← Акыда

Акыда · id 30813

أشراط الساعة - الغفيلي

عبد الله بن سليمان الغفيلي

Полный текст (164 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ " أصوله السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ثم قال: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه " كافر"، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد " (١) . وقال أبو الحسن الأشعري (٢) ﵀ في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة " الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقّات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى يقتله، ثم قال في آخر كلامه: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب " (٣) . وقال ابن جرير الطبري بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى ﵇، " وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال " (٤) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله. وقال ابن كثير " تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى

стр. 107

عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا " (١) . وقال صديق حسن خان "والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدجال. . . ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك، ثم ساقها وقال: جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع " (٢) . وقال الغماري: " وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ عن غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا (٣) وقال: تواتر هذا تواترا لا شك فيه بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترا بتلقي جيل عن جيل " (٤) . وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (٥) في كتابه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح " فذكر أكثر من سبعين حديثا. وقال صاحب عون المعبود شرح سن أبي داود: " تواترت الأخبار عن النبي ﷺ

стр. 108

في نزول عيسى ابن مريم ﷺ من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة " (١) . وقال الشيخ أحمد شاكر: " نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك. . . وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يؤمن من أنكره " (٢) . وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: " اعلم أن أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد، فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم لا سيما والأمر دين وعقيدة " (٣) . [المسألة الخامسة الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره] المسألة الخامسة: الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره ذكر بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - الحكمة من نزول عيسى ﵇ دون غيره، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى ﵇، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال، ورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (٤) . ٢ - أن عيسى ﵇ وجد في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (٥) فدعا الله أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل

стр. 109

آخر الزمان مجددا لما درس من دين الإسلام دين محمد ﵊، فتوافق خروج الدجال فيقتله (١) . ٣ - أن نزول عيسى ﵇ من السماء لدنو أجله ليدفن في الأرض؛ إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدجال فيقتله عيسى ﵇ (٢) . ٤ - أنه ينزل مكذبا للنصارى فيظهر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام فإنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية. ٥ - أن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي» (٣) فرسول الله ﷺ أخص الناس وأقربهم إليه، فإن عيسى مبشر بأن رسول الله ﷺ يأتي من بعده ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به (٤) . كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (٥) وفي الحديث: «قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: " نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى» (٦) .

стр. 110

[المسألة السادسة الأمور التي تكون في زمن عيسى ﵇] [قتل المسيح الدجال] المسألة السادسة: الأمور التي تكون في زمن عيسى ﵇ ١ - قتل المسيح الدجال: سبق ذكر أن نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ ينزل والمسلمون في حال إعداد أنفسهم لحرب الدجال، وعلمنا أن الصلاة تقام في ذلك الوقت، فيصلي عيسى ابن مريم ﵇ خلف الرجل الصالح، وعند ما يعلم الدجال بنزول عيسى ﵇ يهرب، فيلحقه نبي الله إلى بيت المقدس فيدركه وقد حاصر عصابة من المسلمين، فيأمرهم عيسى ﵇ بفتح الباب فيفعلون ويكون وراءه الدجال فينطلق هاربا، فيلحقه نبي الله ﵇ فيدركه عند باب لد الشرقي فيقضي عليه وعلى من معه من يهود. ففي الحديث الصحيح عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، فيقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله ليتوارى به يهودي إلا أنطق ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله. . .» (١) .

стр. 111

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «. . . فبينما هم يعدون للقتال ويسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكنه يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» (١) ". وهكذا يكون أول عمل يقوم به نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ بعد نزوله من السماء هو مواجهة الدجال والقضاء عليه وعلى من يتبعه من يهود. [هلاك يأجوج ومأجوج] إن خروج قوم يأجوج ومأجوج علامة من علامات الساعة الكبرى، وسيأتي الكلام على هذه العلامة، والمراد هنا بيان أن عيسى ﵇ بعد أن يقضي على الدجال وفتنته، يفسد هؤلاء القوم في الأرض فسادا كبيرا، فيتضرع نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الله تعالى فيهلكهم شر هلكة، ويصبحون موتى لا يبقى منهم أحد، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الكلام على يأجوج ومأجوج. [القضاء على كل الشرائع والحكم بالإسلام] عيسى ﵇ عندما ينزل من السماء يكون تابعا لشرع الإسلام، فيحكم بكتاب الله ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وبذلك يقضي على كل الشرائع التي تحكم الناس سوى الإسلام، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فإن شريعة الإسلام ناسخة للشرائع قبلها، وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتابعوه إذا بعث وهم أحياء، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] (٢) .

