في اللقاء المتكرر المعتاد، ونحوه؛ لكن إذا اعتاد الناس القيام، وقدم من لا يرى كرامته إلا به، فلا بأس به، فالقيام دفعا للعداوة والفساد، خير من تركه المفضي إلى الفساد؛ وينبغي مع هذا أن يسعى في الإصلاح على متابعة السنة. انتهى.
القسم الثالث: القيام إلى القادم لمعانقته، أو مصافحته، أو إنزاله عن دابته، ونحو ذلك من المقاصد الجائزة، وهذا القيام جائز قد فعله رسول الله ﷺ وفعله أصحابه بحضرته.
كما في جامع الترمذي عن عائشة ﵂، قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتاه، فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله" ١ قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قولها عريانا: تريد أنه ﵊، كان ساترا ما بين سرته وركبته، ولكنه سقط رداؤه عن عاتقه، فكان ما فوق سرته وما تحت ركبته عريانا، قال الطيبي: وكان هذا من شدة فرحه، حيثما لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره، وكثيرا ما يقع مثل هذا. انتهى.
وروى البيهقي وغيره: "أن رسول الله ﷺ لما دخل عليه عكرمة بن أبي جهل مسلما مهاجرا، قام إليه فرحا بقدومه".
وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي عن عائشة،
стр. 7247
رضي الله عنها، قالت: "ما رأيت أحدا كان أشبه سمتا وهديا، ودَلًّا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂، كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه، وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أهل قريظة لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ أرسل إليه النبي ﷺ فجاء على حمار; فقال النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" ١.
وفي رواية لأحمد عن عائشة ﵂، قالت: قال أبو سعيد فلما طلع، قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم، فأنزلوه فقال عمر ﵁: سيدنا الله; قال: أنزلوه، فأنزلوه" ٢ الحديث. قال الحافظ بن حجر: سنده حسن.
قلت: وفي هذه الرواية، بيان المراد من الأمر بالقيام إلى سعد ﵁، ففيه رد على من استدل به، على جواز القيام المنهي عنه.
قال الحافظ بن حجر: هذه الزيادة - يعني قوله فأنزلوه - تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فية. انتهى.
وفي الصحيحين وغيرهما، في قصة كعب بن مالك
стр. 7248
رضي الله عنه لما تاب الله عليه، قال: "وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد، وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنأني" ١. الحديث.
فهذا وما أشبهه من القيام، جائز، كما دلت عليه هذه الأحاديث؛ وهو قيام إلى الشخص، لا له؛ والقيام إلى الشخص من فعل العرب، والقيام له، أو عليه من فعل العجم. وقد تقدم قول ابن القيم، ﵀: أن المذموم القيام للرجل، وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم، فلا بأس به، وقد روي عن أحمد، رحمه الله تعالى، ما يوافق هذا.
قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن المثنى: أتيت أحمد بن حنبل، فجلست على بابه انتظر خروجه، فلما خرج قمت إليه، فقال لي: أما علمت أن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يتمثل الناس له قياما، فليتبوأ مقعده من النار"؟ فقلت له: إنما قمت إليك لا لك، فاستحسنه.
стр. 7249
[فصل في أن من أبشع المنكرات تصفيق الرجال في بعض الأوقات]
فصل
ومن أبشع المنكرات تصفيق الرجال في بعض الأوقات.
قال الشيخ: حمود التويجري: ومن التشبه بأعداء الله تعالى، ما يفعله كثير من الجهال، من التصفيق في المجالس والمجامع عند رؤية ما يعجبهم من الأفعال، وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار، وعند مجيء الملوك والرؤساء إليه، وهذا التصفيق سخف ورعونة، ومنكر مردود من عدة أوجه:
أحدها: أن فيه تشبها بأعداء الله تعالى من المشركين، وطوائف الإفرنج، وأشباههم فأما المشركون فقد قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٥] : قال أهل اللغة وجمهور المفسرين: المكاء: الصفير; والتصدية: التصفيق، وبهذا فسره ابن عمر وابن عباس، ﵃.
فأما ابن عمر ﵄، فرواه ابن جرير عنه; وفيه: "أنه حكى فعل المشركين فصفر وأمال خدّه وصفق بيديه"، وروى ابن أبي حاتم عنه ﵁ أنه قال: "إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون، ويصفرون".
وأما ابن عباس، ﵄، فرواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الفرج ابن الجوزي عنه; ولفظ ابن أبي حاتم قال: "كانت قريش تطوف بالبيت عراة، تصفر وتصفق".
стр. 7250
والمكاء: الصفير; والتصدية: التصفيق; وكذا روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وغيرهم.
قال ابن عرفة، وابن الأنباري: المكاء، والتصدية ليسا بصلاة، ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها، المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار.
وروى الإمام أحمد، والنسائي، والبيهقي، من حديث ابن عباس ﵄، "أن رسول الله ﷺ أخبر قريشا أنه أسري به إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم، قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب" ١.
وأما الإفرنج وأضرابهم، من أعداء الله تعالى، فقد ذكر المخالطون لهم أن التصفيق من أفعالهم في محافلهم، إذا أعجبهم كلام، أو فعل من أحد، صفقوا تعجبا وتعظيما لذلك القول أو الفعل؛ وقد أخذ سفهاء المسلمين عنهم هذا الفعل السخيف، تقليدا لهم، وتشبها بهم.
وقد تقدم حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" ٢. وتقدم أيضا حديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى" ٣ وفي هذين الحديثين دليل على المنع من
стр. 7251
التصفيق، لما فيه من التشبه بأعداء الله تعالى.
ويدل على المنع أيضا قوله ﷺ : "خالفوا المشركين" ١ متفق عليه من حديث ابن عمر، ﵄، وكذلك قوله ﷺ : "هدينا مخالف لهديهم" يعني المشركين، رواه الحاكم في مستدركه، من حديت ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة، ﵄، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، ورواه الشافعي في مسنده، من حديث ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا، ولفظه: "هدينا مخالف لأهل الأوثان والشرك".
