وقد بين ﷺ أن «من سئِل عن علمٍ يَعْلمُه فَكتَمَهُ أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من نار» (١).
فتبين بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به، ولهذا قال سفيان (٢) في العمل بالعلم والحرص عليه: " أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله " (٣).
وقال ﵀: " يُرادُ للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والِإنصات، والنشر " (٤).
وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: تعلموا، تعلموا فإذا علمتم فاعملوا (٥).
وقال ﵁: إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه (٦).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: " يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقواماً يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضا، حتى أن الرجل ليغضب
стр. 37
على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله " (١).
وقال أبو الدرداء ﵁: لا تكون تقيا حتى تكون عالماً، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا (٢).
ولهذا قال الشاعر:
إذا العلم لم تعمل به كان حجةً ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنما ... يصدق قولَ المرء ما هو فاعله (٣)
وبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل، وقد كان علم السلف الصالح - وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ مقرونًا بالعمل، ولهذا كانت أقوالهم، وأفعالهم، وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة، ولهذا قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسُلِّطَ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٤).
وقد دعا النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ بالحكمة، والفقه في الدين، فقال ﷺ : «اللهم علمه الحكمة»، وفي لفظ: «اللهم علمه الكتاب» وفي لفظ: «اللهم فقهه في الدين» (٥).
стр. 38
فكان ﵄ حبرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بهما استجابة لدعوة النبي ﷺ .
أسباب وطرق تحصيل العلم:
والعلم النافع له أسباب ينال بها، وطرق تُسلك في تحصيله وحفظه، من أهمها:
١ - أن يسأل العبد ربه العلم النافع، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه، وقد أمر الله نبيه محمدًا ﷺ بسؤاله أن يزيده علمًا إلى علمه (١) فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٢) وقد كان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا» (٣).
٢ - ومنها: الاجتهاد في طلب العلم، والشوق إليه، والرغبة الصادقة فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة (٤).
وقد جاء رجل إلى أبي هريرة ﵁ فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال أبو هريرة ﵁: " كفى بتركك له تضييعا " (٥).
ولهذا قال بعض الحكماء عندما سُئلَ: ما السبب الذي ينال به العلمِ؟ قال: بالحرص عليه يتبع، وبالحب له يستمع، وبالفراغ له يجتمع، [عَلم
стр. 39
علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت] (١).
ولهذا قال الِإمام الشافعي ﵀:
أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان
ذكاءٌ , وحرصٌ , واجتهاد , وبلغة ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمان (٢)
٣ - ومنها: اجتناب جميع المعاصي بتقوى الله - تعالى -؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] (٤).
وهذا واضح بين أن من اتقى الله جعل له علمًا يُفَرِّقُ به بين الحق والباطل (٥) ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: " إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله " (٦).
وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: " خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطةً (٧) كانت فيه وصمةً (٨) أن يكون: فهمًا، حليمًا، عفيفًا، صليبًا (٩) عالما سئولًا عن العلم " (١٠).
стр. 40
وقال الِإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
شكوت إلى وكيع (١) سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن علم الله نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي (٢)
وقال الإمام مالك للإمام الشافعي - رحمهما الله تعالى -: " إني أرى الله قد جعل في قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية " (٣).
٤ - ومنها: عدم الكبر والحياء عن طلب العلم، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٤).
وقالت أم سُليم ﵂: «يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحْيى من الحق، فهل على المرأة من غُسلٍ إذا احتلمت؛ قال النبي ﷺ : " إذا رأت الماء» (٥).
وقال مجاهد: " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر " (٦).
٥ - ومنها، بل أعظمها ولُبُّها: الإخلاص في طلب العلم، قال ﷺ : «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرَفْ الجنة يوم القيامة» (٧) يعني ريحها.
стр. 41
٦ - العمل بالعلم (١).
ومما تقدم يتضح أن العلم لا يكون ركنًا من أركان الحكمة ودعائمها إلا بالعمل، والإخلاص، والمتابعة.
стр. 42
المطلب الثاني الحلم
الحِلمُ: بالكسر: العقل (١) وحلم حلمًا: تأنَّى وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة، وقوة، وصفح، وعقل (٢) ومن أسماء الله - تعالى -: (الحليم) وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منته إليه (٣).
والحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب (٤).
والحلم: هو حالة متوسطة بين رذيلتين: الغضب، والبلادة. فإذا استجاب المرء لغضبه بلا تعقل ولا تبصر كان على رذيلة، وإن تبلد، وضيع حقه ورضي بالهضم والظلم كان على رذيلة، وإن تحلى بالحلم مع القدرة، وكان حلمه مع من يستحقه كان على فضيلة.