стр. 112

ومن أجل هذا فهو يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبل من أحد إلا الإسلام، أو القتل. يقول القرطبي ﵀: " ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى ﵇ يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها. . . وبقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١) وقوله ﵊: «لا نبي بعدي» (٢) وقوله ﷺ : «أنا العاقب» (٣) . يريد آخر الأنبياء وخاتمهم، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا ﷺ ، بل إذا أنزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ كما أخبر النبي ﷺ حيث قال لعمر: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» (٤) . فعيسى ﵇ إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة مجددا لها؛ إذ هي آخر الشرائع ومحمد ﷺ آخر الرسل (٥) . [رفع الشحناء والتباغض من بين الناس وانتشار الأمن والرخاء بين الخلق] من الأمور التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ أنها تحدث في زمن عيسى ﵇: أن الشحناء والتباغض والتحاسد ترفع من بين الناس حيث تجتمع كلمة الجميع على الإسلام، وتعم البركة، وتكثر الخيرات، حيث تنبت الأرض نبتها، ولا يرغب في اقتناء المال لكثرته، وينزع الله في ذلك الوقت سم كل ذي سم حتى يلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، وترعى

стр. 113

الشاة مع الذئب فلا يضرها، فتملأ الأرض أمنا وسلما، وينعدم القتال بين البشر فترخص الخيل لعدم القتال، وترتفع أسعار الثور؛ لأن الأرض تحرث كلها. ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ السابق أن رسول الله ﷺ قال: «. . . ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِسْل (١) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. . .» الحديث (٢) . ومن حديث أبي أمامة الطويل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «. . . فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلا، وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (٣) الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. . .» (٤) .

стр. 114

وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا. . . وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (١) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» (٢) . قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ومعناه أن يزهد الناس فيها، ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهي شبيهة بمعنى قول الله : ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] (٣) . ومعنى لا يسعى عليها: لا يعتني بها (٤) . [المسألة السابعة موت عيسى ﵇ ودفنه] المسألة السابعة: موت عيسى ﵇ ودفنه لم يرد عن الشارع نص يبين لنا مكان موت عيسى ﵇، ولكن ذكر بعض العلماء أنه يموت ﵇ في المدينة النبوية، وقيل إنه يدفن مع رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄. قال القرطبي ﵀: " واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي، وقيل: يدفن مع النبي ﷺ على ما ذكرناه من الأخبار" (٥) .

стр. 115

[المطلب الرابع خروج يأجوج ومأجوج] [المسألة الأولى أصل يأجوج ومأجوج ونسبهم] المطلب الرابع: خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى التي أخبر بها الرسول ﷺ خروج يأجوج ومأجوج، والكلام على هذه العلامة يتضمن المسائل التالية: المسألة الأولى: أصل يأجوج ومأجوج ونسبهم اختلف في اشتقاق الكلمتين: فقيل: هما اسمان أعجميان منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وعلى هذا فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجمية لا تشتق من العربية. وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار وهو التهابها، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط والاضطراب. وعند جمهور القراء: ياجوج وماجوج بدون همز، وأما قراءة عاصم فهي بالهمزة الساكنة فيهما (١) . والخلاصة من هذا: أن جميع ما ذكر في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من ماج قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] (٢) . وذلك حين يخرجون من السد (٣) . وقد اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم من ذرية آدم. والذي رجحه الحافظ ابن حجر ﵀ أنهم قبيلتان من ولد يافث بن نوح (٤) . فهما من ولد آدم وحواء، ويؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁

стр. 116

قال: قال رسول ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف (أراه قال) تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] (١) . فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ : " من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد. . .» الحديث (٢) . [المسألة الثانية الأدلة على خروجهم من القرآن والسنة] المسألة الثانية: الأدلة على خروجهم من القرآن والسنة ورد ذكرهم في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا - فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا - قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٣ - ٩٨] (٣) . وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] (٤) . فدلالة الآيتين على كون خروجهم من أشراط الساعة: أن فيهما التصريح بأنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج فإن ذلك دليل على اقتراب الوعد الحق والمراد به يوم القيامة (٥) .

