مُنتَقى مِنْ مُسنَدِ أبي بَكْرٍ محمَّدِ بنِ هارُونَ الرُّويانيِّ (المتوفَّى ٣٠٧ هـ)
انتقاء: الحافظِ ضياءِ الدِّينِ محمَّدِ بنِ عبدِ الواحِدِ المَقْدِسيِّ (المتوفَّى ٦٤٣ هـ)
ويليه: ملحَقٌ بمرويَّاتٍ مِنْ طريق محمَّد بن هارون الرُّوياني في مسنده
تحقيق: خالد عبد العظيم الحُوَيني
стр. 2
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعدُ،
فهذه هي الطبعة الثانية من تحقيقي لكتاب: «الجزء الأول منتقى من مسند أبي بكر محمد بن هارون الروياني» انتقاء الحافظ: ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (ت: ٦٤٣ هـ) زدتُ فيها ملحقاً بمرويات من طريق الروياني في مسنده، (٢١) حديثاً من كتاب «كتاب في معاني قول النبي ﷺ : [أنزل القرآن على سبعة أحرف]» ل أبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن حسن الرازي (ت: ٤٥٤ هـ) (١).
وحديث واحد من «جزء مُنتَقى من الأحاديث الصحاح والحسان» جمع: ضياء الدين المقدسي.
واكتفيتُ فيه بذكر رقم الحديث في النسخة المطبوعة، وهي بتحقيق حسن ضياء الدين عتر. طبعة: أوقاف قطر.
وقد تصرَّف محققها في عنوان الكتاب، وفي أكثر من موضع في النص، فزاد فيه ما ليس منه وعدَّل، على خلاف ما هو مقرر في قواعد التحقيق، من إثبات النص كما هو، والتعليق عليه في الهامش بما يُريد؛ لذلك اعتمدتُ ما في الأصل، واستبعدتُ ما زاده المحقق وتصرَّف فيه.
_________
(١) نبهني لهذه المواضع أحد مشايخي الكرام جزاه الله عني خيرا.
стр. 3
وقد حاولتُ الحصول على نسخة خطية للكتاب محفوظة في المدرسة الأحمدية بحلب، فلم أُوفَّق في ذلك.
وأسأل الله أن ينفع به كل مَنْ وقف عليه، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم ألقاه.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.
كتب
خالد عبد العظيم الحويني
قرية حوين- مركز الرياض- كفر الشيخ- مصر
يوم الأحد ٢٨ شوال ١٤٤٣ هـ
٢٩ مايو ٢٠٢٢ م
صاحبُ المُسنَدِ المشهورِ، عالي الطَّبقةِ؛ أدركَ شيوخَ شيوخِه، وعُمِّر دهرًا طويلًا، حتى سَمِعَ منه المُسنَدَ الجَمُّ الغفيرُ مِنْ أصحابِ الحديثِ.
امتازَ مُسْنَدُه ﵀ بعُلوِّ إسنادِه، وعِزَّةِ مروياتِه ونُدرتِها في المصادرِ الحديثيَّةِ الأخرَى.
لم يصلْنا مِنْ مسندِه إلَّا قطعةٌ وحيدةٌ، وهذا النَّقصُ وقعَ قديمًا في القرْنِ الخامسِ الهجريِّ وبعدَه.
قال ابنُ نُقطةَ (ت: ٦٢٩ هـ): «وجمَع مُسنَدًا وقع إلينا بعضُه
بأصبَهانَ» (١).
وقال أيضًا: «حدَّث ببغدادَ وبأصبهانَ ببعضِ مُسنَدِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ، وهو القدْرُ المسموعُ من أبي الفضلِ الرَّازيِّ» (٢).
وقال أيضًا: «وسُمِعَ من أبي عبدِ اللهِ الخلَّالِ ما رَوَى من مُسنَدِ محمدِ ابنِ هارونَ الرُّويانيِّ» (٣)
وقال الحافظُ ابنُ حجَرٍ: «ووقفتُ أيضًا على قِطَعٍ من عدَّةِ مسانيدَ، كمُسنَدِ .. ومحمدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ» (٤)
_________
(١) «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» (ص: ١١٧).
(٢) «التقييد» (ص: ٢٩).
(٣) «التقييد» (ص: ٤٨١).
(٤) «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» (٢/ ٢١).
стр. 6
أخي القارئَ الكريمَ:
هذا الجزءُ الذي بينَ يدَيكَ هو منتَقًى مِنْ هذا المُسنَدِ المبارَكِ، يُنشَرُ لأوَّلِ مرَّةٍ، انتقاه الإمامُ الحافظُ الكبيرُ ضياءُ الدِّينِ محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ المَقدسيُّ ﵀ (ت: ٦٤٣ هـ).
ترجِعُ أهميتُه إلى كونِ أسانيدِه غيرَ موجودةٍ بالقطعةِ المطبوعةِ منْ مُسنَدِ الرُّويانيِّ، فهي تُنشَرُ لأوَّلِ مرَّةٍ، ولعلَّ اللهَ سبحانَه يمُنُّ علينا بما تبقَّى من هذا المُسنَدِ المبارَكِ.
وكان منهجي في تحقيقِه كالتالي:
أولًا: قمتُ بنسخِ المخطوطِ عن أصلِه، مُراعيًا علاماتِ التَّرقيمِ الحديثةَ.
ثانيًا: كتبتُ الآياتِ القرآنيةَ بالرَّسمِ العُثمانيِّ، مع عَزوِها لمواضِعها من المصحفِ الشَّريفِ.
ثالثًا: رقمتُ أسانيدَه، وشرحتُ غريبَه، وضبطتُ ما يُشكِلُ في النَّصِّ.
رابعًا: خرَّجتُ أحاديثَه، واكتفيتُ فيه بمَن أخرجَه مِنْ طريقِ المصنِّفِ، أو تابَعَه، أو تابع شيخه على روايتِه وهكذا.
خامسًا: وضعتُ فهرسًا للآياتِ، والأحاديثِ، والمراجِعِ، ثُمَّ فهرسًا عامًّا.
سادسًا: قدَّمتُ للنَّصِّ ب:
ترجمةٍ لصاحبِ المُسنَدِ، محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ، ورُواةِ الجزءِ عنه، وترجمةِ الضِّياءِ المَقدِسيِّ.
стр. 7
ثمَّ وصفتُ النُّسخةَ الخطِّيةَ، وأتبعتُها بصورٍ منها.
وختامًا، أسألُ اللهَ الكريمَ سبحانَه أنْ يتقبلَه منِّي، وأنْ يرضَى به عنِّي، وأن يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ، إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
وآخرُ دعْوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.
وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على سيدِنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.
وكتب
خالد عبد العظيم الحويني
قرية حُوين -مركز الرياض - كفر الشيخ - مصر
صباح الجمعة ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٢ هـ
٣٠ يوليو ٢٠٢١ م
стр. 8
ترجمةُ صاحبِ المُسنَدِ
محمَّدِ بنِ هارُونَ الرُّويانيِّ
اسمُه (١):
هو أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ الرَّازيُّ الآمُلِيُّ الطَّبَريُّ.
الرُّويانيُّ: هذه النِّسبةُ إلى رُويانَ، وهي بلدةٌ بنواحي طَبرسْتانَ، خرَج منها جماعةٌ من أهلِ العِلمِ (٢).
الآمُلِيُّ: كذا نسبَه المقريزيُّ (٣). وهي آمُلُ طَبرسْتانَ.
الطَّبَريُّ: كذا نسبَه أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ المظفَّرِ البَكرِيُّ، فقال: «سمِعتُ محمَّدَ بنَ هاورنَ الطَّبَريَّ» (٤).
مولِدُه:
لم أقفْ على سنةِ مولِدِه تصريحًا، ولكنْ يظهَرُ لي أنَّه قد وُلِد في حدودِ سنةِ (٢١٠ هـ) أو قبلَها بقليلٍ.
_________
(١) انظر ترجمته في: «تاريخ جرجان» (٤٤٢) «الإرشاد في معرفة علماء الحديث» (٢/ ٨٠١) «إكمال الإكمال» (٢/ ٧٤٨) «التقييد» (ص: ١١٧) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٥٠٧) «تذكرة الحفاظ» (٢/ ٧٥٢) «العبر» (٢/ ١٣٥) «الوافي بالوفيات» (٥/ ١٤٨) «البداية والنهاية» (١١/ ١٣١) «شذرات الذهب» (٢/ ٢٥١) «الرسالة المستطرفة» (٧٢) «كشف الظنون» (١٦٨٣) «إيضاح المكنون» (٢/ ٤٨٢) «هدية العارفين» (٢/ ٢٥)
(٢) «الأنساب»، للسمعاني (٦/ ١٩٨).
