← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

هو ويقر به؟ وذكر الشيخ بعض علامات النبوة وتغير العالم بمولده. ثم قال: لكن هذا لا يجب أن يكون مثله لكل نبي، فإنه أفضل الأنبياء، وهو سيد ولد آدم; والله سبحانه إذا أهل عبدا لأعلى المنازل والمراتب رباه على قدر تلك المرتبة; فلا يلزم إذا عصم نبيا أن يكون معصوما قبل النبوة من كبائر الإثم والفواحش، صغيرها وكبيرها; ولا يكون كل نبي كذلك. ولا يلزم إذا كان الله بغض إليه شرك قومه قبل النبوة، أن يكون كل نبي كذلك، كما عرف من حال نبينا ﷺ ؛ وفضائله لا تناقض ما روي من أخبار غيره إذا كان كذلك، ولا يمنع كونه نبيا، لأن الله فضل بعض النبيين على بعض، كما فضلهم بالشرائع والكتب والأمم؛ وهذا أصل يجب اعتباره. وقد أخبر الله أن لوطا كان من أمة إبراهيم، وممن آمن له أن الله أرسله; والرسول الذي نشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم، ثم يبعثه الله فيهم، يكون أكمل وأعظم ممن كان من قوم لا يعرفونه; فإنه يكون بتأييد الله له أعظم من جهة تأييده بالعلم والهدى، ومن جهة تأييده بالنصر والقهر. قلت: وبهذا يظهر اختلاف درجات الأنبياء والرسل، وعدم الاحتجاج إلى التكلف في الجواب عن مثل آية إبراهيم

стр. 6022

ونحوها، وأن قصارى ما يقال في مثل قوله لنبينا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [سورة الضحى آية: ٧] ، وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ﴾ [سورة الشورى آية: ٥٢] هو عدم العلم بما جاء من النبوة والرسالة، وتفاصيل ما تضمن من الأحكام الشرعية والأصول الإيمانية. وهذا غاية ما تيسر لنا في هذا المقام الضنك الذي أحجم عنه فحول الرجال وأهل الفضائل والكمال، ونستغفر الله من التجاسر والوثوب على الكلام في مثل هذا المبحث الذي زلت فيه أقدام، وضلت فيه أفهام واضطربت فيه أقوال الأئمة الأعلام. قال الشيخ سليمان بن سحمان: قال ابن القيم ﵀ بعد كلام طويل - على قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٢] ذكر في الوجه العاشر، قال: ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه، من أنه ربه وخالقه ومبدعه، وأنه مربوب مصنوع مخلوق، حادث بعد أن لم يكن، إلى أن قال: وهذا الإقرار والشهادة فطرة فطروا عليها، ليست بمكتسبة; وهذه الآية وهي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٢] مطابقة لقول النبي ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة " ١، ولقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً

стр. 6023

فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم آية: ٣٠] . والمقصود: أن الحديث وهو: " كل مولود يولد على الفطرة " ١ مطابق للآية التي قبله والآية التي بعده، فالفطرة التي في الحديث هي التي في الآية، كما ذكر ابن القيم؛ فصح أن تفسير السلف للفطرة هو المطابق للحديث. وأما كون المولود لا يصح منه إسلام إلا بشعور، فقال في الرد على ابن حزم، وذكر كلاما طويلا قال في آخره: وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت حية عالمة ناطقة عاقلة، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا. وهذا لو كان، لكان من أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة، ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها، فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا، وقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٧٨] ؟ فهذا الحال الذي أخرجنا عليها حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ علينا، حادث فينا بعد أن لم نكن، ولم نعلم قبل ذلك شيئا البتة، إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به.

стр. 6024

[ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ] قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وقوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٥] فيه مسائل: الأولى: معرفة أن لا إله إلا الله، كما في قصة آدم وإبليس، ويعرف ذلك من عرف أسباب الشرك: وهو الغلو في الصالحين، والجهل بعظمة الله. الثانية: معرفة أن محمدا رسول الله، يعرفه من عرف عداوة علماء أهل الكتاب له. الثالثة: معرفة الدين الصحيح والدين الباطل، لأنها نزلت في إبطال دينهم الذي نصروا، وتأييد دينه الذي أنكروا. الرابعة: معرفة عداوة الشيطان ومعرفة حيله. الخامسة: أن من انسلخ من الآيات أدركه الشيطان، ومن لم ينسلخ منها حمته منه، ثم صار أكثر من ينتسب إلى العلم يظن العكس. السادسة: خوف الخاتمة كما في حديث ابن مسعود. السابعة: عدم الاغترار بغزارة العلم. الثامنة: عدم الاغترار بصلاح العمل. التاسعة: عدم الاغترار بالكرامات وإجابة الدعاء. العاشرة: أن الانسلاخ لا يشترط فيه الجهل بالحق أو بغضه. الحادية عشر: أن من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلو عرف الحق وأحبه ١ وعرف الباطل وأبغضه.

