[تقديم]
الإمام محمد بن عبد الوهاب
دعوته وسيرته لسماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز محاضرة ألقاها في عام ١٣٨٥ هـ
حينما كان نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم من عوامل بقاء الدعوة تعاقب الدعاة لها ما تعاقبت الأيام، ومنذ أن أكرم الله تعالى هذه الأمة وصوت الداعي مدويا في أفق المدعوين إلى أن أكمل الله الدين وأتم النعمة، ثم توالى الدعاة من خلفاء الرسول ﷺ إلى من بعدهم من دول أو مصلحين وموجهين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وذلك عملا بالأصل القويم في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١) الآية.
فكلما خيمت سحب البدع، واحلولكت ظلم الجهالة، وخاض الناس لجج الباطل أيد الله تعالى لهذه الأمة رجالا يدعون إلى الله تعالى على بصيرة، ينيرون
стр. 3
الطريق، ويظهرون الحق ويحيون السنة، ويحاربون البدعة حتى يطهر الله على أيديهم البلاد، وينقذ بدعوتهم العباد، وهذا من تمام النعمة وسعة الفضل من الله تعالى على عباده.
ورجال الفكر وأرباب المعرفة دائما وأبدا يعنون بتراجم الأشخاص وسيرهم، وبالأخص أولئك الرجال الذين حولوا مجرى التاريخ في بلادهم وأوجدوا انقلابات في التفكير، فتراجم هؤلاء بمثابة المصابيح على جانبي الطريق يسترشد بهم الساري ويهتدي بهم القاصد.
ولئن كان بعض الناس يمجدون رجال الفكر أيا كانت وجهاتهم ويغالون في إحياء ذكراهم، بل ربما نصبوا لهم التماثيل، فإننا معاشر المسلمين لا نقدس الشخصيات، ولا ننساق وراء التيارات، ولكن لنا مقاييس تعرض عليها الرجال وأعمالهم، وبقدر ما ترجح كفتهم يكون لهم القدر والمنزلة في نفوسنا، ألا وهي مقاييس الدعوة والإرشاد وميادين الإصلاح في
стр. 4
ظل الإسلام.
وصاحب موضوع هذه المحاضرة القيمة من أوفر الناس حظا وأرجحهم كفة في ميادين الدعوة والإصلاح، وقد طبقت شهرته الآفاق حتى كتب عنه القاصي والداني مما سيراه القارئ، في غضون المحاضرة من التنبيه على ذلك، من كتاب شرقيين، بل قد كتب عنه أحد علماء المغرب العلامة سيدي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي مدرس العلوم العالية بالقروية، وفيما ألقاه فضيلته بنادي الخطابة الأدبي بفاس ربيع الثاني عام ١٣٣٦ هـ في كتابه عن نشأة الفقه الإسلامي وتطوراته، وترجم لأعلام العالم الإسلامي ومنهم الشيخ المحاضر عنه وعن دعوته، وذلك في كتابه (الفكر السامي في تأريخ الفقه الإسلامي: جزء ٤ صفحة ١٩٦ فقرة ١٠١١ تحت عنوان (أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي) .
ولد في مدينة العيينة إقليم العارض بنجد سنة ١١١٥ هـ وربي بحجر أبيه، ثم انتقل إلى البصرة لإتمام دروسه، فبرع في
стр. 5
علوم الدين، واللسان وفاق الأقران، واشتهر هناك بتقوى وصدق التدين. . ثم قال:
عقيدته: السنة الخالصة، على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة لا يخوض التأويل والفلسفة ولا يدخلهما في عقيدته.
وفي الفروع: مذهبه حنبلي غير جامد على تقليد الإمام أحمد، ولا من دونه، بل إذا وجد دليلا أخذ به، وترك أقوال المذهب، فهو مستقل الفكر في العقيدة والفروع معا: إلى أن قال: وكان قوي الحال ذا نفوذ شخصي وتأثير نفسي ولذا كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو متفرد عن عشيرته في البصرة.
ونحن إذ ننقل للقارئ هذا القدر من كلام أحد علماء المغرب إنما نؤكد عناية أهل الفكر بسيرته وثبات ثمرة دعوته والتدليل على معرفة العلماء به.
بل إن بعض الأشخاص ليذكرون عن الدكتور كامل الطويل أنه أثناء وجوده بأوربا للتحضير للدكتوراه عثر على وثائق كانت متبادلة بين نابليون
стр. 6
والبابا العالي بخصوص دعوة الشيخ المترجم عنه، ووجوب عمل اللازم تجاهها، كخطر على مصالحهم في الشرق.
فلئن كان الأمر كذلك فلا أقل من أن نقدم سيرته ومنهج دعوته إلى الناس، وخاصة الناشئة منهم، ليروا مدى صبره ومثابرته وعوامل نجاح دعوته، ومما يعلي قيمة هذه المحاضرة عاملان أساسيان:
الأول: أنها توضح عوامل الدعوة، وأسسها، ومنهج الداعي، وخطواته، وتبرز جانبا هاما من جوانب العقيدة، وهو جانب توحيد العبادة الذي اشتدت حاجة الناس إليه، ولا سيما على النحو الذي عرضت فيه أثناء تلك المحاضرة.