وهناك ارتباط بين الحلم وكظم الغيظ، وهو أن ابتداء التخلق بفضيلة الحلم يكون بالتحلم: وهو كظم الغيظ، وهذا يحتاج إلى مجاهدة شديدة، لما في كظم الغيظ من كتمان ومقاومة واحتمال، فإذا أصبح ذلك هيئة راسخة في النفس، وأصبح طبعاً من طبائعها كان ذلك هو الحلم، والله أعلم (٥).
وقد وصف الله نفسه بصفة الحلم في عدة مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] (٦).
ونلاحظ أن الآيات التي وصفت الله بصفة الحلم قد قرنت صفة الحلم
стр. 43
- في أغلب هذه الآيات - بصفة المغفرة أو العفو، ويأتي هذا الاقتران في الغالب بعد إشارة سابقة إلى خطأ واقع، أو تفريط في أمر محمود، وهذا أمر يتفق مع الحلم؛ لأنه تأخير عقوبة، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥] (١).
ونجد أيضًا أن عددًا من الآيات التي وصفت الله بالحلم قد قرن فيها ذكر الحلم بالعلم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] (٢) وهذا يفيد - والله أعلم بمراده - أن كمال الحلم يكون مع كمال العلم، وهذا من أعظم أركان الحكمة (٣).
[الحلم من أعظم أركان الحكمة]
ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة - التي ينبغي للداعية أن يدعو بها إلى الله - تعالى - مدح النبي ﷺ للحلم، وتعظيمه لأمره، وأنه من الخصال التي يحبها الله ، قال ﷺ للأشج: (٤) «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٥).
وفي رواية «قال الأشج: يا رسول الله، أنا تخلقت بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: " بل الله جبلك عليهما "، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله» (٦).
وسبب قول النبي ﷺ ذلك للأشج ما جاء في حديث الوفد أنهم لما
стр. 44
وصلوا المدينة بادروا إلى النبي ﷺ . وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها، وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي ﷺ فقربه النبي ﷺ وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي ﷺ : «تبايعونِ على أنفسكم وقومكم؟ " فقال القوم: نعم، فقال الأشج: يا رسول الله، إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، قال: " صدقت، إن فيك خصلتين. . .». الحديث.
فالأناة: تربصه حتى نظر في مصالحه، ولم يعجل، والحلم؛ هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب (١).
[الحلم خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة]
ومما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها العظام أنه خلق عظيم من أخلاق النبوة والرسالة، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم عظماء البشر، وقدوة أتباعهم من الدعاة إلى الله والصالحين في الأخلاق المحمودة كافة.
وقد واجه كل واحد منهم من قومه ما يثير الغضب، ويغضب منه عظماء الرجال، ولكن حلموا عليهم، ورفقوا بهم، ولانوا لهم حتى جاءهم نصر الله المؤزر، وعلى رأسهم إمامهم، وسيدهم، وخاتمهم محمد ﷺ ولم يكن غريباً أن يوجهه الله تعالى إلى قمة هذه السيادة حين يقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠] (٢). ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٣)
стр. 45
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١).
[صورة حسية من حلم النبي ﷺ ]
وقد بلغ ﷺ في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي ﷺ . فأتيته فأخبرته، فقال: " فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ ! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢).
وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٣).
٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال «بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة (٤) في أديم مقروظ (٥) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن
стр. 46
بدر (١) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٢) والرابع إما علقمة (٣) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء؟ " قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: " ويلك، أو لست أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: " لا، لعله أن يكون يصلي " فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ : " إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم ". قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍ، فقال: " إنه يخرج من ضئضىء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٤).
وهذا من مظاهر حلم النبي ﷺ ، فقد أخذ بالظاهر ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولا سيما من صلى (٥). .
стр. 47
٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء» (١). .
وهذا من روائع حلمه ﷺ وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسى به الدعاة إلى الله، والولاة بعده في حلمه، وخلقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن (٢). .
٤ - «وعن جابر بن عبد الله ﵄ أنه غزا مع رسول اللهّ ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول اللهّ ﷺ تحت شجرة، وعلق بها سيفه، ونمنا نومةً، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: " إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله (ثلاثاً) ولم يعاقبه، وجلس» (٣). .
وفي هذا دلالة واضحة على قوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال، وشدة رغبته في استئلاف الكفار؛ ليدخلوا في الإسلام، ولهذا ذُكِرَ أن هذا الأعرابي رجع إلى قومه وأسلم، واهتدى به خلق كثير (٤). .
стр. 48
وهذا مما يؤكد أن الحلم من أعظم أركان الحكمة ودعائمها.