ومن المقرر عند الأصوليين: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده; وعلى هذا فالأمر بمخالفة المشركين هو في الحقيقة: نهي عن موافقتهم، والتشبه بهم فيما يفعلونه من التصفيق وغيره من زيهم وأفعالهم السيئة; وكذا إخباره ﷺ بأن هدي المسلمين مخالف لهدي أهل الشرك، يقتضي منع المسلمين من التصفيق، وغيره من أفعال المشركين; والله أعلم.
وقد روي: أن التصفيق من أعمال قوم لوط; فروى ابن عساكر في تأريخه، عن الحسن مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: "عشر خصال عملها قوم لوط، بها هلكوا، وتزيدها أمتي بخلة" فذكر الخصال ومنها التصفيق.
الوجه الثاني: أن التصفيق من خصائص النساء، لتنبيه الإمام إذا نابه شيء في صلاته، كما قال النبي ﷺ في
стр. 7252
الحديث الصحيح: "إنما التصفيق للنساء" ١ رواه مالك، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
وقد أتى ﷺ في هذه الجملة الوجيزة، بالحصر والاستغراق، والاختصاص، فدل على أنه لا مدخل فيه للرجال بحال; وعلى هذا فمن صفق من الرجال، فقد تشبه بالنساء، فيما هو من خصائصهن.
وقد "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء" ٢ رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي، والبخاري، وأهل السنن، إلا النسائي، من حديث بن عباس، ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى ابن ماجه في سننه بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لعن المرأة تتشبه بالرجال، والرجل يتشبه بالنساء" ٣ ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي بنحوه، وصححه ابن حبان والحاكم، والنووي، وغيرهم، وقال الحاكم: على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد أيضا: عن عبد الله بن عمرو، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال" ٤ في إسناده رجل مبهم، وبقية رجاله ثقات، وقد
стр. 7253
رواه الطبراني فأسقط الرجل المبهم، قال الهيثمي: فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أنكر على الرجال لما صفقوا في الصلاة، لأنهم فعلوا فعلا لا يجوز للرجال فعله، ولا يليق بهم، وإنما يليق بالنساء؛ وقد قرن الإنكار ببيان العله في ذلك، فقال: "إنما التصفيق للنساء" ١ فهذه الجملة تفيد منع الرجال من التصفيق البتة، وأنه ينبغي الإنكار على من صفق منهم.
الوجه الرابع: أن التصفيق لم يكن من هدي رسول الله ﷺ ولا من هدي أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يكن من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما حدث في المسلمين في أثناء القرن الرابع عشر من الهجرة النبوية، لما كثرت مخالطة المسلمين للإفرنج، وأعجب جهال المسلمين بسنن أعداء الله وأفعالهم الذميمة.
وقد رأى الإمام أحمد، وأهل السنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٢ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح; وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وفي رواية للحاكم: "عليكم بما تعرفون من سنة نبيكم
стр. 7254
والخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا على نواجذكم بالحق" قال الحاكم: صحيح على شرطهما جميعا، ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقد كان رسول الله ﷺ يخطب أبلغ الخطب، ويخطب البلغاء بحضرته، وينشد فحول الشعراء عنده أفخم الشعر وأجزله، ولم ينقل أن أحدا من أصحابه صفق عند سماع خطبة ولا قصيدة.
وكذلك الخلفاء الراشدون بعده، كانوا يخطبون أبلغ الخطب، ويخطب عندهم البلغاء، وتنشد عندهم الأشعار الجيدة، ولم ينقل عنهم، ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصفقون عند التعجب والاستحسان.
وإنما نقل عن كفار قريش أن بعضهم صفقوا تعجبا لما أخبرهم رسول الله ﷺ أنه أسري به إلى بيت المقدس، فهؤلاء هم سلف المصفقين عند التعجب والاستحسان. وسلفهم الآخر: الإفرنج، وأشباههم من أعداء الله تعالى؛ وكل امرئ يهفو إلى ما يناسبه، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ولهم أيضا سلف ثالث من شر السلف، وهم: قوم لوط، فقد روى ابن عساكر في تأريخه عن الحسن البصري مرسلا: أن رسول الله ﷺ قال: "عشر خصال عملها قوم لوط، بها هلكوا، وتزيدها أمتي بخلة" فذكر الخصال، ومنها التصفيق.
وللمصفقين أيضا سلف رابع من شر السلف، وهم:
стр. 7255
جهال المتصوفة ومبتدعوهم. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، رحمه الله تعالى: إذا طرب أهل التصوف لسماع الغناء، صفقوا، ثم ساق بإسناده إلى أبي علي الكاتب قال: كان ابن بنان يتواجد، وكان أبو سعيد الخراز يصفق له.
قال ابن الجوزي، رحمه الله تعالى: والتصفيق منكر يطرب، ويخرج عن الاعتدال، وتتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت من التصدية؛ وهي التي ذمهم الله لها فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٥] ، فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.
قال: وفيه أيضا تشبه بالنساء; والعاقل يأنف من أن يخرج عن الوقار، إلى أفعال الكفار، والنسوة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ: عز الدين بن عبد السلام، في "قواعد الأحكام": وأما الرقص والتصفيق، فخفة ورعونة، مشهبة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا أرعن، أو متصنع كذاب؛ كيف يأتي الرقص المتزن بأوزان الغناء، ممن طاش لبه، وذهب قلبه؟!
وقد قال ﵇: "خير القرون، قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ١ ولم يكن أحد من هؤلاء الذين يقتدى بهم يفعل شيئا من ذلك إلى أن قال:
وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال
стр. 7256
بقوله ﷺ "إنما التصفيق للنساء" ١، ولعن ﵊ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء؛ ومن هاب الإله، وأدرك شيئا من تعظيمه، لم يتصور منه رقص، ولا تصفيق، ولا يصدر التصفيق والرقص، إلا من غبي جاهل، ولا يصدران من عاقل فاضل.