العامل الثاني: أنه من أولى الناس بالمحاضر عنه حيث إنه حفظه الله أحد أفاضل علماء نجد، ومن أبرز من تلقى العلم على أحفاد الشيخ الإمام، فكان من أقرب الناس إليه وأولاهم به، وقد جاءت تلك المحاضرة وافية بالغرض، محققة للمطلوب، مما يتطلبه
стр. 7
القارئ عن الشيخ الإمام، (وعن دعوته) وعن أحوال بلاده، وأسباب قيامه بالدعوة، وعوامل نجاحه. فجزى الله الإمام عن الدعوة والمسلمين خيرا. وجزى الله فضيلة الشيخ المحاضر عنه خيرا وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، ورضي الله عن كل داعية، وبارك في جهود كل مصلح في مشارق الأرض ومغاربها إنه سميع قريب.
كتبها: عطية محمد سالم
стр. 8
[نبذة موجزة عن فضيلة المحاضر]
أما فضيلة الشيخ المحاضر - حفظه الله - فهو غني عن التعريف، ولكن لاحتمال وصول تلك المحاضرة إلى من هم خارج المملكة دعت الحاجة إلى الإشارة إلى التعريف بنبذة من ترجمته حفظه الله.
الاسم: هو فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز.
مولده: ولد ببلدة الرياض عاصمة نجد في ذي الحجة عام ١٣٣٠ هـ.
نشأته: نشأ من أول عمره في طلب العلم وفي أسرة كريمة محبة للعلم وأهله.
دراسته: بدأ دراسته بحفظ القرآن الكريم فحفظه قبل البلوغ ثم تلقى العلوم الشرعية والعربية عن علماء الرياض.
مشايخه: أخذ عن عدة مشايخ ودرس على أيدي كثيرين مددا مختلفة أكثرهم من آل الشيخ أحفاد الإمام
стр. 9
المحاضر عنه.
منهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ.
ومنهم الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الشيخ قاضي الرياض آنذاك.
ومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق من آل عتيق قاضي الرياض آنذاك.
ومنهم الشيخ حمد بن فارس وكيل بيت المال آنذاك، ومنهم الشيخ سعد وقاص البخاري بمكة المكرمة أخذ عليه التجويد خاصة.
ومنهم سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، وهو الذي درس عليه جميع الدروس وكان له الحظ الأوفر في تحقيق العلوم على يديه، فقد لازم درسه نحو عشر سنوات حيث بدأ الدراسة على سماحته ابتداء من عام ١٣٤٧ هـ إلى عام ١٣٥٧ هـ إلى أن رشحه سماحته إلى القضاء.
منهج الدراسة: قد تتعدد الدراسة في عدة فنون على
стр. 10
عدة مشايخ في وقت معا أو على شيخ واحد في دروس متعددة، وقد كانت دراسة الشيخ حفظه الله تعالى على سماحة المفتي دراسة لها نظامها الخاص، وهو نظام التدرج والبداءة بالأهم. فأولا بدأ بدراسة العقائد وابتدأها بالأصول الثلاثة، ثم كشف الشبهات، ثم كتاب التوحيد، ثم العقيدة الواسطية، وهكذا في الفقه بالتدرج في المتون وكذلك الفرائض قرأها مرارا وكذلك في النحو في الأجرومية ثم الملحة، ثم القطر، إلخ. .
أوقات الدراسة ومكانها: كانت أوقات الدراسة مع سماحة المفتي كالآتي: في الصباح بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس في المسجد، ثم ضحوة النهار في مجلس سماحة المفتي في البيت، ثم بعد الظهر، وبعد العصر، وبعد المغرب، عقب الصلوات في المسجد.
علوم الشيخ: يعد فضيلته من كبار العلماء المجتهدين، حيث يسر الله له من العلوم في العربية ما يمكنه من النظر الكافي في العلوم الدينية، وقد كرس جهوده لأول وهلة في علوم الشريعة خاصة الفقه على مذهب
стр. 11
الحنابلة، ثم أولى الحديث عنايته التامة متنا وسندا، وكذلك علوم القرآن الكريم مما جعل فضيلته يعد في علماء العالم الإسلامي المبرزين حفظهم الله تعالى.
غير أنه يمكن أن يعد في علماء الفقه والحديث والعقيدة وله مؤلفات في ذلك وفتاوى عدة.
أعماله: ولي القضاء في منطقة الخرج أربعة عشر عاما، وأشهر وذلك من عام ١٣٥٧ هـ إلى ١٣٧١ هـ ولم يكن عمله في القضاء قاصرا على مهمة المحكمة بل كان يعنى بشئون المنطقة العامة من تعليم وزراعة وصحة، ويراسل المسئولين في كل ما من شأنه إصلاح المنطقة حتى كان وجوده كوجود الأب المشفق حول أبنائه في وسطهم يعنى بكل ما يهمهم، وقد كان المسئولون حفظهم الله عند حسن ظنه لما أحسوا من نصحه وإخلاصه. ولم تزل آثاره الإصلاحية باقية حتى الآن.
