والطريق الأمثل، وأن يكون اهتمامها بأمر دينها الصحيح؛ فإن دين الإسلام دين الفطرة، دين الرقي، دين العدالة، دين المدنية الفاضلة، دين العمل، دين الاجتماع، دين التوادد، والتناصح، والتحابب، دين رفع ألوية العلم والصنائع والحرف، غير قاصر على أحكام العبادات والمعاملات، بل شامل لجميع منافع العباد ومصالحهم، على ممر السنين وتعاقب الدهور، إلى أن تقوم الساعة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، اهـ.
стр. 7317
الفصل الثاني: من أعظم أسباب ضعف العلم والإسلام
سياحة بعض الناس في الأمصار المجاورة، وغالبهم يتمتع بالملاهي وغيرها، وإذا قدموا علينا في هذا العصر تلقيناهم بالترحيب والإكرام؛ وبعض السفلة ترغب نفوسهم فيما وصل إليه أولئك، رغبة في الحرية العربية، على ضد ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه.
ولذلك اشمأزت بعض النفوس، إلى استقدام معلمين منهم، من ذكور وإناث كما يأتي; وكنا في عصر الشيخ عبد الله، إذا قدم المسافر من تلك الأمصار لتجارة أو غيرها يهجر حتى يظهر التوبة.
وحدثني أبي رحمة الله عليه: أنه قد كان يفعل في بلدنا إذا قدم، يغمس بعد صلاة الجمعة في ثيابه، في ماء الطهارة، ليمتنع من السفر إليهم هو وغيره، وقد ذكر أهل
стр. 7318
العلم تحريم السفر إلى بلاد المشركين - ومنهم من أفرده بالتأليف - ووجوب الهجرة من بلد الشرك.
[رسالة الشيخ عبد الله بن حميد في التحذير من الركون إلى الكفار]
وإليك رسالة الشيخ: عبد الله بن سليمان بن حميد، قد أجاد فيها وأفاد ١:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] , والصلاة والسلام على نبيه المجاهد للمنافقين والمشركين بسيف الحق البتار، وعلى آله وأصحابه المهاجرين منهم والأنصار، الذين نعتهم الله بأنهم: رحماء بينهم أشداء على الكفار، وعلى من اتبعهم بإحسان، ومن على هذا الدين يغار.
أما بعد: فاعلموا رحمني الله وإياكم أن أكثر الناس في هذا الزمان، نبذوا كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ وراءهم ظهريا، وزهدوا فيما فيهما من العلم النافع والعمل به؛ حتى صار الإسلام في هذا الوقت إلى ما إليه صار، وذلك لالتفات غالب الخلق لأمر الدنيا وإصلاحها، ولو بفساد الدين وذهابه.
ونسوا دينهم الصحيح المقرر بكتاب الله، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، فعميت البصائر، واستحكمت غربة الدين، وعمت الفتن وانتشرت، حتى اجتمع الصالح بالفاسد،
стр. 7319
والفاسق بالعابد، واختلط الحابل بالنابل، وخالط المسلمون الكفار والمشركين، والرافضة والملحدين.
وكانوا عندهم خداما، ولهم عمالا، ومنهم متعلمين، وفي التجارة وسائر المعاملات معاملين، وفي شركاتهم مشتركين، وبمجالسهم مستأنسين، ولطعامهم وشرابهم آكلين شاربين، ولهم مؤانسين.
وحصل بهذا الاختلاط فساد الاعتقاد، وفساد الأخلاق، وظهر الإلحاد، والتكذيب في تعاليم الدين، وانتشر هذا الداء إلى المقيمين بأوطانهم، من بادية وحاضرة، بتلقي أولادهم وأقربائهم، المتلبسين بالمشركين، الموالين لهم، بإكرامهم وتحسين أعمالهم، والذب عنهم.
والحامل على هذا للجميع: الجهل بدين الإسلام، ومحبة الدنيا، والافتتان بها، وتقديمها على ما يرضي الله، ونسوا أن الرزق والأجل قرينان، فما دام الأجل باقيا فالرزق جاريا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٢-٣] .
وفي حديث: "إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي، وإذا تسابت سقطت من عين الله"، وقال ﷺ : "صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل والأمل"، وقال: "ليأتين على الناس زمان،
стр. 7320
لا يبالي المرء بما أخذ، من الحلال أم من الحرام" ١ رواه البخاري.
أوحى الله إلى داود ﵇: يا داود: حذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا، عقولها عني محجوبة؛ وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي، إذا آثر شهوة من شهواته، أن أحرمه من طاعتي".
والله يقول: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٠] ، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٢٠] ، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٨] ، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة الأعلى آية: ١٦-١٧] .
والآيات، والأحاديث في ذم الدنيا والمشتغلين بها أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، ومع هذا فقد تحكم حبها في القلوب، وحصل بسببها ما يسخط علّام الغيوب.
أيها المسلمون، الدنيا لا تدوم نعمتها، ولا يستمر خيرها؛ بل هي مجمع الآفات، ومستودع المصائب، لا يركن إليها إلا مغرور، ولا ينخدع بها إلا مفتون.
أما المؤمن الحقيقي، فهي مطيته إلى الآخرة، إن أتته سراء شكر الله عليها، وإن أصابته ضراء صبر لها؛ يأمر بالمعروف ويسارع إليه، وينهى عن المنكر ولا يقر به،
стр. 7321
لا يداهن العصاة والفاسقين، ولا يجامل الرؤساء والأعيان بما يسخط الله.
عباد الله، ليست المصيبة أن يصاب الإنسان بنفسه أو ماله أو ولده، وإنما المصيبة العظيمة، والكسر الذي لا ينجبر، أن يصاب الإنسان بدينه، فيحل الشك محل اليقين، فيرى الباطل حقا، والحق باطلا، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا.
أيها المسلمون، لا يفتننكم الذين كفروا عن دينكم بعرض من الدنيا فتصبحوا خاسرين; الله، الله، في حفظ دينكم والعمل بتعاليمه، فإنه من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.