(٣) «المقفى الكبير» (٧/ ١٩٤).
(٤) «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» (١٣/ ٢٣٤).
стр. 9
وذلكَ أنَّه روَى في المُسنَدِ في الموضِعِ (١٥١٩) عن أبي سعيدٍ الشَّاشيِّ، وهو عيسى بنُ سالمٍ الملَّقبُ ب عُوَيسٍ، وقد تُوفِّيَ أبو سعيدٍ هذا سنةَ (٢٣٢ هـ) كما في ترجمتِه من تاريخِ بغدادَ (١١/ ١٦١) ووفَيَاتِ الشُّيوخِ للبَغَويِّ (٨٨)(١).
رحلتُه في طلَبِ العِلمِ:
قال الخليليُّ: «سمِعَ بالعراقِ بُنْدارًا، وأبا موسى، ويحيى بنَ حَبيبٍ. وبمصرَ المُزَنيَّ، والرَّبيعينِ (٢)، وابنَ عبدِ الحَكَمِ» (٣).
قال ابنُ نُقطةَ: «حدَّث عن محمَّدِ بنِ بشَّارٍ .. وخلقٍ كثيرٍ غيرِ هؤلاءِ ببغدادَ، والبصرةِ، ومصرَ» (٤).
قال الذَّهبيُّ: «وله الرِّحلةُ الواسعةُ» (٥).
ثناءُ العلماءِ عليه:
قال الخليليُّ: «ثقةٌ» (٦).
وقال ابنُ نُقطةَ: «صاحبُ المُسنَدِ، طاف البلادَ، ثقةٌ إمامٌ» (٧).
وقال الذَّهبيُّ: «الإمامُ الحافظُ الثِّقةُ .. صاحبُ المُسنَدِ المشهورِ .. وله الرِّحلةُ الواسعةُ، والمعرفةُ التَّامَّةُ» (٨).
_________
(١) «مقدمة مسند الروياني»، ط: قرطبة، تحقيق: أيمن علي أبو يماني (ص: ٨).
(٢) هما: الربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي.
(٣) «الإرشاد» (٢/ ٨٠١).
(٤) «التقييد» (رقم ١٣٥).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٥٠٨).
(٦) «الإرشاد» (٢/ ٨٠١).
(٧) «تكملة الإكمال» (٢/ ٧٤٨).
(٨) «سير أعلام النبلاء» (١٤/ ٥٠٧).
مؤلَّفاتُه:
قال الخليليُّ: «وله تصانيفُ في الفقهِ والحديثِ» (١).
منها:
١ - أحاديثُ أبي عَوانةَ الوضَّاح اليَشكُري.
٢ - أحاديثُ الغُرَرِ، أو الغُرَرُ والدُّرَرُ.
٣ - مُسنَدُ الرُّويانيِّ.
٤ - المنتخَب مِنْ حديث أبي كُريب.
جاء في إجازةِ ابنِ سَعْدويهِ لابنِ الطَّبَّاخِ ما نَصُّه:
«سمِعَ منِّي الفاضلُ أبو محمَّدٍ المباركُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ الطَّبَّاخُ جميعَ مُسنَدِ الرُّويانيِّ، وهو ثلاثةٌ وثلاثون جزءًا في نسختي، وانتسخ منه جملةً بروايتي عن الشَّيخِ الأجمعِ أبي الفضلِ الرَّازيِّ، عن أبي القاسمِ الفنَّاكيِّ، عن أبي بكرٍ الرُّويانيِّ رحمةُ اللهِ عليهم.
وسمِعَ منِّي أيضًا: أحاديثَ الغُرَرِ عن أبي بكرٍ الرُّويانيِّ، وهي سبعةُ أجزاءٍ بروايتي عنِ الشَّيخِ أبي الفضلِ، عنِ المَذكورينَ.
وسمِعَ منِّي أيضًا: أحاديثَ أبي عَوانةَ وضَّاح، وهي ستَّةُ أجزاءٍ في نسختي بروايتي عن الشَّيخِ أبي الفضلِ أيضًا، بروايتِه عنِ ابنِ فنَّاكيٍّ، عنِ الرُّويانيِّ، عن أبي الرَّبيعِ السَّمْتيِّ، عن أبي عَوانةَ … » (٢)
_________
(١) «الإرشاد» (٢/ ٨٠١).
(٢) «قطعة من مخطوط مسند الروياني»، نسخة الظاهرية (٢٥٤٧) (ق ٢٧٢/ أ).
стр. 12
وقال الحافظُ ابنُ حجَرٍ:
« .. وجزءًا فيه «المنتخَبُ مِنْ حديثِ أبي كُريبٍ محمدِ بنِ العَلاءِ بنِ كُريبٍ» بإجازتِه مِنَ التَّقِيِّ سليمانَ قال: أخبرَنا الضِّياءُ، قال: أخبرَنا أبو أحمدَ محمَّدُ بنُ أبي نصرٍ سعيدِ بنِ أحمدَ المؤَذِّنُ بسَماعِه، مِنْ أمِّ البَهاءِ فاطمةَ بنتِ الإمامِ محمَّدِ بنِ أبي سعدٍ البغداديِّ قالت: أخبرَنا أبو الفضلِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ الرَّازيُّ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ فنَّاكيٍّ قال: أخبرَنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ عنه، أوَّلُه حديثُ ابنِ عُمَرَ في النَّهْيِ عن بيعِ الغَررِ، وآخرُه: فإنَّها سِلاحٌ.
وهذا الجزءُ مُنتخَبٌ مِنْ ثلاثةِ أجزاءٍ فيها: نُسخةُ أبي كُريبٍ روايةُ الرُّويانيِّ المذكورِ عنه، وقد سمِعَها كلَّها أبو بكرِ بنُ يوسُفَ المِزِّيُّ مِنْ أبي عليٍّ البَكْريِّ بسماعِه من ستيكَ بنتِ مَعْمَرِ بنِ الفاخِرِ بسماعِها من فاطمةَ بنتِ البغداديِّ المذكورةِ» (١)
وفاتُه:
تُوُفِّيَ ﵀ سنةَ ثلاثِ مئةٍ وسبعٍ.
_________
(١) «المجمع المؤسس للمعجم المفهرس» (٢/ ٤١٤).
стр. 13
تنبيهانِ حولَ مُسنَدِ الرُّويانيِّ
الأوَّلُ:
قال المناويُّ (ت: ١٠٣١ هـ): «الدَّارِميُّ: عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ السَّمَرْقنديُّ في مُسنَدِه المشهورِ له بالتَّرجيحِ المُستحَقِّ لِأَنْ يُسمَّى بالصَّحيحِ. قال الحافظُ ابنُ حجَرٍ: «مُسنَدُ الدَّارميِّ ليس دونَ السُّنَنِ في الرُّتبةِ، بلْ لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكان أولَى منِ ابنِ ماجَهْ؛ فإنَّه أمْثَلُ منه بكثيرٍ» (١).
وقال في موضعٍ آخرَ-وهو تصحيفٌ ظاهرٌ-: «الرُّويانيُّ بضمِّ الرَّاءِ وسُكونِ الواوِ وفتحِ المُثناةِ التَّحتيَّةِ وبعدَ الألفِ نونٌ نِسبةً إلى مدينةٍ بناحيةِ طَبرِسْتانَ، واسمُه محمَّدُ بنُ هارونَ الحافظُ في مُسنَدِه المشهورِ. قال ابنُ حجَرٍ: «مُسنَدُ الرُّويانيِّ ليس دون السِّتِّ في الرُّتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ كان أولَى منِ ابنِ ماجَهْ؛ فإنَّه أمْثَلُ منه بكثيرٍ» إلى هُنا كلامُه» (٢).
فالمناويُّ نقلَ النَّصَّ نفسَه عن الحافظِ ابنِ حجَرٍ مرَّةً في مُسنَدِ الدَّارميِّ، ومرَّةً في مُسنَدِ الرُّويانيِّ!!
وقال محمَّدُ بنُ أبي الفيضِ الكَتَّانيُّ (ت: ١٣٤٥ هـ): «ومُسنَدُ أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ .. قال ابنُ حجَرٍ: «إنَّه ليس دونَ السُّنَنِ في الرُّتبةِ» (٣).