٥ - ومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ويدمرهم، ولكنه ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم، ولهذا «قال عبد الله بن مسعود ﵁: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (١). .
ومما يدل على أن الحلم ركن من أركان الحكمة ملازمة صفة الحلم للأنبياء قبل النبي ﷺ في دعوتهم إلى الله تعالى.
فهذا إبراهيم أبو الأنبياء، عليه وعليهم الصلاة والسلام، قد بلغ من الحلم مبلغًا عظيمًا حتى وصفه الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (٢). فقد كان إبراهيم كثير الدعاء، حليمًا عمن ظلمه، وأناله مكروهًا، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا - قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا - وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٨] (٣). .
стр. 49
فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له، واستغفر (١). ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] (٢). .
وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين، كانوا من أعظم الناس حلمًا مع أقوامهم في دعوتهم إلى الله - تعالى - (٣). .
ومن وراء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى الله والصالحون من أتباعهم، وإذا كان الله قد جعل محمدًا ﷺ مثلاً عاليًا في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول - تعالى - عن الأخيار من هؤلاء. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] (٤). .
فمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله ﷺ لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا (٥). .
فعن النعمان بن مقرن المزني، قال: «قال رسول الله ﷺ وسبّ رجل رجلًا عنده، فجعل المسبُوبُ يقول: عليك السلام، فقال رسول الله ﷺ : " أما إن ملكاً بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قال له: عليك السلام، قال. بل لك، أنت أحق به» (٦). .
فهؤلاء الدعاة إلى الله والصالحون إذا خاطبهم الجاهلون قالوا صوابًا
стр. 50
وسدادًا، ويردون المعروف من القول على من جهل عليهم (١)؛ لأن من أخلاقهم العفو والصفح عمن أساء إليهم، فقد تخلقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعةً، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه.
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] (٢) فترتب على هذا الحلم، والعفو، والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير (٣) كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٤).
ومما يبين حلم أصحاب النبي ﷺ من بعده وإن كانوا خلفاء وأمراء، ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن ابن حذيفة فنزل على أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم به، فقال له الحر. يا أمير المؤمنين، إن الله - تعالى - قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٥) وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزَها عمر حين تلاها عَليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله (٦).
стр. 51
وهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب.
أول هذه الأمور، قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين.
والثاني: قوله: والله ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير.
والثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.
ومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح عندما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية، ولم يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، ﵁ وأرضاه (١) وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول الله ﷺ فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه وخلقه.
وهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وقوة، ولهذا قال ﷺ : «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (٢).
ولا شك أن الغضب يهدم الحلم وينافيه، وصاحب الغضب لا يكون حليمًا، ولهذا قال ﷺ لمن قال أوصني: «لا تغضب» (٣).
والداعية إلى الله يستطيع أن يتصف بالحلم، ليكون حكيمًا، وذلك بعلاج الغضب إذا حل به ونزل، ولا يكون العلاج النافع إلا بما شرعه الله. وبينه رسوله ﷺ ، فقد عمل على تربية المسلمين تربية قولية وفعلية عملية حتى يكونوا حلماء، حكماء.
стр. 52
[علاج الغضب بالأسباب المشروعة]
علاج الغضب: وعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقين:
الطريق الأول: الوقاية: ومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه، واستئصالها قبل وقوعها، ومن هذه الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يطهر نفسه منها: الكبر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتيه، والحرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل وما شابه ذلك (١).
الطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب: وينحصر في أربعة أنواع كالتالي:
النوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢). وعن سليمان ابن صُردٍ ﵁ قال: «استَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس وأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلمُ كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٣).
ولما كان الشيطان على نوعين: نوع يُرى عيانًا، وهو شيطان الإنس، ونوع لا يُرى، وهو شيطان الجن، جعل الله سبحانه المخرج من شر شيطان الإنس بالإعراض عنه، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر
стр. 53
شيطان الجن بالاستعاذة بالله منه (١) وما أحسن ما قاله القائل:
فما هو إلا الاستعاذة ضارعًا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب
فهذا دواء الداء من شر ما يُرى ... وذاك دواءُ الداء من شر محجوب (٢)
النوع الثاني: الوضوء، عن عطية السعدي ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : " إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» (٣).
النوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الخروج، أو غير ذلك، عن أبي ذر ﵁ قال: إن رسول اللهّ ﷺ قال لنا: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع» (٤).
النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، عن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور ما شاء» (٥).
стр. 54
وهذه الأنواع أدلة ثبوتها واضحة من الكتاب والسنة.
[الأسباب التي تدعو إلى الحلم]
وإذا أراد الداعية أن يزداد حلمه، وتعظم حكمته، فليحرص على الأسباب التي تدعو إلى الحلم، فليعمل بها، وهي عشرة:
١ - الرحمة بالجهال، فإنها من أوكد أسباب الحلم.