ويدل على جهالة فاعلهما: أن الشريعة لم ترد بهما في كتاب، ولا سنة، ولم يفعل ذلك أحد من الأنبياء، ولا من أتباع الأنبياء، وإنما يفعل ذلك الجهلة السفهاء، الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد مضى السلف، وأفاضل الخلف، ولم يلابسوا شيئا من ذلك، انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية، رحمه الله تعالى: وأما اتخاذ التصفيق، والغناء، والضرب بالدفوف، والنفخ في الشبابات، والاجتماع على ذلك دينا، وطريقا إلى الله تعالى، وقربة فهذا ليس من دين الإسلام،
وليس مما شرعه لهم نبيهم ﷺ ولا أحد من خلفائه، ولا استحسن ذلك أحد من أئمة المسلمين؛ بل ولم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أصحابه، ولا تابعيهم بإحسان، ولا تابعي التابعين. انتهى.
والغرض منه قوله: إنه لم يكن أحد من أهل الدين يفعل ذلك، يعني: التصفيق وما ذكر معه، لا على عهد
стр. 7257
رسول الله ﷺ ولا على عهد أصحابه، ولا تابعيهم بإحسان، ولا تابعي التابعين.
وقال الشيخ أيضا في موضع آخر: وأما الرجال على عهده - يعني: على عهد النبي ﷺ ، فلم يكن أحد منهم يضرب بدف، ولا يصفق بكف.
بل قد ثبت عنه في الصحيح، أنه قال: "إنما التصفيق للنساء" ١، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء; ولما كان الغناء والضرب بالدف، والكف، من عمل النساء، كان السلف يسمون من يفعل ذلك مخنثا. انتهى.
وقال العلامة ابن القيم، رحمه الله تعالى، في كتاب الإغاثة: والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال، وقت الحاجة إليه في الصلاة، إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء؛ فكيف إذا فعلوه، لا لحاجة، وقرنوا به أنواعا من المعاصي قولا، وفعلا. انتهى.
وقال الحليمي: يكره التصفيق للرجال، فإنه مما يختص به النساء، وقد منعوا من التشبه بهن، كما منعوا من لبس المزعفر لذلك، انتهى. قال الأذرعي: وهو يشعر بتحريمه على الرجال.
قلت يعني: أن مراد الحليمي بالكراهة: كراهة التحريم، لأن التشبه بالنساء حرام على الرجال، والمتشبه بهن ملعون، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من الكبائر.
стр. 7258
وفيما قاله هؤلاء المحققون كفاية في بيان قبح التصفيق من الرجال، وذم من يتعاطى ذلك منهم.
стр. 7259
الباب الثامن: المكس
...
الباب الثامن: حكم المكس ١
فهو محرم أخذه على المسلمين بالكتاب والسنة والإجماع، وجائز أخذه على المشركين بالإجماع، ولم يكن يؤخذ على المسلمين في عصر هذه الدعوة إلى وفاة الشيخ عبد الله.
ولم يكن يؤخذ في عصر الخلفاء الراشدين، ولا الأئمة المهديين، وسواء سمي بالجمرك، أو الرسوم، أو التأمينات; أو غير ذلك.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة النساء آية: ٢٩] وغيرها.
وقال ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ٢ حتى قال شيخ الإسلام: لا يجوز لولي أمر المسلمين، أن يسبك لهم سكة من ذهب أو فضة، إلا بقدر أجرة السبك.
ويدل أيضا على عظم إثم المكس، وأنه أعظم من الزنى، قوله ﷺ لما أراد أن يصلي على الزانية، التي رجمت حتى ماتت، فقال عمر: تصلي عليها وقد زنت؟ قال:
стр. 7260
"أرأيت أن قد جادت بنفسها لله؟! لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس، لغفر له" ١.
فدل هذا الحديث على أن المكس أعظم من الزنى، لأن هذا من الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا; والعجب أن لو هرب صاحب سيارة، أو جمال، أو حمار، لطارت الجنود خلفه، ولو ترك فريضة لم يلتفت إليه!
وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀ ٢:
المكوس حرام، ولا تخلط مع الفيء، ولا مع الزكاة، ولا مع الفيء الخاص; بل كل له مصرف، هذه يتولاها من جباها، والحلال له مستحقون، والحرام شأنه به الذي جباه; لكن لو توخى بها أشياء فيها نفع خفف عنه; فإن أسوأ الدنانير، دينار يجيء من غير محله، ويدفع في غير محله، يجيء معصية ويبذل معصية.
رحمة الله على الوالد كتب لفيصل رسالة، قال: اعلم أن الأموال التي تجيء ثلاثة أقسام;: الزكاة، والفيء، والمكوس، فيجب أن يعطى كلَّا حكمه.
وقوله: المكوس، مراده التي جباها من جباها، وعصى بذلك; المقصود من ذكر كلام الوالد: أنه لا يخلط هذا مع هذا، فالفيء لأناس مخصوصين، والزكاة لأناس.
فالذي يحتوي عليه بيت مال المسلمين أشياء عديدة، بل
стр. 7261
أوسع من ذلك: أن الذي يجبيه الولاة أشياء:
أحدها: الزكاة.
الثاني: ما يدخل مدخلا شرعيا وليس بزكاة، كالخمس وخمسه، وكأموال الكفار التي تصل إلى المسلمين بغير إيجاف خيل ولا ركاب، فيصرف في المصالح، وإذا فضل شيء فهو لعموم المسلمين، وهو الفيء.
الثالث: المكوس، فإنها كثيرا ما يأخذ الولاة بغير حق، بل بظلم، ولكنها تعد في جملة ما يدخل على جنس الحكومات الإسلامية، فمنها ما هو شرعي، ومنها ما هو ظلم، ولكن يتعلق به أحكام مع أنه ظلم.