_________
(١) «فيض القدير» (١/ ١٥٨).
(٢) «فيض القدير» (٢/ ٤١).
(٣) «الرسالة المستطرفة» (ص: ٧٢).
стр. 14
قلتُ: وهذا وهْمٌ منهما، فقولُ الحافظِ كان في مُسنَدِ الدَّارميِّ وليس مُسنَدِ الرُّويانيِّ.
قال البِقاعيُّ (ت: ٨٨٥ هـ): «قال شيخُنا: وأمَّا هذا السُّنَنُ المُسمَّى ب: «مُسنَدِ الدَّارميِّ»، فإنَّه ليس دونَ السُّنَنِ في المَرتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكان أولَى منِ ابنِ ماجهْ؛ فإنَّه أمْثَلُ منه بكثيرٍ» (١).
وهذا الخطأُ تابَعَ فيه الكَتَّانيَّ أيمنُ عليّ أبو يمانِي محقِّقُ مسندِ الرُّويانيِّ، فبَعدَ نقلِه كلامَ الكَتَّانيِّ السَّابقَ قال: «وليس زُخرُفًا منَ القولِ أنْ أؤكدَ أنَّ ما قاله الحافظُ ابنُ حجَرٍ في شأنِ المُسنَدِ إنَّما هو راجعٌ بالدَّرجةِ الأولَى إلى طبيعةِ مرويَّاتِ المُسنَدِ التي هي في غالِبِها أحاديثُ أحكامٍ وجوامعُ، فَلَكَأنَّما هي سُنَنٌ رُتِّبَتْ على المسانيدِ» (٢).
وكذا تبِعَ الكَتَّانيَّ الباحثُ حمزةُ زرور في رسالتِه للماجستير المُسمَّاةِ ب «زوائدِ مُسنَدِ الإمامِ أبي بكرٍ الرُّويانيِّ على الكتبِ السِّتَّةِ ومُسنَدِ أحمدَ» (ص: ب). جامعة العقيد الحاج لخضر -باتنة-، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، قسم أصول الدِّين. الجزائر، سنة ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م.
الثَّاني: في كتابِ «المَطالبِ العاليةْ بزوائدِ المَسانيدِ الثَّمانيةْ» للحافظِ ابنِ حجَرٍ العسْقلانيِّ، طبعة دارِ العاصمةِ، لمجموعةٍ من باحثي الماجستير، وفي نهايةِ المُجلَّدِ العاشرِ، عقَدَ محقِّقُ الجزءِ فهرسًا للمصادرِ والمراجعِ، وفي (١٠/ ٨٦٦) قال: «مُسنَدُ
_________
(١) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» (١/ ٢٨٢). وانظر: «تدريب الراوي» (١/ ١٩٠).
(٢) «مقدمة مسند الروياني» (١/ ٢٢).
стр. 15
الرُّويانيِّ، لأبي بكرٍ محمَّدٍ الدَّوْرَقيِّ، تحقيق عامر حسن صبري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ».
وهذا وهْمٌ عجيبٌ، حتى في اسمِ مُصنِّفِه. فهذا «مُسنَدُ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ» لأبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ بنِ كَثيرٍ الدَّوْرَقيِّ (ت: ٢٤٦ هـ). حققه د/ عامر حسن صبري، وطُبع عن دار البشائر الإسلامية، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ، ولا علاقةَ له من قريبٍ ولا من بعيدٍ ب «مُسنَدِ الرُّويانيِّ».
стр. 16
ترجمةُ رُواةِ الجُزْءِ
ابنُ فنَّاكيٍّ (١)
أبو القاسمِ الرَّازيُّ الرُّويانيُّ، جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يعقوبَ بنِ الفنَّاكيُّ.
روَى عن: محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي حاتمٍ وجماعةٍ.
روَى عنه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ بُندارٍ الرَّازيُّ أبو الفضلِ المُقرِئُ، وهِبةُ اللهِ أبي القاسمِ اللالكائيُّ وغيرُهما.
قال الخليليُّ: «موصوفٌ بالعدالةِ، وحُسْنِ الدِّيانةِ. هو آخِرُ مَنْ حدَّث عنِ الرُّويانيِّ».
قال الذَّهبيُّ: «الشَّيخُ، راوِي مُسنَدِ الحافظِ محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ عنه».
قال يحيى بنُ مَنْدهْ: «قدِمَ أصبَهانَ - يعنِي: محمَّدَ بنَ عليِّ بنِ عُمَرَ بنِ الجبَّانِ- قُرِئ عليه مُسنَدُ الرُّويانيِّ بسماعِه مِنْ جعفرِ بنِ فنَّاكيٍّ».
قال ابنُ نُقْطةَ: «حدَّث بالمُسنَدِ عن أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ».
تُوُفِّيَ سنةَ ثلاثٍ وثمانين وثلاثِ مئةٍ.
_________
(١) «الإرشاد» (٢/ ٦٩١) «التقييد» (ص: ٢٢٦) «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٣٠).
стр. 17
أبو الفضلِ الرَّازيُّ (١)
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ بُندَارِ بنِ جِبريلَ بنِ محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ سليمانَ العِجْليُّ، أبو الفضلِ الرَّازيُّ المُقرِئُ.
روَى عن: أحمدَ بنِ فِراسٍ العَبْقَسِيِّ، وجعفرِ بنِ فنَّاكيٍّ، وعبدِ الوهَّابِ الكلابيِّ، وأبي الحسنِ الرَّفَّاءِ، وآخَرِينَ.
روَى عنه: الحسينُ بنُ عبدِ المَلِكِ الخَلَّالُ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ الواحدِ الدَّقَّاقُ، وأبو بكرٍ الخطيبُ، وأبو سهلِ بنِ سَعْدَويهِ، وآخَرُونَ.
قال عبدُ الغافرِ بنُ إسماعيلَ: «كان ثِقةً، جوَّالًا، إمامًا في القِراءاتِ، أوْحَدَ في طريقِه، كان الشُّيوخُ يُعظِّمونَه، وكان لا يَسكُنُ الخوانِقَ، بل يأوِي إلى مسجدٍ خَرابٍ، فإذا عُرِفَ مكانُه نَزَحَ، وكان لا يأخُذُ مِنْ أحدٍ شيئًا، فإذا فُتِحَ عليه بشيءٍ آثَرَ به».
قال الذهبيُّ: «الإمامُ، القُدْوةُ، شيخُ الإسلامِ».
وقال يَحيى بنُ مَنْدَهْ: «ثقةٌ ورِعٌ مُتديِّنٌ عارِفٌ بالقِراءاتِ والرِّواياتِ، عالمٌ بالأدبِ والنَّحْوِ، وهو مع هذا أكبرُ مِنْ ظانٍّ يدُلُّ عليه مِثْلي، وهو أشْهَرُ مِنْ الشَّمسِ، وأضْوَأُ مِنَ القمَرِ، ذو فنونٍ مِنْ العِلمِ ﵀، وكان شيخًا مَهيبًا منظُورًا، فصيحَ اللِّسانِ، حَسَنَ الطَّريقةِ، كبيرَ الوَزْنِ».
وُلِد سنةَ إحدَى وسبعين وثلاثِ مئةٍ.
وتُوُفِّيَ سنةَ أربعٍ وخمسين وأربعِ مئةٍ.
_________
(١) «التقييد» (رقم ٤٠٤) «المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور»، لأبي إسحاق الصريفيني (١٠١٤) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ١٣٥).
стр. 18
أبو عبدِ اللهِ الخَلَّالُ (١)
الحسينُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ الحسينِ بنِ محمَّدٍ الأَثَرِيُّ السُّنِّيُّ الأصبَهانيُّ.
روَى عن: أحمدَ بنِ الفضلِ الباطرقانيِّ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ بُندارٍ أبي الفضلِ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدهْ.
روَى عنه: عبدُ الكريمِ بنُ محمَّدِ بنِ السَّمْعانيِّ أبو سعدٍ، وعليُّ بنُ الحسينِ أبو القاسمِ بنُ عساكِرَ، ومحمَّدُ بنُ عُمَرَ أبو موسَى، وغيرِهم.
قال السَّمعانيُّ: «رأيتُه بعدَ أنْ كَبِرَ وأَضَرَّ، وكان حسَنَ المُعاشَرةِ والمُحَاورةِ، بسَّامًا، كثيرَ المَحفوظِ، وكان عزيزَ النَّفْسِ قانِعًا، لا يقبَلُ مِنْ أحدٍ شيئًا مع فقرِه، خرَّج له محمَّدُ بنُ أبي نصرٍ اللِّفتوانيُّ مُعجَمًا في أكثرَ مِنْ عشرةِ أجزاءٍ».