стр. 6025

الثانية عشر: معرفة الفتنة وأنه لا بد منها; فليتأهب وليسأل الله العافية، لقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٢] الآيتين. الثالثة عشر: عدم أمن مكر الله. الرابعة عشر: عقوبة العاصي في دينه ودنياه. الخامسة عشر: ذكر مشيئة الله، وذكر السبب من العبد. السادسة عشر: أن محبة الدنيا تكون سببا لردة العالم عن الإسلام. السابعة عشر: تمثيل هذا العالم بالكلب في اللهث على كل حال. الثامنة عشر: أن هذا مثل لكل من كذب بآيات الله، فليس مختصا. التاسعة عشر: ذكر كونه سبحانه أمر بقص القصص على عباده. العشرون: ذكر الحكمة في الأمر به. الحادية والعشرون: قوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾ كقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ سئل الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن محمد ﵏ عن قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٩٠] ،قال قتادة: "شركاء في طاعته، ولم تكن في عبادته" وفي تفسير معنى آيات العبادة يفسرونها بالطاعة، وهنا فرق بينهما. فأجاب: اعلم أن الكلام يختلف باختلاف الأحوال والمقامات، والاجتماع والافتراق، والإجمال والتفصيل، فتفسير قتادة في هذه الآية: أن المراد بهما على كثير من كلام المفسرين آدم وحواء، فناسب تفسيرها بالطاعة، لأنها طاعة

стр. 6026

للشيطان في تسمية الولد بعبد الحارث، وهو معصية من المعاصي. والصحيح من أقوال العلماء أن المعاصي الصغار تقع من الأنبياء، لكنهم يتوبون منها ولا يصرون عليها، وأما تفسيرهم الآيات التي فيها العبادة بالطاعة، فمعلوم أن العبادة إذا أطلقت دخلت فيها الطاعة وترك المعصية، ولأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من القول والعمل، وترك المعاصي من الكبائر والصغائر. لكن المعاصي تنقسم إلى كفر وشرك، وإلى كبائر دون الكفر والشرك، وإلى صغائر دون الكبائر; فإذا أطلقت العبادة دخل فيها جميع طاعة الله ورسوله، وإذا فرق بينهما فسرت العبادة بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وفسرت الطاعة بجميع الدين كله، والله أعلم.

стр. 6027

سورة الأنفال قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: وقد جاءت المذاكرة، في قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٩] الآية: وأصل التقوى ما يقر في القلب من خشية الله، وخوفه وهيبته وإجلاله وتعظيمه؛ وأساس التقوى ورأسها وأساس العلم ورأسه، وبه يحصل معرفة الصواب من الخطأ، فيقبل الحق تاما علما وعملا، ويدفع الباطل دفعا قويا ممتنعا عن المداهنة أبيا. والقلب الذي ليس كذلك ينقلب عن الحق انقلابا ظاهرا، يدركه أهل البصائر، وهذه الفائدة من بعض فوائد

стр. 6028

هذه الآية، وقد تفاوتت مراتب الناس في هذا المعنى تفاوتا بينا; وهم في ذلك على طبقات في القوة والضعف وما بين ذلك، فتأمل هذه العبارة والذكي تكفيه الإشارة، والله أعلم. [ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ . قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: وأما قصة بدر ففي الدرس الأول من الفقه ما ابتلى الله به أهل الحق من قوة عدوهم وضعفهم، وفيه: تفسير قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [سورة آل آية: ١٢٣] ، وفيه: أن النصر ليس بالقوة والكثرة. وفيه: وجوب الجهاد مع الضعف، ولو تعاقب العدد على البعير الواحد. وفيه: استخلاف صاحب العمل على عمله إذا سافر. وفيه: أن النبي ﷺ كان يصنع الألوية والرايات. وفيه: تقديم الطلائع. وفيه ما كان عليه أعداء الدين من قوة الرأي والحزم. وفيه: الأمر الجليل وهو: النهي عن مشابهتهم في خروجهم بطرا ورئاء الناس. وفيه: تفسير قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٢] . وفيه: ما كان عليه ﷺ من قوة القلب والشجاعة، حيث اختار المسير إليهم على هذه الحال، وكره الرجوع. وفيه: ما كان عليه الصحابة- من قوة الإيمان والانقياد للرسول - المهاجرون والأنصار. وفيه: إزالة الشبهة في بيعة العقبة، وهي من أكبر المسائل. وفيه: من آياته ﷺ أنه بشرهم أن الله وعده إحدى الطائفتين، وكان كما قال.

стр. 6029

وفي الدرس الثاني: أن الرجل الجليل في العلم والعمل قد يغلط في مسائل لا يعذر فيها. وفيه: كراهة الكفار من بني هاشم لقريش، ومحبتهم للنبي ﷺ . وفيه: أن النبي ﷺ يشاور أصحابه. وفيه: أنه يرجع إلى رأي بعضهم بعدما يفعل العمل. وفيه: تفسير قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ١١] الآية. وفيه: آية عظيمة له ﷺ حيث أراهم مصارع القوم. وفيه: قتال الملائكة معه. وفيه: دعاؤه ﷺ الذي فيه عبرة لصاحب الحرب والكرب. وفيه: تفسير قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ وفيه: كونه ﷺ إذا كربه أمر صلى. وفيه: معنى قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [سورة الأنفال آية: ٤٢] كون تلك الوقعة عرف المسلم والكافر بها الحق، كون المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر، والكفار جموع، وعدا عليهم المسلمون مثل ما يعدو الغزو الكثير على أهل الثنتين. ١. وفيه: الآية العظيمة، وهو ما وقع بين علي وحمزة وعبيدة; وبين عتبة وابنه وشيبة، وكلهم بنو عبد مناف، وأنزل الله فيهم: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [سورة الحج آية: ١٩] .

