← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والأعياد، ونصر المظلوم وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة. ولهذا روي: أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك؛ ولهذا كان السلف، كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان. وقال النبي ﷺ " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم " ١ رواه مسلم، وقال: " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " ٢ رواه أهل السنن. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " الدين النصيحة، ثلاثا. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم "٣, فالواجب: اتخاذ الإمارة دينا وقربة، يتقرب بها إلى الله ، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، أفضل القربات، انتهى. وقال في "غذاء الألباب": لا ينبغي لأحد أن ينكر على السلطان، إلا وعظا وتخويفا له، وتحذيرا من العاقبة في

стр. 3887

الدنيا والآخرة فيجب ; قال القاضي: ويحرم بغير ذلك ; قال ابن مفلح: والمراد ولم يخف منه، بالتخويف والتحذير، وإلا سقط وكان حكم ذلك كغيره. قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق، إلى أبي عبد الله- يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا- يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك - وما نرضى بإمارته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، وقال: ليس هذا- يعني نزعهم أيديهم من طاعته- صوابا، هذا خلاف الآثار. وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يأمر بالكف عن الأمراء، وينكر الخروج إنكارا شديدا، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: الكف، أي: يجب الكف، لأنا نجد عن النبي ﷺ (ما صلوا) فلا تنْزع يدا من طاعتهم، مدة ما داموا يصلون، خلافا للمتكلمين في جواز قتالهم، كالبغاة؛ وفرق القاضي بينهما من جهة الظاهر والمعنى، أما الظاهر فإن الله تعالى أمر بقتال البغاة، بقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [سورة الحجرات آية: ٩] الآية، وفي مسألتنا أمره بالكف عن

стр. 3888

الأئمة، بالأخبار المذكورة، وأما المعنى فإن الخوارج يقاتلون بإمام، وفي مسألتنا يحصل قتالهم يغير إمام، انتهى. قال الإمام: عبد الله بن المبارك، ﵀ ورضي عنه: إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا كم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا وفي وصية عمرو بن العاص ﵁: (يا بني احفظ علي ما أوصيك به، إمام عدل خير من مطر وبل، وإمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم) انتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في "المنهاج": ومن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم: أنهم يخطئون، ولا يكفرون، وسبب ذلك: أن أحدهم قد يظن أن ما ليس بكفر كفرا، انتهى. فانظروا وفقكم الله، في كلام هؤلاء الأئمة، في حق ولاة الأمر، وحثهم على عدم منازعتهم للأمراء، وتقرير وجوب السمع والطاعة لهم، وإن كان فيهم ما فيهم من الأمور التي ينكرها الشرع، ما لم يظهر منهم كفر بواح; وإمامكم حفظه الله، وأعاذه من مضلات الفتن، وإن كنا لا نعتقد عصمته، فإنه قد أصغى إلى قبول النصيحة من كل

стр. 3889

ناصح، وجد في إزالة ما قدر عليه من المنكرات. ونرجو الله أن يعينه على إزالة كل ما أنكره الشرع المطهر، ولا يكله إلى نفسه طرفة عين؛ وقد انتظم به من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى. هذا، والله المسؤول أن يوفقنا وإياكم وإياه، لسلوك الصراط المستقيم، ويجنب الجميع طريقة أصحاب الجحيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. [ما من الله به على بادية نجد من الإقبال، وما زين الشيطان لهم من التفرق] وقال الشيخ: عمر بن محمد بن سليم، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عمر بن محمد بن سليم، إلى كافة الإخوان من أهل الأرطاوية، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، وثبتنا على دينه القويم، وأعاذنا من الأهواء المضلة، والسبل المفضية بسالكها إلى طرق الجحيم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فالباعث لهذه النصيحة ١ إقامة الحجة على المعاند، والبيان للجاهل، الذي قصده الحق، فإن الله

стр. 3890

سبحانه لما من على بادية المسلمين من أهل نجد، في آخر هذه الأزمان، بالإقبال على تعلم دين الإسلام، ورأى الشيطان منهم قوة في ذلك، وحرصا على الخير، وأيس أن يردهم على حالهم الأولى، التي انتقلوا منها، أخذ في فتح أبواب الشر، وحسنها لهم، وزينها في قالب القوة والصلابة في الدين، وأن من أخذ بها فهو المتمسك بملة إبراهيم، ومن تركها فقد ترك ملة إبراهيم. وهذا من كيد اللعين، كما ذكر ابن القيم ﵀: أن الشيطان يشم قلب العبد، فإن رأى فيه كسلا، سعى في رده عن دينه بالكلية، وإن رأى فيه قوة، سعى في حمله على مجاوزة الحد، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله، فإذا أخبر بالمشروع، قال له الشيطان: ما يكفيك هذا، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ومن الأمور التي زينها الشيطان: التفرق والاختلاف في الدين ; وسبب ذلك: كلام أهل الجهل بأحكام الشرع، فلو سكت الجاهل سقط الاختلاف؛ والكلام في دين الله بغير علم، وخوض الجاهل في مسائل العلم، قد حرمه الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] . ومن كيد الشيطان أيضا، الذي صدهم عن تعلم العلم