стр. 117

فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] حتى " فيه متعلقة بما قبل الآية، أي كل قرية أهلكت تبقى في الهلاك حتى قيام الساعة، أو تبقى في عدم الرجعة إلى الدنيا، أو إلى التوبة حتى قيام الساعة، وهذه الأقوال مُفرعة على معنى الآية السابقة (١) وهي قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] (٢) . وقيل: إن "حتى" متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣] (٣) أي استمر الخلاف بين الأمم حتى قيام الساعة (٤) وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] المراد إذا فتح الردم عن هاتين القبيلتين العظيمتين وتمكنوا من الخروج، فيخرجون من كل حدب وهو المرتفع من الأرض (٥) يسرعون في المشي إلى الفساد. وأما الأدلة من السنة على خروجهم فهي كثيرة: منها: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂، عن زينب بنت جحش ﵂: «أن رسول الله ﷺ دخل يوما فزعا يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: فقلت يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم، إذا كثر الخبث» (٦) .

стр. 118

ومنها: حديث النواس بن سمعان ﵁ الذي تقدم ذكره كثيرا، وفيه: «إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله» (١) وفي رواية بعد قوله " لقد كان بهذه مرة ماء ": «ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر (٢) وهو جبل ببيت المقدس فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما» (٣) . ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط الساعة فذكر منها: يأجوخ ومأجوج (٤) . ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا الساعة إلى أن قال: فردوا الحديث إلى عيسى، فذكر قتل الدجال ثم قال: ثم يرجع الناس إلى

стр. 119

بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون لا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه. يجأرون إلي فأدعو الله فيميتهم فتجوى الأرض من ريحهم، فيجأرون إلي فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيقذف بأجسامهم في البحر» (١) . ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، فذكر الحديث وفيه: «ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويفر الناس منهم فيرمون سهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا من في السماء قوة وعلوا، قال: فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، قال: فيهلكهم، والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكرا (٢) وتسكر سكرا (٣) من لحومهم» (٤) . إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على خروجهم وأنه يجب الإيمان بها وتصديقها. قال ابن قدامة المقدسي ﵀: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وما جهلناه، ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث

стр. 120

الإسراء والمعراج. . . إلى أن قال: ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج. . . " (١) . وقال القاضي عياض: " الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج: هذه الأخبار على حقيقتها يجب الإيمان بها؛ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة، وقد ورد في خبرهم أنه لا قدرة لأحد على قتالهم من كثرتهم، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى ﵇ ومن معه من المؤمنين الذين نجوا من الدجال، فيدعو عليهم فيهلكهم الله أجمعين بالنغف - وهو دود في رقابهم - فيؤذون الأرض والمؤمنين بنتنهم، فيدعو عيسى وأصحابه ربهم فيرسل الله طيرا فتحملهم حيث شاء الله " (٢) . وقال السفاريني ﵀: " إن خروجهم من وراء السد على الناس حق ثابت لوروده في الذكر وثبوته عن سيد البشر، ولم يحله عقل فوجب اعتقاده " (٣) . [المسألة الثالثة السد ويأجوج ومأجوج] المسألة الثالثة: السد ويأجوج ومأجوج بنى ذو القرنين (٤) سد يأجوج ومأجوج ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا السد، فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥] (٥) .

стр. 121

هذا ما ورد في القرآن على بناء هذا السد. أما مكانه: ففي جهة المشرق (١) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠] (٢) . وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ قصة عن السد ومحاولة بعض الملوك الوصول إليه فقال: وقد بعث الخليفة الواثق (٣) في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حراسا من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب (٤) . ولم يذكر الحافظ ابن كثير ﵀ سندا لهذه القصة، ولم يتكلم عليها بشيء. والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بني بين جبلين لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] والسدان: هما جبلان متقابلان، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] أي حاذى به رؤوس الجبلين (٥) وذلك بزبر الحديد ثم أفرغ عليه نحاسا مذابا فكان سدّا محكما.