стр. 6030

سورة يونس سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏، عن قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال السائل: والرب ﵎ لا يخفى عليه شيء، وقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤٢] . فأجاب: كلا الآيتين الكريمتين على عمومهما وإطلاقهما يصدق بعضها بعضا؛ فأما آية يونس ففيها الإخبار بنفي ما ادعاه المشركون، وزعموه من وجود شفيع يشفع بدون إذنه ﵎، وأن هذا لا يعلم الله وجوده لا في السماوات ولا في الأرض، بل مجرد زعم وافتراء، وما لا يعلم وجوده مستحيل الوجود منفي غاية النفي; فالآية رد على المشركين الذين تعلقوا على الشركاء والأنداد، بقصد الشفاعة عند الله والتقرب إليه. وأما آية العنكبوت ففيها إثبات علمه سبحانه لكل مدعو ومعبود من أي شيء كان، ولا يخفى عليه خافية; ولا يعزب عنه مثقال ذرة. ففي الأولى نفي العلم بوجود ما لا وجود له بحال، والآية الثانية فيها إثبات العلم بوجود ما عبدوه ودعوه مع الله، من الآلهة التي لا تضر ولا تنفع. قال ابن جرير ﵀، في الكلام على آية يونس:

стр. 6031

يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت صفتهم، الذي لا يضرهم شيئا، ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هؤلاء الآلهة والأصنام، التي كانوا يعبدونها رجاء شفاعتهم عند الله. قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، يقول: أتخبرون الله بما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض؟ وذلك أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله في السماوات ولا في الأرض. وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه محمد ﷺ : قل لهم: أتخبرون الله بما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيها؟ وذلك باطل لا يعلم حقيقته وصحته، بل يعلم أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر. انتهى. وحاصله: أن النفي واقع على ما اعتقدوه وظنوه من وجود شفيع يشفع وينفع. ويقرب إلى الله؛ وذلك الظن والاعتقاد وهم وخيال باطل لا وجود له; وبنحو ذلك قال ابن كثير، حيث يقول: ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، وأخبر أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تملك شيئا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبدا. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] أي: أتخبرونه بما لا وجود له

стр. 6032

أصلا، وهو كون الأصنام شفعاءهم عند الله، إذ لو كان ذلك لعلمه علام الغيوب. وفيه: تقريع لهم وتهكم بهم، وبما يدعون من المحال، الذي لا يكاد يدخل تحت الصحة والإمكان; وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] : حال من العائد المحذوف في يعلم، مؤكدة للنفي؛ لأن ما لا يوجد فيها فهو منتف عادة. انتهى. وقال العلامة ابن القيم، ﵀، في الكلام على هذه الآية: هذا نفي لما ادعاه المشركون من الشفعاء، كنفي علم الرب تعالى بهم المستلزم لنفي المعلوم; ولا يمكن أعداء الله المكابرة، وأن يقولوا: قد علم الله وجود ذلك، لأنه تعالى إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه، ويعلم أن سيوجد ما يريد إيجاده، فهو يعلم نفسه وصفاته، ومخلوقاته التي دخلت في الوجود وانقطعت، والتي دخلت في الوجود وبقيت، والتي لم توجد بعد. وأما وجود شيء آخر غير مخلوق له ولا مربوب، فالرب تعالى لا يعلمه، لأنه مستحيل في نفسه، فهو سبحانه يعلمه مستحيلا لا يعلمه واقعا، ولو علمه واقعا لكان العلم به عين الجهل، وذلك من أعظم المحال؛ فكذلك حجج الرب ﵎ على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه المفترون، التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع؛ فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة إن كنت بصيرا، ﴿ومن كان

стр. 6033

في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ انتهى. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: قال شيخ الإسلام ﵀: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى﴾ [سورة يونس آية: ٣٥] : الذي يهدي إلى الحق مطلقا هو الله ، والذي لا يهدي إلا أن يهدى صفة كل مخلوق، وهذا هو المقصود بالآية، فإنه افتتح الآيات بقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ [سورة يونس آية:٣١] الآية. وسئل أيضا الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٦] الآية. فأجاب: قد أشكل معناها على كثير من المفسرين، فزعموا أن المعنى نفى اتباعهم شركاء، فجعلوا ﴿مَا﴾ نافية، وشركاء مفعول يتبع، أي: لم يتبعوا في الحقيقة شركاء، بل هم عباد مخلوقون مربوبون، والله هو الإله الحق لا شريك له. وأما ابن جرير ﵀، فقرر: أن ﴿مَا﴾ في هذا المحل استفهامية لا نافية، قال ﵀: ومعنى الكلام: أي شيء يتبع من يقول لله شركاء في سلطانه وملكه كاذبا؟ والله المتفرد بملك كل شيء في سماء كان أو أرض. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ﴾ يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك إلا الظن، يقول: إلا الشك، لا اليقين ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ انتهى.

стр. 6034

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ظن طائفة أن مَا ها هنا نافية، وقالوا: ما يدعون من دون الله شركاء في الحقيقة، بل هم غير شركاء، وهذا خطأ؛ ولكن مَا ها هنا حرف استفهام، والمعنى وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٦] . فشركاء مفعول يدعون لا مفعول يتبع، فإن المشركين يدعون من دون الله شركاء، كما أخبر عنهم بذلك في غير موضع، فالشركاء موصوفون في القرآن بأنهم يدعون من دون الله، ولم يوصفوا بأنهم يتبعون، فإنما يتبع الأئمة الذين كانوا يدعون هذه الآية. ولهذا قال بعدها: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ ولو أراد أنهم ما يتبعون في الحقيقة شركاء لقال: إن يتبعون إلا من ليسوا بشركاء؛ بل هو استفهام يبين أن المشركين الذين دعوا من دون الله شركاء، ما اتبعوا إلا الظن، ما اتبعوا علما، فإن المشرك لا يكون معه علم مطابق، وهو فيه ما يتبع إلا الظن، وهو الخرص والحزر، وهو كذب وافتراء كقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [سورة الذاريات آية: ١٠] . [ما يستفاد من قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ ] قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين?وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا

стр. 6035

لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤-١٠٦] . فيه ثماني حالات: الأولى: ترك عبادة غير الله مطلقا، ولو حاوله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإخافة الثقيلة، كما جرى لسعد مع أمه. الحال الثانية: أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إجلاله وإعظامه وهيبته; فذكر هذه الحال بقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٤] . الحال الثالثة: إن قدرنا أنه ظن وجود الشرك والفعل منه، فلا بد من تصريحه منه بأنه من هذه الطائفة; ولو لم يقض هذا الغرض إلا بالهرب عن بلاد كثير من الطواغيت الذين لا يبلغون الغاية في العداوة، حتى يصرح بأنه من هذه الطائفة المحاربة لهم. الحال الرابعة: إن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد في العمل بالدين; والجد والصدق هو إقامة الوجه للدين. الحال الخامسة: إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له من مذهب ينتسب إليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، وترك كل مذهب سواها ولو كان صحيحا، ففي الحنيفية عنه غنية. الحال السادسة: أنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس، فلا بد أن يتبرأ من المشركين، فلا يكثر سوادهم. الحال السابعة: أنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست،

стр. 6036

فقد يدعو من قلبه نبيا أو غيره لشيء من مقاصده، ولو كان دينا يظن أنه إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا، خصوصا عند الخوف، أنه لا يدخل في هذا الحال. الحال الثامنة: إن ظن سلامته من ذلك كله، ولكن غيره من إخوانه فعله خوفا أو لغرض من الأغراض، هل يصدق الله أن هذا - ولو كان أصلح الناس - قد صار من الظالمين؟ أو يقول: كيف أكفره وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟! وما أعز من يتخلص من هذا! بل ما أعز من يفهمه وإن لم يعمل به! بل ما أعز من لا يظنه جنونا! والله أعلم. سئل الشيخ حسن بن حسين، عن قول جده في ثماني الحالات، كما جرى لسعد مع أمه، ما الذي جرى لسعد مع أمه؟ فاجاب: هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين ﵃، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أبي أمية، وقصته معروفة، قال الحافظ الطبراني: حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند، عن سعد ﵁ قال: "كنت بارا بوالدتي، فقالت لي أمي: ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب، ولا أستظل، حتى أموت يا سعد، فتعير بي، ويقال: قاتل أمه. فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت

стр. 6037

وقد اشتد جهدها، فمكثت يوما آخر وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها; فقلت: يا أمه، والله لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء; فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فأكلت". ورواه مسلم في صحيحه، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا سماك بن حرب، حدثني مصعب بن سعيد عن أبيه، فذكره بنحو هذا السياق; وفيه: "فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها; فنَزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ [سورة الأحقاف آية: ١٥] الآية".

стр. 6038

سورة هود [ذكر ما في سورة هود من العلوم] قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: ذكر: ما في سورة هود من العلوم: الأولى: علم معرفة الله: ذكر أنه حكيم. الثانية: أنه خبير. الثالثة: أنه قدير. الرابعة: أنه ذكر شيئا من تفصيل العلم في قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ٥] الآية. الخامسة: ذكر شيء من تفاصيل القدر، في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [سورة هود آية:٦] الآية. السادسة: خلق السماوات والأرض في ستة أيام. السابعة: كون عرشه على الماء. الثامنة: ذكر شيء من تفصيل الحكمة في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

стр. 6039

[سورة الملك آية: ٧] . التاسعة: كونه وكيلا على كل شيء. الثاني: الإيمان باليوم الآخر: وذكر أنه إليه المرجع. الثانية: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ [سورة هود آية: ٧] . الثالثة: ذكر الجنة والنار. الرابعة: ذكر العرض عليه. الخامسة: كلام الأشهاد. السادسة: ضل عنهم افتراؤهم. السابعة: كونهم الأخسرون في الآخرة. الثالث: تقرير الرسالة: ذكر أولا المسألة الكبرى. الثانية: أنه نذير من الله وبشير لنا. الثالثة: تقرير صحة رسالته، باعتراضهم بقولهم: إنها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مع موافقتها للعقل. الرابعة: تقريرها بقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [سورة هود آية: ١٢] . الخامسة: تقريرها بمعرفة العلماء بها. السادسة: تقريرها بالتحدي. السابعة: تقريرها بأنها الحق من الله. الرابع: ذكر الوعد والوعيد، وذكر المتاع الحسن لمن قبله. الثانية: ذكر عذاب اليوم الكبير لمن أبى. الثالثة: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [سورة هود آية: ٨] الرابعة: وعيد من أراد الدنيا. الخامسة: وعيد من افترى عليه. السادسة: وعد المؤمنين المخبتين. السابعة: وعيد من استهزأ بالقرآن. الخامس: ذكر الأمر والنهي، فذكر النهي عن الشرك، والأمر بالإخلاص. الثانية: الأمر بالاستغفار والتوبة. الثالثة: الأمر بالمضي على أمر الله وإن اعترضوا بالشبهة

стр. 6040

الفاسدة. الرابعة: أمره بالتحدي. الخامسة: نهيه عن المرية فيه. السادس: أمور مدحها لنفعلها: منها الصبر. الثانية: عمل الصالحات. الثالثة: مدح العلم الصادر عن اليقين. الرابعة: مدح معرفة القرآن. الخامسة: ذكر نتيجة الأمرين. السادسة: الإيمان الإخبات إلى الله. السابع: أمور كرهها، ذكرها لتترك: منها التولي. الثانية: ثني الصدر. الثالثة: الاعتراض على الحق الصريح، بالجهل الصريح. الرابعة: استبطاء وعيد الله. الخامسة: كون الإنسان يؤوسا عند الضراء. السادسة: كونه كفورا عندها. السابعة: كونه فرحا عند النعماء. الثامنة: فخورا عندها ولو كانت بعد ضراء، والتي قبلها ولو كانت بعد سراء. التاسعة: نتيجة معرفة الآية. العاشرة: فائدة النتيجة. الحادية عشر: كونه يريد الدنيا. الثانية عشر: كونه يفتري على الله الكذب. الثالثة عشر: من المكروه الصد عن سبيل الله. الرابعة عشر: بغي العوج لها. الثامن: المنثور١: ذكر أن الأكثر لا يؤمنون. الثانية: ذكر مثل المؤمنين. الثالثة: ذكر مثل الكافرين. الرابعة: التنبيه على التذكير بالحالين. الخامسة: كونهم لا يستطيعون