أيها المسلمون: ليس الإسلام مقصورا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولكنه ذلك، والكف عن محارم الله، ومحبة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والبعد عنهم، وإنكار ما هم عليه، وعدم مخالطتهم، وترك مشابهتهم وتقليدهم، إلى غير ذلك من حقوق الإسلام وشروطه ولوازمه.
ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. أكثر الناس يقولون آمنا بالله ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٨-٩-١٠] بحب الشهوات وأكل الحرام.
стр. 7322
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [سورة المنافقون آية: ٤] لكنهم عن الحق معرضون، ولأهله معادون مبغضون، ولأعداء الله محبون موالون.
والحقيقة أن من خالف أمر القرآن ونهيه، لم يؤمن به، شاء أم أبى، ومن لم يتبع شريعة محمد ﷺ لم يصدقه، شاء أم أبى، لا تقبل دعوى بلا حقيقة، ولا قول بلا عمل.
والمصيبة العظيمة أن حرمات الله قد انتهكت، والفسوق قد انتشر بين المسلمين، ويحاول إخوان الشياطين: أن يقضوا على بقية الدين، ولا أحد ينكر أو يغار، أو يحزن لما يرى ويسمع من الأشرار، وينتحب على موت السنن وظهور البدع؛ ولا شك أن هذا علامة موت القلوب.
رحم الله ابن عقيل حيث يقول في زمانه: من عجيب ما نقدت من أحوال الناس، كثرة ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق، وذم الزمن وأهله، وذكر نكد العيش فيه.
وقد رأوا من انهدام الإسلام، وتشعب الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتقضي الأعمار في الفارغ الذي لا يجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي.
فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على ما فرط من عمره، ولا أسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببا إلا قلة مبالاتهم بالأديان، وعظم الدنيا في عيونهم، ضد ما
стр. 7323
كان عليه السلف الصالح، يرضون بالبلاغ من الدنيا، وينوحون على الدين، اهـ.
وقال ابن القيم ﵀:
لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم عند ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم، وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، عمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربا فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكرا.
فجاءتهم دولة أخرى أقامت فيها البدع مكان السنن، والنفس مكان العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم، إلى أن قال ﵀:
اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة، والأفعال
стр. 7324
الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش، وغلبة المنكرات والقبائح.
وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل، بتوبة نصوح، ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح، وكأنكم بالباب وقد أغلق، وبالجناب وقد علق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] .
وقال ﵀:
علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالوا للناس هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فهم في الصورة أدلَّاء، وفي الحقيقة قطاع طريق، اهـ.
فكيف لو رأى ابن القيم ﵀ هذا الزمان، الذي انهدم فيه جانب الحق، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في غالب الناس، واختلط الخبيث بالطيب، وظهر الفاسد، وتكلم بملء شدقيه بلا خفية، وسكت المحق، فإن تكلم، فبينه وبين نفسه، وانعكست الأمور، وتغيرت الأحوال، وكثر العلم وقل العمل، وتعلم العلم للدنيا.
واتصف غالب أهله بالعقائد الفاسدة، والأعمال الخبيثة: إلحاد، وزندقة، واستهزاء بالسنن وأهلها، وخلاعة، وفجور، وزنى، ولواط، وشرب مسكرات، وترك للصلوات، ومروق من الدين والآداب العربية بكل الكلمة،
стр. 7325
لا خوف من الله ولا حياء من خلقه.
همهم القيل والقال، والعكوف على آلات اللهو، والشهوات المحرمة، وأكل أموال الناس بالباطل، والربا، وأنواع الحيل المحرمة، والتفاخر في المآكل والملابس، والمباهاة في البنيان والأثاث، وصار الحب للدنيا، والبغض لها، والموالاة فيها، والمعاداة عليها.
فهم كما قال كعب الأحبار: "والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله شرابين للقهوات "أي الخمور"، تراكين الصلوات، لعّابين بالكعبات، رقّادين عن العتمات ١، مفرطين في الغدوات، تاركين للجماعات".
ومن صفتهم: يقرؤون القرآن، وهم بين كافر به وفاجر يتأكل به; وفي حديث لأبي سعيد: "ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم" ٢، وفي حديث آخر "وأما القرآن فيتعلمه المنافق فيجادل به المؤمنين" ٣ كما هو الواقع، فهذه والله صفات غالب أهل زماننا هذا.
ورحم الله ابن القيم حيث قال: الزنادقة قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله؛ وهؤلاء هم المنافقون، وهم في الدرك الأسفل من النار.
وذكر ﵀ من صفاتهم ما ينطبق على غالب أهل هذا الزمان، فراجعه في كتابه "طريق الهجرتين، وباب
стр. 7326
السعادتين"
في الطبقة الخامسة عشر، يتبين لك أحوال الناس، وما أخلوا به وضيعوه، من تعاليم دينهم، وسنّة نبيهم.
وهلاك الأكثرين بانغماسهم في الشهوات المحرمة، وموالاتهم لأعداء الله ورسوله، وتركهم الصلاة التي هي عمود الإسلام، والذين يصلون منهم يؤخرونها عن أوقاتها.
وتأمل ذلك تجده عامًّا في القرى والأمصار والبوادي، إلا بقايا ممن رسخت في التوحيد عقائدهم، واستنارت بالعلم قلوبهم وبصائرهم، وعن الشر يحذرون، وبالأدلة يرشدون، وعلى الأذى في الله يصبرون.
وهذا مصداق قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله" ١، لكنهم قليل.
وأنا وإن كنت لست من أهل هذا الشأن، وقاصر العلم واللسان، لكن لما رأيت ما عم وطم، من انقلاب الأكثرين عن دين الإسلام، وموالاتهم لعبدة الأوثان، وأعداء الشريعة من النصارى والملحدين والرافضة، حملتني الغيرة الدينية، والشفقة الإنسانية، أن أجمع بعض آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، ومن كلام علماء السنة المقتدى بهم، نبذة يسيرة في بيان تحريم مخالطة المشركين، ووجوب البعد عنهم، وحكم التولي والموالاة، والسفر إلى بلادهم، وما يجب على من اضطر
стр. 7327
إلى العمل مع الشركات الأجنبية، لتكون تذكرة للمؤمنين، وحجة على المعاندين، وسميتها: "الهدية الثمينة، فيما يحفظ به المرء دينه".