стр. 3891

وطلبه: إتهام علماء المسلمين بالمداهنة، وسوء الظن بهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لحرمان العلم النافع؛ فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ومن زهد في الأخذ عنهم، فقد زهد في ميراث سيد المرسلين؛ والعلماء هم الأمناء على دين الله، فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله، فإن الفرض الواجب، واللازم لعوام المسلمين، سؤال العلماء وأتباعهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وقال النبي ﷺ : " فإنما شفاء العي السؤال " ١ أي: سؤال العلماء، وقال: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ". وأما من رغب عن سؤال العلماء، أو قال: حجتنا الكتاب الفلاني، أو مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك، فإن هذا جهل وضلال. فإن أعظم الكلام كتاب الله، فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ لم يفهم معناه، وأوله على غير تأويله، فقد ضاهى أهل البدع المخالفين للسنة؛ فإذا كان هذا حال من اكتفى بظاهر القرآن، عما بينته السنة، فكيف بمن تعلق بألفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها. والكتب أيضاً فيها الصحيح والضعيف، والمطلق،

стр. 3892

والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ؛ فإذا لم يؤخذ العلم عن العلماء النقاد، الذين من الله عليهم بفهم الكتاب والسنة، ومعرفة ما عليه السلف الصالح والأئمة، وقع في الجهل والضلال، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ". إذا عرف هذا، تبين: أن الذي يستغنى بمجموعة التوحيد، أو يقلد من يقرؤها عليه، وهو لا يعرف معناها، قد وقع في جهل وضلال، بل يجب عليه الأخذ عن علماء المسلمين. ومن كيد الشيطان أيضا: إساءة الظن بولي الأمر، وعدم الطاعة له، وهو من دين أهل الجاهلية، الذين لا يرون السمع والطاعة دينا، بل كل منهم يستبد برأيه وهواه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، على وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، حتى قال " اسمع وأطع، وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك ". فتحرم معصية ولي الأمر، والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته، وفي معاقدته ومعاهدته، ومصالحته الكفار. فإن النبي ﷺ حارب وسالم، وصالح قريشا صلح

стр. 3893

الحديبية، وهادن اليهود وعاملهم على خيبر، وصالح نصارى نجران، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده؛ ولا يجوز الاعتراض على ولي الأمر في شيء من ذلك، لأنه نائب المسلمين، والناظر في مصالحهم؛ ولا يجوز الافتيات عليه بالغزو، وغيره، وعقد الذمة، والمعاهدة، إلا بإذنه. فإنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، فإن الخروج عن طاعة ولي الأمر، من أعظم أسباب الفساد، في البلاد والعباد. ومن كيد الشيطان أنه غلظ أمر الأعراب عند بعض الناس، حتى صار منهم من يتجاوز الحد الشرعي، وحكم عليهم بأحكام مخالفة للكتاب والسنة، فمن الناس من يرى جهادهم حتى يلتزموا سكنى القرى، أو أنهم لا يستقيم لهم دين حتى يهاجروا، فالواجب على كل مسلم رد ما تنازع فيه المتنازعون، إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى. ومن علم سيرة النبي ﷺ في الأعراب الذين في زمانه، وسيرة الخلفاء الراشدين، تبين له الحق؛ فإن النبي ﷺ كان يدعوهم إلى توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١] .

стр. 3894

وقال النبي ﷺ في حديث بريدة الطويل، الذي في صحيح مسلم، أنه كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، إلى قوله: " ثم ادعهم إلي الإسلام، فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين " ١. فدل الحديث على أنه كان في زمن النبي ﷺ أعراب، ولم يلزمهم بالهجرة إلى القرى، ومن ألزمهم بذلك، ورآه دينا، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله. وقال ابن القيم ﵀ في الهدي النبوي، في آخر الوفود- وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له، فلا خير في أموالنا ومواشينا، بعناها وهاجرنا عن آخرنا، فقال رسول الله ﷺ : " اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ". نعم: يجب على ولي الأمر إلزام الأعراب بشرائع الإسلام، وكفهم عن المحرمات من الشرك وغيره، كغيرهم من المسلمين، وبعث دعاة يعلمونهم شرائع الإسلام. إذا علمت أنه لا يجوز إلزامهم بغير ذلك، تبين لك أنه لا يجوز

стр. 3895

هجر من قدم على الحاضرة منهم، إلا من كان مجاهرا بالمعاصي، وهذا ليس خاصا بالأعراب. نعم حديث بريدة يدل على استحباب الهجرة لأعراب المسلمين والحالة هذه، وترغيبهم فيها، ولما يترب على الهجرة من تعلم شرائع الإسلام، وشهود الجمع والأعياد. ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا هاجر، وسكن قرية من قرى المسلمين، واتخذ ماشية من إبل أو غنم، وخرج ليرعاها في وقت من الأوقات، ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل، هجر عن السلام، وفي زعم الذي هجره: أن خروجه مع ماشيته معصية؛ وهذا جهل وضلال، فإن فعله ذلك قد أباحه الرسول ﷺ فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه. وقد كان للنبي ﷺ نعم من إبل وغنم، يجعل فيها رعاه يرعونها، وقال الفضل بن عباس: زارنا رسول الله ﷺ في بادية لنا، فمن كان مقصوده اتباع الحق، وطلب الهدى، وسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه. ومن الأمور التي أدخلها الشيطان على بعض الناس لينال بها مقصوده من إغوائهم، وتفريق كلمتهم، وإلقاء البغضاء بينهم، التي هي الحالقة- أي حالقة الدين- ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك، بل بمجرد الرأي المخالف للكتاب والسنة ; وهذا ينافي ما عقده الله بين

