يوما - قبل أن نبتني مدينة بغداد - ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره، قال: فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى فقال: اذهب بنا إلى هذا القس نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال: يا شيخ أبلغك أنه يبنى هنا مدينة؟ قال: نعم، ولست بصاحبها، قال: وما علمك؟ قال القس: وما اسمك؟ قال: اسمي عبد الله، قال: فلست بصاحبها، قال: فما اسم صاحبها؟ قال: مقلاص. قال: فتبسم أبو جعفر وصغا إلي فقال: أنا والله مقلاص، كان أبي يسميني وأنا صغير مقلاصا، فاختط موضع مدينة أبي جعفر.
وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام سنة خمس وأربعين ومائة، وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومائة.
وقال سليمان بن مجالد: الذي تولى الوقوف على خط بغداد: الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة، وكذلك سامرا بناها المتوكل، وكذلك المهدية التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون، فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز، فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز، وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدا، وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع ".
قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد الخياط، أخبرنا الليث بن سعد، عن توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» .
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، فذكره بإسناده
стр. 37
ومتنه وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد.
قال علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو القاسم، حدثني أبو الأسود، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: " لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء ".
وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا؟ .
فقال: " أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ".
قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أبي يقول: " ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصر مصره المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في مكان لهم صالح، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين ".
وقال المروذي: قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في المسائل التي وردت من قبل الخليفة فقلت: أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ما كان من صلح يقر وما كان أحدث بعد يهدم.
وقال أبو طالب: سألت عبد الله عن بيع النصارى ما كان في السواد وهل أقرها عمر؟ .
فقال: السواد فتح بالسيف فلا يكون فيه بيعة، ولا يضرب فيه ناقوس، ولا يتخذ
стр. 38
فيه الخنازير ولا يشرب الخمر ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم إلا الحيرة وبانقيا ودير صلوبا، فهؤلاء أهل صلح صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرب وما كان غير ذلك فكله محدث يهدم. وقد كان أمر بهدمها هارون، وكل مصر مصرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم. وكل شيء فتح عنوة فلا يحدثوا فيه شيئا من هذا، وما كان من صلح أقروا على صلحهم واحتج فيه بحديث ابن عباس ﵄.
وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البيع والكنائس التي بناها أهل الذمة وما أحدثوا فيها مما لم يكن.
قال: تهدم وليس لهم أن يحدثوا شيئا من ذلك فيما مصره المسلمون، يمنعون من ذلك إلا مما صولحوا عليه.
قيل لأبي عبد الله: إيش الحجة في أن يمنع أهل الذمة أن يبنوا بيعة أو كنيسة إذا كانت الأرض ملكهم وهو يؤدون الجزية وقد منعنا من ظلمهم وأذاهم؟ .
قال: حديث ابن عباس ﵄: " أيما مصر مصرته العرب ".
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة - يعني ابن محمد - أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين.
قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء.
قال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: إن من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. ذكره أحمد عن عبد الرزاق.
وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده، فإن
стр. 39
إحداث هذه الأمور إحداث شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق.
ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك؟!
فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟
قيل: هي على نوعين:
أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تزال اتفاقا (١) .
الثاني: أن تكون موجودة بفلاة من الأرض ثم يمصر المسلمون حولها المصر، فهذه لا تزال والله أعلم.
القسم الثاني: من البلاد - حسبما أوضحه ابن القيم - الأمصار التي أنشأها المشركون ومصروها ثم فتحها المسلمون عنوة وقهرا بالسيف، قال: فهذه لا يجوز أن يحدث فيها شيء من البيع والكنائس، وأما ما كان من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟
فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره.
القول الأول: تجب إزالته وتحرم تبقيته؛ لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي
стр. 40
صلى الله عليه وسلم: «لا تصلح قبلتان ببلد» .
وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير، ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك، ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.
وهذا القول هو الصحيح.
والقول الثاني: يجوز إبقاؤها لقول ابن عباس ﵄: " أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم "، ولأن رسول الله ﷺ فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها، ولأن الصحابة ﵃ فتحوا كثير من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي بها، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة، ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح.
وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: " أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار ".
ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس، فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام، ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير.
وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة - لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين
стр. 41
إلى بعضها وقلة أهل الذمة - فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان تركها أصلح - لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها - تركها.
وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار؟! وإنما هو انتفاع بحسب المصلحة، فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك.
ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله ﷺ فيها. ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضا أو معاوضة.
ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع.
ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما؟ بل أذعنوا إلى المعارضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها.
فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة وهو اختيار شيخنا.
ويدل عليه فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه، وأقر ما رأى المصلحة في إقراره، وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة.
القسم الثالث: من البلاد ما فتح صلحا.
قال ابن القيم فيه: وهذا نوعان:
стр. 42
أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها؛ لأن الدار لهم، كما صالح رسول الله ﷺ أهل نجران ولم يشترط عليهم أن لا يحدثوا كنيسة ولا ديرا.
النوع الثاني: أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا.
فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة؛ لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم.
والواجب عند القدرة: أن يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر ﵁، ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: " أن لا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية " فلو وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر، وأخذوه بشرطه لأنها صارت كالشرع، فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.
стр. 43
[خاتمة]
خاتمة نختم هذا البحث برسالتين لشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية لما تحتويان عليه من تحقيقات قيمة.
إحداهما: أوردها ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (٢ / ٦٧٧ - ٦٨٦) .
والثانية: في [مجموعة الرسائل والمسائل] لشيخ الإسلام ابن تيمية التي أولها [الرسالة العرشية] .
[الرسالة الأولى لابن القيم]
أما الأولى فقد قال ابن القيم:
ورد على شيخنا - أي شيخ الإسلام ابن تيمية - استفتاء في أمر الكنائس صورته: ما يقول السادة العلماء - وفقهم الله - في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟ وهل يكون الملك شاملًا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟ فإن ملك جميع ما فيه، فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود - بذلك الإقليم أو غيره - الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟ فإن لم يجز - لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه - فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟
стр. 44
وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها، فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؛ لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع؟ وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسبب يقتضي انتفاضه إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا.
فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ وصححه العراقيون واختاره ابن أبي عصرون في [المرشد] فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط ألا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة؟ بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة. فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين ولا يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجودا عند الفتح أو حدث بعد الفتح أو يجب عليه مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح أو شك فيه؟
وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو لبيت المال أم لا؟
وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة - وإن سلفوا - ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟ وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تحديد عقد عند البلوغ، فهل تحتاج كنائسهم وبيعهم إليه أم لا؟ .
стр. 45
فأجاب: الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ﷺ ، وكعامة أرض الشام وبعض مدنها، وكسواد العراق - إلا مواضع قليلة فتحت صلحا - وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحا وروي أنها فتحت عنوة.
وكلا الأمرين صحيح، على ما ذكره المتأهلون للروايات الصحيحة في هذا الباب (١) - فإنها فتحت أولا صلحا ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمده فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.
ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب ﵄ أن يقسمها بين الجيش، كما سأله بلال قسم الشام، فشاور الصحابة في ذلك، فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم، ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه ومات بعضهم فاستقر الأمر على ذلك.
فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار.
ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد.
стр. 46
وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا أو محدثا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعد ما شرعه.
وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين وصلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا لما استولى رسول الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قينقاع والنضير وقريظة، كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون ودخلت في قوله تعالى سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] (٢) ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] (٣) .
لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متبوع، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبر وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يؤسرون وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول.
وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة.
ولهذا لما فتح النبي ﷺ خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم وكانت
стр. 47
المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله ﷺ بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر ﵁ في خلافته واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد.
فصل: وأما أنه هل يجوز للإمام عقد الذمة مع إبقاء المعابد بأيديهم؟
فهذا فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة.
منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم.
ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم.
فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية.
ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سنة رسول الله ﷺ حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين.
ومن قال: يجوز إقرارها بأيديهم، فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيب ما أقرهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد.
ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكا كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت
стр. 48
المال ينتفع بغلته أو سلم إليه مسجد أو رباط ينفع به لم يكن ذلك تمليكا له، بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها.
وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومن معه في عصره من أهل العلم.
فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه - وكانت من كنائس الصلح - لم يكن لهم أخذها قهرا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة.
فصل: ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلا عن كنائس العنوة، كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد، فإن ناقض العهد أسوأ حالا من المحارب الأصلي، كما أن ناقض الإيمان بالردة أسوأ حالا من الكافر الأصلي.
ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه وإنما اختلفوا في جواز إبقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئا للمسلمين.
стр. 49
أما على قول الجمهور الذين لا يوجبون قسم العقار فظاهر، وأما على قول من يوجب قسمه فلأن عين المستحق غير معروف كسائر الأموال التي لا يعرف لها مالك معين، وأما تقدير وجوب إبقائها فهذا تقدير لا حقيقة له، فإن إيجاب إعطائهم معابد العنوة لا وجه له ولا أعلم به قائلا فلا يفرع عليه، وإنما الخلاف في الجواز.
نعم، قد يقال في الأبناء إذا لم نقل بدخولهم في عهد آبائهم؛ لأن لهم شبهة الأمان والعهد بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يجب إلا ما تحقق أنه كان له، فإن صاحب الحق لا يجب أن يعطي إلا ما عرف أنه حقه، وما وقع الشك فيه - على هذا التقدير - فهو لبيت المال.
وأما المجودون الآن إذا لم يصدر منهم نقض عهد فهم على الذمة، فإن الصبي يتبع أباه في الذمة وأهل داره من أهل الذمة كما يتبع في الإسلام أباه وأهل داره من المسلمين؛ لأن الصبي لما لم يكن مستقلا بنفسه جعل تابعا لغيره في الإيمان والأمان، وعلى هذا جرت سنة رسول الله صلى لله عليه وسلم وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيان أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقد آخر.
وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديما قبل فتح المسلمين. أما ما أحدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في الشروط المشهورة عنه: أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا قلاية؛ امتثالا لقول رسول الله ﷺ : «لا تكون قبلتان ببلد واحد» رواه أحمد وأبو داود بسند جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لا كنيسة في الإسلام ". وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار ومذهب جمهورهم في
стр. 50
القرى.
وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به، مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى، فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه على اليمن: أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: " ومن السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة ". وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد. وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى علماء وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " أيما مصر مصرته العرب - يعني المسلمين - فليس للعجم - يعني أهل الذمة - أن يبنوا فيه كنيسة ولا يضربوا ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم ".
وملخص الجواب: أن كل كنيسة في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التي مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره، بحيث لا يبقى لهم معبد في مصر مصره المسلمون بأرض العنوة، وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة؛ لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي ﷺ أن تجتمع قبلتان بأرض، فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم. لا سيما وهذه الكنائس التي بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل
стр. 51
متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.
وأما الكنائس التي بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة: فما كان منها محدثا وجب هدمه، وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمها جميعا؛ لأن هدم المحدث واجب وهدم القديم جائز، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وما كان منها قديما فإنه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمام في المصلحة: فإن كانوا قد قلوا والكنائس كثيرة أخذ منهم أكثرها. وكذلك ما كان على المسلمين فيه مضرة فإنه يؤخذ أيضا، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أخذ أيضا.
وأما إذا كانوا كثيرين في قرية ولهم كنيسة قديمة لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه، فالذي ينبغي تركها كما ترك النبي ﷺ وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه ثم أخذ منهم. وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد بمعاوضة أو طيب أنفسهم، كما فعل المسلمون بجامع دمشق لما بنوه.
فإذا عرف أن الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة مصر والمحدثات كلها، ومنها ما يفعل المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام مما كان قديما على ما بيناه، فالواجب على ولي الأمر فعل ما أمر الله به وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم ومنعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام، ولا يلتفت في ذلك إلى مرجف أو مخذل يقول: إن لنا عندهم مساجد وأسرى نخاف عليهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]
стр. 52
وإذا كان فوروز في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحق، فإن النبي ﷺ أخبر أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة ونحن نرجو أن يحقق الله وعد رسوله صلى الله عله وسلم حيث قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» ويكون من أجرى الله ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإن الله بهم يقيم دينه كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]
[الرسالة الثانية لشيخ الإسلام ابن تيمية]
وأما الرسالة الثانية لشيخ الإسلام ابن تيمية (١) فقد وردت جوابا لسؤال نصه:
ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين ﵃ أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين، وإخماد الكفار والمنافقين في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها، التي أغلقت بأمر ولاة الأمور إذا ادعى أهل الذمة أنها أغلقت ظلما وأنهم يستحقون فتحها وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره، فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟ وإذا قالوا: إن هذه الكنائس كانت قديمة من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وغيره من خلفاء المسلمين، وأن إغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين، فهل هذا القول مقبول منهم أم مردود؟ .
стр. 53
وإذا ذهب أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد العرب من رسول أو غيره فسألوه أن يسال ولي الأمر في فتحها أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين، فهل لأهل الذمة ذلك، وهل ينتقض عهدهم بهذا أم لا؟ وإذ قال قائل: إنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضرر إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى والمساجد، وإما بقطع متاجرهم عن ديار الإسلام، وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين ونحو ذلك. فهل هذا القول صواب أو خطأ؟ بينوا ذلك مبسوطا مشروحا. وإذا كان في فتحها تغيير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتغيير قلوب أهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين على ولاة الأمور لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك. وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم، حتى إنهم يدعون الله تعالى على من تسبب في ذلك وأعان عليه، فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك؟ ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحا لولي أمر المسلمين أم غاشا؟ وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر أيده الله تعالى ولأوليائه: قمع أعدائه وإذلالهم أو مطاوعتهم؟ .
بينوا لنا ذلك وأبسطوه بسط شافيا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن الصحابة المكرمين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا نص السؤال، فأجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بما نصه:
الحمد لله رب العالمين.
أما دعواهم: أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها، فهذا كذب مخالف لأهل
стр. 54
العلم فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين - متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدا في ذلك ومتبعا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلما منه بل تجب طاعته في ذلك، وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم كانوا ناقضين العهد وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم.
وأما قولهم: إن هذه الكنائس من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وإن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها فهذا أيضا من الكذب، فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بن الخطاب ﵁ بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد وبعد البصرة والكوفة وواسط، وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيه كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحا وأبقوا لهم كنائسهم القديمة بعد أن شرط عليهم فيها عمر بن الخطاب ﵁ أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح فكيف في بلاد المسلمين؟!
بل إذا كان لهم كنيسة بأرض العنوة كالعراق ومصر ونحو ذلك، فبنى المسلمون مدينة عليها، فإن لهم أخذ تلك الكنيسة لئلا تترك في مدائن المسلمين كنيسة بعد عهد، فإن في سنن أبي داود بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تصلح قبلتان بأرض ولا جزية على مسلم» . والمدينة التي يسكنها المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها إلا أن يكون لهم عهد فيوفى
стр. 55
لهم بعهدهم. فلو كان بأرض القاهرة ونحوها كنيسة قبل بنائها لكان للمسلمين أخذها؛ لأن الأرض عنوة، فكيف وهذه الكنائس محدثة أحدثها النصارى؟ ! فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنة على غير شريعة الإسلام وكانوا يظهرون أنهم رافضة.
ومر شيخ الإسلام. . . إلى أن قال:
وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين، ولما كانوا ملوك القاهرة كان وزيرهم مرة يهوديا ومرة نصرانيا أرمينيا، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرميني وبنوا كنائس كثيرة بأرض مصر في دولة أولئك الرافضة والمنافقين، وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب.
وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين حتى فتحه نور الدين وصلاح الدين، وفي أيامهم جاءت الفرنج إلى بلبيس وغلبوا من الفرنج، فإنهم منافقون وأعانهم النصارى، والله لا ينصر المنافقين الذين هم يوالون النصارى، فبعثوا إلى نور الدين يطلبون النجدة فأمدهم بأسد الدين وابن أخيه صلاح الدين، فلما جاءت الغز إلى ديار مصر قامت الرافضة مع النصارى فطلبوا قتال الغز المجاهدين المسلمين، وجرت فصول يعرفها الناس حتى قتل صلاح الدين مقدمهم شاور. ومن حينئذ ظهرت بهذه البلاد كلمة الإسلام والسنة والجماعة، وصار يقرأ فيها أحاديث رسول الله ﷺ كالبخاري ومسلم ونحو ذلك، ويذكر فيها مذاهب الأئمة الرابعة، ويرتضى فيها عن الخلفاء الراشدين وإلا كانوا قبل ذلك من شر الخلق، فيهم قوم يعبدون الكواكب ويرصدونها، وفيهم قوم زنادقة دهرية لا يؤمنون بالآخرة ولا جنة ولا نار ولا يعتقدون وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وخير من كان فيها الرافضة، والرافضة شر الطوائف المنتسبين إلى القبلة.
стр. 56
فلهذا السبب وأمثاله كان إحداث الكنائس في القاهرة وغيرها، وقد كان في بر مصر كنائس قديمة لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى ولم يكونوا مسلمين، وإنما كان المسلمون الجند خاصة وأقروهم كما أقر النبي ﷺ اليهود على خيبر لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد.
ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود أجلاهم أمير المؤمنين عن خيبر كما أمر بذلك النبي ﷺ حيث قال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» حتى لم يبق في خيبر يهودي، وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون ولا مسجد للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها جاز ذلك كما فعله المسلمون. وأما إذا سكنها المسلمون وبنوا بها مساجدهم فقد قال النبي ﷺ : «لا تصلح قبلتان بأرض» ، وفي أثر آخر: «لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب» . والمسلمون قد كثروا بالديار المصرية وعمرت في هذه الأوقات حتى صال أهلها بقدر ما كانوا في زمان صلاح الدين مرات متعددة، وصلاح الدين وأهل بيته ما كانوا يولون النصارى ولم يكونوا يستعملون منهم أحدا في أمر من أمور المسلمين أصلا، وكانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد. وإنما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل أخي صلاح الدين، حتى إن بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين، وحدث حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله ﷺ ، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] فكان ولاة الأمور الذين
стр. 57
يهدمون كنائسهم ويقيمون أمر الله فيهم كعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ونحوهما مؤيدين منصورين، وكان الذين هم بخلاف ذلك مغلوبين مقهورين.
وإنما كثرت الفتن بين المسلمين وتفرقوا على ملوكهم من حين دخل النصارى مع ولاة الأمور بالديار المصرية في دولة المعز ووزارة الفائز وتفرق البحرية وغير ذلك، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]
وقال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة» وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام وأعظم جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله أعظم نصرة طاعة وحرمة من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى هذا الزمان، وقد أخذ المسلمون منهم كنائس كثيرة من أرض العنوة بعد أن أقروا عليها في خلافة عمر بن عبد العزيز وغيره من الخلفاء، وليس في المسلمين من أنكر ذلك، فعلم أن هدم كنائس العنوة جائز إذا لم يكن فيه ضرر على المسلمين، فإعراض من أعرض عنهم كان لقلة المسلمين ونحو ذلك من الأسباب، كما أعرض النبي ﷺ عن إجلاء اليهود حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁.
وليس لأحد من أهل الذمة أن يكاتبوا أهل دينهم من أهل الحرب ولا يخبروهم بشيء من أخبار المسلمين، ولا يطلب من رسولهم أن يكلف ولي أمر المسلمين ما فيه ضرر على المسلمين، ومن فعل ذلك منهم وجبت عقوبته باتفاق المسلمين وفي
стр. 58
أحد القولين يكون قد نقض عهده وحل دمه وماله.
ومن قال: إن المسلمين يحصل لهم ضرر إن لم يجابوا إلى ذلك، لم يكن عارفا بحقيقة الحال، فإن المسلمين قد فتحوا ساحل الشام وكان ذلك أعظم المصائب عليهم أخذ أموالهم وهدم كنائسهم وكان نوروز (١) - رحمه الله تعالى - قد شرط عليهم الشروط ووضع الجزية، وكان ذلك أعظم المصائب عليهم، ومع هذا لم يدخل على المسلمين بذلك إلا كل خير، فإن المسلمين مستغنون عنهم وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم بل مصلحة دينهم ودنياهم.
فأما الأندلس فهم لا يتركون المسلمين في بلادهم إلا لحاجتهم إليهم وخوفهم من التتار، فإن المسلمين عند التتار أعز من النصارى وأكرم، ولو قدر أنهم قادرون على من عندهم من المسلمين فالمسلمون أقدر على من عندهم من النصارى، والنصارى الذين في ذمة المسلمين فيهم من البطارقة وغيرهم من علماء النصارى ورهبانهم وليس عند النصارى مسلم يحتاج إليه المسلمون، ولله الحمد، مع أن فكاك الأسرى من أعظم الواجبات وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات، وكل مسلم يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم لا لنفع المسلمين، ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة، فإنهم أرغب الناس في المال ولهذا يتقامرون في الكنائس وهم طوائف مختلفون، وكل طائفة تضاد الأخرى، ولا يشير على ولي أمر المسلمين بما فيه إظهار شعائرهم في بلاد الإسلام أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق يظهر الإسلام وهو منهم في الباطن، أو رجل له غرض فاسد مثل أن يكونوا برطلوه ودخلوا عليه برغبة أو رهبة أو رجل جاهل في غاية الجهل لا يعرف السياسة
стр. 59
الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه وأعداء الدين، وإلا فمن كان عارفا ناصحا له أشار عليه بما يوجب نصره وثباته وتأييده واجتماع قلوب المسلمين عليه وفتحهم له ودعاء الناس له في مشارق الأرض مغاربها، وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله وإظهار كلمة الله وإذلال أعداء الله تعالى.
وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل، كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا به. وليعتبر بسيرة من والى النصارى كيف أذله الله تعالى وكبته، وليس المسلمون محتاجين إليهم ولله الحمد، فقد كتب خالد بن الوليد ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه: لا تستعمله، فكتب: إنه لا غنى بنا عنه، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب إليه: إذا لم نوله ضاع المال، فكتب إليه عمر ﵁: مات النصراني، والسلام.
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن مشركا لحقه ليقاتل معه فقال له: «إني لا أستعين بمشرك» ، وكما أن الجند المجاهدين إنما يصلحون إذا كانوا مسلمين مؤمنين، وفي المسلمين كفاية في جميع مصالحهم ولله لحمد.
ودخل أبو موسى الأشعري ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁ فعرض عليه حساب العراق فأعجبه ذلك فقال: ادع كاتبك يقرؤه علي، فقال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولم، قال: لأنه نصراني، فضربه عمر ﵁ بالدرة، فلو أصابته لأوجعته ثم قال: لا تعزوهم بعد أن أذلهم الله، ولا تأمنوهم بعد أن خونهم الله، ولا تصدقوهم بعد أن أكذبهم الله.
والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها قلوبهم واحدة موالية لله ورسوله
стр. 60
ولعباده المؤمنين معادية لأعداء الله ورسوله وأعداء الدين، وقلوبهم الصادقة وأدعيتهم الصالحة هن العسكر الذي لا يغلب والجند الذي لا يخذل، فإنهم الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة كما أخبر رسول الله ﷺ ، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ - إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ - وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٦] وهذه الآيات العزيزة فيها عبرة لأولي الألباب، فإن الله تعالى أنزلها بسبب أنه كان بالمدينة النبوية من أهل الذمة من كان له عز وسعة على عهد النبي ﷺ وكان أقوام من المسلمين عندهم ضعف يقين وإيمان وفيهم منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، مثل عبد الله بن أبي رأس المنافقين وأمثاله، وكانوا يخافون أن تكون للكفار دولة فكانوا يوالونهم ويباطنونهم، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢]
стр. 61
أي: نفاق وضعف إيمان ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] أي: في معاونتهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢] أي: هؤلاء المنافقون الذين يوالون أهل الذمة ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ - وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٢ - ٥٣] فقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين وبما يطلعون على ذلك من أسرارهم حتى أخذ جماعة من المسلمين في بلاد التتر وسبي وغير ذلك بمطالعة أهل الذمة لأهل دينهم.
ومن الأبيات المشهورة قول بعضهم:
كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين.
ولهذا وغيره منعوا أن يكونوا على ولاية المسلمين أو على مصلحة من يقويهم أو يفضل عليهم في الخبرة والأمانة من المسلمين، بل استعمال من هو دونهم في الكفاية أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم، والقليل من الحلال يبارك فيه، والحرام الكثير يذهب ويمحقه الله تعالى، والله أعلم. ثم ذكر شيخ الإسلام الشروط العمرية لأهل الذمة التي من ضمنها: " أن لا يتخذوا من مدائن الإسلام ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة لراهب ولا يجددوا ما خرب منها "، وقال: " فمن خرج عن شرط من هذه الشروط فقد حل للمسلمين منهم ما حل من أهل المعاندة والشقاق، وليتقدم حاكم المسلمين بطلب من يكون من أكابر النصارى ويلزمهم بهذه الشروط العمرية أعز الله أنصارنا آمين " اهـ.
والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. . .
إسماعيل بن محمد الأنصاري