قال ابنُ نُقطَةَ: «الأديبُ البارِعُ، .. كان ثقةً. حدَّثَ بمُسنَدِ محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ (٢)، عن أبي الفضلِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أحمدَ الرَّازيِّ المُقرِئِ».
قال الذَّهبيُّ: «الشَّيخُ الإمامُ الصَّدُوقُ، مُسنِدُ أصبَهانَ، شيخُ العربيَّةِ، بقيَّةُ السَّلَفِ».
وُلِد بأصبَهانَ في صفَرٍ سنةَ ثلاثٍ وأربعين وأربعِ مئةٍ.
وتُوُفِّيَ بها في حاديَ عشَرَ جُمادَى الأولَى من سنةِ اثنتينِ وثلاثين وخمسِ مئةٍ.
_________
(١) «التقييد» (رقم ٢٩٧) «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٦٢٠).
(٢) تصحف في الشاملة إلى الرُّوماني.
стр. 19
أبو زُرعةَ اللِّفتوانيُّ (١)
عُبَيدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ أبي نصرٍ اللِّفتوانيُّ.
روَى عن: أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ هالةَ الكاتبِ، وزاهرِ بنِ طاهرٍ الشَّحَّامِيِّ أبي القاسمِ، والحسينِ بنِ عبدِ المَلِكِ الخَلَّالِ، ومحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ أبي ذَرٍّ الصالحانيِّ- حُضورًا-.
روَى عنه: أحمدُ بنُ شَيبانَ بنِ تَغْلِبَ أبو العبَّاسِ الصَّالِحيُّ، وضِياءُ الدِّينِ محمَّدُ بنُ عبدِ الواحدِ المَقدِسيُّ، وأبو إسحاقَ بن الدَّرجيِّ.
قال الذَّهبيُّ: «اعتنَى به أبوه، وسمَّعه الكثيرَ».
ذكرَه الذَّهبيُّ في وفَيَاتِ سنةِ اثنتين وستِّ مئةٍ، وكذا ابنُ العِمادِ.
قال الذَّهبيُّ: «ولا أعلمُ متَى تُوُفِّيَ، إلَّا أنَّه أجاز في هذه السَّنةِ للبُرهانِ ابنِ الدَّرجيِّ».
_________
(١) «تاريخ الإسلام» (١٣/ ٦٤) «شذرات الذهب» (٧/ ١٥).
الجُزءُ الأوَّلُ
مُنتَقًى مِنْ مُسنَدِ أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ هارونَ الرُّويانيِّ
روايةُ أبي القاسمِ جعفرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ يعقوبَ بنِ فنَّاكيٍّ الرُّويانيِّ عنه.
روايةُ أبي الفضلِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أحمدَ بنِ الحسنِ بنِ بُندَارِ بنِ إبراهيمَ العِجْليِّ عنه.
روايةُ أبي عبدِ اللهِ الحسينِ بنِ عبدِ المَلِكِ بنِ الحسينِ الخَلَّالِ الأديبِ عنه
روايةُ أبي زُرْعةَ عُبَيدِ اللهِ بنِ محمَّدِ بنِ أبي نصْرٍ اللِّفتوانيِّ عنه.
стр. 24
ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَليِّ العظيمِ
أخبرَنا الشَّيخُ أبو زُرْعةَ عُبَيدُ اللهِ بنُ الشَّيخِ الإمامِ أبي بكرٍ محمَّدِ بنِ أبي نصرِ بنِ أبي بكرٍ اللِّفتوانيِّ بقراءتي عليه في شهرِ جُمادَى الآخِرةِ مِنْ سنةِ تسعٍ وتسعين وخمسِ مئةٍ بمنزلِه بأصبَهانَ، قلتُ له: أخبرَكُم الشَّيخُ الأديبُ أبو عبدِ اللهِ الحُسينُ بنُ عبدِ المَلِكِ بنِ الحُسينِ الخَلَّالُ قراءةً عليه وأنتَ تسمَعُ في ربيعٍ الآخِرِ من سنةِ إحدَى وثلاثين وخمسِ مئةٍ، أنبا أبو الفضلِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ الحسَنِ المُقْري الرَّازيُّ قدِمَ علينا سنةَ إحدَى وخمسين وأربعِ مئةٍ، قال: أنبا أبو القاسمِ جعفرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يعقوبَ بنِ فنَّاكيٍّ قراءةً عليه في ذي القِعدةِ سنةَ ثمانين وثلاثِ مئةٍ، ثنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ الرَّازيُّ:
١ - ثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ هارونَ، حدَّثَني أبي، عن محمَّدِ ابنِ إسحاقَ، حدَّثني عاصمُ بنُ قتادةَ الأنصاريُّ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ قال: حدَّثني سَلْمانُ الفارسيُّ حدَّثَنِيه مِنْ فِيه قال: «كنتُ رجلًا فارسيًّا مِنْ أهلِ أصبَهان مِنْ أهلِ قريةٍ يُقالُ لها: جي، وكان أبي دِهْقانَ قريتِه، وكنتُ أحبَّ خَلْقِ اللهِ إليه، لم يزَلْ حُبُّه إيَّايَ حتَّى حبَسني في بيتِه كما تُحبَسُ الجاريةُ، واجتهدتُ في المجوسيَّةِ حتَّى كنتُ قاطِنَ النَّارِ نوقدُها لا نتركُها ساعةً، وكانتْ لأبي ضَيعةٌ عظيمةٌ،
стр. 25
قال: فشُغِل في بُنْيانٍ له يومًا، فقال لي: يا بُنيَّ! إنِّي شُغِلتُ في بُنْياني هذا اليومِ عن ضَيْعتي، فاذهبْ إليها فاطَّلعْها، وأمَرَني فيها ببعضِ ما يُريد وقال: لا تُحبَسْ عليَّ، فإنَّكَ إن احتُبِستَ عنِّي كنتَ أهمَّ إليَّ مِنْ ضيعتي، وشغلْتَني عن كلِّ شيءٍ مِنْ أمري. قال: فخرجتُ أُريدُ الضَّيعةَ التي بعثني إليها أبي بكنيسةٍ مِنْ كنائسِ النَّصارَى، فسَمِعتُ أصواتَهم فيها وهم يُصلُّون قال: وكنتُ لا أدري ما أمْرُ النَّاسِ؛ لحَبْسِ أبي إيَّايَ في بيتِه، فلمَّا سَمِعْتُ أصواتَهم دخلتُ عليهم أنظُرُ ما يَصنعون، فلمَّا رأيتُهم أعجبتْني صلاتُهم، فقلتُ: واللهِ هذا خيرٌ من الدِّينِ الذي نحنُ عليه، فواللهِ ما تركتُهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ، وتركتُ ضيعةَ أبي فلمْ آتِها، ثمَّ قلتُ لهم: أينَ أصْلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: بالشَّامِ، قال: ثمَّ رجعتُ إلى أبي، وقد بعثَ في طلبي، وشغلْتُه عن عملِه كلِّه، فلمَّا جئتُه قال أبي: يا بُنيَّ! أين كنتَ؟! يا بُنيَّ ألم أكنْ عَهِدتُ إليكَ بما عهِدتُ؟ قال: نعم يا أبَهْ، مررتُ بأناسٍ يُصلُّون في كنيسةٍ، فأعجبَني ما رأيتُ مِنْ دينِهم، فواللهِ ما زلتُ عندَهم حتَّى غرَبَتِ الشَّمسُ، قال أبي: يا بُنيَّ ليس في ذلكَ الدِّينِ خيرٌ، دينُكَ ودينُ آبائِكَ خيرٌ منه، قال: قلتُ له: كلَّا، واللهِ إنَّه لخيرٌ مِنْ دينِنا، قال: فخافني فجعلَ في رِجْلي قيدًا، فحبَسني في بيتِه، قال: وبَعثتُ إلى النَّصارَى فقلتُ: إذا قدِمَتْ عليكم ركبٌ مِنْ الشَّامِ فأخبِروني بهم، قال: فقدِمَ عليهم رَكْبٌ مِنْ الشَّامِ، فأخبَروني بهم قال: فقلتُ لهم: إذا قضَوا حوائجَهم فأرادوا الرَّجعةَ إلى بلادِهم أخبِروني بهم، فأخبَروني
стр. 26
بهم، قال: فألقيتُ الحديدَ مِنْ رِجْلي، ثُمَّ خرجْتُ معهم حتَّى قدِمتُ الشَّامَ قال: فلمَّا قدِمتُها قلتُ: مَنْ أفضلُ هذا الدِّينِ؟ قالوا: الأسقُفُ في الكنيسةِ، فجئتُه فقلتُ له: إنِّي قد رغِبتُ في هذا الدِّينِ، وأحببتُ أن أكونَ معَكَ، وأخدُمَكَ في كنيستِكَ، وأتعلَّمَ منك، وأصلِّيَ معَكَ، قال: فادخلْ، قال: وكان رجُلَ سوءٍ يأمرُهم بالصَّدقةِ، ويُرغِّبُهم فيها، فإذا اجتمع إليه الشيءُ حبَسَه لنفسِه ولم يُعطِ المساكينَ، حتَّى جمَعَ قِلالًا مِنْ ذهبٍ ووَرِقٍ قال: وأبغضْتُه بُغْضًا شديدًا؛ لِمَا رأيتُه يَصنَعُ، ثُمَّ مات، فاجتمعتْ إليه النَّصارَى ليدفِنوه، فقلتُ لهم: إنَّ هذا كانَ رجُلَ سوءٍ، أمرَكم بالصَّدقةِ، ورغَّبكم فيها، فإنْ جئتُموه بها أكنَزَها، ولم يُعطِ المساكينَ منها شيئًا. قال: فقالوا وما علمُكَ بذلكَ؟ قال: قلتُ لهم فأنا أدلُّكم على كَنزِه. قال: فدلَلتُ عليه، فأريتُهم موضعًا، فاستخرجوا سبعَ قِلالٍ مملوءةً ذهبًا ووَرِقًا، فلمَّا رأوها قالوا: إنَّا واللهِ لا ندْفِنُه أبدًا. قال: فصلبوه، ثمَّ رجَموه بالحِجارةِ، وجاءوا برجلٍ آخَرَ، فجعلوه مكانَه.
