جهل الحرام من ماله، أخرج نصفه، والباقي له.
وقال أيضا: أوجب الأصحاب الضمان على مجموع الطائفة، إن لم يعلم عين المتلف; قال في الإقناع وشرحه: فلو دخل بينهم بصلح، وجهل قاتله، ضمناه; وإن علم قاتله من طائفة، وجهل عينه، ضمنته وحدها; قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع، والطواف، أن الزحام والطواف ليس فيه تعد، بخلاف الأول، انتهى. قال مالك في الموطأ في جماعة اقتتلوا، فانكشفوا وبينهم قتيل أو جريح، لا يدرى من فعل ذلك به، إن أحسن ما سمعه في ذلك العقل، وإن عقله على القوم الذين نازعوه؛ وإن كان القتيل والجريح من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعا، انتهى.
وقال في "الشرح الكبير": إذا اقتتلت الفئتان، فتفرقوا عن قتيل من إحداهما، فللوارث على الطائفة الأخرى الدية، ذكره القاضي، فإن كانوا بحيث لا يقتله سهام بعضهم بعضا، فللوارث على عاقلة القتيل، وهذا قول الشافعي.
وروي عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم، فيما إذا اقتتلت الفئتان، إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك; وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعا، لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه، فاستوى الجميع فيه; وعن أحمد في قوم اقتتلوا، فقتل
стр. 3957
بعضهم وجرح بعض، فدية المقتولين على المجروحين، تقسط منها دية الجراح، انتهى.
وقال في "الإنصاف" - بعد ما ذكر نص أحمد هذا - قال الإمام أحمد: قضى به علي، وحمله على من ليس به جرح، وهل عليهم من دية القتل شيء؟ فيه وجهان; قال ابن حامد: قلت الصواب على أنهم يشاركونهم في الدية، انتهى; فهذا كلام الفقهاء فيما إذا جهل عين القاتل.
وأما إذا علم القاتل، ففيه تعلق الحكم به؛ فإن كان القتل عمدا، فأولياؤه يخيرون، إن شاءوا اقتصوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، فإن قبلوا الدية، فهو من مال القاتل دون العاقلة، ولا شيء على الطائفة التي هو منها، إلا أن يكونوا قطاع الطريق، لأنهم ردؤهم، وردؤهم ومباشرهم سواء.
وكذا: إن تواطئوا على قتله، فقتله بعضهم وأعانه الآخرون، كالمسك مع القاتل عند مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فتكون الدية على المباشر والمعين، لأنهم سواء عند الجمهور، ذكره الشيخ تقي الدين.
وسئل أيضا، الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، إذا اقتتلت طائفتان، وادعت إحداهما بالتعدي من الأخرى، وجاؤوا بالشهود، وادعى المشهود عليهم: بأن الشهود من الطائفة المقاتلة لهم، فهل ترد شهادتهم بذلك؟
стр. 3958
فأجاب: ينظر في حال الشهود، فإن كانوا عدولا، وادعوا أنهم لم يحضروا القتال، ولم يدخلوا معهم، وعلم صدقهم بقرائن الحال، لم ترد شهادتهم بمجرد دعوى الخصوم، لأن الخصم إذا جرح الشاهد العدل، لا يقبل قوله فيه إلا ببينة; وأما إذا كان الشهود لا يعرفون بالعدالة، أو كانت القرائن تدل على أنهم حاضرون معهم، وأنهم من جملتهم، لم يقبلوا، ولم تسمع شهادتهم.
ومن صور المسألة: ما جرى بين الوداعين، وأهل مرات، فإن الوداعين زعموا أن معهم البينة، على أنهم لم يبدؤوا بقتال، وإنما قتلوا دفعا عن أنفسهم، فلما سألنا عن شهودهم، إذا هم من جملتهم الذين غزوا، فقلنا لهم: هؤلاء من جملتكم، وعليهم من الدية بقدر نصيبهم منها، ولا تقبل شهادتهم، لأنهم يدفعون بها عن أنفسهم، والمسألة واضحة في كلام العلماء، لا تحتاج إلى نقل عبارات الفقهاء، والله أعلم.
سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧] ؟
فأجاب: إن هذه الآية نزلت في عهد المشركين مع رسول الله ﷺ وغدرهم، ونقضهم لما عاهدوا عليه، وأعانوا عدوه، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ الاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا
стр. 3959
اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧] الآية. قال البغوي ﵀ في تفسيره: هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧] .
قال ابن عباس: هم قريش; وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧] أي على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ انتهى.
ولا يجوز لأحد يقول: هذه الآية نزلت في حق الراعي والرعية، فإنه لم يقل بهذا أحد من أهل العلم وأئمة التفسير، بل هذا تفسير عبد برأيه وهواه، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار; فإن المسلم مأمور بالسمع والطاعة لولاة الأمور، ولو كانوا غير مستقيمين، إلا في معصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة لأحد.
والأحاديث والآثار الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، لكن تركنا ذكرها خشية الإطالة، ونحن في غاية الاستعجال مع تغير الحال وتشوش البال.
والحاصل: فإن الأمراء إن استقاموا على الحق والعدل، فهو الواجب عليهم، وإن تركوا الاستقامة، فأدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم، وفي الصبر على ما
стр. 3960
تكره خيرا كثيرا؛ والكلام على هذا الباب يستدعي طولا وأبوابا وفصولا، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3961
فصل: [فصل في قتال من ترك التوحيد]
...
[فصل في قتال من ترك التوحيد]
فصل قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه:
اعلم وفقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسوله: أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] .
فتأمل هذا الكلام: أن الله أمر بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة; وأيضا: فقد قال ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى " ١.
فهذا كلام رسوله ﷺ وقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال، الذين يسمون العلماء، فقالوا: من قال لا إله إلا الله، فهو المسلم حرام الدم والمال، وقد بيّن النبي ﷺ الإسلام في حديث جبريل - لما سأله عن الإسلام - فقال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله
стр. 3962
إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " ١ فهذا تفسير رسول الله ﷺ .
وهؤلاء يقولون: إن البدو إسلام، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. فمن سمع كلامهم، وسمع كلام رسول الله ﷺ فلا بد له من أحد أمرين، إما أن يصدق الله ورسوله، ويتبرأ منهم ويكذبهم; وإما أن يصدقهم، ويكذب الله ورسوله، فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم.
فتأمل أول أصول الدين:
الأولى: أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لبيان الحق من الباطل.
الثانية: بيان ما اختلف فيه الناس.
الثالثة: أن الواجب عليهم اتباع ما أنزل إليهم من ربهم.
الرابعة: أن من لم يرفع به رأسا، فهو منافق جاهل.
الخامسة: رد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنّة.
السادسة: أن من اتبع الهدى الذي جاءت به الرسل، لا يضل ولا يشقى.
السابعة: أن من أعرض عن ذلك، حشر أعمى، ضالا شقيا مبعدا.
الثامنة: أن الذين في قلوبهم مرض، يتبعون ما تشابه منه.
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، الذين أقروا أن التوحيد أكبر كل كبير، واختلفوا هل نقاتل من لم يتركه، وإذا قال لا إله إلا الله وانتسب إلى الملة، فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى
стр. 3963
لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .
وقال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] الآية.
سئل أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر، عن المشرك إذا قال لا إله إلا الله حال الحرب؟
فأجابوا: هذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان المشرك لا يتلفظ بها في حال شركه وكفره، كحال المشركين الذين في زمن النبي ﷺ ، فهذا إذا قال: لا إله إلا الله، وجب الكف عنه، لأنها دليل على إسلامه وإقراره، لأن المشركين في زمن النبي ﷺ لا يقولونها، وإذا قالها أحدهم كانت دالة على إسلامه، وهذا معنى الأحاديث التي جاءت في الكف عمن قال: لا إله إلا الله، كحديث أبي هريرة المتفق عليه: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله "١، وكذلك حديث أسامة، لما قتل الرجل في الحرب بعدما قال: لا إله إلا الله، فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ أنكر ذلك عليه، وقال: " أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ فقال يا رسول الله إنما قالها تعوذا "٢، وفي رواية " إنما قالها خوفا من السلاح، فقال: أفلا شققت عن قلبه؟ " ٣.
قال العلماء: وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 3964
إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ [سورة النساء آية: ٩٤] الآية؛ فدلت الآية على أنه يجب الكف عن المشرك إذا أظهر الإسلام، ولو ظن أنه إنما قال ذلك خوفا من السيف؛ فإن تبين بعد ذلك أنه إنما أظهر الإسلام تعوذا، قتل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ والتبين هو: التثبت، والتأني، حتى يتبين حقيقة الأمر.
وأما إذا كان المشرك يتلفظ بلا إله إلا الله، في حال كفره وردته، ويفعل من الأفعال ما يوجب كفره وأخذ ماله، فهذا يقتل ويباح دمه وماله، كما قال الصديق ﵁ لعمر ﵁ لما ارتدت العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ وكان فيهم طائفة يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ولكنهم منعوا الزكاة.
فقال عمر لأبي بكر: "كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
فقال أبو بكر ﵁: "فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق ".
فقاتلهم أبو بكر وسائر
стр. 3965
الصحابة، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون.
وأجمع العلماء من أهل المذاهب على كفر من جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذلك لأن الدين لا يجوز التفريق فيه، بأن يؤمن الإنسان ببعض ويكفر ببعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ [سورة النساء آية: ١٥٠-١٥١] .
وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] قال العلماء: كل طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام، تقاتل حتى يكون الدين كله لله؛ وهذا مجمع عليه بين العلماء من أهل المذاهب، والله أعلم.
ولهم أيضا، رحمهم الله تعالى:
وأما قولك: إن المسلمين إذا أمسكوا أحدا يشهد أن لا إله إلا الله، أنهم يقتلونه ويأسرونه، فجواب هذه المسألة، نظير الجواب في التي قبلها، ونحن نقول: لا إله إلا الله قول وعمل؛ فمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعلم معناها، ولم
стр. 3966
يعمل بمقتضاها، لم ينفعه ذلك؛ فإن المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار، يقولون: لا إله إلا الله، ولم ينفعهم ذلك.
وكذلك بنو حنيفة، الذين قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ ، يقولون: لا إله إلا الله، ويؤذنون، ويصلون، وهم كفار بالإجماع. وقد أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وهم يقولون: لا إله إلا الله، ويؤذنون ويصلون. وكذلك الصديق ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ويؤذنون، ويصلون.
وكذلك عَلِيٌّ حرق الغالية، وهم يقولون: لا إله إلا الله، وكذلك الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ : " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم "، وأخبر أنهم شر قتيل تحت أديم السماء، وقاتلهم علي ﵁ وهم يقولون: لا إله إلا الله، ويعملون أعمالا شاقة.
وجماع الأمر: أنا نقول: لا إله إلا الله، قول، وعلم، وعمل; وقد ذكر الله ذلك في كتابه بالمعنى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ الاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ
стр. 3967
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٨] .
أي: إليها، والكلمة: لا إله إلا الله.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] وقال تعالى لنبيه ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [سورة محمد آية: ١٩] فمن أتى بها علما وعملا، لم نكفره ولم نقتله، والمسألة لها بسط طويل، ليس هذا موضعه.
وقال أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ: وأما قولكم: إنه يحكى لنا أنكم تقتلون، ذا الشيبة، والمرأة، والصغير، ورسول الله ﷺ أمر: أن لا يقتل من المشركين لا شيبة عاجز، ولا امرأة، ولا قاصر لم ينبت، فنقول: هذا كذب وزور، وبهتان علينا، فلا نأمر بقتل الشيخ الكبير من المشركين، ولا المرأة، ولا الصغير الذي لم ينبت؛ فإن كان أحد من جهال المسلمين، البعيد عنا، فعل شيئا من ذلك، فهو مخطئ مخالف لشرع الله ورسوله، ونحن نبرأ إلى الله من ذلك.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر بمثل ما تقدم ١.
стр. 3968
وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود; رحمهما الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن محمد، إلى الأخ في الله: محمد بن أحمد الحفظي، سلمه الله تعالى من الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:
فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، وأسأله أن يصلي على حبيبه من خلقه، وخيرته من بريته، محمد عليه أفضل الصلاة، وأزكى السلام والتحيات، ووصل الخط، أوصلك الله إلى رضوانه; وما أشرت إليه من النصيحة، صار عندنا معلوما جزاك الله عنا خيرا، ونسأله المعونة، والتوفيق والتسديد، في جميع الأحوال الظاهرة، والخفية.
وما أشرت إليه في كتابك، من أن بعض القادمين علينا، يأخذون منا أوراقا، يريدون بها الجاه، والترفع على من بينه وبينهم ضغائن جاهلية، فأنت تفهم أن المملوك ليس له اطلاع على السرائر، وإنما عليه الأخذ بالظواهر، والله يتولى السرائر، ومن خدعنا بالله انخدعنا له.
فإذا جاءنا من يقول: أنا أريد أن أبايعكم على دين الله ورسوله، وافقناه وبايعناه، وبينا له الدين الذي بعث الله به
стр. 3969
رسوله ﷺ ، ونأمره بذلك، ونحضه على القيام به في بلده، ودعوة الناس إليه، وجهاد من خالفه، فإذا خالف ذلك وغدر، فالله حسيبه.
وأما الطائفة الثانية: وهم الجنود المنتشرة للجهاد، فكثير منهم لا نشعر بهم، ولا نعرفهم، بل إذا دخل أهل بلد في الإسلام، وعاهدوا، ساروا إلى من حولهم، من غير تحقيق ومعرفة بما يقاتل الكفار عليه. وأما الجيوش والأجناد، الذين نجهزهم من الوادي، وأتباعهم، فنأمرهم بقتال كل من بلغته الدعوة، وأبى عن الدخول في الإسلام، والانقياد لتوحيد الله، وأوامره وفرائضه، واستمسك بما هو عليه من الشرك بالله، وترك الفرائض، والأحكام الجاهلية المخالفة لحكم الله ورسوله؛ ومثل هؤلاء لا يحتاجون إلى الدعوة، إذا كانت الدعوة قد بلغتهم قبل ذلك بسنين، وأبوا وأعرضوا عن دين الإسلام، وإخلاص العبادة لله.
وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم ترعى، فسبى رسول الله ﷺ النساء والذرية، والنعم والشاء، مع أن الدعوة قبل القتال مستحبة، ولو كانت الدعوة قد بلغتهم، لأن رسول الله ﷺ قال لعلي ابن أبي طالب، حين بعثه لقتال أهل خيبر: " فادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "١.
стр. 3970
والسلام. وأجاب بعضهم: شرع الله الجهاد، وأمر بالقتال، وبين لنا الحكمة في ذلك، وموجبه، وما يحصل به الكف، قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] ، قال المفسرون: الفتنة الشرك، والدين: اسم عام لكل ما بعث الله به محمدا ﷺ وقال ﷺ : " بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله لا يشرك به شيء " ١، وقال: " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها " ٢ وقد عمل بهذا أبو بكر، ووافقه الصحابة ﵃، في قتال مانعي الزكاة؛ فدل الحديث، وعمل الصحابة، على أن من ترك شيئا من شرائع الدين الظاهرة، وكانوا طائفة مجتمعة على ذلك، أنهم يقاتلون.
[موجب شرع الجهاد]
قال شيخ الإسلام ﵀: كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام، الظاهرة المعلومة، فإنه يجب قتالها; فلو قالوا: نشهد ولا نصلي، قوتلوا حتى يصلوا; ولو قالوا: نصلي ولا نزكي، قوتلوا حتى يزكوا; ولو قالوا: نزكي ولا نصوم، ولا نحج البيت، قوتلوا حتى يصوموا، ويحجوا البيت.
فلو قالوا: نفعل هذا كله، لكن لا ندع الربا،
стр. 3971
ولا شرب الخمر، ولا الفواحش، ولا نجاهد في سبيل الله، ولا نضرب الجزية على اليهود والنصارى، ونحو ذلك، قوتلوا حتى يفعلوا ذلك، كما قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . انتهى.
فعلم: أن المقاتلين أنواع، منهم من يقاتل على الدخول في الإسلام، وهو الإقرار لله بالوحدانية، والاعتراف له بذلك، والعمل به، والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، فهذا إذا التزم بذلك التزاما ظاهرا، كف عن قتاله على ذلك، ووكلت سريرته إلى الله، إلا إن قام به ناقض ينقض ما التزمه، وأظهر الناقض، وترك شريعة من شرائعه، كالصلاة، والزكاة، وغيرهما من الشرائع؛ فيجب على ولي الأمر، أن يقاتل هذا، وأن يبعث عماله على هذا المنوال، وما كان من نقص، فهو نقص في الراعي والرعية.
نعم: النبي ﷺ أمر معاذا أن يدعو إلى ثلاثة أركان: الشهادتين، والصلاة، والزكاة; وأخذ بهذا خلفاؤه ﵃، لأن غالب عامة الناس، إنما خوطبوا بذلك؛ فالحاضرة المظهرة للإسلام في الظاهر، وكذا البادية، وإن صدر من آحادهم ما هو ناقض، كحال آحاد المنافقين زمن النبي ﷺ .
стр. 3972
فقد يصدر من الحاضرة نوع استهزاء وغير ذلك، وقد يصدر من آحاد البادية نوع استهزاء، ونوع تحاكم إلى غير ما أنزل الله، لا سيما بادية الجنوب، وهؤلاء الآحاد، إذا أقروا بصدور ما هو ناقض، أمروا بالتوبة منه، وخوطبوا بالشرائع الظاهرة، فإن امتنعوا التزام ذلك، قوتلوا عليه حتى يلتزموه، ويؤدوه، وحسابهم على الله.
وأما البلد التي يحكم عليها بأنها بلد كفر، فقال ابن مفلح: وكل دار غلب عليها أحكام المسلمين، فدار إسلام; وإن غلب عليها أحكام الكفر، فدار كفر؛ ولا دار غيرهما.
وقال الشيخ تقي الدين، وسئل عن " ماردين"، هل هي دار حرب أو دار إسلام؟.
قال: هي مركبة، فيها المعنيان، ليست بمنْزلة دار الإسلام التي تجري فيها أحكام الإسلام، لكون جنودها مسلمين، ولا بمنْزلة دار الحرب التي أهلها كفار؛ بل هي قسم ثالث، يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه؛ والأولى هو الذي ذكره القاضي والأصحاب.
стр. 3973
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀، عمن يقول: لا إله إلا الله، ويدعو غير الله، هل يحرم ماله ودمه، بمجرد قولها، أم لا؟
فأجاب: لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، والعروة الوثقى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، جعلها كلمة باقية في عقبه; وقد تضمنت ثبوت الإلهية لله تعالى، ونفيها عما سواه، والإله هو الذي تألهه القلوب، محبة وإنابة وتوكلا، واستعانة ودعاء، وخوفا، ورجاء، ونحو ذلك.
ومعنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود حق إلا الله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة الحج آية: ٦٢] وقال جل ذكره: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
فدلت هذه الكلمة العظيمة مطابقة، على إخلاص العبادة بجميع أفرادها لله تعالى، ونفي كل معبود سواه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٨] أي: لا إله إلا الله، فأرجع ضمير هذه الكلمة، إلى ما سبق من مدلولها، وهو قوله: ﴿إِنَّنِي
стр. 3974
بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧] .
وهذا هو الذي خلق الله الخلق لأجله، وافترضه على عباده، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب لبيانه وتقريره، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] الآية وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ١-٢] .
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود أو متبوع أو مطاع، فمن تحقق بمدلول هذه الكلمة العظيمة، من إخلاص العبادة لله تعالى، والبراءة من عبادة ما سواه، بالجنان والأركان، وعمل بما اقتضته من فرائض الإسلام والإيمان، كان معصوم الدم والمال، ومن لا، فلا.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] فدلت هذه الآية الكريمة، على أن عصمة الدم والمال، لا تحصل بدون هذه الثلاث، لترتبها
стр. 3975
عليها ترتب الجزاء على الشرط; وفي الصحيح عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: " من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى " ١.
فلا بد لتصحيحها من الإخلاص لله تعالى، ونفي الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا الاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ الاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] .
ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، وأخبر أنه لا يهديهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] وفي المتفق عليه، من حديث معاذ " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ٢ فمن تأله قلبه غير الله، ودعاه من دون الله، فقد أشرك بالله، والله لا يغفر أن يشرك به، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥] الآية وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ِإنْ تَدْعُوهُمْ
стр. 3976
لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٣-١٤] .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥-٦٦] وفي المتفق عليه من حديث ابن مسعود، أنه " قيل: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا، وهو خلقك "١، وفي رواية لمسلم " أن تدعو لله ندا "٢ الحديث. والله المستعان.
سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره دار كفر وحرب على العموم؟
فأجابوا: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدا دان بدين الإسلام، لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى.
стр. 3977
وأما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله، والعمل بفرائض الله، وأبى أن يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره ونقاتله، ونشن عليه الغارة، بل بداره; وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا، بل الذي نتحقق ونعتقده: أن أهل اليمن وتهامة، والحرمين والشام والعراق، قد بلغتهم دعوتنا، وتحققوا أنا نأمر بإخلاص العبادة لله، وننكر ما عليه أكثر الناس، من الإشراك بالله من دعاء غير الله، والاستغاثة بهم عند الشدائد، وسؤالهم قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات; وأنا نأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر أمور الإسلام; وننهى عن الفحشاء والمنكرات، وسائر الأمور المبتدعات; ومثل هؤلاء لا تجب دعوتهم قبل القتال، فإن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون، وغزا أهل مكة بلا إنذار ولا دعوة.
وأما قوله ﷺ لعلي يوم خيبر، لما أعطاه الراية، وقال: " انفذ على رسلك حتى تنْزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام "١، فهو عند أهل العلم على الاستحباب، وأما إذا قدرنا: أن أناسا لم تبلغهم دعوتنا، ولم يعلموا حقيقة أمرنا، فإن الواجب دعوتهم أولا قبل القتال، فيدعون إلى الإسلام، وتكشف شبهتهم إن كان لهم شبهة، فإن أجابوا فإنه يقبل منهم، ثم يكف عنهم، فإن أبوا حلت دماؤهم وأموالهم.
стр. 3978
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا كان في البلدة وثن يدعى من دون الله، ولم ينكر، هل يقال هذه بلدة كفر؟ أو بلدة إسلام؟
فأجاب: لا ينبغي الجزم بأحد الأمرين، لاحتمال أن يكون في البلد جماعة على الإسلام مظهرين ذلك، فإن هذه الدعوة التي ظهرت بنجد، ومكنها الله بالجزيرة، قد قبلها أناس، كما بلغنا عن الأفغان، والصومال، أن في كل منهما طائفة تدين بالتوحيد، وتظهره، وقد يكون غيرهم كذلك، لأن هذه الدعوة قد شاعت في كل بلاد، وقرؤوا مصنفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، فيما أجاب من عارضه، وقد بلغنا من ذلك عن بعض أهل الأقاليم، ما يوجب التوقف.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: البلدة التي فيها شيء من مشاهد الشرك، والشرك فيها ظاهر، مع كونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، مع عدم القيام بحقيقتها، ويؤذنون، ويصلون الجمعة والجماعة، مع التقصير في ذلك، هل تسمى دار كفر، أو دار إسلام؟
فهذه المسألة: يؤخذ جوابها مما ذكره الفقهاء، في بلدة كل أهلها يهود، أو نصارى، أنهم إذا بذلوا الجزية،
стр. 3979
صارت بلادهم بلاد إسلام; وتسمى دار إسلام، فإذا كان أهل بلدة نصارى، يقولون في المسيح أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أنهم إذا بذلوا الجزية سميت بلادهم بلاد إسلام، فبالأولى فيما أرى: أن البلاد التي سألتم عنها، وذكرتم حال أهلها، أولى بهذا الاسم، ومع هذا يقاتلون لإزالة مشاهد الشرك، والإقرار بالتوحيد والعمل به.
بل لو أن طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام، قوتلوا وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين، ودارهم دار إسلام; قال الشيخ تقي الدين: أجمع العلماء على أن كل طائفة امتنعت من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، تقاتل حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين، وأولى; انتهى. وما ذكرناه عن العلماء من أنهم يسمون البلدة التي أهلها يهود، أو نصارى، دار إسلام، يذكرون ذلك في باب اللقيط وغيره.
стр. 3980
[قتل المشرك الحربي]
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن قتل المشرك الحربي.. إلخ. فأجاب:
لا يمنع المسلم من قتل المشرك الحربي، ولو كان جارا للمسلم، أو معه في الطريق، إلا إذا أعطاه ذمة، أو أمنه أحد من المسلمين، ففي الحديث: " ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم ".
وقال الشيخ: حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى، لبعض إخوانه: وما ذكرت من فقد الإخوان، فهو وصمة على الدين والإيمان، ويدل على أن ما أخبر به الصادق المصدوق قد آن، وقد قال ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " ١.
وقال ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويوضع الجهل " ٢ في أحاديث كثيرة في هذا المعنى؛ وقد وقع كما أخبر به الصادق المصدوق.
وبعد ذلك: بلغني ما ساءني، وعسى أن يكون كذبا، وهو: أنك تنكر على من اشترى من أموال أهل الأحساء، التي تؤخذ منهم قهرا؛ فإن كان صدقا فلا أدري ما عرض لك؛ والذي عندنا أنه لا ينكر مثل هذا، إلا من يعتقد معتقد
стр. 3981
أهل الضلال، القائلين أن من قال: لا إله إلا الله لا يكفر، وأن ما عليه أكثر الخلق من فعل الشرك وتوابعه، والرضى بذلك، وعدم إنكاره، لا يخرج من الإسلام.
وبذلك عارضوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، في أصل هذه الدعوة، ومن له مشاركة فيما قرره المحققون، قد اطلع على أن البلد، إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرمات، وعطلت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم، وقد زاد أهل هذه البلد، بإظهار المسبة لله ولدينه، ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وقد علمت أن هذه كافية وحدها، في إخراج من أتى بها من الإسلام.
هذا ونحن نقول: قد يوجد فيها من لا يحكم بكفره في الباطن، من مستضعف ونحوه; وأما في الظاهر فالأمر - ولله الحمد - واضح، ويكفيك ما فعله النبي ﷺ في أهل مكة، مع أن فيهم مستضعفين، وكذلك ما فعله أصحابه بكثير ممن ارتد عن الإسلام، من استباحة الدم والمال والعرض، وكل عاقل وعالم يعلم أن ما أتى به هؤلاء من الكفر والردة، أقبح وأفحش وأكثر مما فعله أولئك.
فارجع النظر في نصوص الكتاب والسنّة، وفي سيرة الرسول ﷺ وأصحابه، تجدها بيضاء نقية، لا يزيغ عنها إلا
стр. 3982
هالك، ثم فيما ذكر العلماء، وارغب إلى الله في هداية القلب، وإزالة الشبهة، وما كنت أظن أن هذا يصدر من مثلك، ولا يغتر بما عليه الجهال، وما يقوله أهل الشبهات.
فإنه قد بلغني: أن بعض الناس، يقول: في الأحساء من هو مظهر دينه، لا يرد عن المساجد والصلاة، وأن هذا عندهم هو إظهار الدين; وهذه زلة فاحشة، غايتها: أن أهل بغداد، وأهل مَنْبَجْ، وأهل مصر، قد أظهر من هو عندهم دينه، فإنهم لا يمنعون من صلى، ولا يردون عن المساجد.
فيا عباد الله: أين عقولكم؟ فإن النِّزاع بيننا وبين هؤلاء، ليس هو في الصلاة; وإنما هو في تقرير التوحيد، والأمر به، وتقبيح الشرك، والنهي عنه، والتصريح بذلك، كما قال إمام الدعوة النجدية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
الأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله; هذا هو إظهار الدين، يا عبد الله بن حسين.
فتأمل أرشدك الله: مثل قوله تعالى، في السور المكية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١-٢] إلى آخر السورة، فهل وصل إلى قلبك: أن الله أمره أن يخاطبهم، بأنهم كافرون، وأخبر بأنه لا يعبد ما يعبدون، أي أنه بريء
стр. 3983
من دينهم، ويخبرهم أنهم لا يعبدون ما يعبد، أي أنهم بريئون من التوحيد، ولهذا ختمها بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون آية: ٦] فهنا يتضمن براءته من دينهم، وبراءتهم من دينه.
وتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٥] فهل سمعت الله يأمر نبيه أن يقول لهم: إني بريء من دينهم؟ وأنه أمره أن يكون من المؤمنين الذين هم أعداؤهم؟ ونهاه أن يكون من المشركين، الذين هم أولياؤهم وحزبهم؟.
وفي القرآن آيات كثيرة، مثل ما ذكر الله عن خليله، والذين معه ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] الآية فأمرنا الله بالتأسي بهم قولا وفعلا، وقصدي أنبهك خوفا من المواخاة على غير طائل في الدين، أعاذنا الله وإياك من مضلات الفتن.
[بلاد الكفر وبلاد الإسلام]
وقال أيضا: ﵀، لمن ناظره في أهل مكة ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا الاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٢] جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر، أم بلد إسلام; فنقول وبالله التوفيق: قد بعث الله محمدا ﷺ بالتوحيد الذي هو دين جميع الرسل، وحقيقته هو مضمون
стр. 3984
شهادة أن لا إله إلا الله، وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة; ومخ العبادة هو الدعاء، ومنها الخوف والرجاء، والتوكل والإنابة، والفزع، والصلاة، وأنواع العبادة كثير، وهذا الأصل العظيم، الذي هو شرط في صحة كل عمل.
والأصل الثاني: هو طاعة الرسول ﷺ في أمره، وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها، وتعظيم شرعه ودينه، والإذعان لأحكامه في أصول الدين وفروعه.
فالأول: ينافي الشرك، ولا يصح مع وجوده.
والثاني: ينافي البدع، ولا يستقيم مع حدوثها; فإذا تحقق وجود هذين الأصلين، علما وعملا ودعوة، وكان هذا دين أهل البلد، أي بلد كان، بأن عملوا به، ودعوا إليه، وكانوا أولياء لمن دان به، ومُعادين لمن خالفه، فهم موحدون.
وأما إذا كان الشرك فاشيا، مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصالحين، وإفشاء توابع الشرك، مثل الزنى والربا، وأنواع الظلم، ونبذت السنة وراء الظهر، وفشت البدع والضلالات، وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة، ونواب المشركين، وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة، وصار هذا معلوما في أي بلد كان، فلا يشك من له أدنى علم: أن هذه البلاد، محكوم عليها بأنها بلاد كفر، وشرك; لا سيما إذا كانوا معادين لأهل التوحيد، وساعين في
стр. 3985
إزالة دينهم، ومعينين في تخريب بلاد الإسلام; وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك، وجدت القرآن كله فيه، وقد أجمع عليه العلماء، فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم.
وأما قول القائل: ما ذكرتم من الشرك، إنما هو من أفقية لا من أهل البلد; فيقال: أوّلاً: هذه إما مكابرة، أو عدم علم بالواقع، فمن المقرر: أن أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد، في دعاء الكعبة والمقام والحطيم، كما يسمعه كل سامع، ويعرفه كل موحد. ويقال ثانيا: إذا تقرر، وصار هذا معلوما، فذلك كاف في المسألة، ومن الذي فرق في ذلك؟!
فيالله العجب، إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم، ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم، وتخافتون بصلاتكم، لأنكم علمتم عداوتهم لهذا الدين، وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل إشكال؟ أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة، أو المقام، أو الحطيم، أو يدعو الرسول، أو الصحابة: يا هذا لا تدع غير الله! أو أنت مشرك، هل تراهم يسامحونه؟ أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنهم ليسوا على توحيد الله; فوالله ما عرف التوحيد، ولا تحقق بدين الرسول ﷺ .
أرأيت لو أن رجلا عندهم، وقال: يا هؤلاء راجعوا دينكم، واهدموا البنايات التي على القبور، ولا يحل دعاء
стр. 3986
غير الله، هل يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد ﷺ ؟ لا والله لا والله; وإذا كانت الدار دار إسلام، لأي شيء لم تدعوهم إلى الإسلام؟ وتأمروهم بهدم القباب، واجتناب الشرك وتوابعه؟ فإن يكن قد غركم أنهم يصلون، أو يحجون، فتأملوا الأمر من أوله; وهو: أن التوحيد قد تقرر في مكة، بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ﵉، ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان، ثم إنه فشا فيهم الشرك، بسبب عمرو بن لحي، فصاروا مشركين، وصارت البلاد بلاد شرك، مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين، كما كانوا يحجون، ويتصدقون على الحاج.
وقد بلغكم شعر عبد المطلب، الذي أخلص فيه في قصة الفيل، وغير ذلك من البقايا، ولم يمنع ذلك الزمان من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظاهر عندنا وعند غيرنا: أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان، بل قبل هذا كله، أنه مكث أهل الأرض عشرة قرون على التوحيد، حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين، فدعوهم مع الله فكفروا، فبعث الله إليهم نوحا ﵇، يدعوهم إلى التوحيد; فتأمل ما قص الله عنهم; وكذلك ما ذكر الله عن هود: أنه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله، لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم، دعا قومه إلى إخلاص التوحيد; وإلا فقد أقروا لله بالإلهية.
стр. 3987
وجماع الأمر: أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك، واستمر أهلها عليه، وقاتلوا عليه، وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد، وأبوا عن الانقياد للدين، فكيف لا يحكم عليها بأنها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر، وأنهم منهم بريئون; من أهل مكة أو غيرهم، مع مسبتهم لأهل التوحيد، وتخطيئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة؟ فهذه مسألة عامة.
وأما القضايا الجزئية، فنقول: قد دل القرآن والسنّة، على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك، والانقياد لهم، ارتد بذلك عن دينه، تأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٥] مع قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] وأمعن النظر في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] وأدلته كثيرة.
ولا تنس ما ذكر الله، في سورة التوبة ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٦] وقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٤] واذكر قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ
стр. 3988
مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [سورة الحج آية: ٧٢] وقد علمت حالهم، إذا دعوا إلى التوحيد، انقهروا، والله أعلم.
[الآيات الدالة على عبادة الله وحده]
وقال الإمام: سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليه أتوكل ولا قوة إلا بالله. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ الاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا الاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ١-٧] .