стр. 6041

السمع. السادسة: الفرق بين العالم والجاهل. السابعة: كون عرشه على الماء. الثامنة: من الوعد ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ١١] . [ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ وقال أيضا الشيخ محمد رحمه الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود آية: ١٥-١٦] : قد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم ولا يعرفون معناه. الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة وصلة وإحسان إلى الناس، ونحو ذلك; وكذلك ترك ظلم، أو كلام في عرض، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة؛ إنما يريد أن الله يجازيه بحفظ ماله وتنميته، وحفظ أهله وعياله، وإدامة النعمة عليهم ونحو ذلك؛ ولا همة له في طلب الجنة، ولا الهرب من النار. فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية، وقد غلط بعض مشائخنا بسبب عبارة في شرح الإقناع، في أول باب النية، لما قسم الإخلاص مراتب، وذكر هذا منها، ظن أنه يسميه إخلاصا مدحا له، وليس كذلك; وإنما أراد أنه

стр. 6042

لا يسمى رياء، وإلا فهو عمل حابط في الآخرة. والنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة; وهو يظهر أنه أراد وجه الله، وإنما صلى، أو صام، أو تصدق، أو طلب العلم، لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم، فإن الجاه من أعظم أنواع الدنيا. "ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة، في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، وهم: الذي تعلم العلم ليقال عالم حتى قيل، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، بكى معاوية بكاء شديدا، ثم قرأ هذه الآية". النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة، ومقصده بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية، كما في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة" إلخ. وكما يتعلم العلم لأجل مدرسة أهله، أو مكسبهم أو رياستهم، أو يقرأ القرآن ويواظب على الصلاة، لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا; وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها; والذين قبلهم

стр. 6043

عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير العظيم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو العذاب في الآخرة. النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله، مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله وتصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة. ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أكبر أو كفر أكبر، يخرجهم عن الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم؛ فهذا النوع أيضا قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره؛ وكان السلف يخافون منه. قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٧] . فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله، أو أكثره، فصارت الدنيا أكبر قصده. فلذلك قيل قصد الدنيا، وصار ذلك القليل كأنه لم

стр. 6044

يكن، كقوله ﷺ : " صل فإنك لم تصل ". والأول أطاع الله ابتغاء وجهه، لكن أراد من الله الثواب في الدنيا; وخاف على الحظ والعيال، مثل ما يقول الفسقة، فصح أن يقال: قصد الدنيا. والثاني والثالث واضح. لكن بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله، طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا كثيرة أو قليلة قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو الواقع كثيرا. فالجواب: أن هذا عمل للدنيا والآخرة، ولا ندري ما يفعل الله في خلقه; والظاهر: أن الحسنات والسيئات تدافع، وهو لما غلب عليه منهما; وقد قال بعضهم: إن القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص، وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله; ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال. وأما الفرق بين الحبوط والبطلان، فلا أعلم بينهما فرقا بينا، والله أعلم. [المسائل المستنبطة من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ] وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: قوله لما ذكر قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة هود آية: ٤٩] : إذا تأمل الإنسان حاله أولاً، وما تعلم من العلوم من أهله، ثم تفكر في هذه القصة، هل علم منها زيادة على ما عنده أو لا؟ عرف مسائل:

стр. 6045

الأولى: عظمة الشرك، ولو قصد صاحبه التقرب إلى الله، وذلك مما فعل الله بأهل الأرض لما عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا. الثانية: شدة بطش الله وعقوبته، حيث أرسل الطوفان فأهلك الطيور والدواب وغير ذلك. الثالثة: معرفة آيات رسول الله ﷺ حيث وافق ما قصه مع كونه لم يعلم. الرابعة: التحقيق يكون المخلوق ليس له من الأمر شيء، ولو كان نبيا مرسلا، بسبب ما فيها من قصة ابن نوح. الخامسة: تبيين الله الحجج الباطلة والتحذير منها; مع أنها عندنا أوهام، وعند أكثر الناس حجج صحيحة. السادسة: تبرؤ الرسل من دعوى أن عندهم خزائن الله وعلم الغيب، مع أن الطواغيت في زمننا ادعوا ذلك، وصدقوا وعبدوا لأجل ذلك. السابعة: التحذير من استحقار الفقراء والضعفاء، لقوله: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود آية: ٣١] ، مع أنه سائغ ممن يدعي العلم، ويستحسنه الناس منهم. الثامنة: وهي من أعظم الفوائد: التحذير من الشبهة التي أدخلت أكثر الناس النار، وهي السواد الأعظم، والنفرة من القليل، لقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [سورة هود آية: ٤٠] . التاسعة: معرفة شيء من عظمة الله في تأديبه الرسل، لما قال لنوح: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة هود آية:

стр. 6046

٤٦] . العاشرة: وهي من أهمها: أن فيها شاهدا لقول الحسن: نضحك ولعل الله اطلع على بعض أعمالنا، وقال: لا أغفر لكم، وذلك من قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [سورة هود آية: ٣٦] مع سخريتهم منه. الحادية عشر: التحذير من اتباع رؤساء الدنيا، وقبول حججهم، لقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلأ﴾ . وهم الأشراف والرؤساء. الثانية عشر: بيان الله تعالى لتلك الحجج، فقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنَا﴾ فيه القياس الفاسد، وقولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ احتجاج بما ليس حجة. وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: ليسوا بأهل دقة نظر في أمور الدنيا، احتجاج بما ليس بحجة; وقولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ احتجاج برأيهم، وهو من أفسد الحجج; وقولهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ احتجاج بالظن. الثالثة عشر: أنهم لم يصرحوا بأن هذا الذي عليه نوح وأتباعه أمر الله، ثم جاهروا بعصيانه، قالوا: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [سورة هود آية: ٢٧] وقالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [سورة المؤمنون آية: ٢٤] وغير ذلك; وأنت ترى الذين يكونون من أهل العلم والعبادة، كيف يقرون ويجاهرون بالكفر ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٧] . [ما يستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ] قال بعض تلامذة الشيخ: هذه صفة مذاكرة جرت عند الشيخ محمد رحمه الله تعالى، سأله الإمام عبد العزيز بن

стр. 6047

محمد بن سعود ﵀، عن هذه الآيات من آخر هود، من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [سورة هود آية: ١١٠] إلى آخرها، وتكلم عليها كلاما حسنا، أحببت أن أنقله لكم. ومحصل الكلام: أنه تكلم على صورة الاختلاف الذي ذمه الله في الكتاب، أنه مثل كون الخوارج يستدلون بآيات على كفر العاصي، كقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] الآية، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٧] ، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] ، ويعرضون عن الآيات التي فيها عدم كفره، أو يتأولونها. وعكسهم المرجئة: يستدلون بالآيات التي فيها أن من آمن دخل الجنة كقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] ، والإيمان عندهم مجرد التصديق فقط، ويعرضون عن الآيات المصرحة بأن الأعمال من الإيمان كقوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور آية: ٤٧] ، وقوله: ﴿ِإنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢] ، وما لا يحصى إلا بكلفة، وأمثالهم من أهل البدع كالجهمية، والأشعرية. وذكر أن الله عظم هذاالأمر بقوله: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة يونس آية: ١٩] ، فلولا أن الله سبق منه كلام بتأخير العذاب، لكان الحكمة تقتضي تعجيل العذاب، بسبب كبر ذنبهم.

стр. 6048

وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [سورة هود آية: ١١٠] ، ذكر ﵀: أن هذه مشكلة عليَّ، ولا فهمت كلام أهل التفسير فيها، لو كان الرجل يوهم عليها لأجل أن التوراة عند بني إسرائيل مثل القرآن عندنا، يشهدون أنها كلام الله، وليس عندهم في هذا شك; ولا أدري ما هذا الشك. وقوله: ﴿وَإِنَّ كُلاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١١] الآية، ذكر سبحانه أنه سيجازى كلا بعمله، وأنه خبير بأعمالهم دقيقها وجليلها، فلما كان الإنسان إذا عرف عيب غيره، الغالب عليه أنه يذمه ويشتغل به وينسى عيب نفسه، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [سورة هود آية: ١١٢] الآية، وذكر أن هذه من آيات الخوف. ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود آية: ١١٣] الآية: بعض الكفار قد يكون فيه أخلاق، مثل حاتم وعبد المطلب، فإن كان كفره بالله وإشراكه لا يشينه عندك ويغطي محاسنه، فهو من الركون إليهم، كما قال أبو العالية في الآية: لا ترضوا بأعمالهم، انتهى. مثل كون المرأة إذا كانت زانية فسدت عند الناس، ولو كان فيها أخلاق حسنة، وفيها جمال وبنت رجال، وهذا العيب يغطي محاسنها كلها عند الناس; والإنسان قد يكون له قريب، أو رجل ينفعه، فتوعد على الركون إليهم بالنار مع أنه يقع عندنا، ولا يستنكر ولا ينتقد على فاعله. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [سورة هود آية:

стр. 6049

١١٤] الآية: إذا عرفت سبب نزولها، عرفت الجهل الكثير في أكثر الناس، وعرفت أنها من عجائب القرآن، إذا جمعت بينها وبين ما ذكر الله قبلها في الركون، وتوعده عليه بالنار; فعظم الله أمر الركون؛ وأمره عندنا يسير هين، ولا يعاب على فاعله. وفعل هذا الرجل الذي ذكر أنها نزلت فيه، لو يفعله عندنا رجل جيد عاب ١ عند الناس ولو تاب؛ فينبغي للإنسان أن يعظم ما عظم الله ورسوله، ولو كان عند الناس أمره هينا. وأيضا يعرف المؤمن عظم شأن الصلوات الخمس عند الله. وقوله: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٥] : لما كان ما تقدم من الأمر والنهي خلاف طبع الإنسان، ذكر أنه لا يقدر على ذلك إلا بالصبر ورجاء ما عند الله. وقوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [سورة هود آية: ١١٦] الآية: لولا بمعنى: هلا، وهذه الآية يستدل بها العلماء على أن الدين غريب، لأن هذه الأمة تفعل ما فعلت الأمم قبلها، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود آية: ١١٦] الآيتين لما كان الإنسان يتباعد هذا، ويقول: كيف أن العلماء لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فذكر سبحانه أن الآفة استحباب الدنيا على الآخرة،