والله أسأل التوفيق وحسن النية، وأن يدفع عنا وعن عموم المسلمين كل بلية ورزية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فأقول:
قال العلماء: إن الله حرم على المؤمنين في كتابه، وعلى لسان نبيه ورسوله محمد ﷺ ، أن يوالوا المشركين ويظهروا لهم المودة، ولو بأدنى شيء من أنواع الانبساط، وتوعدهم بأعظم وعيد، وزجرهم بأكبر زجر وتهديد، كما في الآيات التي تسمعها الآن من كلام الله المحكم المبين.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] .
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [سورة النساء آية: ١٣٨-١٣٩] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ [سورة النساء آية: ١٤٤] .
﴿وَلَوْ
стр. 7328
كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨١] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم: بعدم ولايتهم، وثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.
وقال بعض المحققين: رتب الله على موالاتهم سخطه، والخلود في العذاب، وأخبر أن ولايتهم لا تحصل إلا ممن ليس بمؤمن، وأما أهل الإيمان بالله، وكتابه ورسوله، فإنهم لا يوالونهم بل يعادونهم، كما أخبر الله عن خليله إبراهيم والذين معه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١٣] ، ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] الآية،
﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
стр. 7329
مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢-٥١] الآيتين.
﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠] ،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٩] ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة آية: ٧٣] .
وقال في حق نبيه محمد ﷺ ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٥-٧٤] .
وقال عن خليله إبراهيم ومن آمن معه ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] ، وقال عنه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٧-٢٦] .
وقال عنه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة مريم آية: ٤٨] : قال العلماء: فهذه البراءة، وهذه الموالاة، هي معنى لا إله إلا الله، لاشتمالها على إثبات العبادة لله وحده، ونفيها عمن سواه؛ وهي حقيقة الإسلام، وهي ملة
стр. 7330
إبراهيم التي أمرنا باتباعها بقوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٣] .
فهذه أيها المسلمون، بعض من آيات الله، ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان، حاكمة بمنطوقها على كل مسلم يوالي الكفار والمشركين واليهود والنصارى، ولا ينكر عليهم شركهم، ويحسن أفعالهم أو يشك في كفرهم، أنه كافر، ولو عرف التوحيد وعمل بشرائع الإسلام الظاهرة. ولو تتبعنا أقوال العلماء على هذه الآيات، لطال الكلام، وخرجنا عن مقصود الاختصار.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن مشابهة المشركين والكفار فهي كثيرة معروفة; منها: قوله ﷺ في حديث ابن عمر: "من تشبه بقوم فهو منهم" ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أقل أحواله - أي هذا الحديث - أن يقتضي تحريم التشبه، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم.
وقال ابن كثير ﵀: وفيه النهي الشديد والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك مما لم يشرع لنا ولم نقر عليه.
وقد رأى النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو ثوبين معصفرين، قال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" ٢ الحديث في مسلم، نهى عن لبسها لأنها من ثياب الكفار.
وفي كتاب عمر إلى عتبة بن فرقد: "وإياك وزي أهل
стр. 7331
الشرك" وهو في الصحيحين، وروي عن حذيفة أنه أتى بيتا، فرأى فيه شيئا من زي الأعاجم، فخرج، وقال: (من تشبه بقوم فهو منهم) .
ويروى عن الإمام أحمد أنه دعي إلى وليمة عرس، فنظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه، فقال زي المجوس، زي المجوس.
وقال عمر: "لا تعلموا رطانة الأعاجم" إلى آخر ما قال ﵀، وقد كتب عمر إلى المسلمين المقيمين في بلاد فارس: "إياكم وزي أهل الشرك".
وما ورد في ذلك أكثر من أن يحصر، ولم يحذر الله عن مشابهتهم إلا لقطع المودة بينهم وبين المسلمين، وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى:?" ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ ١ قال: (الركون هو الميل في المحبة ولين الكلام) .
وقال: (إن من الركون إلى الكفار أن تبري لهم قلما" وقال عكرمة: أن تطيعوهم أو تودوهم، أو تولوهم الأعمال، كمن يولي الفساق والفجار، وقال الثوري: من لاث لهم دواة، أو برى لهم قلما، أو ناولهم قرطاسا، دخل في هذا، يعني في الوعيد.
وقال بعض المفسرين: فيها النهي عن اتباع أهوائهم، والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم،
стр. 7332
ومداهنتهم، والرضى بأعمالهم، والتشبه بهم والتزيّي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ [سورة هود آية: ١١٣] والركون هو الميل اليسير، فكيف بمن جالس الكافرين، وآكلهم، وألان لهم الكلام؟!.
ويذكر عن عيسى ﵇، أنه قال: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالبعد عنهم، واطلبوا رضوان الله بسخطهم; فإذا كان هذا مع أهل المعاصي، فكيف بالمشركين والكافرين، والمنافقين والملحدين؟!
وفي الحديث: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ١، وفيه: "المرء مع من أحب يوم القيامة" ٢، وفي حديث: "لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم".
ومما تقدم من الآيات، والأحاديث، وأقوال العلماء، يتبين أنه يجب على المؤمنين إظهار العداوة للكفار والمشركين، والبراءة منهم والبعد عنهم؛ وأن ذلك هو حقيقة الإسلام.
ويتبين أن المسلم إذا والى المشركين وأطاعهم، ووافقهم على رغبتهم، لأجل مال أو غيره، من غير إكراه، أنه كافر، ولو كان يعرف كفرهم ويبغضهم.
وقد جاء الأمر بمجاهدة الكفار والمشركين، والغلظة عليهم في غير موضع من كتاب الله؛ بل جاء الأمر بالإنكار على المجاهر بالمعاصي، ولو كان مسلما، فكيف بمن يوالي
стр. 7333
المشركين، ويحبهم، ويرى سبيلهم أهدى من سبيل المسلمين؟!