стр. 122

قال الإمام البخاري ﵀: «قال رجل للنبي ﷺ : رأيت السد من البرد المحبر. قال: " قد رأيته» (١) . ويمكن أن يكون هذا السد هو السور المحيط بمدينة ترمذ (٢) الذي ذكره ياقوت الحموي (٣) في معجم البلدان، وليس هو سد ذي القرنين. وأيضا: فإن البحث في تحديد مكان السد لا يهم كثيرا؛ ولا يحصل بعدم معرفته خلل في الاعتقاد؛ لأن المقصود بيان أن ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن سد يأجوج ومأجوج موجود إلى أن يأتي الوقت المحدد لدك هذا السد وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دنو الساعة بهما في قوله : ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩] (٤) كل ذلك: حقيقة يجب التصديق به. والذي يدل على أن السد موجود ولم يندك، حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا، قال: فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله تعالى واستثنى، قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، فيستقون المياه ويفر الناس منهم» (٥) .

стр. 123

قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح: قال ابن العربي ﵀: " في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: أن الله منحهم أن يوالوا الحفر ليلا ونهارا، والثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه، الثالثة: أنه صدهم عن أن يقولوا: إن شاء الله حتى يجيء الوقت المحدد " (١) . فخروجهم الذي هو من أشراط الساعة الكبرى في آخر الزمان لم يقع؛ لأن الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ تدل على أن خروجهم بعد نزول عيسى ﵇، وهو الذي يدعو الله بأن يهلكهم فيهلكون ويسلم الناس من شرهم. فيجب على كل مسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة عن السد ويأجوج ومأجوج، ولا عبرة بمن أنكر وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الناس بحجة ظهور دول الكفر المتقدمة في الصناعة، وأن هؤلاء استطاعوا أن يكتشفوا كل ما في الأرض ولم يتركوا منها شيئا إلا أتوا عليه، ولكنهم لم يعثروا على يأجوج ومأجوج، ولم يروا سد ذي القرنين، ولا شك أن هذا قول فاسد؛ لأنه تكذيب صريح لما جاء في كتاب الله ، ولما أخبر به رسولنا ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ومن كذب بشيء جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقد كفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] (٢) . وأما دعواهم أن الأرض اكتشفت كلها ولم يجدوا فيها يأجوج ومأجوج والسد، فهي دعوى باطلة تدل على عجز البشر وقصورهم؛ لأن معرفة جميع بقاع الأرض والإحاطة بما فيهما من المخلوقات لا يقدر عليها إلا الله الذي

стр. 124

أحاط بكل شيء علما، ولا يلزم من عدم رؤيتهم عدم وجودهم؛ لأنه قد يكون الله صرفهم عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، أو جعل بينهم وبين الناس أشياء تمنع من الوصول إليهم كما حصل لبني إسرائيل حين ضرب الله عليهم التيه في فراسخ قليلة من الأرض، فلم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، والله على كل شيء قدير، جعل لكل شيء أجلا ووقتا، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ - لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧] (١) . وما عجز الأوائل عن اكتشاف ما اكتشفه المتأخرون إلا لأن الله جعل لكل شيء أجلا (٢) . [المسألة الرابعة هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم] المسألة الرابعة: هلاك يأجوج ومأجوج وطيب العيش وبركته بعد موتهم بعد طغيان يأجوج ومأجوج وإفسادهم وعتوهم في الأرض وإهلاكهم للحرث والنسل، يتضرع نبي الله عيسى ابن مريم ﵇ وأصحابه إلى الله ، ليكشف عنهم ما حل بهم من البلاء والمحن التي لم يجدوا بأنفسهم حيلة ولا قوة لدفعها، فيستجيب الله لهم، فيسلط الله عليهم الدود الصغير فيهلكهم فيصبحون موتى موت الجراد، يركب بعضهم بعضا، فتمتلئ الأرض من نتنهم، فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيتضرع نبي الله عيسى وأصحابه ثانية إلى الله فيرسل طيرا تحملهم وتطرحهم في البحر، ثم يرسل مطرا تغسل آثارهم، ثم يأمر الله الأرض لترد بركتها وتنبت ثمارها، فيعم الرخاء، وتطرح البركة فيعيش عيسى ابن مريم وأصحابه في عيش رغيد. ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل الذي مر ذكره فيما سبق أن الرسول ﷺ قال فيه: «ويحاصر عيسى ابن مريم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى عليه

стр. 125

السلام وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس» (١) . وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «. . . ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع متخضبة دما للبلاء والفتنة، فبينا هم على ذلك، بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حسٌّ، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو، قال: فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه قد أطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين: ألا أبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعيٌ إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط» (٢) .