ثم انتقل إلى التدريس في المعاهد والكليات أول افتتاحها عام ١٣٧١ إلى عام ١٣٨٠ هـ حين فتحت الجامعة وكان حفظه الله أثناء عمله في ميدان التدريس
стр. 12
أسند إليه تدريس ثلاثة فنون هي الفقه، والتوحيد، والحديث، في كلية الشريعة. فكان (حفظه الله) مثلا لرحابة الصدر، وإبانة المسائل، وتربية الطلاب على طريقة الترجيح، ولا سيما أن مواطن الدرس في كل من الحديث والفقه كانت متفقة، فمثلا يدرس باب الزكاة في الفقه وباب الزكاة في الحديث، فإذا كانت حصة الفقه قرر المسألة على مذهب الحنابلة بدليلها عندهم وإذا كان درس الحديث قرر المسألة على ما تنص عليه الأحاديث فإن وافقه المذهب كان تأييدا له، وإذا خالفه أشار إلى وجه الترجيح ودعا إلى الأخذ بما يسانده الدليل، بدون تعصب لمذهب معين، ومما يحفظ لفضيلته: عدم التثاقل من السؤال وتوجيه الطالب إلى ما أراده، وربما توقف عن الإجابة وطلب الإمهال إذا كانت المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل، بأن كانت من مواضع الخلاف مثلا، وكان بعيد العهد بها، وفي ذلك كما يقول علماء التربية الحديثة بعث النشاط في همة الطالب وبث روح الثقة بالنفس، وتفتح آمال
стр. 13
التحصيل عند الطلاب، حيث يشعر أن العلم بالبحث والدرس، وأنه لا يقدم على القول إلا بعد المعرفة التامة.
وفي العقائد كان مثال الاعتدال، لا هو من أولئك المتطرفين الذين يطلقون عبارات الشرك والكفر على كل صغيرة وكبيرة، ولا هو من المتساهلين الذين يغضون النظر عن صغار الأمور. بل كان ينبه على الصغيرة والكبيرة، ويضع كل شيء في موضعه، يجعل الشرك شركا والبدعة بدعة، حتى عن بعض من لقيه من غير المملكة مقياسا عادلا لمبدأ الدعوة ورجالها عدالة واعتدالا، ولم يزل كذلك حتى وهو في عمله الإداري إذا جلس للدرس في المسجد أو غيره.
ثم أسند إلى فضيلته نيابة رئاسة الجامعة الإسلامية من عام ١٣٨١ هـ وكان ذلك ولله الحمد نعمة من الله تعالى، خاصة في بدء تكوينها حيث تحتاج إلى التسامح والرفق مع الحزم والحكمة. وقد وفق الله تعالى لهذه المؤسسة المباركة سيرا حميدا وبدأت ثمار
стр. 14
أعمالها تظهر براعم تتفتح، وثمار تينع، نفع الله بها العالم الإسلامي ووفق لها من يساعد على أداء واجبها إنه سميع مجيب.
مؤلفاته: لعل كثرة أعمال الشيخ لم تتركه يتفرغ إلى التأليف. غير أنه لم يترك الفرص حيث عنت له وقد أبرز حتى الآن عدة مؤلفات في مختلف الفنون منها:
١ - الفوائد الجليلة في المباحث الفرضية طبع عدة مرات.
٢ - نقد القومية العربية - طبع - أعيد طبعه.
٣ - توضيح المناسك - طبع عدة مرات.
٤ - رسالة في نكاح الشغار - طبع.
٥ - الجواب المفيد في حكم التصوير - طبع.
٦ - رسالة في التبرج والحجاب - طبع.
مع عدة فتاوى خاصة وعامة.
نفع الله به وبعلومه، ووفقه لما يحبه ويرضاه. آمين. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبها: عطية محمد سالم
стр. 15
[محاضرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته]
[ترجمة الإمام]
(محاضرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -دعوته وسيرته)
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
ألقيت بقاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية. أخذت من شريط التسجيل، وقد ألقيت ارتجالا، ولم تقيد من قبل.
الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب: دعوته، وسيرته.
стр. 16
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أما بعد: أيها الإخوان الفضلاء، أيها الأبناء الأعزاء. هذه المحاضرة الموجزة أتقدم بها بين أيديكم تنويرا للأفكار، وإيضاحا للحقائق، ونصحا لله ولعباده وأداء لبعض ما يجب علي من الحق نحو المحاضر عنه وهذه المحاضرة عنوانها: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. دعوته وسيرته.
لما كان الحديث عن المصلحين، والدعاة والمجددين، والتذكير بأحوالهم وخصالهم الحميدة، وأعمالهم المجيدة، وشرح سيرتهم التي دلت على إخلاصهم، وعلى صدقهم في دعوتهم، وإصلاحهم.
стр. 17
وأعمالهم وسيرتهم؛ مما تشتاق إليه النفوس الطيبة، وترتاح له القلوب، ويود سماعه كل غيور على الدين، وكل راغب في الإصلاح، والدعوة إلى سبيل الحق رأيت أن أتحدث إليكم عن رجل عظيم ومصلح كبير وداعية غيور، ألا وهو الشيخ الإمام المجدد للإسلام في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية.
هو: الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي النجدي، لقد عرف الناس هذا الإمام ولا سيما علماؤهم ورؤساؤهم وكبراؤهم وأعيانهم في الجزيرة العربية وفي خارجها، ولقد كتب الناس عنه كتابات كثيرة ما بين موجز وما بين مطول، ولقد أفرده كثير من الناس بكتابات حتى المستشرقون كتبوا عنه كتابات كثيرة، وكتب عنه آخرون في أثناء كتاباتهم عن المصلحين وفي أثناء كتاباتهم في التاريخ، وصفه المنصفون منهم بأنه مصلح عظيم، وبأنه مجدد للإسلام، وبأنه على هدى ونور من ربه، وتعدادهم
стр. 18
يشق كثيرا.