стр. 3896

المسلمين، من الأخوة الإسلامية، التي توجب التواصل والتراحم، والتواد والتعاطف، كما قال النبي ﷺ : " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " ١. وقال النبي ﷺ : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " ٢ وشبك بين أصابعه، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] وقال النبي ﷺ : " لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه " ٣ الحديث. ومن كيد الشيطان: ما زينه لبعض الناس من الاستطالة على الناس بالضرب والتعنيف، والكلام السيء، والتوعد للناس، وتعيير الناس وعيبهم، والطعن عليهم، فحسن لهم الشيطان ذلك، وأدخل عليهم أن ذلك من باب الأمر بالمعروف، وإنكار المنكر، وهذه الأفعال من أعظم المنكرات، واستحلالها واعتقاد أنها من الدين أكبر من فعلها. وهؤلاء لم يفهموا إنكار المنكر، الذي جاءت به الشريعة، فإن إنكار المنكر، إزالة المنكر، لا ضرب فاعله،

стр. 3897

وأما إقامة الحدود، والتعزير بالضرب والتهديد، والتوعد، فهذا لولي الأمر، دون آحاد الناس، والذي علينا بيان الحق، ونصيحتكم، وإرشادكم إلى ما جاءت به الشريعة. ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم، بقبول الحق واتباعه، والثبات عليه، وأن يمن علينا وعليكم بالتوبة إليه، مما يخالف شرعه ودينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعد بن حمد بن عتيق، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم لاتباع السنة والكتاب، وجنبنا طريق أهل الغي والشك والارتياب، آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: نظرت في هذه الرسالة الفريدة، والكلمات الطيبة السديدة، التي كتبها أخونا الشيخ عمر بن محمد بن عبد الله آل سليم، سلمنا الله وإياهم من عذاب الجحيم، ووفقنا وإخواننا لسلوك الصراط المستقيم، فوجدتها مشتملة على بيان الحق، جارية على منوال سبيل أهل العلم والنصيحة والصدق، الداعين إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وافية بمقصود الإفادة، مع ذكر الدليل. كافية في تقرير الحق وإيضاحه، والدعوة إلى سواء السبيل، لما تضمنته من الآيات

стр. 3898

القرآنية، والأحاديث النبوية، والجمل الصالحة السنية المرضية، المشتملة على النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. فينبغي لمن بلغته هذه الرسالة المفيدة أن يعتبرها، ويعتمد عليها، ويدين الله تعالى بما تضمنته، ويحث من عنده من المسلمين، على الأخذ بها، واتباع ما فيها، وعدم مخالفة ما دلت عليه، من الحق الواضح المستبين: دعوا كل قول غير قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. وقال الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن إبراهيم: إلى الأمير المكرّم، سلطان بن بجاد بن حميد، وعلوش بن خالد، وعبد المحسن بن رجاء، وهندي، وشجاع، وشلويح بن فلاح، سلّمنا الله وإيّاهم من مضلاّت الفتن، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وموجب الكتاب: إبلاغكم السلام، وبيان ما تبرأ به الذمة، وتحصل به النجاة، وتعلمون: أن لي حولا عنكم،

стр. 3899

ولم أكتب لكم في هذه المدة مناصحة، لأمرين: الأول: أني بينت لكم في ذلك مشافهة. والثاني: أني أخشى عليكم عدم القبول والانتفاع; والآن كتبت لكم نصحا لكم، ومحبة وشفقة عليكم، ولم يطلع على ذلك أحد، واسأل الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم. فاعلموا وفقكم الله: أن عقيدتي التي أنا عليها، أني أدين الله بالنصح والمحبة لكم، ولجميع إخواننا المسلمين، إلى أن ألقى الله . وأهم شيء أناصحكم فيه، وأعظمه: إجابة داعي الشرع، وأن لا تلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، ومن ذلك إجابة داعي إمام المسلمين، لأنه لم يدع إلى الاجتماع على معصية، وإنما دعا إلى الاجتماع على طاعة الله، وعدم التفرق والاختلاف، وجميع المشايخ يرون ذلك، ويفتون به. وعدم قدومكم على إمامكم وعلمائكم، من الأمور التي لا يرضى بها لكم، من في قلبه أدنى محبة لكم، أعني المحبة الدينية؛ وهو من أعظم الأمور التي يفرح بها عليكم، وعلى جميع المسلمين، أعداء الدين من الكفار والمنافقين، ومن أعظم أسباب شق العصا؛ وهذا كتاب الله، وتفاسير الأئمة له، وسنة رسول الله ﷺ مدونة بشروحها، المبينة للمقصود منها، وفي ذلك كله حل المشكل، وكشف