стр. 126

[المطلب الخامس طلوع الشمس من مغربها] المطلب الخامس: طلوع الشمس من مغربها طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة الكبرى كما هو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع العلماء. قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] (١) . قال ابن جرير الطبري ﵀ بعد ذكره لأقوال المفسرين في الآية: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ذلك حين تطلع الشمس من مغربها» (٢) . ومن الأحاديث على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن الناس أجمعون، فذلك حيث لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (٣) . ومنها حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (٤) . ومنها حديث صفوان بن عسال ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله فتح بابا قبل المغرب، عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» (٥) .

стр. 127

ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر ومعاوية ﵃ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل» (١) . ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وذكر منها طلوع الشمس من مغربها» (٢) . وقد ذكر القرطبي ﵀ عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فقال: " قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت " (٣) . ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها. . .» الحديث (٤) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: " الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض،

стр. 128

وينتهي ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام الساعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب " (١) . قال البرزنجي في الإشاعة: وهذا جمع حسن ﵀ (٢) . وعن أبي ذر ﵁: «أن النبي ﷺ قال يوما: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» (٣) . وهذا السجود للشمس لا ندري كيفيته ولا يعلمها إلا الله الذي يسجد له كل من في السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] (٤) .

стр. 129

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ - وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ - يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠] (١) . قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن عظمته وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى " (٢) . وقد تكلم العلماء - رحمهم الله تعالى - عن حديث سجود الشمس تحت العرش وردوا على من أول ذلك، وبينوا أن سجودها تحت العرش سجود حقيقي. قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قول رسول الله ﷺ : «مستقرها تحت العرش» قال: " لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده وإنما أخبرنا عن غيب فلا نكذب به ولا نكيفه؛ لأن علمنا لا يحيط به. . . ثم قال عن سجودها تحت العرش: وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش فلا ينكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها والتصرف لما سخرت له، وأما قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] (٣) . فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب ومصيرها تحت العرش للسجود، وإنما هو بعد الغروب " (٤) . قال القاضي عياض عقب شرحه للحديث السابق: " وهو على ظاهره عند

стр. 130

أهل الفقه والحديث والمتكلمين من أهل السنة خلافا لمن تأوله من المبتدعة والباطنية، وهو أحد أشراط الساعة العظام المنتظرة " (١) . وقال الإمام النووي ﵀: " وأما سجود الشمس فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى " (٢) . وقال الإمام ابن كثير ﵀: يسجد لعظمته تعالى كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص به (٣) . وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري - والله أعلم (٤) .

стр. 131

[المطلب السادس خروج الدابة] [المسألة الأولى الأدلة على خروجها من الكتاب والسنة] المطلب السادس: خروج الدابة من أشراط الساعة الكبرى خروج دابة من الأرض في آخر الزمان تكلم الناس وتسميهم مؤمنا وكافرا، وذلك عند فساد الناس وتركهم أوامر الله تعالى. والكلام على هذه العلامة يشتمل على المسائل التالية: المسألة الأولى: الأدلة على خروجها من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] (١) . عن ابن عباس ﵄، أن معنى تكلمهم: تجرحهم، بمعنى تكتب على جبين الكافر كافرا، وعلى جبين المؤمن مؤمنا. وروي عنه أيضا بمعنى تخاطبهم. قال الحافظ ابن كثير: " هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق. يخرج الله لهم دابة من الأرض فتكلم الناس على ذلك " (٢) . وقال الألوسي (٣) " أي تكلمهم بأنهم لا يتيقنون بآيات الله تعالى الناطقة بمجيء الساعة ومباديها أو بجميع آياته التي من جملتها تلك الآيات " (٤) .