فيجب على المسلم معرفة أمور، من فعلها دخل في الوعيد، وتعرض لمسيس النار، التولي العام، الركون القليل، مداهنة الكفار ومداراتهم، طاعتهم فيما يقولون ويشيرون، تقريبهم في الجلوس، وتقديمهم في الدخول على أمراء الإسلام، مشاورتهم في الأمور، استعمالهم في الوظائف، اتخاذهم بطانة، مجالستهم ومزاورتهم والدخول عليهم، البشاشة لهم والطلاقة، الإكرام العام، استئمانهم وقد خونهم الله.
معاونتهم في أمورهم ولو بأدنى شيء، مناصحتهم، اتباع أهوائهم; مصاحبتهم ومعاشرتهم، الرضى بأعمالهم، التشبه بهم والتزيّي بزيهم; ذكر ما فيه تعظيمهم كتسميتهم سادات وحكام وحكماء، والسكنى معهم في ديارهم.
إذا تبين هذا فلا فرق بين أن يفعل ذلك مع أقربائه منهم، أو مع غيرهم؛ ولا تجتمع محبة الله، ومحبة أعداء الله في قلب مسلم.
قال ابن القيم:
تحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
إذا فهمت ما تقدم، تبين لك انحراف كثير من أهالي هذا الزمان عن الدين، وردتهم الصريحة، لمبادرتهم إلى
стр. 7334
موالاة المشركين، ومحبتهم وتحسين أعمالهم، مع تركهم الواجبات، وانتهاكهم المحرمات؛ فيجب ويتعين على كل مسلم ناصح لنفسه أن يعرف ما قرره العلماء ﵏، من الفرق بين التولي والموالاة.
قالوا ﵏: الموالاة مثل لين الكلام، وإظهار شيء من البشاشة، أو لياثة الدواة، وما أشبه ذلك من الأمور اليسيرة، مع إظهار البراءة منهم ومن دينهم، وعلمهم بذلك منه، فهذا مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وهو على خطر.
وأما التولي: فهو إكرامهم، والثناء عليهم، والنصرة والمعاونة لهم على المسلمين، والمعاشرة، وعدم البراءة منهم ظاهرا؛ فهذا ردة من فاعله، يجب أن تجرى عليه أحكام المرتدين، كما يدل على ذلك الكتاب والسنة، وإجماع الأمة المقتدى بهم.
ومن كلام العلامة القصيمي محمد بن عبد الله بن سليم في هذا المعنى، قال ﵀: النوع الأول: أن يودهم ويود ما هم عليه من الكفر، ويطمئن إلى ذلك ويرضى به، فهذا كفر بلا ريب.
النوع الثاني: أن يودهم لغرض دنيوي، مع كراهته لما هم عليه، وتضليلهم، فهذا قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، متعرض للوعيد.
وأما السفر إلى بلاد المشركين والإقامة عندهم فقد قال ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني
стр. 7335
المشركين، لا تراءى ناراهما ١") .
وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك أو سكن معه، فإنه مثله" ٢ وأخذ النبي ﷺ على بعض أصحابه: أن لا تراءا نارك نار المشركين، إلا أن تكون حربا لهم.
وقد عاتب الله المسلمين الذين تخلفوا عن الهجرة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٣ الآية، قيل: لما نزلت هذه الآية، كتب بها إلى من بمكة من المسلمين أنه لا عذر لهم بالإقامة، فخرجوا. وهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما.
قال القرطبي في شرح مسلم: ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر، مع التمكن من الخروج منها، لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة على نفسه، وهذا حكم ثابت مؤبد إلى يوم القيامة.
وعلى هذا، فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر، لتجارة
стр. 7336
ولا غيرها، مما لا يكون ضروريا في الدين، كرسل، وفكاك الأسير المسلم، وقد بطل الإمام مالك ﵀ شهادة من دخل بلاد الهند للتجارة. انتهى.
وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، ﵀: واجب على كل مسلم عداوة الكفار والمشركين وبغضهم وهجرهم ومفارقتهم بالقلب واللسان والبدن ... إلى أن قال:
فتبين أن إظهار الدين، هو التصريح بالعداوة والبغضاء، وأن قول من أعمى الله بصيرة قلبه: إن إظهار الدين كون الكفار لا يمنعون أحدا من الصلاة، ولا من الحج، والأذان، قول باطل، مردود شرعا وعقلا.
وقال الشيخ: حمد بن عتيق ﵀: فمن أعظم الواجبات على المؤمن: محبة الله ومحبة من يحبه من الأشخاص، كالملائكة، وصالحي بني آدم، وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وبغض من فعل ذلك; فإن رسخ هذا الأصل في قلب المؤمن، لم يطمئن إلى عدو الله، ولم يجالسه، أو يلفت النظر إليه.
فلما ضعف هذا الأصل في قلوب كثير من الناس واضمحل، صار حال كثير منهم مع أعداء الله، كحاله مع أوليائه، يلقى كلا بوجه طلق، وصارت بلاد الحرب عنده كبلاد الإسلام، ولم يخش غضب الله الذي لا تطيقه الأرض والسماوات والجبال الراسيات.
стр. 7337
ولما عظمت فتنة الدنيا في صدور كثير من الناس، وصارت أكبر همهم، ومبلغ علمهم، حملهم ذلك على التماسها ولو بوجه يسخط الله؛ فسافروا إلى أعداء الله في بلادهم، وخالطوهم في أوطانهم، ولبس الشيطان عليهم أمر دينهم، فنسوا عهد الله الذي أخذه عليهم في مثل قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، إلى آخر ما قال ﵀.
ومن كلام لبعض المحققين قالوا ﵏:
يحرم السفر إلى بلاد المشركين للتجارة، إلا أن يكون المسلم قويا، له منعة، يقدر على إظهار دينه، وتكفيرهم، وعيب دينهم، والطعن عليهم، والبراءة منهم، والتحفظ من مودتهم والركون إليهم; وليس فعل الصلاة فقط إظهارا للدين.