стр. 3900

الاشتباه، والشفاء لكل داء، والكفالة بالفلاح والهدى، والنجاة من المهالك والردى. قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٨] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٢] ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٧] وقال ﷺ " ألا وإني أوتيت القرآن، ومثله معه " ١ وقال ﷺ " تركتم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " ٢. وهؤلاء علماء المسلمين، الذين هم أعلم الناس بمعنى ذلك، ورثوه عن أئمتهم الذين تخرجوا عليهم، وأخذوه عنهم، وربوهم به، كما يربي الوالد الولد، وكتبوا لهم بذلك الشهادات والوثائق، وهم الذين عدلهم النبي ﷺ بقوله: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ". وقد عدلهم الله سبحانه، حيث استشهدهم على وحدانيته، في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] وجعل لهم القول في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] وقال ﷺ " ألا سألوا إذا لم

стр. 3901

يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال ". وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٥٦] فهؤلاء هم الذين يؤخذ عنهم معاني نصوص الكتاب والسنة، ويرجع إليهم فيها، وأما الجهال فلا يلتفت إليهم، في معاني نصوص الكتاب والسنة، لعدم درايتهم وروايتهم، وتخرجهم على العلماء. والمقصود: بيان وجوب القدوم على إمام المسلمين، وفرضيته عليكم، وليس لكم عذر في التخلف، ولا حجة، فإن ذلك من السمع والطاعة، التي أوجبها الله ورسوله، لا سيما وهو يدعوكم إلى الشريعة، والرجوع فيما يشكل إلى حملتها، فإن كان عندكم إشكال في بعض المسائل، فالواجب عليكم أحد أمرين: إما القدوم وسؤال طلبة العلم مشافهة، أو مراسلتهم وذكر المسائل المشكلة بأعيانها، وطلب الجواب منهم؛ فإذا أجابوكم فعليكم القبول والإذعان، وحسبكم ذلك، ولا يسعكم سواه. اللهم اهدنا وإخواننا صراطك المستقيم، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات،

стр. 3902

وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وبارك لهم في أسماعهم وأبصارهم، وأزواجهم ما أبقيتهم، واجعلهم شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد. سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن حسن والشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، ومحمد بن الشيخ عبد الله، والشيخ عبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، والشيخ عبد العزيز الشثري عن مسجد حمزة، وأبا رشيد، والقوانين، ودخول الحاج المصري بالسلاح، إلى آخره؟ فأجابوا بما نصه: أما مسجد حمزة ﵁ وأبا رشيد: فأفتينا الإمام وفقه الله أن يهدمهما على الفور، وأما القوانين: فإن كان شيء منها موجودا في الحجاز، فيزال فورا، ولا يحكم إلا بالشرع المطهر. وأما دخول الحاج المصري بالسلاح والقوة، في بلد الله الحرام: فأفتينا الإمام بمنعهم من الدخول بالسلاح

стр. 3903

والقوة، ومن إظهار الشرك، وجميع المنكرات. وأما المحمل: فأفتينا بمنعه من دخول المسجد الحرام، ومن تمكين أحد أن يتمسح به أو يقبله، وما يفعله أهله من الملاهي والمنكرات، يمنعون منهاة وأما منعه بالكلية عن مكة، فإن أمكن بلا مفسدة تعين، وإلا فاحتمال أخف المفسدتين، لدفع أعلاها سائغ شرعا. وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف، والشيخ عمر بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن حسن، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ محمد بن عبد الله بن الشيخ، والشيخ عبد الله بن بليهد، والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن سالم، والشيخ عبد العزيز بن عتيق، والشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ عبد الله بن فيصل، والشيخ عبد الله السياري، والشيخ حمد آل مزيد، والشيخ محمد آل عثمان الشاوي، والشيخ علي بن زيد، والشيخ مبارك بن باز، والشيخ فالح آل عثمان، والشيخ سعد بن سعود آل مفلح، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد العزيز الشثري، والشيخ عبد الله بن حسن بن إبراهيم، وعمر بن خليفة، وإبراهيم

стр. 3904

السياري، وفيصل بن مبارك، وعلي بن داود، ومحمد بن علي البيز: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير خلقه أجمعين، محمد وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا جواب عن ثلاث مسائل، أوردها بعض الإخوان.. الأولى: مسألة الجهاد، خصوصا جهاد من بنى هذه القصور، في جزيرة العرب، مما يلي العراق، فنقول: الجواب عن هذه المسألة. أما جهاد من بنى هذه القصور، وساعد على ذلك بحمايته، من بادية العراق أو غيرهم، فجهاده حق واجب على المسلمين، ولا يجوز تركهم، حتى تهدم هذه القصور. الثانية: مسألة الأتيال١: فالجواب عنها أن نقول: قد تقدم جوابنا فيها مرارا، وليس عندنا إلا ما سبق؛ فمن اعترض فيها ونازع ولي الأمر من جهتها، فهو عاص، ونبرأ إلى الله منه.