قال: فقال سَلْمانُ: فما رأيتُ رجلًا لا يُصلِّي الخَمْسَ أزهدَ في الدُّنيا، ولا أرغَبَ في الآخِرةِ منه، ولا أدْأَبَ ليلًا ونهارًا منه.
قال: فأحببْتُه حبًّا لم أُحِبَّ شيئًا مثلَه. قال: فأقمتُ معه زمانًا، ثُمَّ حضَرَتْه الوفاةُ، فقلتُ له: يا فلانُ! إنِّي كنتُ معَكَ، وأحببْتُك حبًّا لم أحبَّ شيئًا قبلَكَ، وقد حضَرَك ما ترى مِنْ أمرِ اللهِ، فإلى مَنْ تُوصي بي، وما تأمرُني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ اليومَ أحدًا على ما كنتُ عليه، لقد هلَك النَّاسُ وبدَّلوا، وتركوا أكثرَ ما كانوا عليه، إلَّا
стр. 27
رجُلًا بالمَوْصِلِ، وهو فلانٌ على ما كنتُ عليه، فالْحَقْ به، فلمَّا مات وغُيِّبَ، لحِقتُ بصاحبِ المَوْصِلِ، فقلتُ له: إنَّ فلانًا أوصاني عندَ موتِه أنْ ألحَقَ بكَ، وأخبَرَني أنَّك على أمرِه. قال: فقال لي: أقِمْ عندِي. قال: فأقمتُ عندَه، فوجدتُه خيرَ رجُلٍ على أمرِ صاحبِه، فلم يلبَثْ أنْ مات، فلمَّا حضرَتْه الوفاةُ قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا أوصَى إليكَ، وأمَرَني باللُّحوقِ بكَ، وقد حضرَك مِنْ أمرِ اللهِ ما ترى، فإلى مَنْ تُوصِي، وما تأمُرُني به؟ قال: يا بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ رجُلًا على مثْلِ ما كنَّا عليه، إلَّا رجلًا بنَصِيبينَ، وهو فلانٌ فالحَقْ به، فلمَّا مات وغُيِّبَ، لحِقْتُ بصاحبِ نَصِيبينَ، فأخبرْتُه خبَري، وما أمَرَني به صاحبِي قال: أقِمْ عندِي، فأقمتُ عندَه، فوجدتُه على أمرِ صاحبَيه، فأقمتُ مع خيرِ رجلٍ، فواللهِ ما لبثْتُ أن نزلَ به الموتُ، فلمَّا احتُضِر قال: قلتُ له: يا فلانُ، إنَّ فلانًا كان أوصَى بي إلى فلانٍ، ثُمَّ أوصَى بي فلانٌ وفلانٌ إليكَ، فإلى مَنْ تُوصِي بي وما تأمرُني؟ قال: يا بُنَيَّ، واللهِ ما أعلَمُ بقِيَ أحدٌ على أمرِنا آمُركَ أن تأتيَه، إلَّا رجلًا بعموريَّةَ من أرضِ الرُّومِ على ما نحنُ عليه، فإن أحببتَ فأْتِه، فإنَّه على أمرِنا، فلمَّا مات لحِقْتُ بصاحبِ عموريَّةَ، فأخبرتُه خبَري قال: أقِمْ عندي، فأقمتُ على خيرِ رجلٍ على هُدَى أصحابِه وأمرِهم، واكتسبتُ حتى كانت عندي بُقيراتٌ وغُنيمةٌ، ثمَّ نزل به أمرُ اللهِ، فلمَّا احتُضِر قلتُ: يا فلانُ! إنِّي كنتُ مع فلانٍ، فأوصَى بي إلى فلانٍ، ثمَّ أوصَى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثمَّ أوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثمَّ أوصى بي فلانٌ إليكَ، فإلى مَنْ تُوصى بي، وما تأمُرُني؟
стр. 28
قال: يا بُنَيَّ! واللهِ ما أعلَمُ أصبَحَ على ما كنَّا عليه أحدٌ مِنَ النَّاسِ آمرُكَ أنْ تأتِيَه، ولكنَّه قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ هو مبعوثٌ بدينِ إبراهيمَ، يخرُجُ بأرضِ العربِ، مُهاجرُه إلى أرضٍ بينَ الحرَّتينِ، بينَهما نخلٌ، به علاماتٌ لا تخفَى: يأكُلُ الهَديَّةَ، ولا يأكُلُ الصَّدقةَ، وبينَ كتِفَيه خاتَمُ النُّبوَّةِ، فإنِ استطعتَ أنْ تلحَقَ بتلكَ البلادِ فافعَلْ، ثُمَّ مات وغُيِّبَ، ومكثتُ بعدَه ماشاء اللهُ أنْ أمكُثَ، ثُمَّ مرَّ بي نفَرٌ مِنْ كلبٍ تُجَّارٌ فقلتُ لهم: تحملوني إلى أرضِ العربِ، وأُعطيكم بقرَتِي هذه؟ قالوا: نعَمْ، فأعطيتُهم وحملوني معَهم، حتَّى إذا بلغُوا بي وادِ القُرَى ظلموني، فباعوني مِنْ رجلٍ يهوديٍّ عبْدًا، فكنتُ إذا رأيتُ النَّخلَ رجوتُ أن تكونَ البلدَ الذي وَصف لي صاحبي، ولم يحِقَّ لي في نفسِي، فبينَما أنا عندَه أنْ قدِم عليه ابنُ عمٍّ له، حتَّى وقف عليه، فقال: قاتَلَ اللهُ نبيَّ قَيْلةَ، واللهِ إنَّهم الآنَ لَمَجموعون على رجلٍ قدِم عليهم مِنْ مكَّةَ اليومَ، ويزعُمون أنَّه نبيٌّ، قال: فلمَّا سمِعْتُها أخذتْني العُرَواءُ، حتى ظننتُ أنَّي ساقطٌ على
стр. 29
سيِّدِي، قال: ونزلتُ عنِ النَّخلةِ، فجعلتُ أقولُ لابنِ عمِّه ذلك: ماذا يقولُ؟ قال: فغضِبَ سيِّدي، فلَطَمني لطْمةً شديدةً، ثُمَّ قال: ما لكَ ولِهذا؟ أقبِلْ على عمَلِكَ. قال: قلتُ: لا شيءَ، إنَّما أردتُ أنْ أسألَه عمَّا قال، وكان عندي شيءٌ قد جمعتُه، فلمَّا أمسيتُ أخذتُه، ثُمَّ ذهبتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو بقُبَاءَ، فقلتُ له: إنَّه بلغَني أنَّكَ رجلٌ صالحٌ، ومعك أصحابٌ (١) غُرَباءُ ذوو حاجةٍ، وهذا شيءٌ كان عندي للصَّدقةِ قال: فقرَّبتُه إليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه: «كُلُوا» وأمسكَ هو، ولم يأكلْ منه، قال: فقلتُ لنفسِي: هذه واحدةٌ، قال: ثمَّ انصرفتُ عنه، فجمعتُ شيئًا، وتحوَّل رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، ثُمَّ جئتُه فقلتُ له: إنِّي قد رأيتُك لا تأكُلُ الصَّدقةَ، وهذه الهديَّةُ أكرمتُك، قال: فأكَلَ رسولُ اللهِ ﷺ منها، وأمَر أصحابَه فأكلوا منها قال: قلتُ: هاتان خلَّتانِ، ثُمَّ جئتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو ببقيعِ الغَرْقَدِ قدِ اتَّبعَ جنازةَ رجلٍ مِنْ أصحابِه، وعلىَّ شَمْلتانِ لي، وهو جالسٌ في أصحابِه، فسلَّمتُ، ثمَّ استدبرتُ أنظُرُ إلى ظهرِه، هل أرى الخاتَمَ الذي وصفَ صاحبي؟ فلمَّا رآني رسولُ اللهِ ﷺ استدبرتُه، عرَف أنِّي استدبرتُ في شيءٍ وُصِف لي، فألقَى رداءَه عن ظهرِه، فنظرتُ إلى الخاتَمِ، فعرَفتُه، فأكببتُ عليه أُقبِّلُه، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «تحوَّلْ». فتحوَّلتُ، فجلستُ بينَ يديه، فقصصتُ عليه حديثي كما حدَّثتُك يا ابنَ عبَّاسٍ، فأُعجِب رسولُ اللهِ ﷺ ، وأحبَّ أن يسمَعَ ذاكَ أصحابُه، ثُمَّ شَغَل سلمانَ الرِّقُ حتَّى فاتَه مع رسولِ اللهِ ﷺ بدرًا
