← Акыда

Акыда · id 30833

دين الحق

عبد الرحمن بن حماد آل عمر

Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[المقدمة والإهداء] دين الحق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة والإهداء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع رسل الله، وبعد: فهذه دعوة إلى النجاة، أتقدم بها لكل عاقل في الوجود - ذكرا أو أنثى - راجيا من الله العلي القدير أن يسعد بها من ضلّ عن سبيله، وأن يثيبني وكل من يساهم في نشرها أجزل الثواب، فأقول والله المستعان: اعلم أيها الإنسان العاقل أنه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك، وآمنت به وعبدته وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنت به واتبعته، وعرفت دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به. وهذا الكتاب الذي بين يديك " دين الحق " فيه البيان لهذه الأمور العظيمة التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد

стр. 3

ذكرت في الحاشية ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح، معتمدا في ذلك كله على كلام الله - تعالى - وأحاديث رسوله ﵊؛ لأنهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه. وقد تركت التقليد الأعمى الذي أضلّ كثيرا من الناس، بل وذكرت جملة من الطوائف الضالة التي تدّعي أنها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها وغيرهم، والله حسبي ونعم الوكيل. قاله وكتبه: الفقير إلى عفو الله تعالى عبد الرحمن بن حماد آل عمر أستاذ في العلوم الدينية

стр. 4

[الفصل الأول معرفة الله الخالق العظيم] [البراهين الدالة على وجوده] الفصل الأول معرفة الله (١) الخالق العظيم اعلم - أيها الإنسان العاقل - أن ربك الذي خلقك من العدم ورباك بالنعم هو (الله) رب العالمين، والعقلاء المؤمنون بالله - تعالى - (٢) لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالة على وجوده، وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات فعرفوه بها، ومن هذه البراهين: البرهان الأول: الكون والإنسان والحياة: فهي أشياء حادثة لها بداية ونهاية، ومحتاجة إلى غيرها، والحادث والمحتاج إلى غيره لا بد أنه مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق، وهذا الخالق

стр. 5

العظيم هو (الله) ؛ والله هو الذي أخبر عن نفسه المقدسة، بأنه الخالق المدبر لجميع الكائنات، وهذا الإخبار جاء من الله - تعالى - في كتبه التي أنزلها على رسله. وقد بلّغ رسل الله كلامه للناس، ودعوهم إلى الإيمان به، وعبادته وحده، قال الله - تعالى - في كتابه القرآن العظيم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] المعنى الإجمالي للآية الكريمة: يخبر الله - تعالى - الناس جميعا أنه ربهم الذي خلقهم، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام (١) ويخبر أنه مستوٍ (٢) على عرشه، والعرش فوق

стр. 6

السماوات، وهو أعلى المخلوقات وأوسعها، والله فوق هذا العرش، وهو مع جميع المخلوقات بعلمه وسمعه ورؤيته، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، ويخبر الله - جل شأنه - أنه جعل الليل يُغطي النهار بظلامه، ويتبعه مسرعا، ويخبر أنه خلق الشمس والقمر والنجوم، وجعلها جميعا مُذلّلة تسير في أفلاكها بأمره، ويخبر أن له وحده الخلق والأمر، وأنه العظيم الكامل في ذاته وصفاته، الذي يُعطي الخير الكثير الدائم، وأنه رب العالمين الذي خلقهم، وربَّاهم بالنعم. وقال الله - تعالى -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]

стр. 7

المعنى الإجمالي للآية الكريمة: يخبر الله تعالى - أن من آياته الدالة عليه: الليل والنهار والشمس والقمر، وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد، والسجود نوع من العبادة، ويأمر الله الناس في هذه الآية - كما يأمرهم في غيرها - أن يسجدوا له وحده؛ لأنه هو الخالق المدبر المستحق للعبادة. البرهان الثاني: أنه خلق الذكر والأنثى: فوجود الإناث والذكور دليل على الله. البرهان الثالث: اختلاف الألسن والألوان: فلا يوجد اثنان صوتهما واحد، أو لونهما واحد، بل لا بد من فرق بينهما. البرهان الرابع: اختلاف الحظوظ: فهذا غني، وهذا فقير، وهذا رئيس، وهذا مرؤوس، في حين أن كلا منهم صاحب عقل وفكر وعلم، وحرص على ما لم يتحصل عليه من الغنى والشرف