стр. 132

وأما الأدلة من السنة: فمنها حديث أبي أمامة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «ثم تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريت؟ فيقول اشتريته من أحد المخطمين» (١) . ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بادروا بالأعمال ستا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويصة (٢) أحدكم» (٣) . ومنها حديث حذيفة بن أسيد ﵁ قال: «اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: " ما تذاكرون "؟ : قالوا: نذكر الساعة قال: " إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٤) . ومنها حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت من رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا» (٥) .

стр. 133

[المسألة الثانية صفة الدابة] المسألة الثانية: صفة الدابة اختلف العلماء في صفة الدابة إلى عدة أقوال: القول الأول: أنها فصيل ناقة صالح، قال القرطبي: " أولى الأقوال أنها فصيل ناقة صالح وهو أصحها، والله أعلم " (١) واستدل بحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: " لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زمنا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، قال رسول الله ﷺ : " ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض رأسها عن التراب فتركض الناس منها شتى ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين عرفوا أنهم لم يعجزوا الله فبدأت بهم، فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه، فتقول: يا فلان: الآن تصلي!؟ فتقبل عليه فتسمه في وجهه. . .» (٢) . ووجه الدلالة من هذا الحديث قوله: وهي ترغو والرغاء للإبل. وقال القرطبي في التذكرة: " وقد قيل إن الدابة التي تخرج هي الفصيل الذي كان لناقة صالح ﵇، فلما قتلت الناقة هرب الفصيل بنفسه فانفتح له الحجر فدخل فيه ثم انطبق عليه، فهو فيه إلى وقت خروجه، حتى يخرج بإذن الله تعالى، ويدل

стр. 134

على هذا القول حديث حذيفة. . . "، ولقد أحسن من قال: واذكر خروج فصيل ناقة صالح ... يسم الورى بالكفر والإيمان (١) القول الثاني: أنها دابة جمعت من خلق كل حيوان. القول الثالث: أنها إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم حتى يتبين الصادق من الكاذب فيحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، وقد رد القرطبي - رحمه الله تعالى - على هذا القول وبين أنه قول فاسد مخالف لظاهر الآية والأحاديث الصحيحة فقال ﵀: " وإنما كان هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من العشر آيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة بها، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور " (٢) . القول الرابع: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة (٣) . القول الخامس: أنها دابة مزغبة شعراء ذات قوائم، طولها ستون ذراعا، ويقال: إنها الجساسة (٤) المذكورة في حديث تميم الداري ﵁ والذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن فاطمة بنت قيس ﵂ عن رسول الله ﷺ .

стр. 135

تقول فاطمة بنت قيس ﵂، وهي تحكي قصة اعتدادها بعد وفاة زوجها ابن المغيرة عند ابن عمها عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم: «فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي - منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاه "، ثم قال: " أتدرون لم جمعتكم "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال: حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفؤوا (١) إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قُبلُهُ من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟! فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا، وأشده وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه وما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك، ما أنت؟! قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهرا ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرى ما قُبلُهُ من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة: قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في

стр. 136

الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن نخل بَيْسان؟ (١) . قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثير الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زُغَر (٢) ؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال كيف صنع بهم؟ ، فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ملك بيده سيف صلتا (٣) يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها ". قالت: قال رسول الله ﷺ وطعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة "يعني المدينة " ألا هل كنت حدثتكم ذلك "؟ فقال الناس: نعم. قال: " فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة ألا إنه في بحر

стр. 137

الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل الشرق ما هو من قبل الشرق، ما هو من قبل الشرق، ما هو " وأوما بيده إلى المشرق، قالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ » (١) . وسميت بالجساسة؛ لأنها تجس الأخبار للدجال (٢) . القول السادس: أنها الدابة، اسم جنس لكل ما يدب وليست حيوانا مشخصا معينا يحوي العجائب والغرائب، ولعل المقصود من هذا ما ذهب إليه بعض المتأخرين من أن الدابة نوع من الحشرات الموجودة الآن، وأنها ستكثر لأي سبب من الأسباب، فيكون هجومها على الناس على ضعفها وصغر حجمها وتحميلهم الأذى الكبير وعجزهم عن مقاومتها مع ما أوتوه من بسطة العلم والحيلة، آية من آيات الله، وبعضهم قال إنها الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان، وهذه لا شك أنها تأويلات فاسدة وباطلة؛ لأنها تكذيب للنبي ﷺ فيما أخبر به عن هذه الدابة (٣) . قال الشيخ أحمد شاكر ﵀: " والآية صريحة بالقول العربي أنها (دابة) ، ومعنى الدابة في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل، وقد بين الحديث بعض فعلها، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدابة الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت آثار أخر في صفتها لم تنسب إلى رسول الله ﷺ المبلغ عن ربه والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها. ولكن بعض أهل عصرنا من المنتسبين إلى الإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول، والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم من ملحدي

стр. 138

أوربا الوثنيين الإباحيين، المتحللين من كل خلق ودين، فهؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارا صريحا، فيجمجمون ويحاورون ويداورون، ثم يتأولون فيخرجون الكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون! . بل إن بعضهم لينقل التأويل عن رجل هندي معروف أنه من طائفة تنتسب للإسلام، وهي له عدو مبين، وعبيد لأعدائه المستعمرين!! فانظر إليهم أنى يترددون ويصرفون؟ وأي نار يقتحمون؟ ذلك بأنهم بآيات الله لا يوقنون " (١) أ. هـ. فالواجب على كل مؤمن الإيمان بأن الله سيخرج للناس دابة مخالفة لما يعتاده الناس تكلمهم وتختم على الكافر بالكفر وعلى المؤمن بالإيمان، وهذا من الإيمان بالغيب الذي مدح الله به المؤمنين. يقول العلامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀: " وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بذلك الأحاديث ولم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما ذكر أثرها والمقصود منها، وأنها من آيات الله تكلم الناس كلاما خارقا للعادة حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين وحجة على المعاندين " (٢) . [المسألة الثالثة مكان خروج الدابة] المسألة الثالثة: مكان خروج الدابة اختلف العلماء في مكان خروج الدابة إلى عدة أقوال: القول الأول: أنها تخرج من جبل الصفا أو من المسجد الحرام بمكة المكرمة. قال القرطبي: " واختلف من أي موضع تخرج، فقال عبد الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه، وقال عبد الله بن عمرو نحوه، قال:

стр. 139

لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت " (١) . ومما يدل على خروجها من أعظم المساجد، ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن حذيفة بن أسيد - أراه رفعه - قال: «تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبت الأرض فبينا هم كذلك إذ تصدعت» . قال ابن عيينة (٢) تخرج حين يسوي الإمام الجمع، وإنما جعل سابقا ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج (٣) . قال محمد صديق حسن خان: وهو المشهور (٤) . القول الثاني: أن لها خرجات، الأولى من أقصى البادية، ثم تختفي، ثم تخرج من بعض أودية تهامة، ويصدق عليها أنه من وراء مكة، وفي المرة الأخيرة تخرج من مكة. وهذا القول الأخير هو الذي يجمع بين الأقوال في خروجها. يقول السخاوي ﵀ " وتخرج كما في بعض المرفوعات أو الموقوفات ثلاث خرجات من الدهر، فمرة من أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج مرة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، " (٥) . ويقول محمد صديق حسن خان بعد ذكره للأقوال في خروج الدابة: ويجمع بين هذه الأقوال بما جاء في الأحاديث المرفوعة والموقوفة كما قال السخاوي وغيره من أنها تخرج ثلاث خرجات (٦) ثم ذكر كلام السخاوي السابق.

стр. 140

[المسألة الرابعة عمل الدابة] المسألة الرابعة: عمل الدابة عمل هذه الدابة كما جاءت به الأحاديث أنها تسم الناس المؤمن والكافر، حتى إنه جاء في بعض الروايات: فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه، ويشترك الناس في الأقوال ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن الكافر وبالعكس. قال ابن كثير: وعن ابن عباس: تكلمهم، تجرحهم، يعني تكتب على جبين الكافر كافر، وعلى جبين المؤمن مؤمن، ومنه تخاطبهم، وتخرجهم، وهذا القول ينتظم من مذهبين وهو قوي حسن جامع، والله تعالى أعلم (١) . ويتلخص عمل الدابة في الأمور التالية: ١ - أنها دابة تكلم الناس. ٢ - أنها تسم المؤمن بعلامة وتجلو وجهه حتى ينير. ٣ - أنها تسم الكافر بعلامة قيل: هي خطم الأنف. قال ابن الأثير: يعني تصيبه فتجعل له أثرا مثل أثر الخطام (٢) .

стр. 141

[المطلب السابع الدخان الذي يكون في آخر الزمان] [المسألة الأولى الأدلة من الكتاب والسنة] المطلب السابع: الدخان الذي يكون في آخر الزمان من علامات الساعة وأشراطها العظمى ظهور دخان قبل قيام الساعة. والكلام على هذه العلامة يتضمن المسائل التالية: المسألة الأولى: الأدلة من الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ - يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ - أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٣] (١) . أما الأدلة من السنة على هذا الأمر فهي كثيرة: منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري المتقدم، قال: «اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الساعة فقال: " ما تذاكرون "؟ قلنا: نذكر الساعة، قال: " إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آَيات فذكر الدخان والدجال والدابة. . .» الحديث (٢) . ومنها حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال. . .» الحديث (٣) . ومنها قوله ﷺ : «إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية: الدابة، والثالثة: الدجال» (٤) . [المسألة الثانية اختلاف العلماء حول المراد بالدخان ومتى يحدث]

стр. 142

لقد اختلف العلماء ﵏ في المراد بالدخان الوارد في الآية والأحاديث المتقدمة على قولين: ١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁ وتبعه جماعة من السلف ورجحه ابن جرير الطبري ﵀ (١) . وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (٢) ﵀ قال: «كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام " فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: " يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ " (٣) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف " (٤) قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوعِ، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان» (٥) . وقال ابن مسعود أيضا: «خمس قد مضين:

стр. 143

اللزام (١) والروم (٢) والبطشة (٣) والقمر (٤) والدخان» (٥) . ٢ - وذهب كثير من العلماء سلفا وخلفا إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو سعيد الخدري ﵃ وغيرهم، وكثير من التابعين. وقد رجح الحافظ ابن كثير ﵀ هذا، مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان) ، وبغيرها من الأحاديث، وأيضا بما أخرجه ابن جرير وغيره عن عبد الله بن أبي مليكة (٦) قال: غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم فقال: " ما نمت البارحة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (٧) . قال ابن كثير ﵀ بعد ذكره لهذا الأثر: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها

стр. 144

التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي بين واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا " (١) . ٣ - وقد ذهب بعض العلماء (٢) إلى الجمع بين هذه الآثار بأن قالوا هما دخانان ظهر أحدهما وبقي الآخر الذي سيقع في آخر الزمان، فأما الآية الأولى التي ظهرت فهي ما كانت قريش تراه كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة. قال القرطبي ﵀: قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: " هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه " (٣) . وقال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: " وبعد فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله ﷺ صحيح " (٤) . وقال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار " (٥) . ولا شك أن الجمع هو أفضل الطرق ولا منافاة بين الرأيين حينئذ - والله تعالى أعلم، ورد العلْم إليه أسلم.

стр. 145

[المطلب الثامن الخسوفات الثلاثة] المطلب الثامن: الخسوفات الثلاثة من العلامات الكبرى التي أخبر الرسول ﷺ بحدوثها في آخر الزمان الخسوفات الثلاثة، وقد دلت على هذا حديث حذيفة بن أسيد ﵁ وقد سبق ذكره - وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، وذكر منها ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (١) . ومنها حديث أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول ﷺ يقول: «سيكون بعدي خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب "، قلت: يا رسول الله أيخسف بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله ﷺ : " إذا أكثر أهلها الخبث» (٢) . فهذه الخسوفات الثلاثة من الأشراط الكبرى التي لا تظهر إلا في آخر الزمان، وهي غير الخسوفات التي وقعت في الماضي وفي أماكن متعددة؛ لأن هذه من أشراط الساعة الصغرى، أما هذه الخسوفات الثلاثة فهي خسوفات عظيمة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرا زائدا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانا أو قدرا " (٣) .
следующие страницы →