وقول القائل: إنا نعتزلهم في الصلاة، ولا نأكل ذبيحتهم، لا يكفي في إظهار الدين، بل لا بد مما ذكر.
قلت هو كما تقدم: أن يتبرأ من المشركين والكفار، وأن يصرح لهم بأنهم كفار، وأنه عدو لهم، ويعلمون ذلك منه، فإن لم يحصل ذلك، لم يكن مظهرا للدين.
وقول بعضهم: إنهم لا ينكرون علينا، قول فاسد؛ فالكلام على من يظن به الخير ممن يخالطهم، يخاف عليه إن سلم من الردة لا يسلم من الكبيرة الموبقة.
وأما من يظن به مودة الكافرين وموالاتهم، أو يرى
стр. 7338
دينهم أهدى سبيلا من المؤمنين، كحال أكثر الناس اليوم، فهذا مرتد عن دينه بإجماع المسلمين.
وقال بعض العلماء ﵏:
اعلموا أن المعاصي أنواع بعضها أكبر من بعض، فأعظمها: الشرك بالله في عبادته ... إلى أن قال: وهذا الذنب له وسائل، وذرائع، توصل إليه، فأعظمها موالاة أعداء الله على اختلاف أنواعها.
وقد أصبح أهل هذا الزمان في غفلة عنها، وأكثرهم يواليهم أو يوالي من يواليهم، يقرؤون القرآن، وفيه تحريم موالاتهم، ونفي الإيمان عمن يفعل ذلك ... إلى أن قال: وأكثر الناس لا يفرق بين الإسلام وضده، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض؛ ومن كفر ببعض كمن كفر بالكل.
وقال بعضهم: أصل الموالاة هو الحب والنصرة والصداقة، ودون ذلك مراتب متعددة، ولكل ذنب من الوعيد والذم ما هو معروف، ونواقض الإسلام تقارب أربعمائة ناقض، كما هو معروف في مصنفات العلماء.
والمجمع عليه منها عشرة، الثالث من العشرة: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم واستحسنه، كفر، والثامن: منها مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] .
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى لنبيه ﷺ :
стр. 7339
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [سورة النساء آية: ٦٣] : أمر الله نبيه بالإعراض عن المنافقين وإغلاظ القول عليهم، ولا يلقاهم بوجه طلق، بل يلقاهم بوجه عابس مكفهر، متغير من الغيظ.
فإذا كان هذا مع المنافقين الذين هم بين أظهر المسلمين، يصلون ويصومون ويحجون، ويجاهدون، فكيف بمن سافر إلى المشركين، وأقام بين أظهرهم أياما وليالي؟!
قلت: بل أشهرا وسنين مطمئنا، مستأذنا عليهم في بيوتهم، متعلما منهم مكثرا لهم التحية، ملينا لهم الكلام، وليس له عذر إلا طلب العاجلة؛ ولم يجعل الله الدنيا عذرا لمن اعتذر بها، كما نبه الله على ذلك في كتابه.
وفي حديث طويل قال: "لا يحملنكم الشيطان باستبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته".
ولما نهى الله أن يقرب المشركون المسجد الحرام، قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٨] ، فلم يعذر الله بالفقر والفاقة، والحاجة إلى ما في أيدي الكفار، وأخبر أنه ﴿هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٨] .
وغاية ما عند الموالين الاعتذار بالحاجة، وما كان ذلك عذرا صحيحا كما بين الله في كتابه وعلى لسان رسوله.
فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد، ونشؤوا
стр. 7340
فيه، ودانوا به زمانا، كيف خرجوا عن ولاية رب العالمين إلى ولاية المشركين والنصارى والملحدين، ورضوا بها؟! ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [سورة الكهف آية: ٥٠] ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨١] ، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] .
فالله الله عباد الله!! انتبهوا من هذه البلية العظيمة التي صيرت أهل الإسلام والضلال جماعة واحدة، ويجب على من نور الله بصيرته، إذا عرف إنسانا من أقاربه وجماعته بهذا الأمر أن ينصحه ويدعوه إلى الله سبحانه، ويعرّفه قبح ما ارتكبه؛ فإن تاب وأناب فهذا هو المطلوب، وإن أصر وعاند فيعاديه، ويبتعد عنه؛ ولكل فاسق حكم ما ارتكبه.
ومن أراد الله فتنته وضلاله، فلن تجد له وليا مرشدا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [سورة يونس آية: ٩٧-٩٦] .
ومن أراد الوقوف على هذه المباحث القيمة بأدلتها، فليطالع "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ورسالة "حكم موالاة أهل الإشراك"، ورسالة "بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك" فإنه يجد ما يكفي ويشفي، والله ولي التوفيق، والهادي لأقوم طريق.
اعلموا أيها المسلمون، أن العمل مع الشركات الأجنبية من أعظم الخطر على العمال المسلمين، لما يحصل
стр. 7341
من تغيير العقائد، وفساد الأخلاق، وانتشار الفوضى، ونقض عرى الإسلام.
وقد فاهوا من الآن بسبّ الخير وأهله وبغضهم، واستنكار السنن، وخالفوا علنا، ومالوا إلى الدنيا وزخارفها، وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وضلوا وأضلوا إلا القليل منهم.
وإن العمال الموجودين الآن عند الشركات الأجنبية على قسمين:
الأول: المستخدمين في بيوتهم ومكاتبهم وأشغالهم الخاصة، المحبوسين تحت أوامرهم وسيطرتهم، خاضعين لهم ذليلين حقيرين، يتصرفون فيهم كيف شاؤوا. ومع ذلك هم تاركين لكثير من الواجبات، فاعلين لكثير من المحرمات، لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلا لفظها، فهؤلاء مثلهم.
ومن شك في ردتهم عن الإسلام، فهو لم يعرف الدين الصحيح، ولم يشم رائحة العلم النافع، ومثل هذه الخدمة محرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
القسم الثاني: الأجراء على أعمال معينة، كبناء البيوت، وحفر الآبار، وإصلاح السكك، وما أشبه ذلك في أجور معينة، يومية أو شهرية،
فمثل هذه الإجارة جائزة مع الضرورة، بشرط بعدهم
стр. 7342
عنهم، وعدم الخضوع والاستذلال لهم، والقيام بواجبات الإسلام وأدائها على الوجه المشروع.
إذا فهمتم ما تقدم من استحكام غربة الدين، وانتهاك الحرمات، وانتشار الفسوق والعقائد الفاسدة، والفرق بين التولي والموالاة، وحكم السفر إلى بلاد المشركين، وبيان كيفية إظهار الدين، والفرق بين الخدمة عند المشركين والإجارة معهم، فواجب عليكم أن تتعلموا الدين الصحيح لتعملوا به، وتعرفوا أهله فتوالوهم وتحبوهم، وتعرفوا الشر لتجتنبوه، ولتعرفوا أهله فتبغضوهم، وتعادوهم، وتبتعدوا عنهم، ولو كانوا آباءكم أو إخوانكم أو أخواتكم.
ولا تكونوا كالأنعام يقودكم الشيطان إلى الآثام، ويتحكم الكفرة فيكم بما شاؤوا، حتى يخرجوكم من دينكم وأنتم لا تشعرون; قفوا عند حدود الله، وقوموا بفرائض الله؛ فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
يا من يهمهم أمر دينهم نصيحتي لكم بالبعد عن المشركين والمنافقين والفاسقين، قال الله لنبيه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] .
إن مرافقة الأشرار عار وهلاك; إنكم في زمان شره كثير وخيره قليل، ابتعدوا عن قرناء السوء، فإنكم إن لم
стр. 7343
تشاركوهم في عملهم أخذتم بنصيب من الرضى عنهم، والسكوت عن الإنكار عليهم، فتكونوا أنتم وإياهم في الإثم سواء.
ومن أعان على معصية ولو بشطر كلمة، كان شريكا فيها; والساكت عن المعصية يقع في معصيتين: السكوت على الباطل، ومرافقة أهله؛ وخير لكم البعد عنهم ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٣-٢] .
ولو أخذ الإنسان حبله وجاء بحزمة حطب، أو كان حمالا، أو محترفا بقريته، خير له من الدخول والعمل في هذه الشركات الأجنبية.
ومن المصيبة أن أكثر العمال اليوم، تهاونوا بالدين، وضيعوا الصلاة التي هي عمود الإسلام؛ ولا دين لمن لا صلاة له، وإذا ضاعت الصلاة، لم يبق دين ولا إسلام. فالصلاة فرض لازم لا تسقط بحال، ما دام العقل موجودا؛ وهي فرض عين على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصحيح والسقيم، والغني والفقير.
وتارك الصلاة كافر، لا حظ له في الإسلام، بعيد عن كل خير قريب من كل شبر؛ تقرر كفره بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وإجماع الأئمة المقتدى بهم، ولا نطيل بذكر الأدلة لأنها معروفة.
والذين يصلون منهم، غالبهم يؤخرونها عق أوقاتها;
стр. 7344
ولا يؤدون الواجب فيها، قال الله في حقهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] : فالإضاعة: تأخيرها عن وقتها; وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٥-٤] .
وقال النبي ﷺ : "هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها"؛ فمن يؤخر الصلاة عن وقتها، فهو سفيه معرض عن الله، قد أضله الهوى، والشيطان أغواه، لا دين له ينهاه عن سيئات الذنوب، ولا حياء له يردعه عن العيوب؛ فمثل هذا ليس له عدالة، ولا يقبل له قول شهادة، يجب على المسلمين هجره، والبعد عنه حتى يتوب.
ومثل هؤلاء الذين يتعلمون في مدارس الإفرنج، فإن التلميذ على عقيدة أستاذه ودينه وأخلاقه، فهم أضر شيء على المجتمع الإسلامي، ولا يغتر بهم إلا جاهل.
فإن أعداء الله ورسوله قد علموا أن أعظم ما يبطل إلحادهم، دين الإسلام؛ فنحوا الدين عن المتعلمين وأبعدوه عن مدارسهم بالكلية، أو يجعلون التعليم في الدين شيئا ضعيفا اسما بلا مسمى.
وهذه العلوم العصرية ١ هي مبادئ الإلحاد ومقدماته،
стр. 7345
ولهذا نرى النشء الجديد المتعلم في مدارس الشركات، لا قدر للدّين عندهم، ولا بصيرة لهم فيه، لضعف تعليمه عندهم.
ومتى ضعفت البصيرة في الدين والقلوب، وتعلقت بغيره، انهارت الأديان والأخلاق كما هو مشاهد؛ وهذا النشء المتعلم في مدارس الشركات في الداخل أو الخارج، وبعض العمال، هم أكبر سلاح على أمتهم في إفساد الأخلاق والأديان، فلا يغتر بهم.
أيها المسلمون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا تهنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، لا تذلوا أنفسكم لأعداء الله، ولا تبيعوا دينكم بعرض من الدنيا هل من سامع للنصيحة؟ هل من مطيع لأوامر الله ورسوله؟ هل من منته عما
стр. 7346
نهى الله ورسوله عنه؟ فيسعد في الدنيا والآخرة.
فإن اضطررتم أيها المسلمون إلى العمل بالأجرة، في معامل هذه الشركات الأجنبية، وبليتم بمخالطة هؤلاء الأجناس الأرجاس، الذين لا دين لهم مستقيم، ولا أخلاق شريفة، فإن حكومتكم أيدها الله، قد أخذت لكم الحقوق منهم تامة، ورفعت لكم الأجور، وحفظت لكم المصالح، وميزتكم عمن سواكم، لشرف الإسلام.
فعليكم بتقوى الله ، والقيام بواجبات الإسلام، والعمل بتعاليمه؛ وأعظمها بعد الشهادتين: الصلاة في أوقاتها جماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجماعتكم المسلمين، وأداء النصيحة لهم، والبعد عمن أخل بدينه منهم، اهجروهم، لا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تجالسوهم، واحذروا منهم: وبيّنوا حالهم ليعاملوا بما يستحقونه.