من جملتهم المؤلف الكبير أبو بكر الشيخ حسين بن غنام الأحسائي. فقد كتب عن هذا الشيخ، فأجاد وأفاد وذكر دعوته، وذكر سيرته وذكر غزواته، وأطنب في ذلك وكتب كثيرا من رسائله واستنباطاته من كتاب الله ومنهم الشيخ الإمام عثمان بن بشر في كتابه عنوان المجد، فقد كتب عن هذا الشيخ، وعن دعوته، وعن سيرته، وعن تاريخ حياته، وعن غزواته وجهاده، ومنهم خارج الجزيرة الدكتور أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح، فقد كتب عنه وأنصفه، ومنهم الشيخ الكبير مسعود عالم الندوي، فقد كتب عنه وسماه المصلح المظلوم وكتب عن سيرته وأجاد في ذلك.
وكتب عنه أيضا آخرون، منهم الشيخ الكبير الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني. فقد كان في زمانه وقد كان على دعوته، فلما بلغه دعوة الشيخ سر بها وحمد الله عليها. وكذلك كتب عنه العلامة الكبير الشيخ محمد بن علي الشوكاني صاحب نيل الأوطار ورثاه بمرثية عظيمة، وكتب عنه جمع غفير
стр. 19
غير هؤلاء يعرفهم القراء والعلماء (١) ولأجل كون كثير من الناس قد يخفى عليه حال هذا الإمام وسيرته ودعوته رأيت أن أساهم في بيان حاله وما كان عليه من سيرة حسنة، ودعوة صالحة، وجهاد صادق وأن أشرح قليلا مما أعرفه عن هذا الإمام حتى يتبصر في أمره من كان عنده شيء من لبس، أو شيء من شك في حال هذا الرجل ودعوته، وما كان عليه.
[مولده ونشأته]
ولد هذا الإمام في عام (١١١٥) هجرية هذا هو المشهور في مولده رحمة الله عليه، وقيل في عام (١١١١) هجرية والمعروف الأول أنه ولد في عام ١١١٥ هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية. وتعلم على أبيه في بلدة العيينة وهذه البلدة هي مسقط رأسه رحمة الله عليه وهي قرية معلومة في اليمامة في نجد شمال غرب مدينة الرياض بينها وبين الرياض
стр. 20
مسيرة سبعين كيلو مترا تقريبا، أو ما يقارب ذلك من جهة الغرب.
ولد فيها رحمة الله عليه ونشأ نشأة صالحة، وقرأ القرآن مبكرا، واجتهد في الدراسة، والتفقه على أبيه الشيخ عبد الوهاب بن سليمان - وكان فقيها كبيرا (١) وعالما قديرا، وكان قاضيا في بلدة العيينة - ثم بعد بلوغ الحلم حج وقصد بيت الله الحرام وأخذ عن بعض علماء الحرم الشريف.
ثم توجه إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فاجتمع بعلمائها، وأقام فيها مدة، وأخذ من عالمين كبيرين مشهورين في المدينة ذلك الوقت، وهما: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، أصله من المجمعة، وهو والد الشيخ إبراهيم بن عبد الله صاحب العذب الفائض في علم الفرائض، وأخذ أيضا عن الشيخ الكبير محمد حياة السندي بالمدينة. هذان العالمان ممن اشتهر أخذ الشيخ
стр. 21
عنهما بالمدينة، ولعله أخذ عن غيرهما ممن لا نعرف.
[رحلته في طلب العلم]
ورحل الشيخ لطلب العلم إلى العراق فقصد البصرة واجتمع بعلمائها، وأخذ عنهم ما شاء الله من العلم.
وأظهر الدعوة هناك إلى توحيد الله ودعا الناس إلى السنة، وأظهر للناس أن الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا دينهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، وناقش وذاكر في ذلك، وناظر هنالك من العلماء، واشتهر من مشايخه، هناك شخص يقال له الشيخ محمد المجموعي، وقد ثار عليه بعض علماء السوء بالبصرة وحصل عليه وعلى شيخه المذكور بعض الأذى، فخرج من أجل ذلك وكان من نيته أن يقصد الشام فلم يقدر على ذلك لعدم وجود النفقة الكافية، فخرج من البصرة إلى الزبير وتوجه من الزبير إلى الأحساء واجتمع بعلمائها وذاكرهم في أشياء من أصول الدين ثم توجه إلى بلاد حريملاء وذلك (والله أعلم) في العقد الخامس من القرن الثاني عشر لأن أباه
стр. 22
كان قاضيا في العيينة وصار بينه وبين أميرها نزاع فانتقل عنها إلى حريملاء سنة ١١٣٩ هجرية فقدم الشيخ محمد على أبيه في حريملاء بعد انتقاله إليها سنة ١١٣٩ هجرية فيكون قدومه حريملاء في عام ١١٤٠ أو ما بعدها، واستقر هناك ولم يزل مشتغلا بالعلم والتعليم والدعوة في حريملاء حتى مات والده في عام ١١٥٣ هجرية فحصل من بعض أهل حريملاء شر عليه، وهم بعض السفلة بها أن يفتك به، وقيل إن بعضهم تسور عليه الجدار فعلم بهم بعض الناس فهربوا، وبعد ذلك ارتحل الشيخ إلى العيينة رحمة الله عليه، وأسباب غضب هؤلاء السفلة عليه أنه كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وكان يحث الأمراء على تعزير المجرمين الذين يعتدون على الناس بالسلب والنهب والإيذاء، ومن جملتهم هؤلاء السفلة الذين يقال لهم العبيد هناك، ولما عرفوا من الشيخ أنه ضدهم وأنه لا يرضى بأفعالهم، وأنه يحرض الأمراء على عقوباتهم، والحد من شرهم غضبوا وهموا أن يفتكوا به، فصانه الله وحماه ثم
стр. 23
انتقل إلى بلدة العيينة وأميرها إذ ذاك عثمان بن نصار بن معمر، فنزل عليه ورحب به الأمير، وقال: قم بالدعوة إلى الله ونحن معك وناصروك وأظهر له الخير، والمحبة والموافقة على ما هو عليه.
