← Акыда

Акыда · id 30866

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت علي مخلوف

محمود شكري الألوسي

Полный текст (156 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سمى به ابنُ عبيدٍ عبدَ الله ذا ... ك ابنَ الخليفة طارد الشيطان (١) فورثتم عَمْرًا كما ورثوا لعبـ ... ـد الله أَنَّى يستوي الإرثان تدرون من أولى بهذا الاسم وهـ ...

стр. 107

وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب والسنة بكل لقب مذموم بين المسلمين، والله المستعان على ما يصفون. [السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله والتكذيب بالحق] السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله، والتكذيب بالحق وشواهد هذه المسألة من الكتاب والسنة كثير، وهذا دأب المخالفين للدين المبين كاليهود والنصارى، يدعون أن ما هم عليه هو الحق، وأن الله أمرهم بالتمسك به، وأن الدين المبين ليس بحق، وأن الله تعالى أمرهم بتكذيبه، كل ذلك لاتباع أسلافهم، لا ينظرون إلى الدليل، وهكذا أهل البدع والضلالات يعتقدون بدعهم الحق، وأن الله أمرهم بها، وأن ما عليه أهل الحق مُفْتَرًى، لا يصدقون به (١) .

стр. 108

وَكُلٌّ يدَّعي وصلا لِلَيْلَى ... وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا [السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض] السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض قال تعالى في سورة " يونس " [٧٨] : ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] هذا الكلام مسوق لبيان أن موسى ﵇ ألقمهم الحجر، فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه ﵇ فضلا عن الجواب الصحيح، واضْطُرُّوا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دَأَب كل عاجز محجوج، ودَيْدَن كل معالج لجوج. على أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلامه ﵇ على طريقة: قال موسى، كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى ﵇ حين قال لهم ما قال؟ فقيل: قالوا عاجزين عن المحاجَّة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] أي: الْمُلْك. كما رُوِيَ عن مجاهد (١) وعن الزَّجَّاج أنه سُمِّيَ الْمُلْكُ كبرياءَ، لأنه أكبر ما يُطلَب من أمر الدنيا (٢) . فكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك الجاهلي أن قصده من الدعوة طلب الرئاسة والجاه، من غير أن ينظروا إلى ما دعا إليه، وما قام عليه من البراهين.

стр. 109

[الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض] الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض شاهد هذه المسألة آيات كثيرة، حاصلها أن المخالفين لهم من المؤمنين مفسدون في الأرض. انظر إلى قولهم في أوائل سورة " البقرة " [الآية: ١١] ، كيف ادَّعَوْا أنهم هم مصلحون، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] وهكذا من هو على شاكلة أولئك من الذين استحلوا غيهم، وتمكنت بدعهم من قلوبهم. ومن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ ... يَجِدْ مرا به الماء الزُّلَالَا نسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه القويم، وأقدامنا على الصراط المستقيم (١) .

стр. 110

[التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين] التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين قال تعالى في سورة " غافر " [٢٦] : ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] اعتقدوا أن ما هم عليه من الضلال هو الدين الحق، ومن أراد تحويلهم عن اعتقادهم الكاسد، وصرفهم عما هم عليه من الغي، فقد أراد إخراجهم من الدين، وإفسادا في الأرض. وهكذا ديدن أعداء الحق في كل عصر. [الستون كونهم إذا غُلِبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك] الستون كونهم إذا غُلِبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك، ودعوى احتقار السلطان، وتحويل الرعية عن دينه قال تعالى في سورة " الأعراف " [١٢٧] : ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فانظر إلى شكوى آل فرعون وقومه إليه، وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى ﵇ وتهييجه، وما ذُكِرَ في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه (١) .

стр. 111

[الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق] الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق قال تعالى في سورة " ق " [٤ - ٥] : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ - بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٤ - ٥] فقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] إلخ إضراب أُتْبِعَ الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] مضطرب، وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة، وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] تارة أخرى، وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى، وأنها كهانة أخرى، حيث قالوا في النبي ﵌ مرة: ساحر، ومرة: كاهن، أو هو اختلاف حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له، وتكذيب وتردد فيه، أو قولهم في القرآن: هو شعر تارة، وهو سحر أخرى (١) . وقال تعالى في سورة " الذاريات " [٧ - ١١] : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١] (الحبك) : جمع حبيكة كطريقة، أو حِباك كمِثال ومُثُل، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة، وهي ما يدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي: متخالف، متناقض في أمر الله ، حيث تقولون: إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض، وتقولون بصحة عبادة الأصنام

стр. 112

معه سبحانه، وفي أمر الرسول، فتقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه ساحر، ولا يكون الساحر إلا عاقلا، وفي أمر الحشر، فتقولون تارة: لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كُلِّفوا بالإيمان به. وقوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أي: يُصْرَف عن الإيمان بما كُلِّفوا الإيمان به. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه، والسهو: الغفلة. وقال تعالى في أواخر سورة " الأنعام " [١٥٩] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] هذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابَيْن إثر بيان حال المشركين، بناء على ما رُوِيَ عن ابن عباس وقتادة: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى. أي: بَدَّدوا دينهم، وبَعَّضوه، فتمسك بكل بعضٍ منه فرقةٌ منهم. ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي: فرقا تُشايع كل فرقة إماما، وتتبعه، أي: تقويه، وتظهر أمره. أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة» . واستثناء الواحدة من فِرَق كل من أهل الكتابَيْن إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخ، وأما بعده فالكل في الهاوية، وإن اختلفت أسباب دخولهم. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي: من السؤال عنهم، والبحث عن تفرقهم، أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم.

стр. 113

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] تعليل للنفي المذكور، أي: هو يتولى وحده أمرهم: أُولاهم وأُخراهم، ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة. ومن الناس من قال: المفرِّقون: أهل البدع من هذه الأمة: فقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم «عن أبي هريرة عن النبي ﵌ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٩] إلخ: " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة» (١) . فيكون الكلام - حينئذ - استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين، إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد. والمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم، وتغايروا في الاعتقاد، فكان عُبَّاد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له، ولهم شرائع مختلفة في عبادتها، ومنهم من كان يعبد كوكبا، ومنهم من كان يعبد الشمس، ومنهم، ومنهم، وكذلك الكتابيون على ما بَيَّنَّا. فالافتراق ناشئ عن الجهل، وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ولا اختلاف، ولذلك ترى القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل:

стр. 114

قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق، وجمع الظلمات التي هي الباطل والزيغ، فتفرقة الآراء، والاختلاف في الاعتقاد من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل الباطل، والاتفاق على العقيدة الحقة هو من دأب أتباع الرسل والمتمسكين بما شرعه الله تعالى. [الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم] الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم كما قال تعالى في سورة " البقرة " [٩١] : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أُنْزِل لتقرير حكمها، ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل - وهو الظاهر، وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم - وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في الْمُنَزَّل من الأحكام. وذُمُّوا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، وتمام الكلام في التفسير (١) .

стр. 115

[الثالثة والستون الزيادة في العبادة] الثالثة والستون الزيادة في العبادة كفعلهم يوم عاشوراء (١) .

стр. 116

[الرابعة والستون النقص من العبادة] الرابعة والستون النقص منها كتركهم الوقوف قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] أي: من عرفة، لا من مزدلفة (١) . والخطاب عامٌّ، والمقصود إبطال ما كان عليه الْحُمْس من الوقوف بِجَمْعٍ. فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﵌ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] » (٢) . ومعناها: ثم أفيضوا أيها الْحُجَّاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديما وحديثا، وهو عرفة، لا من مزدلفة. [الخامسة والستون تَعَبُّدُهم بترك أكل الطيبات من الرزق وترك زينة الله التي أخرج لعباده] الخامسة والستون تَعَبُّدُهم بترك أكل الطيبات من الرزق، وترك زينة الله التي أخرج لعباده قال تعالى في سورة " الأعراف " [٣١ - ٣٢] :

стр. 117

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢] وسبب النزول - على ما رُوِيَ عن ابن عباس - أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سُفْلها سُيُورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذناب، وهي تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] إلخ. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] مما طاب لكم. قال الكلبي: " كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى الآية ". ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] من الثياب وكل ما يُتَجَمَّل به. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: من المستَلَذَّات، وقيل: المحَلَّلَات من المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة - إن شاركوهم فيها - فبالتبع. ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لا يشاركهم فيها غيرهم.