ولا تخضعوا للكافرين، ولا تبدؤوهم بالسلام، ولا تعظموهم في شيء من الأمور، وأظهروا لهم البغضاء والعداوة، وأدوا الأمانة لمن ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وخذوا ما لكم من الحقوق، وأدّوا ما عليكم منها، ولا تطيعوا في معصية الله أحدا أبدا كائنا من كان. "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ١.
لا تبدؤوهم بالسلام، ولا تقوموا لهم، وإذا لقوكم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه، ولا تقلدوهم في شيء من
стр. 7347
أمورهم وأفعالهم، خالفوا اليهود، يقول نبيكم ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" ١، واحذروا شرب شيء من المسكرات، واستماع الغناء وآلات اللهو، كالسينما، والصندوق، والربابة، والسمسمية، والمزامير، سواء أكانت من الراديو أو غيره. وصلى الله على محمد.
آخر الجزء الخامس عشر ويليه السادس عشر
وفيه بقية البيان الواضح، وتراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة.
стр. 7348
المجلد السادس عشر: (القسم الثاني من البيان الواضح، وتراجم أصحاب تلك الرسائل والأجوبة)
الباب التاسع (تابع)
الفصل الثالث: السبب الأعظم لضعف العلم والإسلام
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثاني من البيان الواضح
الفصل الثالث من الباب التاسع [السبب الأعظم لضعف العلم والإسلام]
والسبب الأعظم لضعف العلم والإسلام، والكسر الذي لا ينجبر، والطامة الكبرى: استجلاب معلمين ملحدين من البلدان المنحلة، لنشر الثقافة - يعني الغربية - ورفع الأمية.
ويحملون معهم برنامج التعليم الذي يشتمل على فنون محظورة، من تصوير، وغيرها مما له معاهد في تلك الأوطان في بلادهم، التي أعرضت عن دين الله وشرعه، واشتهرت فيها شعائر الكفر، ليجتثوا الإسلام من أصله، بسبب ما هم عليه من عداء، وما في قلوبهم من حقد، قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٢] .
وقد أخذ عنهم أكثر الشباب مواد تعليمهم وتخلقوا بأخلاقهم، فيا ليتنا تلقيناهم بنحورنا نصرة لدين الله فمنعناهم، أو نلنا الشهادة؛ وعذرنا غدا بين يدي رب
стр. 7349
العالمين; وفضل الجهاد في سبيل الله قد أفرد بالمصنفات، وفي أثناء كتب الحديث وغيرها.
وقد حدثني من لا أتهم: أن فلانا قال للشيخ عبد الرحمن بن حسن: يا شيخ عبد الرحمن، جدك الشيخ محمد جاء بشجرة لا إله إلا الله، فغرسها في بلدة العيينة، فصارت الأرض صلدة سبخة، فحملها إلى الدرعية، فصارت الأرض خصبة، فسقاها بالدعوة، وحماها محمد بن سعود بالسيف، فأينعت، وأراها في عصركم خوت; هذا والشيخ عبد الرحمن بن حسن يقول: لو ظهر علينا أهل الدرعية لقاتلونا.
وفي عصر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وطبقته صارت أشد خويانا، لأن المحتسبين في عصر الشيخ عبد الرحمن بن حسن أمسكوا كاتب الإمام فيصل، خرج من بيت فيه عزب، وطلبوا من الإمام ضربه في السوق، فقال: اضربوه في الحوشة.
فأتوا إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فقال للإمام فيصل: يضرب الرجل في السوق; فقال الإمام: يضرب في الحوشة، فقال الشيخ: نسلم عليك، وخرج من الرياض إلى بلدة الحوطة.
فتبعه الإمام فيصل، وطلب منه أن يرجع; فقال: عاهدناك على دين الله ورسوله، ولا أرجع حتى تعاهدني
стр. 7350
الآن على ذلك، والرجل يضرب في السوق، فعاهده، وضرب في السوق.
وفي عصر الشيخ عبد الله: كنت أسير معه من المسجد إلى بيته في بعض الأيام، وذات يوم تبعه رجل من الإخوان، فأدركه في أثناء الطريق، فقال: يا شيخ عبد الله، هذا الكافر "فلبى" يدخل المسجد، أفلا نقتله؟ قال: لا يا ولدي، قال: أفلا نخرجه منه؟ ولم أحفظ ما قاله، فالتفت الشيخ إليه، فإذا هو قد ولى مدبرا، فالتفت إلي ودموعه على خديه، وقال بحزن: إيه سوف يعلمون. وأخبرني الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد باسم الرجل، وقال: إنه قال: أخرجوه أخرجوه، سوف يعلمون، سوف يعلمون، فلا أدري هل ما قاله مرة أخرى، أو تلك المرة، لأنه يقيم في البلد، ومن أخص الناس بالشيخ عبد الله.
وكان الشيخ سعد بن عتيق يذكر الناس في السوق، ولما مر بقوله ﷺ "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله" ١ وأنهى الكلام عليه، قام على قدميه ورفع صوته وهو يبكي فقال: ينزل النصراني في بيت أرفع من بيوت المسلمين التي حوله؟! وأزعج الناس. وكان عنده من رجال الملك عبد العزيز، فأخبروه،
стр. 7351
ثم توجه الملك إلى الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وذكر له ما قال الشيخ سعد في السوق، فقال الشيخ عبد الله: نحن سكتنا، وتكلم الشيخ سعد بالواجب.
وفي هذا العصر ضعفت الغيرة الدينية من الأكثر، بسبب القادمين من بلاد الخارج، والتابعين لهم، فجاؤوا إلى شجرة لا إله إلا الله، التي جاء بها وغذاها المصلح، وأيدها بسيفه الناصر للدين، ليقتلعوها من وطن ازدهرت فيه برهة من الزمن.
إن لم تدارك بتكاتف العلماء، ومساعدة الرؤساء، فلسوف تزال، كما زالت من تلك الأمصار، التي كانت هي مقر الإسلام وولاته، ومجتمع العلماء، وتبليغ العلم; وفي انحرافهم لنا عبرة ألا نسلك مسالكهم، وألا يتسرب إلينا باطلهم.