فاشتغل الشيخ بالتعليم والإرشاد والدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير، والمحبة في الله، رجالهم ونسائهم، واشتهر أمره في العيينة وعظم صيته وجاء إليه الناس من القرى المجاورة، وفي يوم من الأيام قال الشيخ للأمير عثمان دعنا نهدم قبة زيد بن الخطاب ﵁ فإنها أسست على غير هدى، وأن الله جل وعلا لا يرضى بهذا العمل، والرسول ﷺ نهى عن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، وهذه القبة فتنت الناس وغيرت العقائد، وحصل بها الشرك فيجب هدمها، فقال الأمير عثمان لا مانع من ذلك، فقال الشيخ إني أخشى أن يثور لها أهل الجبيلة، والجبيلة قرية هناك قريبة من القبر، فخرج عثمان ومعه جيش يبلغون ٦٠٠ مقاتل لهدم القبة، ومعهم الشيخ
стр. 24
رحمة الله عليه فلما قربوا من القبة خرج أهل الجبيلة لما سمعوا بذلك لينصروها ويحموها، فلما رأوا الأمير عثمان ومن معه كفوا ورجعوا عن ذلك، فباشر الشيخ هدمها وإزالتها فأزالها الله على يديه رحمة الله عليه.
[حال نجد قبل قيام الشيخ رحمة الله عليه وعن أسباب قيامه ودعوته]
ولنذكر نبذة عن حال نجد قبل قيام الشيخ رحمة الله عليه، وعن أسباب قيامه، ودعوته:
كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، وكان الشرك الأكبر قد نشأ في نجد وانتشر حتى عبدت القباب وعبدت الأشجار، والأحجار، وعبدت الغيران، وعبد من يدعي بالولاية، وهو من المعتوهين، وعبد من دون الله أناس يدعون بالولاية، وهم مجانين مجاذيب لا عقول عندهم، واشتهر في نجد السحرة والكهنة، وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلا من شاء الله، وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها، وقل القائم لله والناصر لدينه وهكذا في الحرمين الشريفين وفي اليمن اشتهر في ذلك الشرك
стр. 25
وبناء القباب على القبور، ودعاء الأولياء والاستغاثة بهم، وفي اليمن من ذلك الشيء الكثير، وفي بلدان نجد من ذلك ما لا يحصى، ما بين قبر وما بين غار، وبين شجرة وبين مجذوب، ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله، وكذلك مما عرف في نجد واشتهر دعاء الجن والاستغاثة بهم وذبح الذبائح لهم وجعلها في الزوايا من البيوت رجاء نجدتهم، وخوف شرهم، فلما رأى الشيخ الإمام هذا الشرك وظهوره في الناس وعدم وجود منكر لذلك وقائم بالدعوة إلى الله في ذلك شمر عن ساعد الجد وصبر على الدعوة وعرف أنه لا بد من جهاد، وصبر، وتحمل للأذى.
فجد في التعليم والتوجيه والإرشاد وهو في العيينة، وفي مكاتبة العلماء في ذلك والمذاكرة معهم رجاء أن يقوموا معه في نصرة دين الله، والمجاهدة في هذا الشرك وهذه الخرافات. فأجاب دعوته كثيرون من علماء نجد وعلماء الحرمين، وعلماء اليمن، وغيرهم وكتبوا إليه بالموافقة، وخالف
стр. 26
آخرون وعابوا ما دعا إليه وذموه ونفروا عنه وهم بين أمرين، ما بين جاهل خرافي لا يعرف دين الله ولا يعرف توحيد الله، وإنما يعرف ما هو عليه وآباؤه وأجداده من الجهل والضلال والشرك، والبدع، والخرافات، كما قال الله - جل وعلا - عن أمثال أولئك: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١) .
[طائفة ممن ينتسبون إلى العلم ردوا عليه عنادا وحسدا]
وطائفة أخرى ممن ينسبون إلى العلم ردوا عليه عنادا وحسدا لئلا يقول العامة: ما بالكم لم تنكروا علينا هذا الشيء؟! لماذا جاء ابن عبد الوهاب وصار على الحق وأنتم علماء ولم تنكروا هذا الباطل؟! فحسدوه وخجلوا من العامة، وأظهروا العناد للحق إيثارا للعاجل على الآجل، واقتداء باليهود في إيثارهم الدنيا على الآخرة نسأل الله العافية والسلامة.
أما الشيخ فقد صبر وجد في الدعوة وشجعه من شجعه من العلماء والأعيان في داخل الجزيرة، وفي خارجها، وعزم على ذلك، واستعان بربه
стр. 27
وعكف على الكتب النافعة ودرسها وعكف قبل ذلك على كتاب الله، وكانت له اليد الطولى في تفسير كتاب الله، والاستنباط منه، وعكف على سيرة الرسول ﷺ وسيرة أصحابه، وجد في ذلك وتبصر فيه حتى أدرك من ذلك ما أعانه الله به وثبته على الحق فشمر عن ساعد الجد، وصمم على الدعوة وعلى أن ينشرها بين الناس ويكاتب الأمراء والعلماء في ذلك وليكن في ذلك ما يكون، فحقق الله له الآمال الطيبة، ونشر به الدعوة، وأيد به الحق، وهيأ الله له أنصارا ومساعدين وأعوانا حتى ظهر دين الله وعلت كلمة الله، فاستمر الشيخ في الدعوة في العيينة بالتعليم والإرشاد، ثم شمر عن ساعد الجد إلى العمل وإزالة الشرك بالفعل لما رأى الدعوة لم تؤثر في بعض الناس فباشر الدعوة عمليا ليزيل بيده ما تيسر وما أمكن من آثار الشرك. فقال الشيخ للأمير عثمان بن معمر لا بد من هدم هذه القبة التي على قبر زيد وزيد بن الخطاب
стр. 28
- ﵁ هو أخو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عن الجميع، وكان من جملة الشهداء في قتال مسيلمة الكذاب في عام ١٢ من الهجرة النبوية، فكان ممن قتل هناك وبني على قبره قبة فيما يذكرون، وقد يكون قبر غيره، لكنه فيما يذكرون أنه قبره - فوافقه عثمان كما تقدم، وهدمت القبة بحمد الله وزال أثرها إلى اليوم ولله الحمد والمنة، أماتها جل وعلا لما هدمت عن نية صالحة، وقصد مستقيم ونصر للحق، وهناك قبور أخرى منها قبر يقال إنه قبر ضرار بن الأزور كانت عليه قبة هدمت أيضا، وهناك مشاهد أخرى أزالها الله وكانت هناك غيران (١) وأشجار تعبد من دون الله جل وعلا فأزيلت وقضى عليها وحذر الناس عنها.
[دعوة الشيخ قولا وعملا]
والمقصود أن الشيخ استمر رحمة الله عليه على الدعوة قولا وعملا كما تقدم، ثم إن الشيخ أتته امرأة واعترفت عنده بالزنا عدة مرات، وسأل عن عقلها فقيل إنها عاقلة ولا بأس بها، فلما صممت على
стр. 29
الاعتراف، ولم ترجع عن اعترافها، ولم تدع إكراها ولا شبهة وكانت محصنة. أمر الشيخ رحمة الله عليه بأن ترجم فرجمت بأمره حالة كونه قاضيا بالعيينة، فاشتهر أمره بعد ذلك بهدم القبة وبرجم المرأة وبالدعوة العظيمة إلى الله وهجرة المهاجرين إلى العيينة، وبلغ أمير الأحساء وتوابعها من بني خالد سليمان بن عريعر الخالدي أمر الشيخ وأنه يدعو إلى الله وأنه يهدم القباب، وأنه يقيم الحدود فعظم على هذا البدوي أمر الشيخ، لأن من عادة البادية إلا من هدى الله، الإقدام على الظلم، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وانتهاك الحرمات، فخاف إن هذا الشيخ يعظم أمره ويزيل سلطان الأمير البدوي، فكتب إلى عثمان يتوعده ويأمره أن يقتل هذا المطوع الذي عنده في العيينة.
وقال: إن المطوع الذي عندكم بلغنا عنه كذا، وكذا!! فإما أن تقتله، وإما أن نقطع عنك خراجك الذي عندنا!! وكان عنده للأمير عثمان خراج من الذهب، فعظم على
стр. 30
عثمان أمر هذا الأمير، وخاف إن عصاه أن يقطع عنه خراجه أو يحاربه، فقال للشيخ إن هذا الأمير كتب إلينا كذا وكذا وأنه لا يحسن منا أن نقتلك وإنا نخاف هذا الأمير ولا نستطيع محاربته، فإذا رأيت أن تخرج عنا فعلت، فقال له الشيخ إن الذي أدعو إليه هو دين الله وتحقيق كلمة لا إله إلا الله، وتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، فمن تمسك بهذا الدين ونصره وصدق في ذلك نصره الله وأيده وولاه على بلاد أعدائه، فإن صبرت واستقمت وقبلت هذا الخير فأبشر فسينصرك الله ويحميك من هذا البدوي وغيره، وسوف يوليك الله بلاده وعشيرته.