стр. 3905

الثالثة: أن من العشائر الذين دخلوا في ولاية المسلمين، طوائف لم يتعلموا دينهم، بل هم باقون على جهلهم، فالجواب: أن مما أوجب الله ورسوله على ولي الأمر: نشر العلم، وإقامة الدين، وإلزام الناس بتعلم ما يجب عليهم من أمر دينهم، وأداء ما أوجب الله عليهم، من توحيد الله، وترك ما يضاده من الشرك، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر. والإمام وفقه الله وأعانه: مهتم لهذا الأمر، وقد بعث إلى أكثر القبائل دعاة، يعلمونهم أمر دينهم؛ وإنا نؤمل منه إن شاء الله الاجتهاد التام، وأنه يبعث إلى عموم القبائل، من يقوم بهذا الواجب. وأما الذي ندين الله به، في حقوق الراعي والرعية، فقد بينا ذلك في الرسالة السابقة، المشتملة على ثلاثة فصول، وهي منشورة عند المسلمين. ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وأوصافه العلا أن يمن على الإمام بالقيام بما يجب عليه، وعلى الرعية بالسمع والطاعة. ومن توقف من الرعية، ولم يعمل بما قرره علماء المسلمين، فهو عاص، ونبرأ إلى الله من حاله، والله أعلم، وصلى الله على محمد، سنة ١٣٤٧ هـ.

стр. 3906

وقال أيضا: بعض من تقدم ذكرهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من سعد بن حمد بن عتيق، وسليمان سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم: وبعد: فأشرفنا على كتابكم، الذي أرسلتم إلى الإمام عبد العزيز، سلمه الله تعالى، ذكرتم في آخره: أنا لا نجتمع وإياك إن خالفت شيئا مما ذكرنا، إلا كما يجتمع الماء والنار؛ وهذه كلمة ذميمة، وزلة وخيمة، تدل على أنكم أضمرتم شرا، وعزمتم على الخروج على ولي أمر المسلمين، والتخلف عن سبيل أهل الهدى، وسلوك مسلك أهل الغي والردى، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك، وممن فعله أو تسبب فيه، أو أعان عليه، لأنا ما رأينا من الإمام عبد العزيز ما يوجب خروجكم عليه، ونزع اليد من طاعته; وإذا صدر منه شيء من المحرمات، التي لا تسوغها الشريعة، فحسب طالب الحق الدعاء له بالهداية، وبذل النصيحة على الوجه المشروع.

стр. 3907

وأما الخروج، ونزع اليد من طاعته، فهذا لا يجوز. وأنتم تزعمون أنكم على طريقة مشائخكم، وأنكم ما تخالفونهم في شيء يرونه لكم؛ ولا ندري من هؤلاء المشائخ، أهم مشائخ المسلمين؟ أم غيرهم، ممن سلك غير سبيلهم، ويريد فتح باب الفتن على الإسلام والمسلمين؟ أين الخط الذي قد شرفتمونا عليه؟ أين السؤال الذي سألتمونا عنه، وأفتيناكم فيه؟ أين الأمر الذي شاورتمونا عليه؟ حتى الخط الذي تدعون أنكم تنصحون الإمام عبد العزيز، عن أمور يفعلها، أنتم مشائخ أنفسكم، تحللون وتحرمون على أنفسكم، ولا ترفعون لنا خبرا في شيء؛ ودعواكم أنكم على طريقة المشائخ، يكذبه ما صدر منكم. وقد علمتم حقيقة ما عندنا، وما نعتقده من حينما حدث منكم الخوض، وكثرت منكم الخطوط، والمراسلات للإمام، وعرفناكم بما عندنا، وما نعتقد وندين الله به، وهو: وجوب السمع والطاعة، لمن ولاه الله أمر المسلمين، ومجانبة الوثوب عليه، ومحبة اجتماع المسلمين عليه، والبغض لمن رأى الخروج عليه، ومعاداته، اتباعا لقوله ﷺ : " اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم " ١. والذي نرى لكم: التوبة إلى الله سبحانه، والاستغفار;

стр. 3908

وعدم التمادي، والاسترسال، مع دواعي الجهل، والغي والضلال، وأن تلتزموا ما أوجبه الله عليكم، من القيام بالواجبات، واجتناب المحرمات، وملازمة طاعة من ولاه الله أمركم؛ وانظروا وتفكروا في أحوالكم سابقا ولاحقا، واعرفوا نعمة ربكم، واشكروه عليها. فإنكم كنتم أولا في جاهلية عريضة، وحالة عن الحق بعيدة، رؤساؤكم أكثرهم طواغيت كبار، وعوامكم جفاة أشرار، لا تعرفون حقائق دين الإسلام، ولا تعملون من الحق إلا بما تهوى نفوسكم، مع ما كان بينكم، من سفك الدماء، ونهب الأموال، وقطيعة الأرحام، وتعدي حدود الله، وغير ذلك من المحرمات، وعظيم المنكرات. ثم هداكم الله لمعرفة دينه، والعمل بتوحيده، وسلوك مسلك أهل الإسلام والتوحيد، وانتشرت بينكم كتب السنن والآثار، ومصنفات علماء الإسلام، ثم أنتم الآن: انتقلت بكم الأحوال، إلى أنكم تحاولون الخروج على الإمام، ومنابذة أهل الإسلام، ومفارقة جماعتهم. فاتقوا الله عباد الله، واذكروا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] .

стр. 3909

فما أشبه الليلة بالبارحة! وهذا الذي ذكرناه لكم، وأشرنا به عليكم، من السمع والطاعة للإمام، وعدم نزع اليد من طاعته، وعدم الشقاق والخلاف، وترك أسباب التفرق والاختلاف، ومجانبة سبل أهل الغي والضلال، والاعتساف، هو اعتقادنا الذي نحن عليه مقيمون، وله على مر الزمان معتقدون، وبه مستمسكون، وعليه موالون ومعادون، ظاهرا وباطنا، سرا وعلانية. ومن نسب إلينا غيره، فهو علينا من الكاذبين الظالمين، وسيجزيه الله بما يجزي به الظالمين والمفترين. فإن تبتم إلى ربكم، ورجعتم عما عنّ لكم واستحسنته نفوسكم، فالحمد لله رب العالمين، والمنة لله في ذلك عليكم، وإن أبيتم إلا الشقاق والعناد، وسلكتم مسالك أهل الغي والفساد، فاعلموا: أنا نبرأ إلى الله منكم، ونشهد الله وملائكته وعباده المؤمنين، على خطئكم وضلالكم، وأنكم قد خالفتم ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، وعلماء الملة والدين. وقد قال تعالى: ﴿َمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] وفي الحديث عن النبي ﷺ : " من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " ١.

стр. 3910

فنسأل الله: أو يوفقنا وإياكم لسلوك صراطه المستقيم، وأن يجنبنا جميعا مواقع سخطه وعذابه الأليم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. [ما يجب من حقوق الإمامة، وأدلة ذلك] وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، إلى من يراه من كافة المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وجنبنا وإياهم طرق الردى والفضائح، آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإني قد أحببت أن أبين لكم، ما رأيت من أمور الإمام أيده الله، مع هذه الطائفة الباغية، نصيحة لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإنه ليس الخبر كالعيان، وكنت قبل أظن فيهم بعض المقاصد الحسنة، لما يدعونه من دعوى الجهاد للكفار، فلما بعثني الإمام وفقه الله إليهم، رأيت منهم أمورا ردية، ومقاصد غير مرضية. ولم أزل أبذل لهم النصيحة، وأحذرهم من أسباب الخزي والفضيحة، وأشير عليهم بالحضور عند الإمام، لأنه نزل معهم إلى غاية، لا تليق بما له من المقام والاحترام، فأبوا الحضور، وتمادوا في العتو والنفور، فلما أعياه

стр. 3911

دواهم، وأصروا على متابعة هواهم، أرخى العنان، وأمضى السنان، فعجل حينهم، وفرق ذات بينهم، فنعوذ بالله من الخذلان، ومتابعة الشيطان، فإنه يضل من اتبعه ويغويه، وفي مزلة الهلاك يرميه ويرديه. هذا، وإني أنصح من كان متابعا لهم اغترارا بدعواهم، أن يراجع الحق، وينظر بعين الإنصاف، ويتوب إلى الله مما جناه من الاقتراف. ويجب على جميع المسلمين نصحهم، والقيام عليهم، حتى يرجعوا إلى الهدى، ويجانبوا طريق الغي والردى، ومن أصر منهم وأبى، فإن على المسلمين زجره وتأديبه، وقمعه وتأنيبه، فإن مرامهم الذي راموا، شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم، وهذا غاية الخراب لدين المسلمين ودنياهم. وأنا أذكر ما يجب اعتقاده على كل مسلم، من حقوق الإمامة على المسلمين، حتى يعلم المنصف ما يجب عليه شرعا، فيمتثل المأمور، وتقوم الحجة على كل معاند، وصاحب فجور. فأقول: اعلم وفقك الله، أنه قد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمام، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وأن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه، من أعظم أسباب الفساد في البلاد والعباد، والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.

стр. 3912

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٨-٥٩] . قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في "السياسة الشرعية" قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الآية الثانية في الرعية، من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا ولاة الأمر الفاعلين لذلك، في قسمهم، وحكمهم، ومغازيهم، وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإن تنازعوا في شيء، ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وإن لم يفعل ولاة الأمور ذلك، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذا يجمع السياسة

стр. 3913

العادلة، والولاية الصالحه، انتهى. وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت، ﵁ قال: " دعانا رسول الله ﷺ فبايعنا، وكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في مكرهنا ومنشطنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم فيه من الله برهان " ١. وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهلية؛ ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عمية، فقتل، فقتلته جاهلية ; ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه " ٢. وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " الغزو غزوان: فأما من ابتغى به وجه الله، وأنفق الكريمة، وأطاع الإمام، وياسر الشريك، فإن نومه، ونبهته، أجر كله ; ومن غزا فخرا ورياء، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف " رواه مالك وأبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مرفوعا: " الأمير يسمع له ويطاع فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ٣ أخرجاه.

стр. 3914

ولمسلم عن حذيفة مرفوعا: " تكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، وسيكون فيكم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله، إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع " ١. وفي حديث الأشعري الذي رواه الإمام أحمد أنّ النبي ﷺ قال: " وأنا آمركم بخمس، الله أمرني بهن، السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإن من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " ٢. قال الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى: وهذه الخمس المذكورة في الحديث، ألحقها بعضهم بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم بناؤه إلا بها، ولا يستقر إلا عليها، خلافا لما كان عليه أهل الجاهلية، من ترك الجماعة والسمع والطاعة، انتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "السياسة الشرعية": يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس- إلى أن قال- فإن الله تعالى