стр. 8

والزوجة الحسناء، ولكن لا يقدر أحد أن ينال سوى الذي قدره الله له؛ وذلك لحكمة عظيمة، أرادها الله - سبحانه - وهي اختبار الناس بعضهم ببعض، وخدمة بعضهم البعض الآخر، حتى لا تضيع مصالحهم جميعا. والذي لم يقدّر الله له حظًّا في الدنيا، أخبر الله - تعالى - أنه يدخر له حظه زيادة في نعيمه في الجنة إذا مات على الإيمان بالله، مع أن الله منح الفقير مزايا يتمتع بها نفسيًّا وصحيًّا في الغالب لا توجد عند كثير من الأغنياء، وهذا من حكمة الله وعدله. البرهان الخامس: النوم والرؤيا الصادقة التي يُطْلع الله - سبحانه - فيها النائم على شيء من الغيب بشارةً أو إنذارا. البرهان السادس: الروح: التي لا يعرف حقيقتها إلا الله وحده. البرهان السابع: الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك.

стр. 9

البرهان الثامن: يُنزِّل الله المطر على الأرض الميتة فتنبت النبات والأشجار المختلفة في أشكالها وألوانها، ومنافعها وطعمها، وهذا قليل من مئات البراهين التي ذكرها الله - تعالى - في القرآن، والتي أخبر أنها أدلة قائمة تدل على وجوده - سبحانه - وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات. البرهان التاسع: الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبرها، ومن أنكر ذلك فإنما يُغالط نفسه ويُشقيها، فالشيوعي - مثلًا - يعيش في هذه الحياة تعسا، ومصيره بعد الموت إلى النار، جزاء تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم، وربّاه بالنعم إلا إن تاب إلى الله وآمن به وبدينه ورسوله. البرهان العاشر: البركة وهي التكاثر في بعض المخلوقات كالغنم، وعكس البركة الفشل كما في الكلاب والقطط. [من صفات الله تعالى] ومن صفات الله - تعالى - أنه: الأول بلا بداية، وحيّ دائم، لا يموت ولا ينتهي، وغني قائم بذاته، لا يحتاج إلى غيره،

стр. 10

وواحد لا شريك له، قال الله - تعالى -: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] معنى الآيات: لما سأل الكفارُ خاتم المرسلين عن صفة الله أنزل الله عليه هذه السورة، وأمره فيها أن يقول لهم: الله واحد لا شريك له، الله هو الحي الدائم المدبر، له وحده السيادة المطلقة على الكون والناس وكل شيء، وإليه وحده يجب أن يرجع الناس في قضاء حاجاتهم. لم يلد ولم يولد، ولا يصح أن يكون له ابن أو بنت أو أب أو أم، بل نفى عن نفسه ذلك كله أشد النفي في هذه السورة وفي غيرها؛ لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، وقد ردّ الله على النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وعلى اليهود قولهم: عزير ابن الله، وعلى غيرهم قولهم: الملائكة بنات الله، وشنَّع عليهم هذا القول الباطل. وأخبر أنه خلق المسيح عيسى، ﵇، من أم بلا

стр. 11

أب بقدرته، مثلما خلق آدم أبا البشر من تراب، ومثلما خلق حواء أم البشر من ضلع آدم، فرآها إلى جنبه، ثم خلق ذرية آدم من ماء الرجل والمرأة، فقد خلق كل شيء في البداية من العدم؛ وجعل بعد ذلك لمخلوقاته سنة ونظاما لا يستطيع أحد أن يغيرهما سواه، وإذا أراد أن يغير من هذا النظام شيئا غيّره كما يشاء، كما أوجد عيسى، ﵊ من أم بلا أب، وكما جعله يتكلَّم وهو في المهد، وكما جعل عصا موسى، ﵊، حية تسعى، ولما ضرب بها البحر انشق فصار سوقا عبر منه هو وقومه، وكما شق القمر لخاتم المرسلين محمد ﷺ ، وجعل الشجر يسلم عليه إذا مر به، وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة بصوت يسمعه الناس، فيقول: أشهد أنك رسول الله، وأُسري به على البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء ومعه الملك جبرائيل حتى وصل فوق السماء، فكلمه الله ، وفرض عليه الصلاة، وعاد إلى المسجد الحرام في الأرض، ورأى في طريقه أهل كل سماء، وذلك كله في ليلة واحدة قبل طلوع الفجر، وقصة الإسراء

стр. 12

والمعراج مشهورة في القرآن وأحاديث الرسول وكتب التاريخ. ومن صفات الله تعالى: السمع والبصر، والعلم والقدرة، والإرادة، يسمع ويرى كل شيء، لا يحجب سمعه ورؤيته حجاب. ويعلم ما في الأرحام، وما تُخفيه الصدور، وما كان وما سيكون، وهو القدير الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون. ومن صفاته التي وصف بها نفسه المقدسة: الكلام بما يشاء متى شاء: وقد كلم موسى ﵊، وكلّم خاتم الرسل محمدا ﷺ ، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، أنزله على رسوله محمد ﷺ ، فهو صفة من صفاته، وليس مخلوقا كما يقول المعتزلة الضالون. ومن صفات الله - تعالى - التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسله: الوجه واليدان، والاستواء والنزول (١) والرضى والغضب، فهو يرضى عن عباده المؤمنين، ويغضب على

стр. 13

الكافرين، وعلى مرتكبي موجبات غضبه، ورضاه وغضبه كباقي صفاته، لا تشبه صفات المخلوق ولا تُأوَّل ولا تُكيَّف. وثبت في القرآن والسنة أن المؤمنين يرون الله - تعالى - عيانا بأبصارهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وصفات الله - تعالى - مفصلة في القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلتراجع.

стр. 14

[الشيء الذي من أجله خلق الله بني الإنسان والجن] الشيء الذي من أجله خلق الله بني الإنسان والجن إذا عرفت - أيها العاقل - أن الله هو ربك الذي خلقك؛ فاعلم أن الله لم يخلقك عبثا، وإنما خلقك لعبادته، والدليل قوله - تعالى -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ - إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨] المعنى الإجمالي للآيات: يخبر الله - تعالى - في الآية الأولى: أنه خلق الجن (١) وبني الإنسان من أجل أن يعبدوه وحده، ويخبر في الآيتين الثانية والثالثة أنه غني عن عباده، فلا يُريد منهم رزقا ولا إطعاما؛ لأنه هو الرزاق القوي، الذي لا رزق للناس وغيرهم إلا من عنده، فهو الذي ينزل المطر، ويخرج الأرزاق من الأرض.

стр. 15

وأما المخلوقات الأخرى التي في الأرض غير العقلاء، فقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقها من أجل الإنسان، ليستعين بها على طاعته، ويتصرف نحوها على شريعة الله، وكل مخلوق وكل حركة وسكون في الكون فإن الله أوجده لحكمة بيَّنها في القرآن، ويعرفها العلماء بشريعة الله كل على قدر علمه، وحتى اختلاف الأعمار والأرزاق والأحداث والمصائب، كل ذلك يجري بإذن الله؛ ليختبر عباده العقلاء، فمن رضي بقدر الله واستسلم له واجتهد في العمل الذي يرضيه فله الرضى من الله، والسعادة في الدنيا والآخرة بعد الموت، ومن لم يرض بتقدير الله، ولم يُسلّم له ولم يطعه فله من الله السخط، وله الشقاء في الدنيا والآخرة، نسأل الله رضاه، ونعوذ به من سخطه.

стр. 16

[البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الأعمال والجنة والنار] البعث بعد الموت، والحساب والجزاء على الأعمال، والجنة والنار إذا عرفت - أيها العاقل - أن الله خلقك لعبادته؛ فاعلم أن الله أخبر في جميع كتبه التي أنزلها على رسله بأنه سوف يبعثك حيا بعد الموت، وسيُجازيك على عملك في دار الجزاء بعد الموت، وذلك لأن الإنسان ينتقل بالموت من دار العمل والفناء - وهي هذه الحياة - إلى دار الجزاء والخلود، وهي ما بعد الموت، فإذا تمت المدة التي قدّر الله للإنسان أن يعيشها أمر الله ملك الموت فقبض روحه من جسده، فيموت بعدما يذوق مرارة الموت قبل خروج روحه من جسده. أما الروح، فإن الله يجعلها في دار النعيم (الجنة) إن كانت مؤمنة بالله مُطيعة له؛ وإن كانت كافرة بالله، مكذبة بالبعث والجزاء بعد الموت، جعلها الله في دار العذاب (النار) حتى يأتي موعد نهاية الدنيا فتقوم الساعة، ويموت كل من بقي من الخلق، فلا يبقى إلا الله وحده، ثم يبعث الله الخلق كلهم

стр. 17

- حتى الحيوان - ويعيد كل روح إلى جسدها بعدما يعيد الجسد كاملًا كما خلقه أول مرة، وذلك ليُحاسب الناس، ويجازيهم على أعمالهم، الذكر والأنثى، والرئيس والمرؤوس، والغني والفقير، فلا يظلم أحدا، ويقتص للمظلوم من ظالمه، حتى الحيوانات يقتص لها ممن يظلمها، ويقتص لبعضها من بعض، ثم يقول لها: كوني ترابا، لأنها لا تدخل جنة ولا نارا. ويجازي بني الإنسان والجن كُلًّا بعمله، فيُدخل المؤمنين به الذين أطاعوه واتبعوا رسله الجنة؛ ولو كانوا أفقر الناس، ويدخل الكافرين المكذبين النار ولو كانوا أغنى الناس وأشرفهم في الدنيا، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] والجنة: هي دار النعيم، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مائة درجة، لكل درجة سكان على قدر قوة إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأقل درجة في الجنة يُعطى أهلها من النعيم مثل نعيم أنعم ملك في الدنيا سبعين مرة. والنار: أعاذنا الله منها - هي دار العذاب في الآخرة بعد

стр. 18

الموت، فيها من أصناف العذاب والنكال ما يهول ذكره القلوب، ويبكي العيون. ولو كان الموت يوجد في الدار الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها، ولكن الموت مرة واحدة ينتقل به الإنسان من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وقد جاء في القرآن العظيم الوصف الكامل للموت، والبعث والحساب والجزاء، والجنة والنار، وفيما ذكرنا إشارة إليه. والأدلة على البعث بعد الموت والحساب والجزاء كثيرة جدا، قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وقال الله - تعالى -: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] وقال - تعالى -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] المعنى الإجمالي للآيات: يخبر الله في الآية الأولى: أنه خلق بني

стр. 19

الإنسان من الأرض، وذلك حينما خلق أباهم آدم من تراب، ويُخبر أنه يُعيدهم فيها بعد الموت في القبور كرامة لهم، ويخبر أنه يخرجهم منها مرة أخرى، فيخرجون من قبورهم أحياء من أولهم إلى آخرهم، فيحاسبهم الله ثم يُجازيهم. وفي الآية الثانية: يردّ الله على الكافر المكذب بالبعث الذي يستغرب حياة العظام بعد فنائها، يرد الله عليه، فيخبر أنه يُحييها؛ لأنه الذي أنشأها أول مرة من العدم. وفي الآية الثالثة: يردّ الله على الكافرين المكذبين بالبعث بعد الموت زعمهم الفاسد، ويأمر رسوله أن يقسم لهم بالله قسما مؤكدا أن الله سوف يبعثهم، وسوف ينبئهم بما عملوا، ويجازيهم عليه، وأن ذلك يسير على الله. وأخبر الله في آية أخرى أنه إذا بعث المكذبين بالبعث والنار عذبهم في نار جهنم، وقيل لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] [ضبط أعمال الإنسان وأقواله] ضبط أعمال الإنسان وأقواله وقد أخبر أنه قد علم ما سوف يقول كل إنسان ويعمل من خير أو شر سرًّا أو علانية، وأخبر أنه قد كتب ذلك

стр. 20

في اللوح المحفوظ عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض والإنسان وغيره، وأخبر أنه مع هذا قد وكل بكل إنسان ملكين: واحدا عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، لا يفوتهما شيء، وأخبر الله - سبحانه - أن كل إنسان يُعطى يوم الحساب كتابه الذي كُتب فيه أقواله وأعماله، فيقرؤها لا ينكر منها شيئا، ومن أنكر شيئا أنطق الله سمعه وبصره ويديه ورجليه وجلده بجميع ما عمل. وفي القرآن العظيم بيان ذلك بالتفصيل، قال الله - تعالى -: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقال - تعالى -: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ - كِرَامًا كَاتِبِينَ - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] شرح الآيات: يخبر الله أنه وكل بكل إنسان ملكين: واحدا على يمينه رقيب يكتب حسناته، والآخر على شماله عتيد يكتب سيئاته، ويخبر الله في الآيتين الأخيرتين أنه وَكَّلَ بالناس ملائكة كراما، يكتبون جميع أفعالهم، وأخبر أنه جعل لهم القدرة على العلم بجميع

стр. 21

أفعالهم، وكتابتها كما قد علمها وكتبها لديه في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم. شهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أن الجنة حقّ؛ والنار حق؛ وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور للحساب والجزاء؛ وأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله حق، وأدعوك - أيها العاقل - إلى الإيمان بهذه الشهادة، وإعلانها، والعمل بمعناها، فهذا سبيل النجاة.

стр. 22

[الفصل الثاني معرفة الرسول ﷺ ] [معجزات الرسول ﷺ ] الفصل الثاني معرفة الرسول إذا عرفت - أيها العاقل - أن الله هو ربك الذي خلقك، وأنه سوف يبعثك ليجازيك على عملك، فاعلم أن الله أرسل إليك وإلى جميع الناس رسولا أمرك بطاعته واتباعه، وأخبر أنه لا سبيل لمعرفة العبادة الصحيحة له إلا باتباع هذا الرسول، وعبادة الله بشريعته التي أرسله بها. وهذا الرسول الكريم الذي يجب على جميع الناس الإيمان به واتباعه هو خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس جميعا محمد النبي الأمي، الذي بشَّر به موسى وعيسى في أكثر من أربعين موضعا في التوراة والإنجيل، يقرؤها اليهود والنصارى قبل أن يتلاعبوا بهذين الكتابين ويحرِّفوهما (١) .

стр. 23

وهذا النبي الكريم الذي ختم الله به رسله، وبعثه إلى الناس جميعا، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أشرف وأصدق رجل في أشرف قبيلة على وجه الأرض، تسلسلت من صلب نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم، وقد ولد خاتم المرسلين محمد ﵊ في مكة سنة ٥٧٠ م، وفي الليلة التي ولد فيها، وفي لحظة خروجه من بطن أمه أضاء الكون نور عظيم، أدهش الناس، وسجل في كتب التاريخ، وانتكست أصنام قريش التي يعبدونها عند الكعبة في مكة، واهتز إيوان كسرى ملك الفرس، وتساقط منه بضع عشرة شرفة، وانطفأت نار الفرس التي يعبدونها، وكانت لم تنطفئ قبل ذلك بألفي عام. وكل هذا إعلان من الله - تعالى - لأهل الأرض بمولد خاتم المرسلين الذي سوف يحطم الأصنام التي تعبد من دون الله، وسيدعو الفرس والروم إلى عبادة الله وحده، والدخول في دينه الحق، فإذا أبوا جاهدهم هو ومن يتبعه، فينصره الله عليهم، وينشر دينه الذي هو نوره في الأرض، وهذا هو ما

стр. 24

حصل بالفعل بعد ما بعث الله رسوله محمدا ﷺ . وقد ميّز الله خاتم رسله محمدا ﷺ من بين إخوانه الرسل قبله بميزات منها: أولا: أنه خاتم المرسلين فليس بعده رسول ولا نبي. ثانيا: عموم رسالته إلى جميع الناس، فالناس كلهم أمة لمحمد، من أطاعه واتبعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. حتى اليهود والنصارى مكلفون باتباعه، ومن لم يتبعه ويؤمن به فهو كافر بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء، وموسى وعيسى، وكل الأنبياء بريئون من كل إنسان لا يتبع محمدا ﵇، لأن الله أمرهم أن يبشروا به، وأن يدعوا أممهم إلى اتباعه إذا بعثه الله، ولأن دينه الذي بعثه الله به هو الدين الذي بعث الله به رسله، وجعل كماله ويسره على عهد هذا الرسول الكريم خاتم المرسلين، فلا يجوز لأحد بعد بعثة محمد أن يعتنق دينا غير الإسلام الذي بعثه الله به، لأنه الدين الكامل الذي نسخ الله به جميع الأديان، ولأنه دين الحق المحفوظ. أما اليهودية والنصرانية فهي دين محرَّف، ليس كما أنزله

стр. 25

الله، فكل مسلم متبع لمحمد يُعتبر متبعا لموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وكل خارج عن الإسلام يُعتبر كافرا بموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وإن ادعى أنه من أتباع موسى أو عيسى! ولهذا سارع جماعة من أحبار اليهود ورهبان النصارى العقلاء المنصفون إلى الإيمان بمحمد ﷺ ، والدخول في الإسلام. معجزات (١) الرسول ﷺ : وقد عدَّ علماء سيرة الرسول محمد ﷺ معجزاته الدالة على صدق رسالته، فبلغت أكثر من ألف معجزة، منها: ١ - خاتم النبوة الذي أنبته الله بين كتفيه، وهو (محمد رسول الله) ، على هيئة الثآليل. ٢ - تظليل الغمام له إذا مشى في شمس الصيف الحارة. ٣ - تسبيح الحصى في يديه، وتسليم الشجر عليه. ٤ - إخباره بالغيبيات التي ستحصل في آخر الزمان؛ وها

стр. 26

هي تحصل شيئا فشيئا طبق ما أخبر. وهذه الأمور الغيبية التي تحدث بعد وفاة خاتم المرسلين محمد ﷺ إلى نهاية الدنيا، والتي أطلعه الله عليها، وأخبر بها مدونة في كتب الحديث وكتب أشراط الساعة، مثل: " النهاية " لابن كثير، وكتاب " الأخبار المشاعة في أشراط الساعة "، و " أبواب الفتن والملاحم " في كتب الحديث، وهذه المعجزات شبيهة بمعجزات الأنبياء قبله، ولكن الله اختصه بمعجزة عقلية باقية على صفحات الدهر إلى نهاية الدنيا؛ لم يعطها الله لغيره من الأنبياء، وهي: القرآن العظيم (كلام الله) ، الذي تكفل الله بحفظه، فلا تستطيع يد التحريف أن تمتد إليه، ولو حاول أحد تغيير حرف منه لانكشف، فها هي مئات ملايين النسخ من القرآن بأيدي المسلمين لا تختلف واحدة عن الأخرى، ولا بحرف واحد، أما نسخ التوراة والإنجيل فهي متعددة يختلف بعضها عن بعض؛ لأن اليهود والنصارى تلاعبوا بهما وحرفوهما لما وكل الله إليهم حفظهما، أما القرآن فلم يَكِلْ حفظه لأحد سواه، بل تكفَّل هو بحفظه، كما قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]

стр. 27

[البرهان العقلي والأدلة على أن القرآن كلام الله تعالى وأن محمدا رسول الله] البرهان العقلي والأدلة من كلام الله تعالى على أن القرآن كلام الله تعالى وعلى أن محمدا رسول الله ومن البراهين المنطقية العقلية الدالة على أن القرآن كلام الله - تعالى - وعلى أن محمدا رسول الله: أن الله تحدّى كفار قريش لما كذبوا محمدا ﷺ كغيرهم من مكذبي الأنبياء في الأمم السابقة، وقالوا: إن القرآن ليس كلام الله، تحدّاهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا على الرغم من أنه بلغتهم، وبالرغم من أنهم أفصح الناس، وعلى الرغم أن من بينهم كبار الخطباء والبلغاء وفحول الشعراء، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مكذوبات، فعجزوا، ثم تحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدا، فعجزوا، ثم أعلن عجزهم. وعجز جميع الجن والإنس عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض معينا، فقال - سبحانه -: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فلو كان القرآن من كلام محمد أو غيره من الناس لقدر

стр. 28

غيره من أهل لغته الفصحاء أن يأتوا بمثله، ولكنه كلام الله - تعالى -، وفضلُ كلام الله وسُموّه على كلام البشر كفضل الله على البشر. وبما أنه ليس لله مثيل فليس لكلامه مثيل؛ وبهذا يتبين أن القرآن كلام الله - تعالى -، وأن محمدا رسول الله؛ لأن كلام الله لا يأتي به إلا رسول من عنده، وقال الله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] وقال الله - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] وقال الله - تعالى - في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] المعنى الإجمالي للآيات: يخبر الله - تعالى - في الآية الأولى أن محمدا ﷺ رسوله إلى الناس كلهم، وأنه خاتم أنبيائه، فليس بعده نبي، ويخبر أنه اختاره لحمل رسالته، وليكون خاتما لرسله؛ لأنه يعلم أنه أصلح الناس لذلك، ويخبر الله - سبحانه - في الآية الأخرى:

стр. 29

أنه أرسل رسوله محمدا للناس جميعا الأبيض والأسود، والعرب وغير العرب، ويخبر أن أكثر الناس لا يعلمون الحق، لذا ضلّوا وكفروا بعدم اتباعهم لمحمد ﷺ . ويخاطب الله رسوله محمدا ﵇ في الآية الثالثة، فيخبره أنه أرسله رحمة للعالم أجمع، فهو رحمة الله التي تكرَّم بها على الناس، فمن آمن به واتبعه فقد قبل رحمة الله وله الجنة، ومن لم يؤمن بمحمد ولم يتبعه، فقد رد رحمة الله، واستحق النار والعذاب الأليم. [نداء للإيمان بالله وبرسوله محمد ﵊] نداء للإيمان بالله وبرسوله محمد ﵊ لذا ندعوك - أيها العاقل - إلى الإيمان بالله ربا، وبرسوله محمد رسولا، وندعوك إلى اتباعه، والعمل بشريعته التي بعثه الله بها، وهي دين الإسلام الذي مصدره القرآن العظيم (كلام الله) ، وأحاديث خاتم المرسلين، محمد ﷺ ، التي ثبتت عنه؛ لأن الله عصمه، فلا يأمر إلا بأمر الله، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فَقُل من قلب مُخلص: آمنت بأن الله ربي وإلهي وحده، وقل: آمنت بأن محمدا رسول الله، واتبعه، فإنه لا نجاة لك إلا بذلك، وفقني الله وإياك للسعادة والنجاة آمين.

стр. 30

[الفصل الثالث معرفة دين الحق الإسلام] [تعريف الإسلام] الفصل الثالث معرفة دين الحق (الإسلام) إذا عرفت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - هو ربك الذي خلقك ورزقك، وأنه الإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وأنه يجب عليك أن تعبده وحده، وعرفت أن محمدا رسول الله إليك، وإلى جميع الناس، فاعلم أنه لا يصح إيمانك بالله - تعالى - ورسوله محمد ﵊ إلا إذا عرفت دين الإسلام، وآمنت به، وعملت به، لأنه الدين الذي رضيه الله - تعالى -، وأمر به رسله، وبعث به خاتمهم، محمدا ﷺ ، إلى جميع الناس، وأوجب عليهم العمل به.

стр. 31

تعريف الإسلام قال خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا» . متفق عليه. فالإسلام هو الدين العالمي الذي أمر الله به جميع الناس، وآمن به رسل الله، وأعلنوا إسلامهم لله، وأعلن الله - تعالى - بأنه الدين الحق، وأنه لا يقبل من أحد دينا سواه، فقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقال الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] المعنى الإجمالي للآيتين: يخبر الله - تعالى - أن الدين لديه الإسلام فقط، وفي الآية الأخرى أخبر أنه لن يقبل من أحد دينا غير الإسلام، وأن السعداء بعد الموت هم

стр. 32

المسلمون فقط، وأن الذين يموتون على غير الإسلام خاسرون في الدار الآخرة، ويُعذبون في النار. ولهذا أعلن جميع الأنبياء إسلامهم لله، وأعلنوا براءتهم ممن لا يسلم، فمن أراد من اليهود والنصارى النجاة والسعادة فليدخل في الإسلام، وليتبع رسول الإسلام محمدا ﵊، حتى يكون تابعا حقًّا لموسى وعيسى، عليهما الصلاة والسلام، لأن موسى وعيسى ومحمدا وجميع رسل الله مسلمون، دعوا جميعا إلى الإسلام؛ لأنه دين الله الذي بعثهم به، ولا يصح لأحد ممن وُجد بعد بعثة خاتم المرسلين محمد ﵊ إلى نهاية الدنيا، لا يصح له أن يسمي نفسه مسلما لله، ولا يقبل الله منه هذا الادعاء إلا إذا آمن بمحمد رسولا من عند الله، واتبعه، وعمل بالقرآن الذي أنزله الله عليه، قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] المعنى الإجمالي للآية: يأمر الله رسوله محمدا أن يقول لمن يدعي محبة الله: إن كنتم تحبون الله حقًّا فاتبعوني

стр. 33

يحُببكم الله، فإن الله لا يُحبكم ولا يغفر لكم ذنوبكم، إلا إذا آمنتم برسوله محمد واتبعتموه. وهذا الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ إلى الناس جميعا هو الإسلام الكامل الشامل السمح، الذي كمّله الله ورضيه لعباده دينا لا يقبل منهم دينا غيره، وهو الذي بشر به الأنبياء وآمنوا به، قال الله - تعالى - في القرآن العظيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] المعنى الإجمالي: يخبر الله - تعالى - في هذه الآية الكريمة التي أنزلها على خاتم المرسلين محمد ﵊، وهو واقف مع المسلمين بعرفات بمكة في حجة الوداع، يناجون الله ويدعونه، وكان ذلك في آخر حياة الرسول محمد ﷺ ، بعدما نصره الله، وانتشر الإسلام، وتكامل نزول القرآن. يخبر الله - سبحانه - أنه أكمل للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته ببعثة الرسول محمد ﷺ ، وإنزال القرآن العظيم

стр. 34

عليه، ويخبر أنه رضي لهم الإسلام دينا، لا يسخطه أبدا، ولا يقبل من أحد دينا سواه أبدا. ويُخبر - تعالى - أن الإسلام الذي بعث به رسوله محمدا إلى الناس جميعا هو الدين الكامل الشامل الصالح لكل زمان ومكان وأمة، فهو دين العلم واليسر والعدالة والخير، وهو المنهاج الواضح الكامل القويم لشتى مجالات الحياة، فهو دين ودولة؛ فيه المنهاج الحق للحكم والقضاء والسياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكل ما يحتاجه البشر في حياتهم الدنيا، وهو الذي فيه سعادتهم في الحياة الآخرة بعد الموت.

стр. 35

[أركان الإسلام] [الركن الأول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله] [أنواع العبادة] [الدعاء] أركان الإسلام والإسلام الكامل الذي بعث الله به رسوله محمدا ﵊ مبني على خمسة أركان، لا يكون الإنسان مسلما حقًّا حتى يُؤمن بها ويؤديها، وهي: ١ - أن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ٢ - يقيم الصلاة. ٣ - يؤتي الزكاة. ٤ - يصوم رمضان. ٥ - يحج بيت الله الحرام إن استطاع إليه سبيلا (١) . الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله: وهذه الشهادة لها معنى يجب على المسلم معرفته والعمل

стр. 36

به، أما الذي يقولها بلسانه ولا يعرف معناها ولا يعمل به فإنه لا ينتفع بها، ومعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده، فهو الإله الحق، وكل إله غيره باطل، والإله معناه: المعبود. والذي يعبد غير الله كافر بالله مشرك به، ولو كان معبوده نبيًّا أو وليًّا، ولو كان بحجة التقرب به إلى الله - تعالى - والتوسل إليه؛ لأن المشركين الذين قاتلهم الرسول ﷺ ما عبدوا الأنبياء والأولياء إلا بهذه الحجة، لكنها حجة باطلة مردودة؛ لأن التقرب إلى الله - تعالى - والتوسل إليه لا يكون بصرف العبادة لغيره، وإنما يكون بأسمائه وصفاته، وبالأعمال الصالحة التي أمر بها كالصلاة والصدقة والذكر والصوم والجهاد والحج وبر الوالدين، ونحو ذلك، وبدعاء المؤمن الحي الحاضر لأخيه إذا دعا. والعبادة أنواع كثيرة: منها الدعاء: وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله - تعالى - مثل إنزال المطر، وشفاء المريض، وتفريج الكربات التي لا يفرجها المخلوق، ومثل طلب الجنة،

стр. 37

والنجاة من النار، وطلب الأولاد، والرزق، والسعادة، ونحو ذلك. فهذا كله لا يطلب إلا من الله، فمن طلب من المخلوق حيًّا أو ميتا شيئا من ذلك فقد عبده، قال الله - تعالى - آمرا عباده بدعائه وحده، ومخبرا أن الدعاء عبادة، من صرفه لغيره فهو من أهل النار: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وقال - تعالى - مخبرا أن من سواه من المدعوين لا يملكون لأحد نفعا ولا ضرًّا، ولو كانوا أنبياء أو أولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦] وقال الله - تعالى -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] [الذبح والنذر وتقريب القرابين] ومن العبادة: الذبح والنذر وتقريب القرابين: فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قربان، أو بنذر إلا لله وحده، ومن ذبح لغير الله كمن يذبح

стр. 38

للقبر أو للجن، فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله، قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] وقال الرسول ﷺ : «لعن الله من ذبح لغير الله» حديث صحيح، رواه مسلم. وإذا قال إنسان لفلان علي نذر إن حصل لي كذا أن أتصدق بكذا أو أفعل كذا، فهذا النذر شرك بالله؛ لأنه نذر لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو أن يقول: لله علي نذر أن أتصدق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا. [الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة] ومن أنواع العبادة: الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة: فلا يُستغاثُ ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده قال الله - تعالى - في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال الله - تعالى -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] وقال الرسول ﷺ : «إنه لا يُستغاث بي وإنما

стр. 39

يُستغاث بالله» حديث صحيح، رواه الطبراني، وقال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» حديث صحيح، رواه الترمذي. والإنسان الحي الحاضر يصحّ أن يُستغاث به، ويُستعان به في الشيء الذي يقدر عليه فقط، أما الاستعاذة فلا يستعاذ إلا بالله وحده، والميت والغائب لا يُستغاث به، ولا يستعان به البتة؛ لأنه لا يملك شيئا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا أو ملكا. والغيب لا يعلمه إلا الله - تعالى -، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافر يجب تكذيبه، ولو تكهن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة، قال رسول الله ﷺ : «من أتى كاهنا أو عرَّافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه الإمام أحمد والحاكم. [التوكل والرجاء والخشوع] ومن العبادة: التوكل والرجاء والخشوع: فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده. ومما يؤسف له أن كثيرا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظمين، ومن أهل القبور،

стр. 40

ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلما وإن ادّعى الإسلام، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى وصام وحج البيت، قال الله - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقال الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وأمر الله - تعالى - رسوله محمدا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وهؤلاء الجهَّال غرَّهم علماء السوء والضلال الذين عرفوا بعض الفروع، وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك، جهلًا منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديما وحديثا على رسول الله ﷺ ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم
следующие страницы →