٢ - القدرة على الانتصار؛ وذلك من سعة الصدر، وحسن الثقة.
٣ - الترفع عن السباب، وذلك من شرف النفس وعلو الهمة.
٤ - الاستهانة بالمسيء:
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
٥ - الاستحياء من جزاء الجواب، وهذا من صيانة النفس وكمال المروءة.
٦ - التفضل على السّاب، وهذا من الكرم وحب التألف.
٧ - قطع السباب، وهذا من الحزم كما قال الشاعر:
وفي الحلم ردع للسفيه عن الأذى ... وفي الخرق إغراء فلا تك أخرقا
٨ - الخوف من العقوبة على الجواب، وهذا مما يقتضيه الحزم، فقد قيل: الحلم حجاب الآفات.
٩ - الرعاية ليد سالفة، وحرمة لازمة، وهذا من الوفاء وحسن العهد، قال الشاعر:
إن الوفاء على الكريم فريضة ... واللؤم مقرون بذي الإخلاف
١٠ - المكر وتوقع الفرص الخفية، وهذا من الدهاء، وقد قيل: من ظهر غضبه قل كيده.
وقال بعض الشعراء.
ولَلْكفُ عن شتم اللئيم تكرما ... أضر له من شتمه حين يشتم (١)
стр. 55
فإذا راعى الداعية الوقاية من الغضب، والعلاج، وهذه الأسباب العشرة كان حليمًا بإذن الله - تعالى - وبهذا يحقق ركنًا من أركان الحكمة التي من أوتيها فقد أُوتي خيرًا كثيرًا.
[الغضب لإعلاء كلمة الله]
وينبغي أن يعلم أن الغضب لله يكون محمودًا، ولا يدخل في الغضب المذموم، فالغضب المحمود يكون من أجل الله عندما ترتكب حرمات الله، أو تترك أوامره ويستهان بها، وهذا من علامات قوة الإيمان، ولكن بشرط أن لا يخرج هذا الغضب عن حدود الحلم والحكمة، وقد كان رسول الله ﷺ يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وكان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، ولم يضرب بيده خادمًا، ولا امرأة، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وقد خدمه أنس بن مالك ﵁ عشر سنوات، فما قال له: أُفٍّ، قَطُّ، ولا قال له لشيء فعله. لم فعلت كذا، ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا؟ (١).
وهذا لا ينافي الحلم والحكمة، بل الغضب لله في حدود الحكمة من صميم الحلم والحكمة.
стр. 56
[تعريفها]
المطلب الثالث الأناة
الأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تَأنى في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة (١).
ويقال: تأنى في الأمر: ترفَّق، وتنظّر، وتمهل، واستأنى به: انتظر به وأمهله (٢).
وتأتي الأناة بمعنى التبيّن والتثبت في الأمور، يقال: تَبين في الأمر والرأي: تثبت، وتأنى فيه ولم يعجل (٣).
ويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خيرٍ أو شرٍ (٤).
وعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ (٥).
والأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلان على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همته للقيام بالأعمال التي تحقق له ما يرجو، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، إيثارًا للراحة، وكسلاً عن القيام بالواجب.
стр. 57
[أهمية الأناة في الدعوة إلى الله بالحكمة]
والأناة عند الداعية إلى الله - تعالى - تسمح له بأن يُحكم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهي ركن من أركان الحكمة، بخلاف العجلة فإنها تعرضه لكثير من الأخطاء، والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها (١).
والداعية مطلوب منه أن يتخلق بخلق الأناة، ولكن ما يتطلب من الأمور عملاً سريعًا فالحكمة السرعة إذن، وهي لا تخرج عن الأناة، فالقضية نسبية، وما يتطلب من الأمور عملاً بطيئًا فالحكمة البطء إذن، وهو لا يخرج عن الأناة؛ لأن الأمر نسبي، وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة؛ ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة، فالأشياء مربوطة بأوقاتها، والعجلة فيها مع معرفة أوقاتها المطلوبة خلقٌ مذموم يدل على ضعف خلق الصبر، ونقص الحكمة، والتباطؤ فيها خلق مذموم يدل على ضعف الهمة والإخلاد إلى الراحة والكسل، أما الأناة فليست تعجلًا ومسابقة لأوقات الأشياء، ولا تباطؤا وكسلاً، وكل من العجلة والتباطؤ يضيعان على أصحابهما الجهد والزمن، وما بذلوه، والأناة هي الكفيلة - بإذن الله تعالى - بتحقيق المطلوب، وتفادي الخسارة.
وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم في القيام بالأعمال وتصريف الأمور (٢).
стр. 58
قال الله - تعالى - للنبي ﷺ تربية له وتعليماً: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] (١).
فأمر سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملَك في قراءته، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٣).
وأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى الله - تعالى - بالتأني في الأمور والتثبت فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (٤) قرأ الجمهور: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] من التَبين، وهو التَأمل، وقرأ حمزة والكسائي: (فتَثبّتُوا)، والمراد من التبين التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهرْ (٥).
والدعاة إلى الله أولى بامتثال أمر الله - تعالى - بالتأني والتثبت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أو لها، وعليهم أن يتدبروا الأمور على مهلٍ، غير متعجلين؛ لتظهر لهم جلية واضحة، لا غموض فيها ولا التباس (٦).
стр. 59
[ذم الإسلام للعجلة ومدح الأناة]
والداعية إلى الله - تعالى - إذا أبصر العاقبة أمِنَ الندامة، ولا يكون ذلك إلا إذا تدبر جميع الأمور التي تعرض له، ويواجهها، فإذا كانت رشدًا، وحقًّا، وصوابًا فليمض، وإذا كانت غيًّا، وضلالًا، وظنًّا خاطئًا، فليقف وينته حتى يتضح له الحق.
والمشاهَد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤديان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبرًا، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوباً، أو محرفًا، أو مزورًا، أو مبالغًا فيه، أو مرادًا به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته.
وقد يصاب الداعية أو غيره من المسلمين بأذى دون أن يعرف مصدره، فيستعجل ويسارع فيتهم هذا، أو يسب ذاك، فيندم ويحصد ثمرة عجلته وعدم تثبته، ولو أنه تأنى، وتبين، وتثبت؛ لأدرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يصدر التصرف على أساس البينة والبرهان، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعدائه عدوًا جديدًا منهم.
ويدخل في العجلة وعدم التثبت تعجل الإنسان في المدح أو الذم، دون دراية أو دون موجب لذلك، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه، وبنى عليه فتواه، وبعد ذلك يحصد الغم والأسف (١) ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] (٢).
стр. 60
ولعظم أمر الأناة والتبين أمر الله بهما حتى في جهاد الكفار في سبيل الله الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] (١).
ومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة.
فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.
وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين عامةً بحاجة إلى التثبت فيها والتبين، فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يُعْرَف دين العبد وعقله ورزانته (٢).
ومما يزيد الآية السابقة وضوحًا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قال: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤] تلك الغُنَيمة، وقرأ ابن عباس: السلام (٣).
«وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل
стр. 61
من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: كف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ قال: فقال لي: " يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله، قال: فما زال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم» (١).
وفي رواية قال: «قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا "، فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (٢).
وفي رواية: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: " وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ". قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: " كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» (٣).
[النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبّتًا]
ولهذا كان النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبّتًا، فكان لا يقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام «فعن أنس بن مالك ﵁ " أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم». " (٤).
стр. 62
وكان ﷺ يعلم ويربي أصحابه على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:
(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.
(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.
(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم (١).
ومن تربيته لأصحابه ﷺ على الأناة وعدم العجلة قوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢).
وقوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (٣).
ولسُمُوِّ الأناة أحبها الله ، قال ﷺ للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤).
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناةً وحلمًا، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظّا محمد ﷺ .
ومن أمثلة ذلك قصة سليمان مع الهدهد وتثبته وعدم عجلته، قال سبحانه عن ذلك: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ - لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢٠ - ٢١] (٥).
стр. 63
فهذا الهدهد من جنود سليمان ﷺ كان غائباً بغير إذن سليمان، وحينئذ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم والجد في تنظيم الجنود حتى لا تكون فوضى، فإن سليمان إذا لم يأخذ بذلك في تنظيم الجنود ومراقبتهم كان المتأخر منهم قدوة سيئة لبقية الجنود، ولهذا نجد سليمان النبي الملك الحازم يتهدد الجندي الغائب المخالف، ولكن سليمان ليس ملكًا جبارا في الأرض، ولا متسرعًا عجولًا، وهو لم يسمع بعد حجة الهدهد الغائب، فلا ينبغي أن يترك الأناة والتثبت ويقضي في شأنه قضاءً نهائيًا قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل المتثبت ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] أي: حجة قوية واضحة توضح عذره وتنفي المؤاخذة عنه (١).
فالأناة صفة جميلة، وتكون أجمل إذا جاءت من القادر على العقاب، ولهذا قال الشاعر ابن هانئ المغربي:
وكل أناة في المواطن سؤدد ... ولا كأناة من قديرٍ محكم
ومن يتبين أن للصفح موضعًا ... من السيف يصفح عن كثير ويحلم
وما الرأي إلا بعد طول تثبت ... ولا الحزم إلا بعد طول تلوم
وقال الشاعر يمدح عاقلًا حكيمًا:
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه في كل أمر عواقبه (٢)
والداعية إلى الله إذا تثبت، وتأمل في جميع أموره اكتسب ركنا من أركان الحكمة، وينبغي ألا يقتصر في منهجه المتكامل على التأني
стр. 64
والتثبت في الأفعال والأقوال فحسب، بل عليه أن يجري ذلك على القلب قي خواطره، وتصوراته، وفي مشاعره وأحكامه ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١).
فلا يقول اللسان كلمة، ولا يروي حادثة، ولا يحكم العقل حكمًا، ولا يبرم الداعية أمرًا إلا وقد تثبت من كل جزئية، ومن كل ملابسة، ومن كل نتيجة، حتى لا يبقى هنالك شك ولا شبهة في صحتها، وحينئذ يصل الداعية المسلم المتمسك بهذه الضوابط إلى أعلى درجات الأناة والحكمة والسداد - بإذن الله تعالى - (٢).
أما العجلة فهي مذمومة، قال سبحانه عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] (٣) استخفهم وحملهم على الضلالة والجهل، واستخف عقولهم، يقال: استخفه عن رأيه: إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب (٤).
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠] (٥) ولا شك أن الإنسان قد خلق من عجل ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٦)؛ ولكنه - بحمد الله - إذا امتثل أمر الله وترك نهيه حسنت أخلاقه وطَبائعه.
[أسباب العجلة وعلاجها]
والعجلة لها أسباب ينبغي اجتنابها، منها: عدم النظر في العواقب، وسنن الله في الكون، ومنها الشيطان عدو الإنسان، فإن أساس العجلة من
стр. 65
الشيطان؛ لأنه الحامل عليها بوسوسته، فيمنع من التثبت والنظر في العواقب، فيقع المستعجل في المعاطب والفشل (١) ولذلك قيل:
يا صاحبي تلوما لا تعجلا ... إن النجاح رهين أن لا تعجلا
وقال عمرو بن العاص ﵁: لا يزال الرجل يجني من ثمرة العجلة الندامة (٢).
وينبغي أن يُعْلَم أن العجلة المذمومة ما كان في غير طاعة، ومع عدم التثبت وعدم خوف الفوت، ولهذا قيل لبعض السلف. لا تعجل، فالعجلة من الشيطان، فقال: لو كان كذلك لما قال موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] (٣).
وقد قال بعض السلف: لا تعجل عجلة الأخرق وتحجم إحجام الواني.
والخلاصة: أنه يستثنى من العجلة ما لا شبهة في خيريته، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] (٤).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ : " التُؤَدَةُ (٥) في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة " (٦).
стр. 66
وعن عبد الله بن سرجس المزني، أن النبي ﷺ قال: «السَّمْتُ (١) الحسن، والتؤَدَةُ، والاقتصاد (٢) جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة» (٣).
وبهذا يعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخير إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون المسارعة مما يحبه الله تعالى (٤).
وعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» (٥).
стр. 67
المبحث الرابع
طرق اكتساب الحكمة
تمهيد: أهمية اكتساب الحكمة.
المطلب الأول: السلوك الحكيم.
المطلب الثاني: العمل بالعلم المقرون بالصدق والإخلاص.
المطلب الثالث: الاستقامة.
المطلب الرابع: الخبرات والتجارب.
المطلب الخامس: السياسة الحكيمة.
المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى.
стр. 68
تمهيد
الحكمة هبة وفضل من الله يهبها لمن يشاء من عباده وأوليائه، والحكمة ليست كسبية تحصل بمجرد كسب العبد دون تعليم الأنبياء له طرق تحصيلها، فالعبد لا يكون حكيمًا إلا إذا سلك طرق تحصيل الحكمة، ولا يمكن أن يحصل على الحكمة إلا إذا كانت طرقها مستقاة من الكتاب والسنة، وإذا وفق الداعية المسلم لطرق الحكمة فلا يخرجها ذلك عن كونها هبة من الله تعالِى، لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (١) بل الله الذي وفقه وسدده، وأعطاه خيرًا كثيرًا، جليلًا قدره، عظيماً نفعه، ولهذا استنبط بعض المحققين من قوله: ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] أن إيتاء الحكمة خير من الدنيا وما فيها كلها؛ لأن الله وصف الدنيا في قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] (٢) فدل ذلك على أن ما يؤتيه الله من حكمته خير من الدنيا وما عليها؛ لأن من أوتيها خرج من ظلمة الجهل إلى نور الهدى، وحمق الانحراف في الأقوال والأفعال إلى إصابة الصواب فيها، وحصول السداد والاعتدال، والبصيرة المستنيرة، وإتقان الأمور وإحكامها، وتنزيلها منازلها، وهذا كله من أفضل العطايا وأجل الهبات (٣).
والحكمة لها طرق تكتسب بها بتوفيق الله تعالى، ومن أهم هذه الطرق التي إذا سلكها المسلم صار حكيمًا بإذن الله تعالى ما يأتي:
стр. 69
العلم النافع، والحلم، والأناة، والرفق واللين، والإخلاص والتقوى، والصبر والمصابرة، والسلوك الحكيم، والعمل بالعلم، والاستقامة، والخبرات والتجارب، وجهاد النفس والشيطان، وعلو الهمة، والعدل، والدعاء، والاستخارة والاستشارة (١) وفقه وإتقان أركان الدعوة إلى الله تعالى.
وسأذكر في هذا المبحث بالتفصيل بعض هذه الطرق التي إذا سلكها الداعية المسلم - مع ما تقدم من الطرق - كان حكيمًا في أقواله وأفعاله، وتصرفاته، وأفكاره، موافقًا للصواب في جميع أموره بإذن الله تعالى، وذلك في المطالب الآتية:
المطلب الأول: السلوك الحكيم.
المطلب الثاني: العمل بالعلم والإخلاص.
المطلب الثالث: الاستقامة.
المطلب الرابع: الخبرات والتجارب.
المطلب الخامس: السياسة الحكيمة.
المطلب السادس: فقه أركان الدعوة إلى الله تعالى.
стр. 70
المطلب الأول السلوك الحكيم
السلوك: مصدر سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكا وسلوكًا (١) وسلكه غيره.
والسلوك: سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن السلوك أو سيئ السلوك (٢).
أما الخلق فهو: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجة إلى فكر وروية، وجمعه: أخلاق.
والأخلاق علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣) وهذه الحال تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يكون طبيعيّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.
القسم الثاني: ما يكون مستفادًا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه حتى يصير ملكة وخلقًا (٤).
والسلوك عمل إرادي، كقول الصدق، والكذب، والبخل، والكرم، ونحو ذلك.
فاتضح أن الخلق حالة راسخة في النفس وليس شيئًا خارجًا مظهريا، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه
стр. 71
الصفة النفسية، وهذا المظهر هو السلوك، فالسلوك هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخص ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسنا دل على خلق حسن، وإن كان سيئا دل على خلق قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الطيب يعرف بالأعمال الطيبة (١).
والحكمة تتفرع إلى فروع، وأحد هذه الفروع هو السلوك الحكيم، والتزام فضائل الأخلاق، واجتناب رذائلها ظاهرًا وباطنًا هو السلوك الأخلاقي الحكيم (٢).
والداعية إذا التزم السلوك الأخلاقي الحكيم كان ذلك من أعظم طرق اكتساب الحكمة، ومن أسباب توفيق الله له في دعوته، وفي أموره كلها، واستقامته، وحسن سيرته، وأدعى لقبول دعوته، وإصلاح الأخلاق، ومحاربة المنكرات، إذ لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي، سواء كان ذلك قبل قيامه بالدعوة أو بعده، وكثيرًا ما سمعنا أن أناسًا قاموا بدعوة الإصلاح، وخاصة إصلاح الأخلاق، وكان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم، وعن دعوتهم ما يذكرونه لهم من ماض ملوّث، وخلق غير مستقيم، بل إن هذا الماضي السيئ مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة، بحيث يتهمون بالتستر وراء دعوة الإصلاح؛ لأغراض خاصة، أو يتهمون بأنهم ما بدءوا بالدعوة إلى الإصلاح إلا بعد أن قضوا بعض أوقات أو مراحل أعمارهم، وأخذوا نصيبهم من ملذات الحياة وشهواتها، وأصبحوا في وضع أو عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا يبلغون فيه من عرض أو مال، أو شهرة، أو جاه.
стр. 72
أما الداعية المستقيم في شبابه وحياته كلها، فإنه يظل أبدًا بفضل الله رافع الرأس، ناصع الجبين، ولا يجد أعداء الدعوة سبيلا إلى غمزه بماض قريب أو بعيد، ولا يتخذون من هذا الماضي المنحرف وسيلة إلى التشهير به، أو دعوة الناس إلى الاستخفاف به وبشأنه.
ولا شك أن الله يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلاص، ويمحو بحسناته الحاضرة سيئاته المنصرمة. والداعية إذا استقامت سيرته، وحسنت سمعته الطيبة الحميدة، وسلوكه الحكيم (١) نجح في دعوته بإذن الله تعالى.