стр. 3915

أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. وكذلك سائر ما أوجبه الله تعالى، من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، ولا يتم ذلك إلا بقوة، وإمارة، ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر، أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك. ولهذا كان السلف، كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة، لدعونا بها للسلطان- إلى أن قال- فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة، يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله، من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس، لابتغاء الرياسة والمال، انتهى. وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: وأما السمع والطاعة لولاة المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد، في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر، إن كان فاجرا عبد المؤمن فيها ربه، وحمل الفاجر فيها إلى أجله) . وقال الحسن في الأمراء: (يلون من أمورنا الجمعة

стр. 3916

والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا أو ظلموا. والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وأن فرقتهم لكفر) ، انتهى. إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، وكلام المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين: أن الخروج عن طاعة ولي الأمر، والافتيات عليه بغزو أو غيره، معصية ومشاقة لله ولرسوله، ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة. وأما ما قد يقع من ولاة الأمور، من المعاصي والمخالفات، التي لا توجب الكفر والخروج من الإسلام، فالواجب فيها: مناصحتهم على الوجه الشرعي، برفق، واتباع ما كان عليه السلف الصالح، من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أن ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد؛ وهذا غلط فاحش، وجهل ظاهر، لا يعلم صاحبه ما يترتب عليه، من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نور الله قلبه، وعرف طريقة السلف الصالح. هذا الذي نعتقده وندين الله به، ونبرأ إلى الله ممن خالفه، واتبع هواه.

стр. 3917

ونسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى: أن يهدينا وإخواننا المسلمين، صراطه المستقيم، ويعيذنا وإياهم من نزغات الشيطان الرجيم، وصلى الله على محمد، سنة ١٣٤٧ هـ. وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ: سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ: صالح بن عبد العزيز، والشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وفقهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما مزيدا. أما بعد: فهذه رسالة كتبناها، لقصد نصيحة إخواننا المسلمين، واقتداء بقوله ﷺ " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا: لِمَن يا رسول الله؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم "١. فنوصي إخواننا، بتقوى الله تعالى، فإنها وصية الله لعباده، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١] وقال

стр. 3918

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٢-١٠٣] . قال بعض السلف، التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله، وقال ابن جرير، ﵀ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ خافوا الله، وراقبوه بطاعته، واجتناب معاصيه; وقال ابن مسعود في الآية الثانية ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ : (أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) . وقال ابن جرير: وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ يعني ذلك جل ثناؤه: تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم، في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله؛ وقال ابن مسعود: (حبل الله: الجماعة) ; وقال قتادة: بعهد الله وأمره. وقوله: ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ ، قال قتادة: (إن الله قد كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة،

стр. 3919

فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله) . وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ قال قتادة: " كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب ". وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ قال ابن جرير، يعني: بتأليف الله بينكم بالإسلام، وكلمة الحق والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا صادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم "١، وفي الحديث عن النبي ﷺ " ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " ٢. والآيات والأحاديث في بيان وجوب الاجتماع على الإسلام، والتناصر فيه، والتعاون على إقامته ووجوب طاعة ولي أمر المسلمين، وعدم التخلف عن طاعته والافتيات

стр. 3920

عليه، واجتناب التفرق والاختلاف، كثيرة لا نطيل بذكرها. وقد علم بالضرورة من دين الإسلام: أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة؛ وهذه الثلاثة متلازمة، لا يتم بعضها ولا يستقيم بدون بعض، وبها قوام الدين والإسلام، وبها صلاح العباد في معاشهم ومعادهم؛ وإذا وقع الإخلال والتقصير فيها، أو في بعضها، حصل من الشر والفساد بحسب ما وقع من ذلك ولا بد، وهكذا حتى يعظم الفساد، ويتتابع الشر، ويتفاقم الأمر، وينحل النظام، وتتخلف أمور الدين، ويتكلم في دين الله وشرعه وأحكامه بغير علم. وقد حصل بسبب الإخلال بما تضمنته هذه الآيات، وهذه الأحاديث، وعدم العمل بما دلت عليه، وما ذكره علماء الإسلام قديما وحديثا، وجوب الاجتماع على الإسلام، والتعاون والتناصر عليه، وطاعة ولي أمر المسلمين، وعدم الاختلاف عليه والتخلف عن طاعته، ما وقع من هذه الطائفة الباغية، من شق العصا، والخروج عن طاعة ولي الأمر، حتى فعلوا ما فعلوا من الفساد، من سفك الدماء، ونهب الأموال المحرمة. وقد اجتهد ـ الإمام وفقه الله- في ردهم إلى الحق، وأكثر من مناصحتهم، حتى بعث إليهم الشيخ عبد الله العنقري، يدعوهم إلى تحكيم الشريعة، والرجوع إلى سبيل

стр. 3921

الحق، فأصروا على ما كانوا عليه، ولم يلتفتوا إلى نصح ناصح؛ بل ذكر الشيخ عبد الله: أنه اطلع منهم على أمور ردية، ومقاصد غير مرضية؛ وما زالوا على ذلك، حتى أوقع الله بهم ما أوقع، من الفشل والتشتيت، وذلك بما قدمت أيديهم، ونعوذ بالله من أسباب الخذلان. فالواجب على من نصح نفسه أن لا يغتر بطريقتهم، ولا يستحسن ما فعلوا. ويجب عليهم وعلى من اغتر بهم، واستحسن ما فعلوا: أن يتوب إلى الله، ويقلع مما اقترفه وجناه. ويجب على جميع المسلمين نصحهم، والقيام عليهم، حتى يرجعوا إلى الهدى، ويجانبوا طريق الغي والردى; ومن أصر منهم وأبى، فإن على الإمام والمسلمين زجره وتأديبه، وقمعه وتأنيبه؛ فإنهم شقوا عصا المسلمين، وفرقوا جماعتهم، وسعوا في الأرض بالفساد، ونسأل الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين، صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وصلى الله على محمد. وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ صالح بن عبد العزيز، والشيخ: عبد الله بن حسن، والشيخ: عبد العزيز، والشيخ: عمر، والشيخ

стр. 3922

عبد الرحمن، بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن إبراهيم، وفقهم الله آمين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى من يراه من المسلمين، سلمهم الله تعالى وهداهم، ووفقهم لما يرضي مولاهم، آمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: موجب الكتاب إبلاع السلام، والنصيحة لجميع المسلمين بما ينفعهم، والتحريض على منعهم عما يضرهم، وهذا من التواصي بالحق الذي أمر الله به، من ذلك: أن كثيرا من الناس يتساهلون بأمور يفعلونها، ويتكلمون بها، فيظنون أنهم مصيبون في ذلك، والحال أنهم غير مصيبين في كثير مما يصدر منهم، فيما يتعلق بهذه الأمور، مثل كون كثير من الناس يطلقون السب على عموم الإخوان، من غير فرق بين من يستحق الذم وبين من لا يستحقه. ولا يفرقون بين من فعل ما لا يجوز له من الأمور الباطلة، مثل المشاقة لولاة المسلمين، والعدوان على أهل الإسلام، في سفك الدماء، ونهب الأموال، والسعي إلى الأرض بالفساد، والوقيعة في المسلمين بالذم والعيب، وبين غيرهم ممن كان مع المسلمين بالقول والفعل، وجاهد مع المسلمين، ولم يخالف ولي أمر المسلمين؛ فهؤلاء ينبغي

стр. 3923

للمتكلم أن يبين في كلامه الثناء عليهم، وبيان عدم استحقاقهم للذم، وهذا الأمر يتعين على كل إنسان يتكلم في هذه الأمور، سواء كان من العلماء، أو من العوام. وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه، وهو أنه يجب على العلماء، وولاة الأمور، التحذير من الخوض، والقيل والقال، والكلام الذي يكون سببا، يحصل به التفرق والاختلاف بين المسلمين، وعدم التمييز بين أهل الحق والباطل؛ فالواجب على طلبة العلم، وولاة الأمور نصح من صدر منه شيء مما يخالف الحق، وردعه عن ذلك، وزجره عنه، فإن أبى أن يرجع عما هو عليه، فيؤدب تأديبا يردع أمثاله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم؛ إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد. ولهم أيضا، وفقهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد سألنا الإمام المكرم، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، حفظه الله، عن حكم من جاء تائبا من هذه الطائفة الخارجة عن سبيل المؤمنين، هل تقبل توبته أم لا؟

стр. 3924

فنقول: إذا جاء تائبا قبلت توبته، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٥ب] وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " ١ وفيه أيضا " من تاب قبل موته، تاب الله عليه "٢، إذا علم هذا، فالتوبة لها شروط; وهي: الإقلاع من الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على أن لا يعود. فلا بد في توبته من إظهار الندم على ما صدر منه، من شق عصا المسلمين، ومفارقة جماعتهم، وسل سيف البغي عليهم، واستحلال دمائهم وأموالهم، والاعتراف بخطئه وضلاله، في المجالس والمحافل، والبراءة ممن خطأ علماء المسلمين، وضللهم. ولا بد أيضا في توبته، من البراءة ممن ارتد عن الإسلام، بانحيازه إلى المشركين، ودعوته إلى الدخول تحت ولايتهم، وإظهار عداوة المسلمين؛ بل لا بد من تكفيره، ومجاهدته باليد والمال واللسان؛ فإذا حصل منه ما ذكر، قبلت توبته، ووكلت سريرته إلى الله; وصلى الله على محمد.

стр. 3925

وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، حفظه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، إلى من يراه من كافة إخواننا المسلمين، سلمهم الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: بارك الله فيكم، العمل على نصيحة المشايخ، جزاهم الله خير الدنيا والآخرة، وتفهمون ما منّ الله به علينا، من نعمة الإسلام، وما منّ الله به على المسلمين، من الخير الكثير، في أمور دينهم ودنياهم، ومن أهمها ما حدث في آخر الزمان، من ظهور دين الله، وهو آية الله لهذه البادية، حتى جعل الله فيهم خيرا كثيرا، ونفعهم الله في أنفسهم بالإسلام، ومعرفة ما أوجب الله عليهم، ونفع الله بهم المسلمين في أمور كثيرة. ولكن من عوائد الله: امتحان الناس، وتبيين غايتهم، كما قال سبحانه في أول سورة العنكبوت (بسم الله الرحمن الر حيم) ، ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١-٣] ولا شك أن الفتنة هي الامتحان، ليميز الله الخبيث من الطيب. فلما منّ الله علينا وعليهم بذلك، صاروا ثلاثة أقسام:
следующие страницы →