فقال: أيها الشيخ إنا لا نستطيع محاربته، ولا صبر لنا على مخالفته، فخرج الشيخ عند ذلك وتحول من العيينة إلى بلاد الدرعية، جاء إليها ماشيا فيما ذكروا حتى وصل إليها في آخر النهار، وقد خرج من العيينة في أول النهار ماشيا على الأقدام لم يرحله عثمان، فدخل على شخص من خيارها
стр. 31
في أعلى البلد يقال له محمد بن سويلم العريني فنزل عليه، ويقال إن هذا الرجل خاف من نزوله عليه وضاقت به الأرض بما رحبت، وخاف من أمير الدرعية محمد بن سعود فطمأنه الشيخ وقال له أبشر بخير، وهذا الذي أدعو الناس إليه دين الله، وسوف يظهره الله، فبلغ محمد بن سعود خبر الشيخ محمد، ويقال إن الذي أخبره به زوجته جاء إليها بعض الصالحين وقال لها أخبري محمدا بهذا الرجل، وشجعيه على قبول دعوته وحرضيه على مؤازرته ومساعدته وكانت امرأة صالحة طيبة، فلما دخل عليها محمد بن مسعود أمير الدرعية وملحقاتها قالت له أبشر بهذه الغنيمة العظيمة! هذه غنيمة ساقها الله إليك، رجل داعية يدعو إلى دين الله، ويدعو إلى كتاب الله، يدعو إلى سنة رسول الله ﵊ يا لها من غنيمة! بادر بقبوله وبادر بنصرته، ولا تقف في ذلك أبدا، فقبل الأمير مشورتها، ثم تردد هل يذهب إليه أو يدعوه
стр. 32
إليه؟! فأشير عليه، ويقال إن المرأة أيضا هي التي أشارت عليه مع جماعة من الصالحين وقالوا له: لا ينبغي أن تدعوه إليك، بل ينبغي أن تقصده في منزله، وأن تقصده أنت وأن تعظم العلم والداعي إلى الخير، فأجاب إلى ذلك لما كتب الله له من السعادة والخير رحمة الله عليه وأكرم الله مثواه، فذهب إلى الشيخ في بيت محمد بن سويلم، وقصده وسلم عليه وتحدث معه، وقال له يا شيخ محمد أبشر بالنصرة وأبشر بالأمن وأبشر بالمساعدة فقال له الشيخ وأنت أبشر بالنصرة أيضا والتمكين والعاقبة الحميدة، هذا دين الله من نصره نصره الله، ومن أيده أيده الله وسوف تجد آثار ذلك سريعا، فقال يا شيخ سأبايعك على دين الله ورسوله وعلى الجهاد في سبيل الله، ولكنني أخشى إذا أيدناك ونصرناك وأظهرك الله على أعداء الإسلام، أن تبتغي غير أرضنا، وأن تنتقل عنا إلى أرض أخرى فقال: لا أبايعك على هذا. . أبايعك على أن الدم بالدم والهدم
стр. 33
بالهدم لا أخرج عن بلادك أبدا، فبايعه على النصرة وعلى البقاء في البلد وأنه يبقى عند الأمير يساعده، ويجاهد معه في سبيل الله حتى يظهر دين الله، وتمت البيعة على ذلك. وتوافد الناس إلى الدرعية من كل مكان، من العيينة، وعرقة، ومنفوحة، والرياض وغير ذلك من البلدان المجاورة، ولم تزل الدرعية موضع هجرة يهاجر إليها الناس من كل مكان، وتسامع الناس بأخبار الشيخ، ودروسه في الدرعية ودعوته إلى الله وإرشاده إليه، فأتوا زرافات ووحدانا.
فأقام الشيخ بالدرعية معظما مؤيدا محبوبا منصورا ورتب الدروس في الدرعية في العقائد، وفي القرآن الكريم، وفي التفسير، وفي الفقه، وأصوله، والحديث، ومصطلحه، والعلوم العربية، والتاريخية، وغير ذلك من العلوم النافعة، وتوافد الناس عليه من كل مكان، وتعلم الناس عليه في الدرعية الشباب وغيرهم، ورتب للناس دروسا كثيرة للعامة، والخاصة، ونشر العلم في الدرعية
стр. 34
واستمر على الدعوة.
[بداية دعوة الشيخ للجهاد ومكاتبته للناس وأمراء المناطق والعلماء والأمصار]
ثم بدأ بالجهاد وكاتب الناس إلى الدخول في هذا الميدان وإزالة الشرك الذي في بلادهم، وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها. كاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، كاتب علماء الخرج وأمراءها، وعلماء بلاد الجنوب والقصيم وحائل والوشم، وسدير وغير ذلك، ولم يزل يكاتبهم ويكاتب علماءهم وأمراءهم، وهكذا علماء الأحساء وعلماء الحرمين الشريفين، وهكذا علماء الخارج في مصر، والشام، والعراق، والهند واليمن وغير ذلك، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم الحجج ويذكر الناس ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والبدع، وليس معنى هذا أنه ليس هناك أنصار للدين بل هناك أنصار والله جل وعلا قد ضمن لهذا الدين أن لا بد له من ناصر ولا تزال طائفة في هذه الأمة على الحق منصورة كما قال النبي ﵊، فهناك أنصار للحق في أقطار كثيرة.
[عودة للحديث عن بلاد نجد وما كان فيها من الشرك والفساد]
ولكن الحديت الآن عن نجد،
стр. 35
فكان فيها من الشر والفساد والشرك والخرافات ما لا يحصيه إلا الله . مع أن فيها علماء فيهم خير، ولكن لم يقدر لهم أن ينشطوا في الدعوة وأن يقوموا بها كما ينبغي، وهناك أيضا في اليمن وغير اليمن دعاة إلى الحق وأنصار قد عرفوا هذا الشرك وهذه الخرافات، ولكن لم يقدر الله لدعوتهم من النجاح ما قدر لدعوة الشيخ محمد لأسباب كثيرة، منها: عدم تيسر الناصر المساعد لهم. ومنها: عدم الصبر لكثير من الدعاة وتحمل الأذى في سبيل الله، ومنها: قلة علوم بعض الدعاة التي يستطيع بها أن يوجه الناس بالأساليب المناسبة، والعبارات اللائقة، والحكمة والموعظة الحسنة.
ومنها: أسباب أخرى غير هذه الأسباب، وبسبب هذه المكاتبات الكثيرة والرسائل والجهاد اشتهر أمر الشيخ، وظهر أمر الدعوة، واتصلت رسائله بالعلماء في داخل الجزيرة، وفي خارجها.