стр. 118

[السادسة والستون تعبدهم بالْمُكاء والتصدية] السادسة والستون تعبدهم بالْمُكاء والتصدية قال تعالى في سورة " الأنفال " [٣٥] : ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: المسجد الحرام، الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله، فينبغي أن يعظم بالعبادة، وهم لم يفعلوا. (إلا مكاء) أي: صفيرا. (وتصدية) أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت. والمراد بالصلاة: إما الدعاء، أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ويسمونها صلاة، وحُمِلَ المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها، ولا معنى لها كصفير الطيور، وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي يليق أن تقع عند البيت. يُروى أنهم كانوا إذا أراد النبي ﵌ أن يصلي يخلطون عليه بالصفير والتصفيق (١) . ويُروى أنهم يصلون - أيضا -. ويُروى أنهم كانوا يطوفون عراة: الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم،

стр. 119

يصفرون فيها، ويصفقون (١) . وباقي الآية معلوم. والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية. فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل فيهم: أقال الله صفِّقْ لي وغَنِّ ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا وقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] [السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به] السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين، فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به (٢) .

стр. 120

[الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم] الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم (١) . [التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم] التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم (٢) .

стр. 121

[السبعون المكر الكُبَّار] السبعون المكر الكُبَّار: كفعل قوم نوح قال تعالى في سورة " نوح " ﵇ [٢٢ - ٢٤] : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا - وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٢ - ٢٤] ومعنى الكبار: الكبير. والمكر الكبار: احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح ﵇. وهكذا فعل أخلاف هؤلاء من مَرَدَة الدين، وأتباع الهوى، وعبدة الدنيا، يفعلون مع دعاة الحق كما فعل قوم نوح ﵇ معه، قد تشابهت قلوبهم، نسأله تعالى أن يعيذ رجال الحق من كيد مثل هؤلاء الفجرة، ويصونهم من مكرهم. وَقَدْ جَرَّبْتُهُمْ فَرَأَيْتُ مِنْهُمْ ... خَبَائِثَ بِالْمُهَيْمِنِ نَسْتَجِيرُ

стр. 122

[الحادية والسبعون أئمتهم إما عالم فاجر وإما عابد جاهل] الحادية والسبعون أئمتهم: إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ - وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩] فذكر في الآية أن فريقا من أسلاف اليهود - وهم الأحبار - كانوا يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، بل كانوا يحرفونها بتبديل كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته ﵌، فإنه رويَ أنه من صفاته فيها أنه أبيض رَبْعَة، فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه كما في البخاري. (ومنهم) فريق ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨] إلا بالدعاوى الكاذبة، والمراد بهم جهلة مقَلِّدة، لا إدراك لهم. وتمام الكلام في هذا المقام يُطلب من التفسير. والمقصود أن تحريف الكلم، واتباع الهوى، والقول على الله من غير علم من خصال الجاهلية. وأنت تعلم حال أحبار السوء اليوم والرهبان الذين يقولون على الله ما لا يُعْلَم قد تجاوزوا الحد في اتباع الهوى، وتأويل النصوص، وما أشبه ذلك مما يستحيي منه الإسلام، والأمر لله.

стр. 123

[الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس] الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس دليل هذه المسألة قوله تعالى في سورة " الجمعة " [٦] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] أي: تهودوا، أي: صاروا يهودا. ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] أي: أحباء له سبحانه، ولم يضف (أولياء) إليه تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] ليُؤْذِن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه بها. ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٩٤] أي: متجاوزين عن الناس. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤] أي: فتمنوا من الله أن يميتكم، وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] في زعمكم، واثقين بأنه حق، فتمنوا الموت؛ فإنه من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي قرارة الأنكاد والأكدار. وأُمِرَ ﵌ أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] كما أخبر تعالى عن الكتابيين في كتابه، فقال جل شأنه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] ورويَ «أنه لما ظهر رسول الله ﵌ كتبت يهود المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم

стр. 124

محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا: نحن أبناء خليل الرحمن، ومنا عزير ابن الله والأنبياء، ومتى كانت النبوة في العرب؟! نحن أحق بها من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] » الآية (١) . ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] إخبار بحالهم المستقبل، وهو عدم تمنيهم الموت، وذلك خاص بأولئك المخاطَبين. ورويَ أن رسول الله ﵌ قال لهم: «والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» (٢) فلم يَتَمَنَّهُ أحد منهم، وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه ﵌، فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، وهذه إحدى المعجزات.

стр. 125

﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: بسببه، كأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ما قَدَّمَتْ، والمراد بما قدمته أيديهم: الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار، ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] أي: بهم، وإيثار الإظهار على الإضمار لذمهم، والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل، أي: والله عليم بما صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي، وبما سيكون منهم، فيجازيهم على ذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة أن تؤخذوا بوبال أفعالكم. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] البتة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة: ٨] الذي لا تخفى عليه خافية. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم بها. وهذا ديدن الزائغين، وشأن الملحدين، كما قال تعالى عن اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] وقد ورث هذه الخصلة كثير ممن ينتمي إلى الملة الإسلامية، بل كل من الفِرَق يقول: نحن أولياء الله، مع أن النبي ﵌ قال في حديث الفِرَق في بيان الفرقة الناجية: «وهم ما أنا عليه وأصحابي» (١) .

стр. 126

[الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه] الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه فطالبهم سبحانه بقوله في سورة " آل عمران " [٣١] : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] قال الحسن وابن جريج: «زعم أقوام على عهد رسول الله ﵌ أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (١) . وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «وقف النبي ﵌ على قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشُّنوف (٢) وهم يسجدون لها، فقال: " يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام "، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله؛ لتقربنا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلخ» (٣) . وفي رواية أبي صالح «أن اليهود لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أنزل الله هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﵌ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها» (٤) . وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: " نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح، نعبده حبا لله، وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم" (٥) . وبالجملة: من تَلَبَّس بالمعاصي لا ينبغي له أن يدعي محبة الله، وما أحسن قول القائل:

стр. 127

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري (١) في القياس بديعُ لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع [الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأمانِيَّ الكاذبة] الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأمانِيَّ الكاذبة قال تعالى في سورة " آل عمران " [٢٣ - ٢٤] : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤] أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله ﵌ بيت الْمِدْراسِ على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال النعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: " على ملة إبراهيم ودينه "، قالا: " فإن إبراهيم كان يهوديا "، فقال لهما رسول الله ﵌: " فَهَلُمَّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأينا عليه "، فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وفي البحر: «زنى رجل من اليهود بامرأة، ولم يكن بعد في ديننا الرجم، فتحاكموا إلى رسول الله ﵌ تخفيفا على الزانيين لشرفهما، فقال رسول الله ﵌: " إنما أحكم بكتابكم "، فأنكروا الرجم، فَجِيءَ بالتوراة، فوضع حَبْرهم ابن صُورْيا يده على آية الرجم، فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله، فأظهرها، فرُجِمَا، فغضبت اليهود، فنزلت» (٢) .

стр. 128

ومعنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي: المذكور من التولي والإعراض حاصل لهم بسبب هذا القول الذي رسخ اعتقاهم به، وهونوا به الخطوب، ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي والذنوب. والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أي: غرهم افتراؤهم وكذبهم، أو الذي كانوا يفترونه من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [آل عمران: ٢٤] أو من قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]

стр. 129

، أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وإن الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تَحِلَّةَ القسم. فرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] إلخ. رُوِيَ أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار. وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون من المنكرات، اعتمادا على الشفاعة، أو على علو الحسب وشرف النسب، والله المستعان. وفي سورة " البقرة " [٨٠ - ٨٢] : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨٢]

стр. 130

[الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد] الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام جاهليتهم. وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) ثم قال: «فلا تتخذوها مساجد» (٢) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣) . وفي لفظ لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤) . وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا (٥) «لما نُزِل برسول الله ﵌ طَفِقَ يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كذلك -: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يحذر ما صنعوا " (٦) . وفي الصحيحين - أيضا - عن عائشة «أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: " مارية "، وذكرتا من حسنها وتصاوير

стр. 131

فيها، فقال رسول الله ﵌: " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١) . وعن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﵌ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» ، رواه أهل السنن الأربعة (٢) .

стр. 132

فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة. وفي هذا دليل على الحذر عن جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن يكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابْتُلِيَ به كثير من هذه الأمة من بناء القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم، معلون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار، ولهذا كان السلف يبالغون في المنع.

стр. 133

[السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد] السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ورد عن عمر ﵁ فإن هذه المسألة من بدع جاهلية الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي ﵌، أو وصل قدمه المبارك، أو تعبد فيه، فهذا ليس يحمد في الشريعة؛ لجره إلى الغلو. وفي العراق مواضع كثيرة بنوا عليها مبانِيَ كالمقام الذي زعموا أن الشيخ الكيلاني تعبد فيه، وكأثر الكف الذي زعم الشيعة أنه أثر كف الإمام علي لما وضعه على الصخرة فأَثَّر فيها، فبنوا عليها مسجدا، وكعدة أماكن زعموا أن الخضر رُئِيَ فيها، ولا أصل له، إلى غير ذلك مما لا يستوعبه المقام. فينبغي لمن يدعي الإسلام أن يتجنبها، وينهى عن حضورها، وإن رُمِيَ بالإنكار، وعداوة الأشرار، وكيد المارقين الفجار. وفي المسألة تفصيل لا بأس بذكره: قال شيخ الإسلام: " أما مقامات الأنبياء والصالحين - وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه - لكنهم لم يتخذوها مساجد - فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء مشهورين: أحدهما: النهي عن ذلك، وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﵌ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة، وكما تُقْصَد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك.

стр. 134

القول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﵌، وإن كان النبي ﵌ سلكها اتفاقا لا قصدا. وسئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﵌ أن يصلي في بيته حتى يَتَّخِذَ ذلك مُصَلّى (١) وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﵌ وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه. وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﵌ أن يأتيه، فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، وعلى ما كان يفعل ابن عمر، «كان يتتبع مواضع سير النبي ﵌، حتى إنه رُئِيَ يصب في موضعٍ ماءً، فسئل عن ذلك، فقال: " رأيت النبي ﵌ يصب هاهنا ماء» (٢) قال: أما على هذا فلا بأس به. قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلَّال في كتاب الأدب. فقد فَصَّل أبو عبد الله في المشاهد - وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة - بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، أو الكثير الذي يتخذونه عيدا كما تقدم. وهذا التفصيل جَمَعَ فيه بين الآثار وأقوال الصحابة: فإنه قد روى البخاري في صحيحه «عن موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن

стр. 135

عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﵌ يصلي في تلك الأمكنة» (١) . فهذا كما رخص الإمام أحمد. وأما كراهته، فقد روى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاوية قال: «حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى رسول الله ﵌ فيه، فقال: " هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فَلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» (٢) . فقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي ﵌ عيدا، وبَيَّنَ أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبِيَعًا. وروى محمد بن وضاح وغيره: " أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﵌؛ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليه " (٣) . وما ذكره عمر هو الحري بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة، غير ابنه (٤) وهو الذي يجب العمل به، ويُعَوَّل عليه.

стр. 136

[السابعة والسبعون اتخاذ السُّرُج على القبور] السابعة والسبعون اتخاذ السُّرُج على القبور دليل حرمة ذلك ما ورد عن رسول الله ﵌ من الحديث الذي سبق ذكره من لعن من يفعل ذلك (١) . وليتك رأيت ما يُوقَد في ترب أئمة أهل البيت ونحوها من الشموع، ولا سيما في ليالي رمضان والليالي المباركة، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [الثامنة والسبعون اتخاذ القبور أعيادا] الثامنة والسبعون اتخاذها أعيادا اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورا. منها: يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة. ومنها: اجتماع فيه. ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. هؤلاء مسلمو أهل العراق، لكل تربة ولي يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة كزيارة الغدير، ومَرَدِّ الرأس. ومنهم من خُصَّ له يوم من أيام الأسبوع، فالجمعة لفلان، والسبت لفلان، والثلاثاء لفلان، وهكذا.

стр. 137

ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة كليلة القدر، وأيام الأعياد، وليلة النصف من شعبان (١) وغير ذلك، كل ذلك مما لم ينزل الله به من سلطان، ومن مكايد الشيطان. [التاسعة والسبعون الذبح عند القبور] التاسعة والسبعون الذبح عند القبور قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] الأنعام: [١٦٢ - ١٦٣] . أمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، أي: أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ضيرا، أو يجلب له خيرا، تعظيما له، من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون. وسبب مشروعية التسمية تخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود العلَّام، فإذا قصد بالذبح غيره كان أولى بالمنع. «وصح نهيه ﵌ عمن استأذنه بالذبح بِبُوَانَةَ، وأنه قد نذر ذلك، فقال له ﵌: " أكان فيها صنم؟ "، قال: " لا "، قال: " فهل كان فيها عيد من أعياد المشركين؟ "، قال: " لا "، قال: " فأوف بنذرك» . أخرج ذلك أبو داود في سننه (٢) .

стр. 138

وهذا السائل مُوَحِّد مُقَرِّب لله وحده، لكن المكان الذي فيه معبود غير الله، وقد عُدِم، أو محل لاجتماعهم يصلح مانعا، فلما علم النبي ﵌ أن ليس هناك شيء من ذلك أجازه، ولو علم شيئا مما سأل عنه لمنعه؛ صيانة لحمى التوحيد، وقطعا لذريعة الشرك. وصح - أيضا - عنه ﵌ أنه قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب "، قالوا: " كيف ذلك يا رسول الله؟! " قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرِّب له شيئا، قالوا له: قَرِّبْ ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» . ففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرِّب دخل النار بالسبب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم، وأنه كان مسلما، وإلا لم يقل: دخل النار. وفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب، التي هي المقصود الأعظم والركن الأكبر. فتأمل في ذلك، وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه، وَأَلْقِ سمعك لما ذكروه، وانظر الحق، فإن الحق أبلج، والباطل لَجْلَج، فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقربهم لأوثانهم؛ لتقربهم إلى الله؛ لكونهم شفعاء لهم عند الله، وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله، يتبين لك ما عليه الناس الآن، والله المستعان.

стр. 139

[الثمانون التَّبَرُّك بآثار المعظَّمين كدار الندوة] الثمانون التَّبَرُّك بآثار المعظَّمين كدار الندوة (١) وافتخار من كانت تحت يده بذلك كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟! فقال: «ذهبت المكارم إلا التقوى» (٢) . هذه الخصلة قد امتدت عروق ضلالها في أودية قلوب جهلة المسلمين، وزادوا في الغلو بها على ما كان عليه جاهلية العرب والكتابيين. ولا بدع من حكيم بن حزام القريشي الأسدي إذا ما رد على من قال له: بعت مكرمة قريش؟ وقد باعها من معاوية بمائة ألف درهم: " ذهبت المكارم إلا التقوى ". كيف لا وقد كان عاقلا سريا، فاضلا تقيا، سيدا بماله غنيا، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحَمَلَ على مائة بعير، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة قد جللها بالحَبِرة، وكفها عن أعجازها، وأهداها، ووقف بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: " عتقاء الله عن حكيم بن حزام "، وأهدى ألف شاة، وهو الذي عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، ووُلِد في الكعبة.

стр. 140

[الفخز بالأحساب والاستسقاء بالأنواء والطعن في الأنساب والنياحة] الحادية والثمانون الفخز بالأحساب الثانية والثمانون الاستسقاء بالأنواء الثالثة والثمانون الطعن في الأنساب الرابعة والثمانون النياحة أقول: هذه المسائل الأربع دليل بطلانها حديث واحد، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، بسنده إلى أبي مالك الأشعري: أن النبي ﵌ قال (١) «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، [والنياحة] "، و [قال: "] النابحة - أو قال: النائحة - إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (٢) . الفخر في الأحساب: افتخارهم بمفاخر الآباء. والطعن في الأنساب: إدخالهم العيب في أنساب الناس؛ تحقيرا لآبائهم، وتفضيلا لآباء أنفسهم على آباء غيرهم.

стр. 141

والاستسقاء بالنجوم: اعتقادهم نزول المطر بسقوط نجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من المشرق، فقد كانوا يقولون: مُطِرْنا بِنَوْء كذا، وقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وهذا مفصل في كتب الأنواء بما لا مزيد عليه. ومعنى قوله في النائحة: " وعليها سربال من قطران ": أن الله تعالى يجازيها بلباس من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود. وقوله: " درع من جرب " يعني: يُسَلَّط على أعضائها الجربُ والحكةُ، حيث يغطي بدنها تغطية الدرع - وهو القميص -؛ لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوي المصيبات. فهذا الحديث دل على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من هذه الخصال الرديئة. وورَّاثُهم (١) اليوم من هذه الأمة تجاوزوا فيها أسلافهم، وزادوا في الطنبور نغمات، فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم بمراحل عنهم، فهذا يقول: كان جدي الشيخ الفلاني، وهذا يقول: جدي العالم الرباني، إلى غير ذلك. وكذلك الطعن في الأنساب، فهذا يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من العترة الطاهرة. وكذلك الاستسقاء بالأنواء، ولم يعتقد كثير من الناس أن ما كان من فعل رب الأرض والسماء. وهكذا النوح على الأموات، فقد اتخذه كثير من الناس من أفضل الأعمال، وسبب الوصول إلى مرضاة ذي الجلال، لا سيما من اتخذ المآتم الحسينية في كل عام، فهناك من البدع ما تكل عن نقله ألسنة الأقلام، والويل كل الويل لمن أنكر شيئا من ذلك، فإنهم يوردونه موارد العطب والمهالك، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 142

[الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره لا سيما أبوه وأمه] الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره، لا سيما أبوه وأمه فخالفهم ﵌، وقال: «أَعَيَّرْتَهُ بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» . والحديث في صحيح الإمام البخاري في باب " المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي ﵌: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ، وقول الله تعالى في سورة " النساء " [٤٨] : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهذا الباب في كتاب الإيمان من صحيحه، ثم قال: «حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالرَّبَذة (١) وعليه حُلَّة وعلى غلامه حُلَّة، فسألته عن ذلك، فقال: " إني ساببت رجلا، فعيرته بأمه، فقال لي النبي ﵌: " يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكُم، جعلهم الله [تعالى] تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٢) . وقد أطنب شراح الحديث في شرحه، وليس هذا موضع استقصائه، والمقصود منه أن تعيير الرجل بفعل غيره ليس من شأن كامل الإيمان والمعرفة، «فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تَسَابَّ هو وبلال الحبشي المؤذن، فقال له: " يا ابن السوداء "، فلما شكا بلال إلى رسول الله ﵌ قال له: " شتمت بلالا، وعيرته بسواد أمه؟! "، قال: " نعم "، قال: " حسبت أنه بقي فيك شيء من كِبْر الجاهلية "، فألقى أبو ذر خده على التراب، ثم قال: " لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه» . والناس اليوم - والأمر لله - قد كثرت فيهم خصال الجاهلية، فتراهم يعيرون أهل البلد كلهم بما صدر عن واحد منهم، فأين ذلك من خصال الجاهلية؟!

стр. 143

[السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت] السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت فذمهم الله تعالى بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] وهذه الآية في سورة المؤمنين، وهي بتمامها قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧] ومعنى الآية على ما في التفسير: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦] تعليل لقوله قبل: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] أي: دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، ولا ينفعكم عندنا، فقد ارتكبتم أمرا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيب بالآيات، فلا يدفعه الصراخ، فكنتم عند تلاوتها: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل بها، والنكوص: الرجوع، والأعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرجل، ورجوع الشخص على عقبه: رجوعه في طريق الأول كما يقال: رجع عوده على بدئه. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: بالبيت الحرام، والباء للسببية وسُوِّغَ بهذا الإضمارُ، مع أنه لم يجر ذكر اشتهار استبكارهم، وافتخارهم بأنهم خُدَّام البيت وقُوَّامه. ﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: تسرون بذكر القرآن، والطعن فيه، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت يسمرون، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحرا أو شعرا. و ﴿تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] من الهجر - فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، والجملة في موضع الحال، أي: تاركين الحق والقرآن أو النبي ﵌ على تقدير عود الضمير (به) له، وجاء الهجر بمعنى الهذيان، وجُوِّزَ أن يكون المعنى عليه، أي: تهذون في شأن القرآن أو النبي ﵌ أو أصحابه، أو ما يعم جميع ذلك، ويجوز أن يكون من الهجر - بضم فسكون - وهو الكلام القبيح.

стр. 144

فأنكر الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] ليعلموا - بما فيه من وجوه الإعجاز - أنه الحق من ربهم، فيؤمنوا به ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] أي: بل جاءهم. . إلخ. والمقصود أن من خصال الجاهلية التكبر بسبب الرئاسة على المواضع المقدسة، كما هو - اليوم - حال كثير ممن يدعي الشرف بسبب ذلك، فمنهم من ادعى الشرف على المسلمين بسبب رئاسته على مكة والمدينة، ومنهم من ادعاه بسبب الرئاسة في المشاهد أو مقامات الصالحين، وهؤلاء الذين يدعون انتسابهم إلى عبد القادر الْجِيلي في بغداد يدعون الشرف بسبب رئاستهم على قبر عبد القادر، واستيلائهم على النذور والصدقات والذبائح والقرابين الشركية، التي يتعبدها جهلة المسلمين من الهنود والأكراد ونحوهم، وهم أفسق خلق الله، وأدنؤهم نفسا، وأرذل خلق الله مسلكا، فما يفيدهم ذلك عند الله شيئا، وما ينجيهم من مقت الله وعذابه، وإن ظن بهم العوام ما ظنوا، فهم عند الله وعند عباده الصالحين أحقر من الذر، وأبعد عن رحمته يوم القيامة. [السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈] السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء ﵈ فرد الله عليهم بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] هذه الآية في آخر الجزء الأول من سورة " البقرة " وتفسيرها: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١] الإشارة إلى إبراهيم ﵇ وأولاده في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ. والأمة أتت لمعان، والمراد بها - هنا - الجماعة، من " أَمَّ " بمعنى قصد، وَسُمِّيَتْ

стр. 145

كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان بذلك؛ لأنهم يؤم بعضهم بعضا، ويقصده. والخلو: المضي، وأصله الانفراد. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤١] والمعنى: أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵌: «يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي: المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا، فأصد عنكم بوجهي» . وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ومعنى قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١] لا تؤاخَذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. وهذه الخصلة موجودة اليوم في كثير من المسلمين، ورأس مالهم الافتخار بالآباء، فمنهم من يقول: أنا من ذرية عبد القادر الكيلاني، ومنهم من يقول: أنا من ذرية أحمد الرفاعي، ومنهم من يقول: أنا بكري، ومنهم من يقول: أنا عمري، ومنهم من يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني، ولا فضيلة لهم ولا تقوى، وكل ذلك لا ينفعهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] ورسول ﵌ يقول لفاطمة: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا» (١) . وما قَصْدُ أولئك المفتخرين بآبائهم - وهم عارون عن كل فضيلة - إلا أكل أموال الناس بالباطل، وفي المثل: " كن عصاميا، ولا تكن عظاميا ".
следующие страницы →