стр. 30
وأُحدًا، ثُمَّ قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «كاتِبْ يا سلْمانُ» فكاتبتُ صاحبي على ثلاثِ مئةٍ نخلةٍ أُحيِيها له، وبأربعين أُوقيَّةً، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَعِينوا أخاكُم» فأعانوني بالنَّخلِ، الرَّجلُ بثلاثين وَدِيَّةً، والرَّجلُ بعشرين، والرَّجلُ بخمسَ عشرةَ، والرَّجلُ بعشْرةٍ، يُعين الرَّجلُ بقدرِ ما عندَه، حتَّى اجتمعتْ لي ثلاثُ مئةِ وَدِيَّةٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «اذهبْ يا سلمانُ، فاحفِرْ لها، فإذا فرغْتَ فأْتِني، أكونُ أنا الذي أضعُها بيدِي» قال: فحَفَرتُ لها، وأعانني أصحابي، حتَّى إذا فرغتُ جئتُه، فأخبرتُه، فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إليها، فجعلنا نُقرِّبُ له الوَدِيَّ، ويضعُ رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه، حتَّى إذا فرغْنا، فوالذي نفسُ سلمانَ بيدِه ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ، وأدَّيتُ النَّخلَ، وبقِي عليَّ المالُ، وأُتِىَ رسولُ اللهِ ﷺ بمِثْلِ بيضةِ الدَّجاجةِ مِنْ ذهبٍ، من بعضِ المعادنِ، فقال: «ما فعلَ الفارسيُّ المُكاتَبُ»؟ فدُعيتُ له، فقال: «خُذْ هذا، فأدِّ بها ما عليكَ يا سلمانُ» قلتُ: وأينُ تقعُ هذه يا رسولَ اللهِ ممَّا عليَّ؟ قال: «خُذْها، فإنَّ اللهَ سيُؤدِّي بها عنكَ» فأخذتُها، فوزنتُ له منها -والذي نفسُ سلمانَ بيدِه- أربعين أوقيَّةً، فأوفَيتُه بحقِّي.
وأُعتِق سلمانُ، فشهِدَ مع رسولِ اللهِ ﷺ الخندقَ».
٢ - وحدَّثنا أبو طَلْحةَ موسى بنُ عبدِ اللهِ، ثنا بكرُ بنُ سليمانَ، أنبا ابنُ إسحاقَ، حدَّثني عاصمُ بنُ عُمَرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، بمثْلِ حديثِ عمرِو بنِ عليٍّ سواءً.
стр. 31
٣ - حدثنا أبو زرعةَ هو الرَّازيُّ، ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمَّدٍ، ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن حسينِ بنِ واقدٍ، حدثني عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ، عن أبيه، أنَّ سَلمانَ لمَّا قدِمَ المدينةَ، أتى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: «لمَن أنتَ»؟ فقال: لقومٍ. قال: «فاطلُبْ إليهم أن يُكاتِبوكَ»، قال: فكاتبوني على كذا وكذا، وعلى كذا وكذا نخلةً يغرِسُها لهم، ويقومُ عليها سَلمانُ، حتى تُطعِمَ كلُّ نخلةٍ. قال: ففعلوا، فجاء النَّبيُّ ﷺ فغرَس النَّخلَ كلَّه، إلَّا نخلةً واحدةً غرسَها عُمرُ بنُ الخطَّابِ، فأطعم كلُّه مِنْ سنتِه، إلَّا تلك النَّخلةَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ غرسَها»؟ قالوا: عُمرُ. فغرَسها رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه، فحملت مِنْ عامِها.
٤ - حدَّثنا عبدُ المجيدِ بنُ إبراهيمَ بنُ زُهيرٍ الدِّمياطِيُّ، ثنا جعفرُ بنُ هارونَ، ثنا عِمرانُ بنُ خالدٍ الخُزاعِيُّ، عن ثابتٍ البُنانِيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ قال: دخلَ سَلمانُ على عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إليه، فقال سلمانُ: «اللهُ أكبرُ، صدقَ رسولُ اللهِ ﷺ » فقال: «هي يا أبا عبدِ اللهِ! أفِدْنا». قال: دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إليَّ، فقال: «ما مِنْ مُسلمٍ دخل على أخيهِ المسلمِ، وهو مُتَّكِئٌ على وسادةٍ، فألقاها إيَّاهُ (١) تَكرمةً له، إلَّا غَفَرَ اللهُ له».
стр. 32
٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المُثنَّى، ثنا محمَّدُ بنُ عمَّارٍ، ثنا جريرٌ، عنِ الأَعمَشِ، عن أبي سُفيانَ قال: دخلَ سعدٌ على سَلمانَ يَعُودُه، فقال: أَبشِرْ يا أبا عبدِ اللهِ، تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو عنكَ راضٍ، ترِدُ عليه الحوضَ. قال: كيف يا سعدُ، وقد سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «ليكن بُلْغَةُ أحدِكُم مِنَ الدُّنيا مِثْلَ زادِ الرَّاكبِ حتَّى يَلقانِي» وما أدرِي ما هذه الأساوِدُ (١) حولي، قال: فبكَيا جميعًا، ثمَّ قال له سعدٌ: يا أبا عبدِ اللهِ، أَوصِنِي. قال: «اذْكُرِ اللهَ عندَ همِّكَ إذا هَمَمْتَ، وعندَ حُكمِكَ إذا حَكمْتَ، وعند يدِكَ إذا قسمتَ».
٦ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا الفضلُ بنُ قرَّةَ، ثنا الحسنُ بنُ أبي جعفرٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، عن سَلمانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ .
٧ - وحدَّثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ثنا حكيمُ بنُ خِذام أبو سُميرٍ، ثنا عليُّ بنُ زيدٍ بن جُدعانَ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، عن سَلمانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ فَطَّرَ صائمًا في رمضانَ مِنْ كسبٍ حلالٍ، صلَّتْ عليه الملائكةُ ليالِيَ رمضانَ كلَّها، وصافحُه جبريلُ ليلةَ القدْرِ، ومَن يُصافحْه جبريلُ ﵇ ليلةَ القَدْرِ يَرقَّ قلبُه، وتكثُرْ دموعُه» قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أفرأيتَ مَنْ لم يكُنْ ذلكَ عندَه؟ قال: «فقبضةٌ مِنْ طعامٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ لم يكنْ عندَه؟ قال: «ففَلْقةُ خُبزٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ
стр. 33
لم يكن عندَه؟ قال: «فمَذْقةٌ مِنْ لبَنٍ». قال: أفرأيتَ مَنْ لم يكن عندَه؟ قال: «فشَرْبةٌ مِنْ ماءٍ».
٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا يحيَى بنُ سعيدٍ، عن سُليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ خلقَ مئةَ رحمةٍ، فقَسَمَ رحمةً بينَ الخلائقِ، وتسعةً وتسعينَ ليومِ القِيامَةِ».
٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، وعمرُو بنُ عليٍّ، قالَا: ثنا ابنُ أبي عَديٍّ، ثنا جعفرُ بنُ ميمونٍ صاحبُ الأنْماطِ (١)، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ حَييٌّ كريمٌ، يستحِيي إذا رفعَ الرَّجلُ إليه يدَيهِ، أنْ يَرُدَّهما صِفْرًا خائِبَتَينِ».
١٠ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ، ثنا أشعثُ بنُ أشعثَ، ثنا عِمرانُ أبو العَوَّامِ، ثنا سُليمانُ التَّيمِيُّ، عن أبي عثمانَ النَّهدِيُّ، عن سَلمانَ الفارسِيِّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ المُسلمَ يُصلِّي وخطاياهُ تُوضَعُ على رأسِه، كُلَّما سجدَ تَحاتَتْ، فيفرُغُ حينَ يَفرُغُ مِنْ صلاتِه وقد تحاتَتْ خطاياهُ».
стр. 34
١١ - حدَّثنا العبَّاسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا صالحٌ، عنِ الجُريريِّ، عن أبي عثمانَ النَّهدِيِّ قال: كتبَ سَلمانُ إلى أبي الدَّرداءِ: يا أخي! ليكُن بيتُكَ المسجدَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «المسجدُ بيتُ كلِّ تقيٍّ، وقد ضمنَ اللهُ لمَن كانتِ المساجدُ بيوتَهم بالرَّوحِ والرَّحمةِ والجَوازِ على الصِّراطِ إلى رِضوانِ الرَّبِّ».
١٢ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي ابنُ وهبٍ، ثنا داودُ ابنُ عبدِ الرَّحمنِ المَكيُّ، عن أبي عبدِ اللهِ البصريِّ، عن سُليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي عثمانَ النَّهديِّ، عن سلمانَ الفارسِيِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «البركةُ في ثلاثٍ: الجَماعةِ، والثَّريدِ، والسَّحورِ».
١٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، ثنا سيفُ بنُ هارونَ، ثنا سُليمانُ التَّيمِيُّ، حدَّثنِي أبو عثمانُ النَّهديُّ، قال: سَمعتُ سَلمانَ الفارسِيَّ قال: سُئل رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الجُبْنِ والسَّمْنِ والفِرَاءِ (١)؟ فقال: «الحَلالُ ما أَحلَّ اللهُ في كتابِه، وما سكتَ عنه فهو مِمَّا عفَى اللهُ عنه».
стр. 35
١٤ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، ثنا عبدُ الأَعلَى، ثنا بُرْدٌ، عن سُليمانَ بنِ موسَى، عن شُرَحْبيلَ بنِ السِّمْطِ أنَّه كان نازلًا على حِصنٍ من حُصونِ فارسَ مُرابِطًا قد أصابتْهم خَصاصةٌ (١)، فمرَّ بهم سَلمانُ الفارسِيُّ فقال: أَلَا أُحدِّثُكُم حديثًا سمعتُه مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ يكونُ عونًا لكم على منزلِكُم هذا؟ قالوا: بلَى يا أبا عبدِ اللهِ. فحدَّثنا، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «رِباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مِنْ قيامِ شهرٍ وصيامِه، ومَن ماتَ مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ جرَى له أجرُ المُجاهِدِ إلى يومِ القيامَةِ».
١٥ - حدثنا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، ثنا الحكمُ بنُ موسَى، ثنا الهيثمُ بنُ حُميدٍ، ثنا النُّعمانُ، عن مكحولٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ السِّمْطِ، عن سَلمانَ، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَنْ ماتَ مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ أُومِنَ مِنْ عذابِ القَبْرِ، ونُمِّيَ له أجرُه إلى يومِ القِيامَةِ».
١٦ - حدَّثنا أحمدُ، ثنا عمِّي، حدَّثنِي اللَّيثُ، عن أيوبَ بنِ موسَى القُرَشِيِّ، عن مَكْحولٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ السِّمْطِ، عن سَلمانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ رابطَ يومًا وليلةً في سبيلِ اللهِ كان له أجرُ صيامِ شهرٍ، ومَن ماتَ مُرابِطًا جرَى له مِثْلُ ذلك مِنَ الأَجرِ، وأُجرِيَ عليه الرِّزقُ، وأُومِنَ الفتَّانَ».
стр. 36
١٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، ثنا عثمانُ بنُ عُمرَ، ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ وديعةَ، عن سَلمانَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اغتسلَ يومَ الجمُعةِ فتَطَهَّرَ ما استطاعَ مِنْ طَهورِه، ثُمَّ يَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِه، أو مِنْ طِيبِ بيتِه، ثمَّ راحِ إلى المسجدِ، ثمَّ لم يُفرِّقْ بينَ اثنَينِ، ثمَّ صلَّى ما بَدَا له، فإذا خرجَ الإمامُ استمعَ وأنصتَ، غُفِرَ له ما بينَه وبينَ جُمَعِهِ الأُخرَى»
١٨ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو داودَ، ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ وديعةَ، عن سَلمانَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَه.
١٩ - حدَّثنا أبو بكرٍ بنِ عبدِ القدُّوسِ، ثنا سلْمُ بنُ قتيبةَ، ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن عثمانَ بنِ سابورٍ، عن شقيقِ بنِ سلمةَ، قال: دخلتُ على سلمانَ الفارسِيِّ، فأخرجَ إليَّ خُبزًا ومِلْحًا فقال لي: «لولا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهانا أنْ يتكلَّفَ أحدٌ لأحدٍ لتكلَّفتُ لكَ».
٢٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي، ثنا يحيَى بنُ أيوبَ، عن زيدِ بنِ جَبيرةَ الأنصارِيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَعْمَرٍ الأَنصارِيِّ، أنَّ سلمانَ الفارسِيَّ، وأبا سعيدٍ الخُدْرِيِّ أَمَّهُم حذيفةُ وهو أميرٌ على المَدائِنِ، وعندَه أُسامةُ بنُ زيدٍ، فصلَّى بهم حذيفةُ على شيءٍ أَشْرَفَ مِمَّا هم عليه، فأخذَ سَلمانُ بضَبْعيْه (١) حتَّى أنزلَه، فلمَّا
стр. 37
انصرفَ قال: مَنْ ذا؟ قال سلمانُ: أنا وما أدرِي أَطالَ العَهدُ عليكَ أَمْ نسيتَ؟ أَمَا سمعتَ رسولَ اللهَ ﷺ يقولُ: «لا يُصلِّي الإمامُ على أنشزَ (١) مِمَّا هُمْ عليه».
قال أبو سعيدٍ: صدقَ.
٢١ - حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ثنا عمِّي، ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ جبيرةَ الأَنصارِيِّ، عن أبي طُوَالةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ حُذيفةَ بنَ اليَمانِ أمَّهم بالمَدائِنِ، فقام ليُصلِّي على دُكَّانٍ، فجبذَه سلمانُ، ثمَّ قال له: ما أدرِي أَطالَ العَهدُ أَمْ نسيتَ؟ أَمَا سمعتَ رسولَ اللهَ ﷺ يقولُ: «لا يُصلِّي الإمامُ على شيءٍ أنشزَ مِمَّا عليه أصحابُه».
٢٢ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو داودَ، ثنا داودُ بنُ أبي الفُراتِ، عن محمَّدِ بنِ زيدٍ، عن أبي شُرَيحٍ، عن أبي مُسلِمٍ مولَى زيدِ بنِ صُوحانَ، أنَّه رأَى سلمانَ الفارسِيَّ، ورأى رجلًا يُريد أن يَنزِعَ خُفَّيهِ للوُضوءِ، وأمَرهُ سَلمانُ أنْ يمسحَ على خُفَّيه، وناصيتِه، وعِمامَتِه.
وقال سَلمانُ: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يمسَحُ على الخِمارِ والخُفَّينِ».
стр. 38
مِنْ مُسنَدِ صُهيبٍ
٢٣ - حدِّثنا العبَّاسُ بنُ محمَّدٍ، ثنا منصورُ بنُ سَلَمةَ، ثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، عن نابلِ صاحبِ العَباءِ، عن ابنِ عُمَرَ، عن صُهيبٍ قال: سلَّمتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصلِّي، فردَّ عليَّ إشارةً قال: كنتُ أَحسَبُه قال: بأصبعِه هكذا، وأشارَ إلى سبَّابِه.
٢٤ - وحدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ثنا أبو الوليدِ، ثنا اللَّيثُ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بمثلِه.
٢٥ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ، قالَا: ثنا عفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، ثنا ثابتٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن صُهيبٍ أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قال: «كان مَلِكٌ مِمَّنْ كان قبلَكُم، وكان له ساحرٌ، فلمَّا كَبُرَ السَّاحرُ قال للمَلِك: إنِّي قد كَبُرَتْ سِنِّي، وحضرَ أَجلِي، فادفعْ إليَّ غُلامًا، فلأعلِّمَه السِّحْرَ، فدفعَ إليه غُلامًا، وكان يُعلِّمُه، وكان بينَ السَّاحرِ وبينَ الغلامِ راهبٌ، فأتَى الغلامُ علَى الرَّاهبِ، فسمِعَ مِنْ كلامِه، فأعجبَه نحوُه وكلامُه، فكان إذا أتَى السَّاحرَ ضربَهُ وقال: ما حَبَسَكَ؟ وإذا أتَى أهلَه جلسَ عندَ الرَّاهبِ، فيُبطِئُ، فإذا أتَى أهلَه ضربوهُ، وقالوا: ما حَبَسَكَ؟ فشكَى ذلك إلى الرَّاهبِ، فقال: إذا أرادَ السَّاحرُ أن يضرِبَك فقل: حبَسَنِي أهلي، وإذا أرادَ أهلُكَ أن يضربُوك فقل: حبَسنِي السَّاحرُ.
стр. 39
قال: فبينما هو كذلكَ، إذ أتَى ذاتَ يومٍ على دابَّةٍ فظيعةٍ عظيمةٍ، قد حبستِ النَّاسَ، فلا يستطيعونَ أن يَجُوزُوا، فقال: اليومَ أعلمُ أمرُ الرَّاهبِ أحبُّ إلى اللهِ أَمْ أمرُ السَّاحرِ؟ فأخذَ حجرًا فقال: اللَّهُمَّ إنْ كان أمرُ الرَّاهبِ أحبَّ إليكَ، وأرضَى لكَ مِنْ أمرِ السَّاحرِ، فاقْتُلْ هذه الدَّابَّةَ حتَّى يَجوزَ النَّاسُ، ورَماها، فقتلَها ومضَى النَّاسُ، فأخبرَ الرَّاهبَ بذلِك، وقال: أيْ بُنيَّ، إنَّكَ أفضلُ منِّي، وإنَّك ستُبتَلَى، فإنِ ابتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عليَّ، وكان الغُلامُ يُبرِئُ الأَكْمَه والأَبرَصَ وسائرَ الأدواءِ وسقيمَهُم، وكان جليسٌ للمَلِكَ قد عَمِيَ فسَمِعَ به، فأتَى بهدايا كثيرةٍ، فقال له: اشفنِي ولك ما هاهُنا أجمعُ. قال: ما أَشفِي أنا أحدًا، إنَّما يَشفِي اللهُ، فإن آمنتَ باللهِ دعوتُ اللهَ تعالَى فشفاكَ، فآمَنَ، فدَعا له فشفاهُ، ثمَّ أتَى المَلِكَ فجلسَ معه نحوَ ما كان يجلِسُ، فقال له المَلِكُ: يا فلانُ، مَنْ رَدَّ عليكَ بَصَرَكَ؟ قال: ربِّي. قال: أنا؟ قال: لا، ولكن ربِّي وربُّكَ اللهُ. قال: أَوَ لَك ربٌّ غيرِي؟! قال: نَعَم. فلم يَزَلْ يُعذِّبْه حتَّى دلَّ على الغُلامِ، فبعثَ إليه فقال: أيْ بُنيَّ، قد بلغَ مِنْ سِحرِكَ أنْ تُبرِئَ الأَكْمَه والأَبرَصَ وهذهِ الأدواءَ؟ قال: ما أشفِي أنا أحدًا، إنَّما يشفِي اللهُ. قال: أنا؟ قال: لا. قال: وإنَّ لكَ ربًّا غيرِي؟ قال: نَعَم ربِّي وربُّكَ اللهُ، فأخذَهُ أيضًا بالعذابِ، فلم يَزَلْ به حتَّى دَلَّ على الرَّاهبِ، فأتَى بالرَّاهبِ، فقال: ارجِعْ عن دِينِكَ (١)، فوضَعَ المِنْشارَ في مَفْرِقِ رأسِه حتَّى وقعَ شِقَّاهُ، فقال للأعمَى: ارجِعْ عن دِينِكَ فأبَى، فوضَعَ المِنْشارَ في مَفْرِقِ رأسِه حتَّى وقعَ شِقَّاهُ إلى الأرضِ. فقال للغُلامِ: ارجِعْ عن دِينِكَ فأبَى، فبَعَثَ به مع نفرٍ إلى جبلِ كذا وكذا وقال: إذا بلغتُمْ ذُرْوتَه، فإنْ رجعَ عن دينِه، وإلَّا فدَهْدِهُوهُ مِنْ فوقِه، فذهبُوا به فلمَّا عَلَوا بهِ الجَبَلَ قال: اللَّهُمَّ اكفينِهِم بما شئتَ، فرجَفَ بهمُ الجَبَلُ فتدَهْدَهُوا أَجمعِينَ، وجاءَ الغُلامُ يتلَمَّسُ حتَّى دخلَ على المَلِكِ فقال: ما فعلَ أصحابُكَ؟ قال: كفانِيهِمُ اللهُ، فبعثَ به معَ نفرٍ في قُرْقُورٍ (٢) وقال: إذا لَجَجْتُمْ به البحرَ، فإنْ رجعَ عن دينِه وإلَّا فغرِّقوهُ، فلجَجُوا البحرَ، فقال الغُلامُ: اللَّهُمَّ اكفنيِهِم بما شئتَ، فغرقُوا أجمعونَ، وجاءَ
стр. 40
الغُلامُ يتلمَّسُ حتَّى دخلَ على المَلِكِ، فقال: ما فعلَ أصحابُكَ؟ فقال: كفانِيهِمُ اللهُ، ثمَّ قال للمَلِكِ: لستَ بقاتلِي حتَّى تفعلَ ما آمُركَ وإلَّا فإنَّكَ لم تستطعْ قتلِيَ. قال: وما هو؟ قال: تجمعُ النَّاسَ في صعيدٍ، ثمَّ تصلِبُنِي على جذعٍ، فتأخذُ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِي، ثمَّ قلْ: بِسْمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، فإنَّكَ إذا فعلتَ ذلكَ قتلتَنِي، ففعلَ ووَضعَ السَّهمَ في كبِدِ قَوسِه، ثمَّ رمَى، وقال: بِسْمِ اللهِ ربِّ الغُلامِ، فوقعَ السَّهمُ في صُدْغِه، فوضَعَ الغُلامُ يدَه على موضِعِ السَّهمِ، وماتَ، فقال النَّاسُ: آمنَّا برَبِّ الغُلامِ. قيلَ للمَلِكِ: أَرأَيتَ ما كنتَ تحذَرُ؟ قد -واللهِ- نزلَ بك، قد آمَنَ النَّاسُ كلُّهُم، فأَمَرَ بأفواهِ السِّكَكِ فخُدَّتْ فيها الأُخدودُ، وأُضرمَتْ فيها النِّيرانُ، وقال: مَنْ رجعَ عن دِينِه فدَعُوهُ، وإلَّا فأَقحِمُوهُ فيها، وكانوا يتقادَعُونَ فيها ويَتَدافَعُونَ، فجاءَتِ امرأةٌ بابنٍ لها تُرضِعه، فكأنَّها تقاعَسَتْ أنْ تقعَ في النَّارِ، فقال الصَّبيُّ: يا أُمَّه، اصبرِي، فإنَّكِ على الحقِّ».
واللفظُ لابنِ إسحاقَ.
٢٦ - أخبرنا ابنُ إسحاقَ، ثنا سعيدُ بنُ عُفيرٍ، ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن ابنِ الهاد، عن عثمانَ بنِ صُهيبٍ، عن أبيه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: «مَنْ أشقَى