وتأثر بدعوته جمع غفير من الناس في الهند وفي أندونسيا، وفي
стр. 36
أفغانستان، وفي أفريقيا وفي المغرب، وهكذا في مصر، والشام، والعراق، وكان هناك دعاة كثيرون عندهم معرفة بالحق والدعوة إليه فلما بلغتهم دعوة الشيخ زاد نشاطهم، وزادت قوتهم واشتهروا بالدعوة. ولم تزل دعوة الشيخ تشتهر وتظهر بين العالم الإسلامي وغيره، ثم في هذا العصر الأخير طبعت كتبه، ورسائله، وكتب أبنائه، وأحفاده، وأنصاره، وأعوانه من علماء المسلمين في الجزيرة وخارجها. وكذلك طبعت الكتب المؤلفة في دعوته، وترجمته، وأحواله، وأحوال أنصاره، حتى اشتهرت بين الناس في غالب الأقطار والأمصار، ومن المعلوم أن لكل نعمة حاسدا وأن لكل داعي أعداء كثيرين كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] (١) .
[تقسيم خصوم الشيخ إلى ثلاثة أقسام]
فلما اشتهر الشيخ بالدعوة وكتب الكتابات الكثيرة،
стр. 37
وألف المؤلفات القيمة، ونشرها في الناس، وكاتبه العلماء، ظهر جماعة كثيرون من حساده، ومن مخالفيه، وظهر أيضا أعداء آخرون، وصار أعداؤه وخصومه قسمين: قسم عادوه باسم العلم والدين.
وقسم: عادوه باسم السياسة ولكن تستروا بالعلم، وتستروا باسم الدين، واستغلوا عداوة من عاداه من العلماء الذين أظهروا عداوته وقالوا إنه على غير الحق، وإنه كيت وكيت.
والشيخ رحمة الله عليه مستمر في الدعوة يزيل الشبه، ويوضح الدليل، ويرشد الناس إلى الحقائق على ما هي عليه من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وطورا يقولون إنه من الخوارج، وتارة يقولون: يخرق الإجماع، ويدعي الاجتهاد المطلق ولا يبالي بمن قبله من العلماء والفقهاء وتارة يرمونه بأشياء أخرى وما ذاك إلا من قلة العلم من طائفة منهم وطائفة أخرى قلدت غيرها واعتمدت على غيرها، وطائفة أخرى خافت على مراكزها فعادته سياسة وتسترت باسم الإسلام والدين واعتمدت على أقوال
стр. 38
المخرفين والمضللين.
والخصوم في الحقيقة ثلاثة أقسام: علماء مخرفون يرون الحق باطلا والباطل حقا، ويعتقدون أن البناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، ودعاءها من دون الله والاستغاثة بها وما أشبه ذلك دين وهدى، ويعتقدون أن من أنكر ذلك فقد أبغض الصالحين، وأبغض الأولياء، وهو عدو يجب جهاده.
وقسم آخر: من المنسوبين للعلم جهلوا حقيقة هذا الرجل، ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين، وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بغض الأولياء والأنبياء، ومن معاداتهم، وإنكار كراماتهم، فذموا الشيخ، وعابوا دعوته ونفروا عنه.
وقسم آخر: خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتزيلهم عن مراكزهم، وتستولي على بلادهم، واستمرت
стр. 39
الحرب الكلامية، والمجادلات والمساجلات بين الشيخ وخصومه، يكاتبهم ويكاتبونه، ويجادلهم ويرد عليهم، ويردون عليه، وهكذا جرى بين أبنائه وأحفاده وأنصاره وبين خصوم الدعوة، حتى اجتمع من ذلك رسائل كثيرة، وردود جمة، وقد جمعت هذه الرسائل والفتاوى والردود فبلغت مجلدات، وقد طبع أكثرها والحمد لله، واستمر الشيخ في الدعوة والجهاد وساعده الأمير محمد بن سعود أمير الدرعية، وجد الأسرة السعودية على ذلك، ورفعت راية الجهاد وبدأ الجهاد من عام ١١٥٨ هـ. بدأ الجهاد بالسيف، وبالكلام والبيان، والحجة، والبرهان، ثم استمرت الدعوة مع الجهاد بالسيف، ومعلوم أن الداعي إلى الله إذا لم يكن لديه قوة تنصر الحق وتنفذه فسرعان ما تخبو دعوته وتنطفي شهرته، ثم يقل أنصاره. ومعلوم ما للسلاح والقوة من الأثر العظيم في نشر الدعوة، وقمع المعارضين ونصر الحق، وقمع الباطل، ولقد صدق
стр. 40
الله العظيم في قوله وهو الصادق سبحانه في كل ما يقول: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (١) .
فبين أنه أرسل الرسل بالبينات، وهي الحجج والبراهين الساطعة التي يوضح الله بها الحق، ويدفع بها الباطل، وأنزل مع الرسل الكتاب الذي فيه البيان، والهدى والإيضاح، وأنزل معهم الميزان، وهو العدل الذي ينصف به المظلوم من الظالم، ويقام به الحق وينشر به الهدى ويعامل الناس على ضوئه بالحق والقسط، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، فيه قوة وردع وزجر لمن خالف الحق، فالحديد لمن لم تنفع فيه الحجة وتؤثر فيه البينة، فهو الملزم بالحق، وهو القامع للباطل، ولقد أحسن من قال في مثل هذا: