوض في دين الله، والقول على الله بلا علم، والتجرؤ على ذلك، من غير مبالاة بالكلام على جهل، وعدم بصيرة فيما يتكلم به الإنسان، خشينا أن تكون هذه الأمور، سببا لزوال النعمة العظيمة، فتعين علينا أن نكتب هذه الكلمات، نصيحة لله ولعباده، أخذا بقوله ﷺ : " الدين النصيحة "١، قالها ثلاثا. فنقول: الكلام في هذا المقام، على فصول: الفصل الأول: في القول على الله وعلى رسوله بلا علم، الفصل الثاني: في حقوق الإمامة والبيعة، وما يجب لولي الأمر من الحقوق على رعيته، وما يجب لهم عليه، الفصل الثالث:

стр. 3833

في التحذير من التفرق والاختلاف، وبيان حرمة المسلم، وما يجب له من الحقوق. الفصل الأول: في القول على الله وعلى رسوله بلا علم ليعلم الناصح لنفسه: أن القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته، وشرعه وأحكامه ودينه، من أعظم المحرمات، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦] .وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: " من يقل علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار "١ رواه البخاري. قال ابن القيم: رحمه الله تعالى، في "أعلام الموقعين"- في الكلام على الآية الأولى-: إنه رتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه، وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منها، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في

стр. 3834

أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦-١١٧] فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم - لما لم يحرمه- هذا حرام، ولما لم يحله: هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه: أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، إلا لما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه. وقال بعض السلف، ليتق أحدكم أن يقول: أحل الله كذا وحرم كذا، فيقول الله له: كذبت، لم أحل كذا ولم أحرم كذا، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه: أحله الله، وحرمه الله، بمجرد التقليد، أو التأويل، انتهى. فتبين مما تقدم: تحريم القول على الله بلا علم، وتحريم الإفتاء في دين الله وشرعه، بمجرد الرأي والهوى، وفاعل ذلك ومنتحله، يبوء بإثمه وإثم من استفتاه، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٥] . وقال ابن القيم أيضا، في كتابه "الأعلام": وقد روى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن النبي ﷺ : " من أفتى بغير علم

стр. 3835

كان إثم ذلك على الذي أفتاه " ١ وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " ٢ وفي أثر مرفوع، ذكره أبو الفرج وغيره: " مَن أفتى الناس بغير علم، لعنته ملائكة السماء، وملائكة الأرض ". وكان مالك رحمه الله تعالى يقول: من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها. وسئل عن مسألة، فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [سورة المزمل آية: ٥] فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة، وقال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، انتهى. ومن القول على الله بلا علم: تفسير القرآن بغير معناه، والاستدلال به على غير المراد به، استنادا إلى الآراء والأهواء والشهوات، وهذا يفعله كثير من الجهلة الغوغاء، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " من قال في القرآن برأيه، أو

стр. 3836

بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار، وأخطأ ولو أصاب " ١. وقال أبو بكر الصديق لما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ فقال: "أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم " وعن عمر ﵁ قال: " ما أخاف على هذه الأمة، من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا فاسق بين فسقه، ولكن أخاف عليها رجلا قرأ القرآن، حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوله على غير تأويله " رواه ابن عبد البر. فالواجب على طالب الحق، إذا أشكل عليه شيء، سؤال العلماء، والرجوع إليهم في الأحكام الشرعية، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث المتقدم: أن من اتخذ رؤساء جهالا، فسألهم فأفتوه بغير علم، فقد ضلوا وأضلوه، وفي حديث صاحب الشجة " ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال "٢. وقال بعض السلف: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. ومما ينبغي التنبيه عليه: ما وقع من كثير من الجهلة، من اتهام أهل العلم والدين، بالمداهنة والتقصير، وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله سبحانه، وكتمان ما يعلمون من الحق، والسكوت عن بيانه، ولم يدر هؤلاء الجهلة: أن اغتياب أهل العلم والدين، والتفكه بأعراض

стр. 3837

المؤمنين، سم قاتل، وداء دفين، وإثم واضح مبين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٨] . أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من ... اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا فإذا سمع المنصف هذه الآيات، والأحاديث، والآثار، وكلام المحققين من أهل العلم والبصائر، وعلم أنه موقوف بين يدي الله، ومسئول عما يقول ويعمل، وقف عند حده، واكتفى به عن غيره، وأما من غلب عليه الجهل والهوى، وأعجب برأيه، فلا حيلة فيه، نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الفصل الثاني: في حقوق الإمامة والبيعة، وما يجب لولي الأمر على رعيته، وما يجب لهم عليه. قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا

стр. 3838

يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٨-٥٩] . قال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى في "السياسة الشرعية": قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل, ونزلت الآية الثانية في الرعية، من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الامر الفاعلين لذلك، في قسمهم وحكمهم، ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، إن لم يفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ وأديت حقوقهم إليهم، كما أمر الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] . وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذا يجمع السياسة العادلة، والولاية

стр. 3839

الصالحة، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: " دعانا رسول الله ﷺ فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان "١. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه "٢. وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الغزو غزوان: فأما من ابتغى به وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، فإن نومه ونبهته أجر كله، وأما من غزا فخرا ورياء، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف " ٣ رواه مالك وأبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مرفوعا: " الأمير يسمع له ويطاع فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ٤ أخرجاه. ولمسلم عن حذيفة مرفوعا: " تكون بعدي أئمة لا يهتدون

стр. 3840

بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيكون فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع "١. وفي حديث الحارث الأشعري، الذي رواه الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: " وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " ٢. قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى: وهذه الخمس المذكورة في الحديث، ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية التي لا يستقيم بناؤه ولا يستقر إلا بها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية، من ترك الجماعة والسمع والطاعة، انتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس، من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم، إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، إلى أن قال: فإن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب الله تعالى من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم،

стр. 3841

وإقامة الحدود، لا يتم إلا بالقوة والإمارة. ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك، ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان- إلى أن قال- فالواجب اتخاذ الإمارة دينا، وقربه يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة والمال، انتهى. وقال ابن رجب رحمه الله تعالى في "شرح الأربعين" وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد، في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي ابن أبي طالب ﵁: " إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيها ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله ". وقال الحسن في الأمراء: " هم يلون من أمورنا خمسا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود؛ والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا؛ والله لما

стр. 3842

يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وإن فرقتهم لكفر " انتهى. إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام العلماء المحققين، في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ورسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة. وأما ما قد يقع من ولاة الأمور، من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجب فيها مناصحتهم على الوجه الشرعي برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح، من عدم التشنيع عليهم في المجالس، ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر، الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه، من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى في رسالة له، ذكرناها ههنا لعظم فائدتها، قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن

стр. 3843

عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: يجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق، وننصح إخواننا إذا جرى منها شيء، حتى فهموها، وسببها: أن بعض أهل الدين ينكر منكرا، وهو مصيب، لكن يخطئ في تغليظ الأمر، إلى شيء يوجب الفرقة بين الإخوان. وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] . وقال ﷺ : " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم "١. وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاءه من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به، فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا، أو قلة فهمه.

стр. 3844

وأيضا، يذكر العلماء: أن إنكار المنكر، إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يجز إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقه فيه، فإنكم إن لم تفعلوا، صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم لا يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه. وسبب هذه القالة التي وقعت بين أهل الحوطة، لو صار أهل الدين واجب عليهم إنكار المنكر، فلما غلظوا الكلام، صار فيه اختلاف بين أهل الدين، فصار فيه مضرة على الدين والدنيا، وهذا الكلام وإن كان قصيرا، فمعناه طويل، فلازم لازم، تأملوه وتفقهوا فيه، واعملوا به، فإن عملتم به صار نصرا للدين، واستقام الأمر إن شاء الله. والجامع لهذا كله: أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره، أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد؛ فإن وافق وإلا استلحق عليه رجلا يقبل منه بخفية، فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهرا، إلا إن كان على أمير، ونصحه ولا وافق، واستلحق عليه ولا وافق، فيرفع الأمر إلينا خفية. وهذا الكتاب، كل أهل بلد ينسخون منه نسخة، ويجعلونها عندهم ثم يرسلونها لحرمة والمجمعة، ثم للغاط والزلفى، والله أعلم. وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى في "أعلام الموقعين": المثال الأول: أن النبي ﷺ شرع لأمته إيجابا إنكار المنكر، ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان

стр. 3845

إنكار منكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة، إلى آخر الدهر. وقد استأذن الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ في قتال الأمراء، الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا أفلا نقاتلهم؟ فقال: " لا، ما أقاموا الصلاة " ١، وقال: " من رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينْزعن يدا من طاعة " ٢ ومن تأمل ما جرى على الإسلام، في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر طلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه، انتهى. وقال ابن مفلح، في "الآداب": قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق، إلى أبي عبد الله- يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى- وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا - يعنون إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك - ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولاتخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا- يعني نزع أيديهم من طاعته- صوابا هذا خلاف الآثار، اهـ.

стр. 3846

إذا تقرر ذلك، فليعلم: أن الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، قد ثبتت بيعته وإمامته، ووجبت طاعته على رعيته فيما أوجب الله من الحقوق، فمن ذلك أمر الجهاد، ومحاربة الكفار ومصالحتهم، وعقد الذمة معهم، فإن هذه الأمور من حقوق الولاية، وليس لآحاد الرعية الافتيات، أو الاعتراض عليه في ذلك، فإن مبنى هذه الأمور، على النظر في مصالح المسلمين العامة والخاصة، وهذا الاجتهاد والنظر، موكول إلى ولي الأمر، وعليه في ذلك تقوى الله، وبذل الجهد في النظر بما هو أصلح للإسلام والمسلمين، ومشاورة أهل الرأي والدين والنصح من المسلمين. ويجب عليه النصح لرعيته، والشفقه عليهم، والرفق بهم، والنظر في جميع ما تنتظم به مصالح دينهم ودنياهم، من حماية حوزة الإسلام، والذب عنها، وإقامة العدل بينهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الحقوق اللازمة إلى مستحقيها، فإن قصر عن القيام ببعض الواجب، فليس لأحد من الرعية أن ينازعه الأمر من أجل ذلك، كما ثبتت بذلك الأخبار عنه ﷺ بوجوب السمع والطاعة، والوفاء بالبيعة، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان.

стр. 3847

الفصل الثالث: في التحذير من التفرق والاختلاف وبيان حرمة المسلم وما يجب له من الحقوق قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٦] قال بعض المفسرين تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في "المنهاج" في الكلام على هذه الآيات-: فالله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعا ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه وبدينه، وبالإسلام، وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكلها صحيحة، فإن القرآن يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده، وأمره وطاعته، والاعتصام

стр. 3848

به جميعا، إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته: الإخلاص لله. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " ١. والله تعالى قد حرم ظلم المسلمين، أحياءهم وأمواتهم، وحرم دماءهم وأموالهم، وأعراضهم، وقد ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: " إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع " ٢. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٨] فمن أذى مؤمنا حيا أو ميتا، بغير ذنب يوجب ذلك، فقد دخل في هذه الآيات، ومن كان مجتهدا لا إثم عليه، فإذا آذاه مؤذ، فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن كان مذنبا وقد تاب من ذنبه، أو غفر له بسبب آخر، لم يبق عليه عقوبة، فآذاه مؤذ، فقد آذاه بغير ما اكتسب. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 3849

" لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره، ولا يخذله، التقوى ها هنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه " ١ رواه مسلم. ولهما عن ابن عمر مرفوعا: " المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة "٢، ولهما عن أنس مرفوعا: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ٣. وهذا الذي ذكرناه في هذه الرسالة، هو الذي نعتقده وندين الله به، وفيه كفاية لمن أراد الله هدايته، وكان قصده طلب الحق، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين السلامة من موجبات سخطه، وأليم عقابه، ونعوذ بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفجأة نقمته، وجميع سخطه، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. [ما من الله به على بادية نجد وما أدخله الشيطان عليهم] وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ

стр. 3850

عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقهما الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي بعث محمدا بالهدى ودين الحق، على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم المناهج، وأوضح السبل، فشرع الشرائع، وبين الأحكام، ولم يقبضه إليه حتى تم شرعه وكمل، فمن أراد الله سعادته اكتفى بهديه، عن سائر الشرائع والنحل، ومن قضي عليه بالشقاء، صدف عن ذلك وعدل. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها يوم العرض من كل كرب ووجل، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل الخلق، وخاتم الرسل، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين حازوا قصب سبق الفضائل، بالعلم والعمل. أما بعد: فإن الله ، لما من على بادية نجد، في آخر هذا الزمان، بالإقبال على تعلم دين الإسلام، والعمل به، وكثر ذلك فيهم وانتشر، ورأى الشيطان منهم قوة في ذلك، وحرصا على الخير، يئس منهم أن يردهم على حالهم الأولى، التي انتقلوا منها، فأخذ في فتح أبواب من أبواب الشر، حسنها لهم وزينها، وجعلها في قالب القوة والصلابة في الدين، وأن من أخذ بها فهم المتمسكون بملة

стр. 3851

إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم. وهذا هو المعهود من كيد اللعين، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم ﵀، في "إغاثة اللهفان"، فإنه ذكر: أن الشيطان- لعنة الله- يشم قلب العبد، فإذا رأى فيه كسلا، سعى في رده عن الدين بالكلية، وإن رأى فيه قوة، سعى في حمله على مجاوزة الحق، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله؛ وإذا أخبر بالأمر المشروع، قال له الشيطان: ما يكفيك هذا، الواجب عليك شيء غير هذا، هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. إذا علم هذا؛ فمن الأمور التي أدخلها على الإخوان- وفقهم الله تعالى- أنه غلظ أمر الأعراب عندهم، حتى صار منهم من يعتقد كفرهم مطلقا، ومنهم من يرى جهادهم، حتى يلتزموا سكنى القرى. والجواب عن هذا: أن تعلم أيها المنصف، الذي مراده الحق، أن الواجب علينا وعلى جميع المسلمين رد ما تنازعنا فيه، إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى، أو استحسان العقل، والأقيسة الفاسدة، ونحن نطالب من قال ذلك، بدليل من كتاب الله وسنة رسوله، أو نقل من الخلفاء الراشدين، والصحابة المهديين، ومن تبعهم من أئمة الدين. فإن كان اعتمادهم فيما توهموه، من إلزام البادية

стр. 3852

بالسكنى في القرى، على مطلق وجوب الهجرة، فنعرفك عن حقيقة الهجرة الواجبة بالشرع المطهر. فنقول: الهجرة تجب من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، على من لم يقدر على إظهار دينه، فإن كان المحل الذي فيه الأعراب، تظهر فيه شعائر الشرك، وتفعل فيه المحرمات، وتترك فيه الواجبات، فإن الهجرة تجب من ذلك المحل، إلى بلاد تظهر فيها شعائر الإسلام، سواء كان ذلك في بادية أو حاضرة، وأما البادية الذين هم في ولاية إمام المسلمين، وهم مع ذلك ملتزمون شرائع الإسلام، من الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وترك الشرك والكفر، ولا يظهر فيهم شيء من نواقض الإسلام، فلا تجب عليهم الهجرة إلى القرى، ولا يجوز إلزامهم بذلك. ومن ألزمهم بذلك، ورآه دينا، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] وقد قال النبي ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ١، وفي رواية " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " ٢ أي: من أحدث في ديننا وشرعنا، زيادة لم نشرعها، فمن قال قولا، أو عمل عملا لم يشرعه الله ورسوله، فهو مردود عليه، كائنا من كان، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ

стр. 3853

يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦] . ومن نسب إلزام بادية المسلمين بسكنى القرى إلى دين الله ورسوله، فقد افترى وضل، نعم، تستحب الهجرة في حقهم والحالة هذه، لما يترتب على ذلك من حضور الجمع والأعياد، وغير ذلك، من غير إكراه على ذلك، فافهموا حكم الهجرة ومن تجب عليه، وقولوا بعلم، ودعوا الجهل والهوى، واستحسانات العقول، وإن أردتم الدليل على ما قلناه، فانظروا إلى سيرة النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه، وحالهم مع أعرابهم الموجودين في عصر النبوة وما بعده، فإنهم لم يلزموهم بسكنى القرى، فإن كان عند أحد دليل عن النبي ﷺ فليوجدناه ونقبله على الرأس والعين. وقد قال ﷺ في حديث بريدة الطويل، الذي رواه مسلم في صحيحه، في أعراب المسلمين، فإنه قال: " كان النبي ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية " ١ - إلى قوله- " ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله " ٢ الحديث ; فدل الحديث على أنه كان في زمن النبي ﷺ أعراب، ولم يلزمهم بالهجرة. وقال ابن القيم: رحمه الله تعالى، في الهدي النبوي، في أواخر الوفود: "فصل" في قدوم وفد بني عبس، ” وفد عليه

стр. 3854

بنو عبس، فقالوا يا رسول الله: قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا: أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، وهي معائشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة لة، فلا خير في أموالنا ومواشينا، بعناها وهاجرنا عن آخرنا، فقال رسول الله ﷺ اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا " انتهى. نعم، يجب على ولي الأمر إلزام الأعراب شرائع الإسلام، وكفهم عن المحرمات من الشرك وغيره، كغيرهم من المسلمين، وأما إطلاق الكفر على الأعراب بالعموم، فالدليل على منعه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٩] الآية. فإذا علمت أنها لا تجب الهجرة على من كان في بادية المسلمين، تبين لك أنه لا يجوز هجر من قدم على الحاضرة منهم، إلا من عرف منهم بالمجاهرة بالمعاصي، والإعلان بها، وهذا ليس خاصا بالأعراب، فإن المجاهر بالمعاصي يشرع هجره، سواء كان ذلك من أهل البادية أو الحاضرة، إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم يترتب عليه مفسدة، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا كان قد هاجر، وسكن في قرية من قرى المسلمين، واتخذ ماشية من إبل أو غنم، واعتاش بها هو وعائلته، وخرج لرعيها،

стр. 3855

ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل الذي خرج منه، هجر عن السلام في زعم هذا الجاهل: أن خروجه مع إبله وغنمه معصية، وهذا جهل وضلال، فإن فعله ذلك مباح، فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه، وقد كان للنبي ﷺ نعم من إبل وغنم، يجعل فيها رعاة يرعونها، وقال الفضل بن العباس: " زارنا رسول الله ﷺ في بادية لنا " ١. وأما من هاجر ثم رجع إلى البادية، منتقلا عن دار هجرته، فإنه عاص ومرتكب كبيرة، إذا لم يكن من نيته الرجوع، فمن كان مقصوده اتباع الحق، وطلب الهدى، وسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن كان مقصوده الهوى، والتعمق والتكلف، والتضييق على نفسه، وعلى غيره، من غير دليل شرعي، فهو شبيه بمن انحرف عن هدي رسول الله ﷺ من أهل البدع والضلال. وقد قال النبي ﷺ " إن قوما شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات". وذلك حين سأل نفر من أصحابه، عن عبادته ﷺ فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وأصلي ولا أنام، فقال النبي ﷺ : "أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
следующие страницы →