стр. 6050

واتباع ما أترفوا فيه; فالعلماء لهم مدارس ومواكل، ولو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قطعت مواكلهم، فآفتهم ليست عدم العلم، بل ما ذكر الله. وذكر أن ملكا من الملوك أراد أن يأمر بشيء في رعيته على خلاف الشرع، فجمع العلماء والفقهاء من أهل بلده يشاورهم، فلم يقولوا شيئا وسكتوا، فتبين منهم رجل وأنكر عليه، وقال: هذا لا يجوز، فقال الملك: اقطعوا علائق هذا المتفقه; فقالوا: إنه يأكل من غزل أمه; قال: فلذلك اجترأ علينا. وقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٨] : ذكر سبحانه: أن المعرضين عن كتاب الله هم أهل الاختلاف إلى يوم القيامة; ولا يتصور أنهم يجتمعون على دين واحد، ولو كانوا علماء أذكياء كأهل الكلام، يتناقضون ويختلفون في دينهم أعظم تناقض واختلاف; وقد سمعتم من ذلك شيئا; وأهل السنة هم أهل الجماعة، ودينهم دين واحد من أولهم إلى آخرهم; وهذا مما يبين لك شيئا من قدرة الله . وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١٩] فيها ثلاثة أقوال، ومعناها واحد: فمن قال: إنهم خلقوا للاختلاف; ومن قال: خلقوا للرحمة; ومن قال: خلقوا لهذا وهذا; ومعناها واحد. وقوله: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٠] الآية، في هذا دليل على عدم معرفة أكثر القراء

стр. 6051

بالقرآن، إذا كان في قصص الرسل، ما يثبت به فؤاده ﷺ فكيف بغيره؟. وقوله: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [سورة هود آية: ١٢١] ، قيل في هذه السورة; وهذه السورة لها شأن عند السلف; ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة هود آية: ١٢٢] الآيتين: فهم ينتظرون زواله، وهو ينتظر زوالهم؛ وهذه لها أشباه; وقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] الآية، مثل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٨] ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود آية: ١٢٣] الآية: تقتضي عبادة الله والتوكل عليه; وهذا يجمع الدين كله، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، والله أعلم، وصلى الله على محمد. [تفسير قوله تعالى ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، عن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] : قال أبو البقاء: الاستثناء من ضمير الفاعل في ﴿وَلا يَزَالُونَ﴾ وهو الواو، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للرحمة، فاسم الإشارة راجع إلى الرحمة، لأنه أقرب مذكور، قوله: ﴿وَلِذَلِكَ﴾ أي: للرحمة ﴿خَلَقَهُمْ﴾ . قلت: وهذا الذي عليه أكثر المفسرين; قال ابن جرير ما معناه: اسم الإشارة راجع للاختلاف، أي: مختلفين، وهو ضعيف عند المحققين من المفسرين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وأبي البقاء وغيرهما.

стр. 6052

وروي عن طاووس: "أن رجلين اختصما إليه فأكثروا، فقال طاووس: اختلفتما وأكثرتما، فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا، فقال طاووس: كذبت أليس يقول: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة" وقال ابن عباس: "للرحمة خلقهم، ولم يخلقهم للعذاب"; وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة. وعلى هذا الإشكال، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، قال العماد ابن كثير، ﵀: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٥] ، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٢٧] . وأما قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] فاللام للتعليل بلا ريب، وهو قول أهل السنة والجماعة قديما وحديثا; فدلت الآية على أن حكمة الرب في خلقه الثقلين ليعبدوه وحده. فإنه ربهم وخالقهم ومليكهم، وهم تحت قهره وقدرته، وهو المنعم عليهم وحده، فوجب لذلك وغيره من صفات الله وعظمته أن يكون هو معبدوهم وحده دون كل ما سواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٧] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ

стр. 6053

الَّذِي خلقكم﴾ . إلى آخر الآيات. [سورة البقرة آية: ٢١ - ٢٤] والمراد بالحكمة في هذه الآية: الدينية الشرعية; لكن من الناس من وافق هذه الحكمة بإرادته وعلمه وعمله، ومنهم من خرج عنها لعدم قبوله لما أراده الله به، وذلك بقضاء الرب وقدره، لعلمه السابق في خلقه. لأنه تعالى يعلم ما هم عاملون قبل خلقه لهم، وهو الذي يهدي من يشاء بفضله وإحسانه، ويضل من يشاء بعدله وقدرته ومشيئته; فالأول: فضله. والثاني: عدله; قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [سورة الزخرف آية: ٧٦] . وقد مكن عباده بأسباب يقتدر بها العبد على طاعة ربه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٦] وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] . ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء آية: ٦٤] ، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى; فالفضل فضله تعالى، والحجة له بالبيان والفطرة والعقول، والعلم الذي أنزل في كتبه وعلى ألسن رسله، وبالله التوفيق.

стр. 6054

وعلى العبد أن يتسبب بالإقبال على ذلك، وطلب ما يحبه منه ويرضاه، ويترك ما يسخطه ويأباه، وأن يكون ذلك هو أهم الأشياء لديه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة هود آية: ٨٨] . وأما قوله ﷺ : "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد" فالمراد بالأمر الأمر الديني الشرعي، فيسأل الله تعالى الثبات عليه، بتحصيل أسبابها، فمنها معرفة الهدف بدليله، وذلك عن يقين وحسن قبول، وانقياد ومحبة، وصبر وخشية الله وخوف منه، ونحو ذلك؛ فإن الطباع البشرية تصرف القلب عن الثبات في الأمر الشرعي الديني، فيخالفه هواه. واتباع الهوى له أسباب كثيرة، لا يدفعها عن العبد إلا قوة داعي الإيمان بالله ورسله، وتدبر كتابه، وعدم الإعراض عنه إلى غيره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٥٧] ونحو ذلك في عدة مواضع من القرآن، يحذر تعالى عباده عن الإعراض، لأنه يمنع العبد من الخير كله، ويوقعه في الشر كله، ويجمع على العبد شرور نفسه وسيئات أعماله. نسأل الله العفو والعافية، في الدنيا والآخرة; فمن أعظم أسباب الثبات، محبة الهدى والرغبة فيه، وطلبه بجهده، لما تقدم، والضد بالضد. وأما قوله: "والعزيمة على الرشد"، فالعبد محتاج إلى

стр. 6055

ذلك أيضا بمعرفة ما يصلحه، في معاشه ومعاده والعزيمة عليه؛ ولكن الناس اختلفوا في هذا كما اختلفوا فيما قبله، فقد يعرف رشده وقد لا يعرفه، والذي يعرفه قد يعزم عليه وقد لا يعزم، فحصل التفاوت؛ فالخير لا يحصل إلا بطلب وعمل، واستعانة بالله على ذلك، وافتقار إليه وإنابة إليه وتوكل عليه؛ ومن ضيع أسباب الثبات ضاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 6056

سورة يوسف ذكر ما ذكر الشيخ محمد ﵀، على سورة يوسف من المسائل: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١-٣] : روى ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: "أنزل على النبي ﷺ القرآن فتلاه زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا،" فنَزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة الزمر آية: ٢٣] الآية. وله عن عون بن عبد الله قال: "مل الصحابة ملة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا فنزل: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ، ثم ملوا ملة، فقالوا: يا رسول، حدثنا ما فوق الحديث، ودون القرآن - يعنون القصص -، فأنزل الله أول هذه السورة، إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ". ومما يدل على ان القرآن كاف عما سواه من الكتب:

стр. 6057

" أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب فقرأ عليه فغضب، فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " رواه أحمد. وفي لفظ: " أنه استكتب جوامع من التوراة، وقال: ألا أعرضها عليك؟ وفيه: لو أصبح فيكم موسى حيا، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين ". وقد انتفع عمر بهذا، فقال للذي نسخ كتاب دانيال: "امحه بالحميم والصوف الأبيض، وقرأ عليه أول هذه السورة، وقال: لئن، بلغني أنك قرأته، أو أقرأته أحدا من الناس، لأنهكنك عقوبة". والمراد بأحسن القصص القرآن، لا قصة يوسف وحدها، وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون معانيه; والقصص: مصدر قص الحديث يقصه قصصا، أي: بإيحائنا إليك هذا القرآن. وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: الجاهلين به، وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن; وفيه دلالة على جلالة الله وقدرته، ودلالة على عظيم نعمته على نبيه ﷺ ؛ وفيه دلالة على كذب من ادعى أن غيره من الكتب أوضح منه.

стр. 6058

قوله ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدا ﴿سورة يوسف آية: ٤-٥] أبوه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇; والكواكب عبارة عن إخوته، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. ووقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل ثمانين، حين رفع أبويه على العرش، وخروا له سجدا، ولما كان تعبيرها خضوعهم له، خشي إن حدثهم أن يحسدوه، فيبغون له الغوائل; وثبت: " أن رسول الله ﷺ أمر من رأى ما يحب أن يحدث به، ولا يحدث إلا من يحب; وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، ويتفل عن يساره ثلاثا، ويتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره ". وفيها: عدم الوثوق بنفسك وبغيرك; قيل للحسن أيحسد المؤمن؟ قال: "أنسيت إخوة يوسف؟ " وفيها: التنبيه على السبب، وهو عداوة الشيطان للإنسان. وفيها: كتمان النعمة ما لم يؤمر بإظهارها. وفيها: كتمان السر. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة يوسف آية: ٦] أي: كما اختارك لهذه الرؤيا، كذلك يختارك

стр. 6059

لنبوته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ (، قال مجاهد وغيره: عبارة الرؤيا. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإرسالك ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْل ُ (، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة يوسف آية: ٦] أي: عليم بمن يصلح للاجتباء، حكيم يضع الأشياء في مواضعها; وهذا من أنفع العلوم، يعني: معرفة الله تعالى؛ ولا يعتني به إلا من عرف قدره. وفيها: البشارة بالخير، وأنه ليس من مدح الإنسان المنهي عنه. وفيها: تولية النعمة مسديها . وفيها: سؤال الله تعالى تمام النعمة، وأن علم التعبير علم صحيح يمن الله به على من يشاء من عباده. وقوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ قْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ٧-١٠] . يعني: أن في ذلك عبرا وفوائد لمن يسأل; فإنه خبر يستحق السؤال ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ شقيقه، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة; وقوله: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تقديمهما علينا; وقوله: ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: ألقوه في أرض بعيدة ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ وحدكم ﴿وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ

стр. 6060

بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ٩] أي; تتوبون. وقوله: ﴿فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ أي: أسفله. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة من المسافرين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون; قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم، يغفر الله لهم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وفيها مسائل: منها: ما نبه الله تعالى عليه أن هذه القصة فيها عبر؛ قال بعضهم: فيها أكثر من ألف مسألة; وفيها: أن الذي ينتفع بالعلم، هو الذي يهتم به ويسأل عنه; وأعظم ما فيها تقرير الشهادتين بالأدلة الواضحة. وفيها: أن الوالد يعدل بين الأولاد، لئلا تقع بينهم القطيعة، وأن ذلك ليس مختصا بالمال. وفيها: غلط العالم في الأمر الواضح; وتغليطه من لا ينبغي تغليطه، لقولهم: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ الآية. وفيها: أن الإنسان لا يغتر بالشيطان، إذا زين له المعصية ومناه التوبة. وفيها: شاهد للمثل المعروف: بعض الشر أهون من بعض. وفيها: شاهد لقوله: " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على قدر دينه " ١. وسيأتي بعض ما فيها من المسائل في مواضعه إن شاء الله تعالى. ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة يوسف آية: ١١-١٢] ، قال ابن عباس وغيره:" ﴿يَرْتَعْ
следующие страницы →