وجدير بولاة الأمر والعلماء الاقتفاء بآثار آبائهم وسلفهم الصالح، وأن يبنوا ما تهدم من بنائهم الرفيع، ليفوزوا بحسن الثناء في الدنيا، والأجر الجزيل في الآخرة، وألا يذهب العلم والإسلام من وطنه الذي بناه سلفهم الصالح، وأن يقتفوا آثارهم في تعليم العلم وحماية الإسلام، وأن يزيلوا بدع ما جاء به أذناب المنحلين من صفة تعلمهم المضعف للعلم.
стр. 7352
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العلوم المفضولة إذا أضعفت العلم، حرمت، فكيف بالعلوم المحظورة، ثم بترقب شهادات لمقدار الأجر؟! وفي الحديث: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" ١ يعني: ريحها.
وذكر لنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد عن العاصمي، فقال ما معناه: إن أول مدرسة نظامية بنيت ببغداد، وطلب لها العلماء، وأجري لهم ولطلاب العلم مرتبات، والتحق بها كثير؛ ولما علم علماء بخارى بكوا بكاء شديدا، متأسفين على العلوم الإسلامية. فقيل لهم: ما هذا البكاء؟ وما هذا الجزع؟ ما هي إلا مدرسة دينية للعلم، كالتفسير، والحديث، والفقه، وغيرها; فقال العلماء: إن العلم شريف في نفسه سام، لا يحمله إلا النفوس السامية الزكية الشريفة، ويشرفون بشرف العلم. أما إذا أجريت المرتبات لطلابه، أقبل إليه من لا خير فيه، من السقطة والأراذل الذين يريدون بتعلمهم العلم لنيل المناصب، والوظائف، وأخذ المرتبات، فيزول العلم ويسقط بسقوط وإزالة حملته، فيصبح العلم الشريف لا قيمة له.
стр. 7353
ثم قال العاصمي: أما اليوم فلا طالب ولا مطلوب، ولا راغب فيه ولا مرغوب، لفساد الزمان. انتهى. وذلك في تلك العصور المعروف عن أهلها الجد في العلم النافع، واتساعه في أقطار الأرض؛ وفي هذا العصر، في العقد التاسع من القرن الرابع عشر، خلت المساجد، وبنيت المدارس، وأجريت الأجور، وأثبتت الشهادات لكل فصل، لمقادير الأجور والرتب. فيا حسرتاه! واحزناه! وارباه! واحر قلباه! لقد غزانا في هذه البقعة المباركة، التي ازدهرت فيها هذه الدعوة المباركة، وفيها مهابط الوحي: الألوف من أهل الخارج، ذكورا وإناثا، باسم التعليم والتربية، والتمريض، وغيرها. وفي برنامجهم: الحقوق، والطبيعة، والتصوير، والمادة وغيرها مما يزيد على ثلاثين فنا لإضعاف العلم النافع، أمنية أعداء الإسلام ليملكوا المسلمين. فيا لله! يا للمسلمين! وفيما ذكره علماؤنا الذين لهم غيرة لله كفاية.
стр. 7354
[رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى حضرة معالي وزير المعارف يوصيه بتقوى الله، ويظهر تأسفه الشديد بشأن بث الأخلاق السيئة]
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن محمد بن حميد، إلى حضرة معالي وزير المعارف، حفظه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، على الدوام، أدام المولى على الجميع نعمه.
وبعد: فإني أوصيك ونفسي بتقوى الله تعالى، ومراقبته في السر والعلانية؛ فإنها سبيل السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة. وإني أسطر لكم هذه الأحرف، حينما بلغني ما يسوؤني ويسوؤكم، ويسوء كل مسلم غيور على دينه، وعلى الأمة الإسلامية والأخلاق الحسنة.
فإن هذه الوزارة التي هي وزارة المعارف، والتي أنتم تديرونها وأنتم الرائد الأول لها، قد أصبحت الآن مصدرا كبيرا لبث الأخلاق السيئة، وتبلبل الأذهان، واضمحلال العقيدة السلفية التي غرسها أوائلكم الأفاضل، في هذه الجزيرة.
وإنا والله نأسف أشد الأسف أن يحصل مثل هذا مع وجودكم، وأنتم الآن بأيديكم زمام هذا النشء، وتستطيعون قيادته إلى المكان الأعلى، ومع ذلك تهملون هذا الإهمال المتناهي.
стр. 7355
بل لم تقتصروا على ذلك، حتى كنتم سببا لإدخال من أراد أن يهدم عقيدتكم، وعقيدة آبائكم، وعزكم وعز آبائكم، وما ذاك إلا باجتلابكم هؤلاء الزنادقة، وبثهم في كل صقع من المملكة، وإغرائهم وتشجيعهم بكثرة المرتبات، وعدم المراقبة عليهم فيما يبثون بين النشء، من هذه السموم القتالة، من أخلاق منحرفة، ودعايات سيئة، دعايات المجون والخلاعة، دعايات الزندقة والإلحاد، دعايات التهكم بهذا الدين ورجاله.
ولقد بلغني أنه يوجد في كلية الشريعة بمكة، التي أسست لتكون مركزا لنشر العلم الصحيح، والدين القويم، وتعتبر أرقى مرحلة من مراحل التعليم، والتي تخرج رجال القضاء والتعليم الديني، يوجد فيها شخص يسمى "الدكتور فوزي بشبيشي" قد تجاوز الحد، وتمادى في الطغيان، وبلبلة أذهان الطلاب.
ومع انحلاله من الدين، أصبح أكبر داعية للإلحاد والزندقة، والتهكم بالدين وحملته، وتلقيبهم بالتغفيل والرجعية، ومع ذلك له سنوات في هذه الكلية مكرما ومعززا.
وإليكم شيئا مما ثبت لدينا عنه، فمنها: رميه أسئلة التفسير - مع ما اشتملت عليه من الآيات القرآنية - على