وإذا سلك الداعية المسالك الحكيمة في سلوكه فقد سلك أعظم الطرق في اكتساب الحكمة، ومن هذه المسالك على سبيل المثال: ما يأتي:
المسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه .
المسلك الثاني: أصول السلوك الحكيم.
المسلك الثالث: وصايا الحكماء باكتساب الحكمة.
المسلك الأول: قدوة الداعية في سلوكه:
ينبغي للداعية أن يتخذ في سلوكه وأعماله كلها قدوة حكيمًا، وإمامًا نبيلاً، وهو محمد بن عبد الله ﷺ فقد كان حسن السيرة والسلوك، بل كان أعظم خلق الله في حسن خلقه الذي دل عليه سلوكه الحكيم، ولا غرابة فقد مدحه ربه وأثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٢) وعرف قومه ذلك منه، ولكن صد بعضهم عن تصديقه الَكبر والجحود ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (٣) ولهذا عندما قال
стр. 73
صلى الله عليه وسلم لقومه: «أرأيتَكم لو أخبرتُكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ "، قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» (١).
وفي حديث أبي سفيان مع هرقل حينما سأله عن أحوال النبي ﷺ وسلوكه، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: قلت: لا. . . ثم قال: ماذا يأمركم به؟ قال أبو سفيان: قلت: يقول: " اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. . " ثم قال هرقل لأبي سفيان في نهاية الحديث: فإن كان ما تقول حقاً، فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه " (٢).
فهذا الرسول الكريم هو قدوة الداعية، وإمامه الذي يسير على هديه، ويلتزم أخلاقه، وسلوكه، فقد كان ﷺ حسن السيرة والسلوك الحكيم في حياته كلها، ولم يتهم بشيء مما كان يعمله قومه، فقد نشأ ﷺ في مجتمع كثرت فيه المفاسد، وعمت فيه الرذائل: فالبغاء، والاستبضاع، والزنا الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض والأموال والدماء، كل ذلك كان شائعًا في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، هذا بالإضافة إلى وَأْدِ البنات، وقتل الأولاد خشية الفقر أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعد في الجاهلية من المفاخر والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كله
стр. 74
يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضا بها، وهذا ما يدعو إلى انتشارها إلى جانب الأفكار الأخرى.
والنبي ﷺ لم يعمل أي عمل أو يباشر أي خلق من هذه الأخلاق الرذيلة، بل قد اتصف بجميع مكارم الأخلاق بين قومه، فكان صادقًا لا يعرف الكذب، أمينًا لا يعرف الخيانة، وفيًّا لا يعرف الغدر، حتى كان معروفًا في مجتمعه بهذه الصفات، مميزًا بها عن غيره، ولا يجهل ذلك أحد ممن عرفه، ولا يساويه في ذلك أحد من خلق الله، ولا ينكر ذلك أحد، سواء كان عدوًّا أو غيره، ولا يمكن أن يتهمه خصم، فقد بعث ﷺ وناصبَهُ قومه العداء، ولكن لم يستطع واحد منهم أن يتهمه بصفة غير لائقة أو خلق يعيبه به، ولو عرفوا شيئًا من ذلك - وقد عاش بينهم أربعين عامًا - لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها عندما يحل الموسم، ويلتقي بالناس في الحج حتى يبعدوه عنهم فعجزوا عن ذلك، ووجدوا أن كلمة " ساحر " هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والرجل وزوجته، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، ولم يستطيعوا أن يأتوا بأي خلق رذيل فينسبوه إليه ﷺ ، وعندما سألهم ﷺ عن صدقه قالوا: " ما جربنا عليك كذبًا " (١) ولهذا لُقِّبَ بين قومه بـ " محمد الأمين " (٢).
فالصدق والأمانة من أولى الأخلاق وأحكم السلوك التي يجب على
стр. 75
الدعاة إلى الله الاتصاف والتخلق بها، والصدق يكون في: القول، والنية، والعزم، والعمل.
فالصدق في القول هو أشهر أنواع الصدق، ويكون بالأخبار، فإن نقل الداعية أو غيره من المسلمين خلاف الواقع وما هو عليه فهو كاذب ومفتر، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] (١).
قال ﷺ «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٢).
والصدق في النية: الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى.
والصدق في العزم على العمل، كأن يقول المسلم: لئن عافاني الله لأتصدقن في سبيله بكذا، فإذا عوفي دخل الصدق بالوفاء فيما نذر به.
وقد ذم الله عدم الصدق بالوفاء بالعهد: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ - فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] (٣).
والصدق في العمل: يكون بأن لا يختلف ظاهر الداعية المسلم عن باطنه (٤) فما أجمل، وما أحسن، وما أحكم، وما أكرم من سار على هديه