منها: أنه إذا وضع معصية، فإنه يجب أن يعدل فيه; فيؤخذ على ولد الملك، وطالب العلم وغير ذلك، ويدخل ذلك في المظالم المشتركة; ومن ذلك: أن الأئمة إذا أخذوا شيئا من هذه الأموال، واجب عليهم أن يردوها.
فإذا جهلت أربابها، حل لمن أعطيها من الجيش، فكل مال يجهل صاحبه، مصرفه الفيء، فالشيء الذي من المكوس إذا تاب الإمام فأراد ردّه إلى أربابه، وأهله لا يعرفون، فيجوز أن يعطى لأحد مستحقي الفيء.
стр. 7262
وقال الشيخ:
عبد الله الخليفي: فصل: في ردّ بدع الرسوم
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٠] .
قال بعض المفسرين: كان رسول الله ﷺ يرشد الناس إلى العمل بالقرآن، ويهديهم إليه، ويقول لهم: اتركوا رسوم الشرك والبدع، الرائجة فيكم، فيقولون: لو اتبعنا هذا القرآن، لذهب منا اتباع أسلافنا، بل نسلك مسلك الآباء، في الإتيان بالرسوم والمراسم; لأن هذا الطريق لو كان قبيحا، لما سلكه أكابرنا.
فأنزل الله هذه الآية، ورد فيها عليهم، وسفههم، وسجل عليهم بالحماقة بأن لو كانوا - آباءهم - جاهلين لا يشعرون شيئا، لا يفهمون قولا; أفهؤلاء يسلكون مسلكهم والحال هذه؟!
مع أنهم لا يختارون سبل الآباء في أمور دنياهم فيما فيه نقصانهم، كما أن أبا أحد، لو اتجر البز فلم يربح فيه، لا يؤثر ولده هذه التجارة قطعا، علما منه بأن فيها ضررا، وكذا، لو وقع والد أحد في البئر، لا يقع ولده فيه أبدا، ظنا منه أن في هذا هلاكه.
فيا لله العجب من هذا القوم؟! كيف يتبع الآباء في أمور الدين، ولا يتبعهم في أمور الدنيا؟! مع أن أمر الدين أهم وأعظم، وأحرى بالتحقيق والتدقيق، وأمر الدنيا هين ليّن،
стр. 7263
لا يعود بضرر في الإيمان إن لم يقع كما أراد؟!
فلا أدري ما هذا الإسلام؟ يتركون الرسوم التي جاء بها الرسول، وأمر بها الله تعالى، ويختارون رسوم الآباء والأجداد، فهل رسوم الأسلاف أحق بالاتباع؟ أو شرع الله ورسوله؟!
فهذه الآية الكريمة: دليل على رد الرسوم المبتدعة والمراسيم المحدثة، والأمور الموضوعة التي راجت في الناس، وجاءت من أسلافهم السفهاء، كما تدل على رد التقليد فيها.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٤] الآية: يعني: من التحليل والتحريم، اهـ، ملخصا من كتاب الدين الخالص، لصديق خان.
стр. 7264
وقال أيضا ﵀:
فصل في رد بدع التشبه بغير أهل الإسلام
عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" ١ رواه الإمام أحمد، وأبو داود; قال الإمام صديق، ﵀ في كتابه "الدين الخالص":
هذا الحديث من جوامع الكلم، ويوانع الثمار، لأنه قد عم المشبه والمشبه بهم من كان، وأينما كان، ولم يخص نوعا من أنواع التشبيه، لا قوما من الأقوام المشبه بها.
فتحصّل من ذلك: أن كل متشبه بآخر في كل شيء، حقيرا كان أو جليلا، ظاهرا كان أو باطنا، له حكم المتشبه به، في الكراهة والحرمة، والكفر؛ وتفصيل ذلك يطول.
وقد كفى لبيان بعضها شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، ﵀، في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم"، وأتى فيه بأشياء تشبهت بها هذه الأمة، على غير الملة الإسلامية والأمة المحمدية، واستوعب غالبها، ولعله فاته أشياء كثيرة لم تكن في زمنه، وظهرت بعده في هذه الأزمنة المتأخرة، واتسع الخرق على الراقع، إلى أن قال، ﵀:
وقد أفرط الناس المسلمون في هذا العصر في التشبه بالمبتدعين والفاسقين، إلا ما شاء الله؛ وعم بذلك البلاد، حتى لم يبق شخص، ولا دار، ولا محلة، ولا بلد، ولا
стр. 7265
إقليم، إلا وقد دخل فيه هذا الداء العضال، وعدّوه من أسباب الجمال والكمال.
ثم قال: وهذا الحديث يفيد ذم هذا التشبه، إذا كان بأهل غير الإسلام من أهل الكتاب وغيرهم; فهكذا يفيد بمفهومه المخالف أن التشبه بالصلحاء، وبأهل الله ورسوله، من المحدثين، والفقهاء، والقراء، ونحوهم، إذا لم يكن ذلك منه رياء وسمعة، وشهرة في الناس، بل كان هذا منه إخلاصا بالدين لله وإيثارا لسنة سيد المرسلين، في اللباس، والطعام، والفراش، والصلاة، والصيام، وغير ذلك، مما أورد به الشرع الشريف، كان هذا المتشبه في عداد من تشبه بهم، ونفعه ذلك; اهـ; والله الموفق.
وقال الشيخ: صالح الخريصي، في رسالة للملك عبد العزيز آل سعود، بعد أن وعظه، وأخبره بما عليه من مسؤوليات؛ وأنه باتباعه هذه الشريعة المحمدية، ظاهرا وباطنا، يحصل له العز والتمكين.
فهنا كلمة من أخيك، ما بعث وحث عليها إلا إكمال النصح، فإن مسألة الرسوم اليوم، من الله عليكم وحباكم، وأعطاكم ووسع عليكم من واسع فضله، فارحموا عباد الله يرحمكم الله، وأوسعوا عليهم وتصدقوا عليهم بهذه الرسوم إن الله يجزي المتصدقين، وأنتم بإمكانكم نفع الفقير وتودّون نفعه،
стр. 7266
وهذه الرسوم تؤخذ منه، لأن الغني سالم منها، يأخذه فائدة مع الرسوم، وتبقى على الفقير.
واسلموا من إثمه وعقوبته، فإني أرجو لكم بذلك السنا والرفعة في الدنيا والآخرة، فإن الفقراء أكثرهم في أزمة، وأنتم تحبون إيصال الخير إليهم.
[فصل في تبين تحريم المكس]
فصل إذا تبين تحريم المكس من الكتاب والسنة والإجماع، فقد فرض الله على عباده المسلمين الزكاة؛ وفيها، وفيما أخرج الله للمسلمين من المعادن غنى عنه، وقد تقدمت الأدلة على تحريمه; وأما الزكاة فقد قرنها الله في كتابه بالصلاة، في غير ما موضع; وفي السنة ما هو مشهور ويأتي.
وقال إمام هذه الدعوة، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، للأمير محمد بن سعود، رحمهما الله، لما علم منه إقباله على الدين ونصرته واتباع شرعه في الزكاة، وفيما يفيء الله غنى، فوافقه على ذلك.
ويجدر بولاة الأمور أن يقتفوا بآبائهم، وقد فاض عليهم من المال ما لا يخطر ببال من الزكاة ومعادن وغيرها.
стр. 7267
[رسالة الشيخ محمد بن إبراهيم إلى سكان الهجر في الحث على أداء الزكاة]
وقال الشيخ: محمد بن إبراهيم، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
من محمد بن إبراهيم، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، من سكان الهجر وتابعيهم، من البوادي وغيرهم، من البادية والحاضرة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنصيحة لكم، وشفقة عليكم، وحذرا من إثم الكتمان، كتبت إليكم بهذه الكلمات، فأقول:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] .
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] , وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [سورة التوبة آية: ١١] .
وروى عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق
стр. 7268
الإسلام، وحسابهم على الله تعالى" ١.
وفي صحيح مسلم عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" ٢.
وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" ٣.
وقال أبو بكر الصديق، ﵁ لما ناظره من ناظره، في قتال مانع الزكاة: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإنها قرينتها في كتاب الله. والله لو منعوني عناقا، وفي رواية عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه".
فهذه النصوص تدل على أن أداء الزكاة أحد أركان الإسلام، وأنها قرينة الصلاة، وهما جميعا، قرينتا التوحيد، وأنه يجب قتال من امتنع عن أدائها، حتى يؤديها.
ولهذا جاء الوعيد الشديد، والتغليظ الأكيد في حق مانعها، كما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وظهره،
стр. 7269
كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد؛ فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
قيل يا رسول الله: فالإبل؟ قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي حقها، ومن حقها حلبها يوم ورودها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها، رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
قيل يا رسول الله: فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار".
والأحاديث دلت على أخذ الزكاة من المواشي عينا، فتؤخذ من الإبل تارة غنما، وتارة أسنانا من الإبل، على حسب ما ورد، كما تؤخذ الغنم من الغنم، والبقر من البقر، والنقد من النقد، والبر من البر، إلى آخر أنواع الأموال الزكوية؛ إلا أن أخذ القيمة جوزه بعض أهل العلم، بشرط المصلحة في ذلك; وبشرط عدم النقص عن القيمة التي تساويها حينئذ.
стр. 7270
إذا عرف هذا، فإن كثيرا من العمال الموكول إليهم أخذ الزكاة من أرباب الأموال، لا يقومون بالواجب، إذا قبضوا منهم القيمة فيقبض بعضهم نصف القيمة، أو ثلثيها فقط، أو قريبا من ذلك.
وهذا لا يبرئ ذمة أرباب الأموال، ولا يحل لهم ما ترك من قيمة زكاة أموالهم، بل هي عليهم حرام، ويبقون غير مؤدين لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام؛ ولا يسقط هذا بمفارقة العامل لهم، ولا بمضي سنة.
بل هذا دَيْن في رقاب أرباب الأموال، ولا يجوز لولاة المسلمين إقرارهم، على بقائها في ذممهم، كما يتعين على ولاة الأمور أن يوصوا من يبعثون في قبض الزكاة، بتقوى الله، واستيعاب جميع القيمة عندما تؤخذ القيمة، والاستقصاء في ذلك.
كما يجب عليهم أن يقوموا حول هذه العبادة العظيمة، وسائر فرائض الدين، بما يخرجون به من عهدة ما ولاهم الله عليه؛ وهو سائلهم عنه يوم القيامة.
فإن أهم مقاصد الولاية: إقامة دين الله، وإلزام الخاصة والعامة من المسلمين بالتزام فرائضه، ولا سيما: التوحيد، والصلاة، والزكاة، وأن يعاقبوا المتهاونين بأمر الله ورسوله، والمتساهلين بفرائض الدين، العقوبة التي تردع العصاة، والغواة عن عصيانهم وغيهم، وأن يوصلوا الزكاة إلى أربابها المستحقين لها، وهم
стр. 7271
الأصناف الثمانية المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٠] .
ودفعها إلى غير هؤلاء لا يبرئ الذمة، ولا يعتبر شرعا أداء للزكاة، كما أن على العمالة مخافة الله وتقواه فيما ائتمنوا عليه، بأن لا يأخذوا أكثر من الواجب، ولا يتركوا من الواجب شيئا، فيكونوا قد خانوا الله ورسوله، وخانوا ولي أمرهم، وخانوا أرباب الزكاة من الفقراء والمساكين ونحوهم وغشوا أرباب الأموال، حيث أرسلوا ليعينوهم على أنفسهم ويطهروهم بقبضها منهم.
كما يجب على أرباب الأموال: تقوى الله وخشيته، والخوف من أن يموت أحدهم وزكاة الإسلام في ذمته، ولا تقضى بعده؛ بل يلقى الله بها يوم القيامة وهي في ذمته.
والله أسأل أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 7272
[رسالة الشيخ صالح الخريصي في الحث على تقوى الله والشفقة على المحتاجين]
وقال الشيخ: صالح بن أحمد الخريصي، ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة آية: ٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٠] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٠] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة التغابن آية: ١٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
والغرض: أن الله ﵎ أمر المؤمنين أن يقوموا بحقه الذي أوجبه عليهم، وبحقوق بعضهم على بعض، من شفقة بعضهم على بعض، ورحمة بعضهم بعضا، ومواساة بعضهم بعضا، كما وصفهم في قوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الفتح آية: ٢٩] ، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] .
وقال: ﷺ "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، ١ وقال ﷺ "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ٢
стр. 7273
وقال: "من فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ١.
لا سيما مع الضعيف الملهوف، فقد قال ﷺ في حديث أبي ذر ﵁: "وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف" ٢.
وقال ﷺ : "لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: لذي دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع" ٣، وفي الحديث: "إن الصدقة لتدفع ميتة السوء، وتطفئ الخطيئة" ٤.
وفي الحديث: "باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها", وفي الحديث: "ما نقص مال من صدقة؛ بل تزده، بل تزده" ٥، وفي الحديث: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأهل المعروف في الدنيا، هم أهل المعروف في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف".
جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه، إنه جواد كريم رؤوف رحيم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. حرر في ذي الحجة سنة ١٣٧٥ هـ.
وفي هاتين الرسالتين كفاية، فلو تتبعنا ما لعلماء هذا العصر من النصائح في ذلك، لخرج بنا عن المقصود.
стр. 7274
الباب التاسع
الفصل الأول: في العلم وفضله وفضل أهله
...
الباب التاسع وفيه فصول
[الفصل الأول في العلم وفضله وفضل أهله]
الأول: في العلم وفضله، وفضل أهله، من الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة آية: ١١] , قال ابن عباس ﵄:"العلماء فوق المؤمنين مائة درجة، ما بين الدرجتين مائة عام".
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] الآية: بدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم، وكنَّا هم بذلك شرفا وفضلا ونبلا.
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٩] ، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [سورة البينة آية: ٧] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ١: فاقتضت الآيات أن العلماء هم الذين يخشون الله، وأن الذين يخشون الله هم خير البرية؛ فصح أن العلماء خير البرية
وقال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقّه في الدين" ٢، وعنه ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" ٣، وحسبك بهذه الدرجة
стр. 7275
شرفا ومجدا وفخرا، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة.
وقد أفرد في فضله وفضل أهله مصنفات، ولم يخل كتاب من كتب الحديث وغيرها من ذكر فضله وفضلهم.
وفي منهجهم ومكان تعلمهم:
فقد كان العلماء في عصر الشيخ عبد الله وطبقته، في بيوت الله التي هي أفضل بقاع الأرض، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، كانوا يعلمون الناس كتاب الله وسنة نبيه، ومختصرات الأصول، والفقه؛ وتحفظ تلك عن ظهر قلب.
ولم نمثل بعصر الشيخ عبد الله، الأشهر من علم، وزهده وورعه وسعة فكره؛ وقد كان يضرب به المثل، وهو ما جرى عليه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في عصر الإمام فيصل.
وكذلك في أول عصر تلك الدعوة المباركة، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآزره وأيدها الأمير محمد بن سعود؛ وازدهرت في تلك العصور المباركة، يحضرها المتعلمون وغيرهم، ومن يفد من الشام واليمن.
وكذلك كبار العلماء في المساجد، وفي الحرمين الشريفين، والمسجد الأقصى، وأولئك المتخرجون قديما وحديثا، لا يحصون كثرة؛ وما كانت المدرسة الأولى، بل
стр. 7276
ما كانت الجامعة العلمية للمهاجرين والأنصار، إلا في المسجد، حيت يلقي عليهم رسول الله ﷺ ما يوحى إليه من الكتاب والحكمة، فهم يقتدون به في أفعاله العالية، وخصاله الحميدة، وهم يأخذونها سماعا بآذانهم، ورؤية بأعينهم، يقول لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١.
وتؤخذ عنة تعاليم الإسلام من المسجد، كما في حديث ضمام بن ثعلبة الذي قدم المدينة، وأناخ بعيره في ناحية المسجد، وأخذ يلقي على رئيس تلك الجامعة أسئلة كثيرة، ويستفيدون بالأجوبة النافعة المفيدة، ويقول أخيرا: إنه رسول من وراءه، وينصرف راشدا ومعلما.
والوفود القادمون من مختلف أنحاء الجزيرة، لتعلم الدين، وأحواله، وقواعده التي يقوم عليها، في أيام قليلة يقضونها في المسجد، متعلمين من إخوانهم السابقين في الإسلام، من الأستاذ الأكبر ﷺ ، كوفد ثقيف، والأشعريين، وعبد القيس، وغيرهم.
والتعليم يلقى على الأفراد والجماعات، بأساليب الحكمة، وعلى كل واحد بما يتناسب مع عقله وعلمه واستعداده، كل ذلك في المسجد؛ وربما جلس الصحابة ﵃، صامتين لا يتكلمون، حياء من رسول الله ﷺ لا يسألونه، فيأتيهم الأعرابي يسأل عن أشياء، يستفيدون بالسؤال عنها.
стр. 7277
وربما جاء جبريل في صورة رجل غريب، يسأل عن الدين، وأمارات الساعة؛ فيستفيدون من الجواب عليه، وينقلون العلم إلى من وراءهم. وفي الحديث: "نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع" ١.
ومن هناك كانت البعوث والسرايا، ودعاة الإسلام ورسله، تبعث قبل الشام واليمن ونجد، وإلى القرى القريبة والبعيدة؛ فقد كان أبو موسى ومعاذ، يذهبان إلى اليمن معلمين، ولهما ولأمثالهما يقول ﷺ : "بشِّروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا" ٢.
وأبو عبيدة المالي يذهب إلى نجران، والبحرين، ويأتي بأموال الجزية والخراج؛ ومثله عبد الله بن رواحة يأخذ ما وقت عليه المساقاة في خيبر مع اليهود.
وخالد وعمرو بن العاص، والمهاجرون أبو عبيدة، والعلاء بن الحضرمي، وزيد بن حارثة، وإخوانهم كثيرون، يخرجون من المسجد مدربين تدريبا عسكريا، صالحين للقيادة وإمارة الجيش.
والخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ في مسجده الشريف، يجلسون للتعليم، والشورى والإصلاح، والقضاء والفتيا، وتنظيم بيت المال، واستقبال الوفود، وكتابة الرسائل.
وفي الحرم المكي يجلس ابن عباس وابن عمر رضي الله
стр. 7278
عنهم في المسجد، ودواليك بابن عباس ومجاهد، وعطاء، ومكحول، وميمون بن مهران، وعكرمة، ومقسم، وسعيد بن جبير.
فهذا يعلم الناس تفسيرا، وحديثا، وفقها، وأدبا؛ وهذا يفتح داره للأضياف، والقادمين إلى مكة، ويطعم الطعام، وهذا لشؤون الناس، والآخر لدينهم.
وكم تعاقب العلماء والمتعلمون من التابعين، وتابع التابعين بعد الصحابة في مسجد الأنصار، كسالم، وعروة، وخارجة، والقاسم بن محمد وزين العابدين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
ثم ابن شهاب، والزهري، وهشام بن عروة، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، كل أولئك يدرسون الناس في المساجد، ويتخرج على أيديهم الألوف من العلماء.
وأهل التأريخ الإسلامي كسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس وابن جريج، وعبد الرزاق والصنعاني وشيخه معمر، وقبلهم وبعدهم من لا يأتي عليهم الحصر.
وفي مسجد دمشق، معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عامر من القراء السبعة، الذي قيل فيه: إنه خطب في المسجد عشرين سنة، وما سمعوا منه خطبة معادة، ولا كلاما مكررا.
وفي الكوفة: عبد الله بن مسعود، وتلاميذه، من أمثال علقمة بن وقاص الليثي، وبعدهم عبد الرحمن بن حبيب
стр. 7279
السلمي، وأبو بكر بن عياش، ومن القراء: حمزة، والكسائي، وعاصم بن أبي النجود.
وفي البصرة: الحسن، وابن سيرين، وشيخهم أنس بن مالك، ثم واصل بن عطاء، وجمع كثير من علماء السنة.
وسل بغداد، والموصل، والقاهرة، وقرطبة، وأشبيلة، والقيروان; وسل أنطاكية، وحلب، وحمص، وحماه; وسل الطائف، والأحساء، وصنعاء، وزبيد، وحضرموت، وغيرها من الأقطار الإسلامية، كيف كانت مساجدها، وعلماؤها؟
وكيف كان الشافعي يقضي نهاره، في مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط؟ وأين كانت الأئمة ورجال الفقه والحديث، يلقون دروسهم في شتى العلوم؟ وهل كان ذلك إلا في المسجد.
ولو بعث الله معمرا، وابن المثنى، والقاسم بن سلام، والفراء، والزجاج، والمبرد، والمازني، وأبا عمرو بن العلاء; لو بعث هؤلاء من الجيل الأول، وبعدهم القراء، والزمخشري والنووي، والرافعي، ومن بعدهم، وقيل لهم من أين تخرجتم؟ وفي أي مدرسة تعلمتم؟ لقالوا جميعا بلسان واحد: في المسجد تعلمنا.
أما المجاهدون، ورجال العلم أيضا، فسل عنهم المساجد لتحدثك عن سعد بن أبي وقاص، والمثنى بن حارثة، وأبي مسلم الخراساني، وطارق بن زياد، وموسى بن
стр. 7280
نصير، وقتيبة بن مسلم الباهلي، والمهلب بن أبي صفرة، وطاهر بن حسين، وابنه عبد الله.
ثم جوهر الصقلي، ومنصور بن أبي عامر المعافري اليمني، وأمثالهم من القواد، والجنود، ونواب الخلافة، ووكلاء الشريعة، في الشرق والغرب.
كانت المساجد أبحرا تدفع بالأمواج من أبطال الغزو، وعلماء الدين، وتقذف بالجواهر، واللآلي الكبار من هذا النوع، في مختلف العصور؛ ومنها يخرج أبطال أعلام من قادة الفكر.
وانظر في الأمصار، والمدن من كل علّامة فيها يملي الأحاديث; وإن طال الكلام، فإنما هيجه ما دهى الإسلام في هذا العصر، من خلو بيوت الله، التي هي معاقد العلم، وتفرق أهله.
فأدركت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، تتلى عليه المتون عن ظهر قلب، وقبل ذلك يتحفظ كتاب الله، ويتلى عليه التفسير، ويحضر تلك المجالس الشريفة المتعلمون وغيرهم.
ولسعة رأيه، إذا دهم الملك عبد العزيز أمر، أتى إليه في ذلك المجلس، فتراه يتململ، والشيخ لا يقطع الدرس، لعلوّ مكانة العلم عنده، ولم يكن يتبذله.
وكذا الشيخ حمد بن فارس، وكان يلي بيت المال، ويرسل إليه الملك: لم يتأخر؟ فلا يقطع الدرس; وكذا
стр. 7281
الشيخ سعد بن عتيق يجلس للعلم في الجامع.
وتلك الفنون من مختصرات الحديث، والأصول، كالتوحيد، وحكم موالاة أهل الشرك، ومتون الفقه، كلها تتلى عند الجميع عن ظهر قلب.
وكذا عند الشيخ محمد بن إبراهيم، بعد أن أقيم مقام الشيخ عبد الله في التعليم، برهة من الزمن حيث فتحت المدارس النظامية، وأقبل الطلاب إليها وإلى المعاهد والكليات وغيرها من الاتجاهات؛ حينئذ تفرق أهل العلم عن قلب العاصمة الذين أخذوه عن معدنه، ويأخذه عنهم أولو الهمم العالية، السالمون من العلوم المفضولة والمحظورة.
وأما الآن فضعف العلم حيث خرج علماء المسلمين من بيوت الله، الذين هم أولى أن يبلغ عنهم العلم النافع كما بلغوا، فخلت بيوت الله من أهلها إلا من شاء الله؛ وأضعف العلم النافع بالعلوم المفضولة الذي قرر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وغيره تحريم العلوم المفضولة إذا أضعفت العلم النافع.
فضلا عن العلوم المحظورة التي يحملها الوثنيون الملحدون الزنادقة، الذين هم السم القاتل لدين الإسلام من رجال ونساء، والذين هم فساد المجتمع، الذي لا يمتري فيه من له أدنى مسكة من عقل.
مع أنهم قد رأوا وسمعوا وبلغهم بلاغا حسيا لا يمتري فيه إلا مكابر، ما جرى على الأجانب أفراخ الإفرنج
стр. 7282
وتلاميذهم في تلك الدول المجاورة. فكيف وأين العقول؟ أين العروبة؟ سبحان الله؟ ما أعظم شأنه، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. ١
وإليك وصية الملك الفاتح لابنه، الذي اعترف بنصر الله له، حيث نصر دينه؛ وإن كان ذلك معلوما بالضرورة، ولكن سقته مثلا، وبيانا لحضه ابنه على استقدام العلماء وإكرامهم، وإن كان ذلك معلوما للولاة من عصر النبوة إلى عصر الشيخ عبد الله، ﵀.
قال الملك الفاتح عند موته لابنه في وصيته: واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الرعي. قدم الاهتمام بأمور الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه؛ ولا تستخدم الأشخاص، الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر، وينغمسون في الفحش؛ وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها.
واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد؛ وإياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الإسلام؛ واضمن للمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك للمستحقين.
стр. 7283
وبما أن العلماء هم مثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم، وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر، فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال.
وحذار حذار! لا يغرنك المال، ولا الجند! وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة؛ فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبذلك انتصرنا.
ثم قال: واعمل على تعزيز هذا الدين المحمدي، وتوقير أهله، ولا تصرف أموال الدولة في ترف ولهو، أو أكثر من قدر اللزوم؛ فإن ذلك أعظم أسباب الهلاك. انتهى.
إذا فهمت ما تقدم، من فضل العلم وأهله، وعمارة بيوت الله، بتبليغ شرعه، ووصية الملك باستقدام أهل العلم، وبلغك تفرق العلماء، الذين هم الأهل أن يؤخذ عنهم العلم من قلب العاصمة.
وقدوم الألوف من الوثنيين الملحدين، الذين هم السم القاتل لدين الإسلام، وفساد المجتمع، تبين لك السبب الأعظم، الذي أفردت من أجله هذا الكتاب ١ لبيان تلك المعاول الهدامة، الحادثة في هذا العصر.
[رسالة الشيخ عبد الله بن حميد في الحث على التمسك بالدين]
ومن نصائح علماء هذا العصر التي تشمل غير الحادث
стр. 7284
فيه، أضفتها إلى كتاب النصائح الذي هو المجلد الأخير مما جمعته من رسائل علماء هذه الدعوة المباركة ١. وإليك بعض النصائح فيما هو في معنى هذا الفصل:
قال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀، سنة ١٣٧٩ هـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى حضرة الإمام المكرم: سعود بن عبد العزيز آل سعود، لا برحت أيامه بوجوده زاهرة، وسعادة دنياه متصلة بسعادة الآخرة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن من الواجب علينا لكم النصح، والمحبة والإخلاص، لأن النصح لأئمة المسلمين، هو من دين الإسلام.
ومعنى النصح لهم: تنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وغرس محبتهم في قلوب الرعية، ورد القلوب الشاردة إليهم، هذا الذي يجب لكم علينا وعلى أمثالنا.
ومن المتعين علينا إبلاغكم به، هو ما نراه، ويراه غيرنا من كافة المسلمين، من انتقاض عرى الإسلام عروة
стр. 7285
عروة، وبدو مرضه في هذه الديار; وحكومتكم - والحمد لله - حكومة دينية إسلامية، لا قوام لها ولا استقامة إلا بالتمسك بهذا الدين السماوي، والذب عنه بالسيف، واللسان، وجهاد من خالفه.
فإن أنتم تسمكتم بهذا وقمتم به حقا، استقامت دولتكم، وانتظمت أموركم، واجتمعت كلمتكم، وصرتم يدا واحدة على من خالفكم؛ وإن أهملتم شيئا من ذلك، أو تساهلتم فيه، نقص من هيبتكم، وضعف من سلطانكم، وتفرق من كلمتكم بقدر ما أهملتم أو تساهلتم فيه من الدين.
كما روي عنه ﷺ أنه قال: "ما ترك قوم العمل بما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" ١ فوقوع البأس، وحصول الاختلاف، وضعف القوة، إنما تكون بسبب ترك العمل بما أنزل الله.
وذلك لأن الدين والملك أخوان، لا يستغني أحدهما عن الآخر: الإسلام أُسُس الملك، وقواعده الذي ينبني عليه، والملك ينفذ أوامر الإسلام، ويحميه ممن أراد هدم بنيانه؛ فإذا ذهب الإسلام أو ضعف، ذهب الملك أو ضعف على قدر ضعف الإسلام.
ونرى أمورا لا يجوز السكوت عليها - والله يعلم أنا لا نقصد إلا براءة الذمة، مع المحبة لكم والنصح والإخلاص - وهو: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر