← Общие книги

Общие книги · id 30919

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (539 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المسلك الأول: أهداف الجهاد وغايته: الجهاد جهادان: جهاد الطلب وجهاد الدفاع، والمقصود منهما جميعا والهدف هو: ١ - إعلاء كلمة الله، وتبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] (١). ٢ - نصر المظلومين، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] (٢). ٣ - رد العدوان، وحفظ الإسلام، وحماية عقيدة التوحيد، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٤).

стр. 492

المسلك الثاني: أطوار قوة الجهاد: قد كان الجهاد في الإسلام على أطوار ثلاثة: الطور الأول: الإذن للمسلمين بالجهاد من غير إلزامهم به وفرضه عليهم كما في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١). الطور الثاني: الأمر بقتال من قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠] (٢). الطور الثالث: جهاد الكفار والمشركين كافة، وغزوهم في بلادهم وقتالهم بعد البلاغ والدعوة إلى الإسلام وإصرارهم على الكفر، فيجاهدوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وليعم الخير أهل الأرض، وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد، وينعم العباد بحكم الشريعة العادل وليخرجوا بهذا الدين من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة الإسلامية وأحكامها الرشيدة.

стр. 493

ويستمر القتال حتى يدخلوا في دين الله أو يلتزموا بالجزية بشروطها إذا كانوا من أهلها (١) كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (٢). وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد ﷺ وأنزل الله فيه آية السيف وهي من آخر ما نزل: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] (٣). وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٤). وقوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٥). وهذا إذا استطاع المسلمون بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله. أما إذا لم يستطيعوا فعليهم أن يقاتلوا من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون

стр. 494

عمن كف عنهم عملا بآية النساء وما ورد في معناها في الطور الثاني من أطوار الجهاد (١) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] (٢) ولا تعارض بين هذه الآية وآية التوبة وما جاء في معناها، لأن آية التوبة فيها الأمر بقتال الكفار إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم (٣). ويكون الأمر لولي الأمر إن شاء قاتل، وإن شاء كف، وإن شاء قاتل قوما دون قوم على حسب القوة والقدرة والمصلحة للمسلمين لا على حسب هواه وشهواته. فإذا صار عندهم من القوة والقدرة، والسلاح ما يستطيعون به قتال جميع الكفار أعلنوها حربا للجميع وأعلنوا الجهاد للجميع (٤). المسلك الثالث: الإعداد لقوة الجهاد: ولا يمكن أن يكون الجهاد قويا إلا بإعداد قوتين عظيمتين. ١ - قوة الإيمان والعمل الصالح، كما قال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٥) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٦) ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] (٧)

стр. 495

فالقيام بجميع الواجبات والابتعاد عن جميع المحرمات من أعظم أسباب النصر والتمكين. ٢ - قوة الحديد وما استطاعه المسلمون من قوة مادية، قال الله - تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (١) والإعداد يكون على حسب الظروف والأحوال ويتناول كل وسيلة يستطيعها المسلمون، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (٢) فيجب إعداد القوات البرية، والجوية، والبحرية إذا استطاع المسلمون ذلك (٣) ويجب عليهم أن يأخذوا حذرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] (٤). وهذا يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكائد الأعداء ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة والأبدان، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة، وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده، والله أطلق الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ولم يذكر نوعا دون نوع ولا حالا دون حال، وما ذلك إلا لأن الأوقات تختلف، والأسلحة تتنوع، والعدو يقل ويكثر، ويضعف ويقوى، فلهذا ينبغي على قادة المسلمين وأعيانهم ومفكريهم إعداد ما يستطيعون من قوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك وقد قال

стр. 496

صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة» (١) ومعناه أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا تدركه بالقوة والعدد، وذلك مجرب ومعروف (٢). المسلك الرابع: ضوابط قوة الجهاد: ومع أن ما تقدم هو مفهوم القوة الصحيح في الدعوة إلى الله -تعالى-، فإن قوة الجهاد في سبيل الله لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل الله- تعالى- ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] فيدخل في ذلك ارتكاب المناهي: من المثلة والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرهبان، والمرضى، والعمي، وأصحاب الصوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفار برأيه قتل (٣). ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٤) ولهذا كان ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال. . . " (٥) ثم بينها ﷺ كالآتي: (أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.

стр. 497

(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية. (ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم (١). ومن هذه الضوابط قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] (٢). فإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك. ودل مفهوم الآية أيضا أنه إذا لم يخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (٣). ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية ﵁ فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي

стр. 498

أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (١). وهذا هو عين الحكمة في دعوة من ظلم وتجبر وصد عن سبيل الله تعالى. المسلك الخامس: مراتب قوة الجهاد وأنواعه: الجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفار والمنافقين، وأصحاب الظلم، البدع والمنكرات. ١ - جهاد النفس له أربع مراتب: (أ) جهادها على تعلم أمور الدين والهدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به. (ب) جهادها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. (ج) جهادها على الدعوة إليه ببصيرة، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. (د) جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله. فمن علم وعمل، وصبر فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات. قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] (٢).

стр. 499

٢ - جهاد الشيطان وله مرتبتان: (أ) جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان. (ب) جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات الفاسدة، فالجهاد الأول بعد اليقين، والثاني بعد الصبر. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (١). والشيطان من أخبث الأعداء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (٢). ٣ - جهاد الكفار والمنافقين: وله أربع مراتب: (أ) بالقلب. (ب) باللسان. (ج) بالمال. (د) باليد. وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. ٤ - جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات: وله ثلاث مراتب: (أ) باليد إذا قدر المجاهد على ذلك. (ب) فإن عجز انتقل إلى اللسان. (ج) فإن عجز جاهد بالقلب. قال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣).

стр. 500

فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد وأكمل الناس عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله محمد خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كفل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده (١) فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار. ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال ﷺ : «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب» (٢). كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهاها الله عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصار عليه، وعدوه الذي بين جنبيه غالب له وقاهر له؛ ولا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان (٣) وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط الإنسان عن جهادهما ويخوفه ويخذله، ولا يزال يخوفه ما في جهادهما من المشاق، وفوات اللذات، والشهوات، فلا يمكنه أن يجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدو الثالث وهو الأصل لجهادهما وهو الشيطان (٤). ويتضح مما تقدم أن ميادين أو أنواع القتال في الجهاد كالآتي:

стр. 501

١ - جهاد الكفار، والمنافقين، والمرتدين (١). ٢ - جهاد البغاة المعتدين. ٣ - جهاد الدفاع عن: الدين، والنفس، والأهل، والمال. ويدخل في هذا النوع جهاد قطاع الطرق أو المحاربين. قال ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد» (٢).

стр. 502

المطلب الثالث أسباب النصر من المعلوم يقينا أن النصر على الأعداء له أسباب تحققه للمسلمين على أعدائهم بإذن الله -تعالى-، وسأذكر معظم هذه الأسباب بإيجاز في أربعة عشر مسلكا كالتالي: المسلك الأول: الإيمان والعمل الصالح: وعد الله المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوهم وإن طال الزمن قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ - يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] (١). وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] (٢). والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] (٣). وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (٥).

стр. 503

المسلك الثاني: نصر دين الله تعالى: ومن أعظم أسباب النصر: نصر دين الله- تعالى- والقيام به قولا، واعتقادا، وعملا ودعوة. قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧ - ٨] (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] (٣). المسلك الثالث: التوكل على الله والأخذ بالأسباب: التوكل على الله مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] (٤). وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠] (٥). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٦). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣] (٧).

стр. 504

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨] (١). وقال ﷺ : «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» (٢). ولابد مع التوكل من الأخذ بالأسباب، لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين: (أ) الاعتماد على الله والثقة بوعده ونصره تعالى. (ب) الأخذ بالأسباب المشروعة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٣). وعن أنس ﵁ «أن رجلا قال: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل» (٤). المسلك الرابع: المشاورة بين المسئولين: كما كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه مع كمال عقله وسداد رأيه امتثالا لأمر الله تعالى وتطييبا لنفوس أصحابه قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٥). ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] (٦).

стр. 505

المسلك الخامس: الثبات عند لقاء العدو: من عوامل النصر الثبات عند اللقاء وعدم الانهزام والفرار، فقد ثبت النبي ﷺ في جميع معاركه التي خاضها، كما فعل في بدر، وأحد وحنين. وكان يقول في حنين حينما ثبت وتراجع بعض المسلمين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزل نصرك» (١) وثبت أصحابه من بعده. وهو قدوتنا وأسوتنا الحسنة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢). وقال ﷺ : «يا أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» (٣). المسلك السادس: الشجاعة والبطولة والتضحية: من أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأن الجهاد لا يقدم الموت ولا تؤخره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (٤). قال الشاعر: من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد ولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس، وأكملهم شجاعة هو إمامهم محمد ﷺ ، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها ومنها على سبيل المثال:

стр. 506

(أ) شجاعته البطولية الفذة في معركة بدر، قال علي بن أبي طالب ﵁: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسنا» (١). وقال- ﵁: «كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه» (٢). (ب) في معركة أحد قاتل قتالا بطوليا لم يقاتله أحدا (٣). (ج) في معركة حنين: قال البراء: «كنا إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي ﷺ » (٤). وهكذا أصحابه ﵃ ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان فينبغي للمجاهدين أن يقتدوا بنبيهم ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٥). المسلك السابع: الدعاء وكثرة الذكر: من أعظم وأقوى عوامل النصر الاستغاثة بالله وكثرة ذكره، لأنه القوي القادر على هزيمة أعدائه ونصر أوليائه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٦). ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٧).

стр. 507

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] (١). وقد أمر الله بالذكر والدعاء عند لقاء العدو، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] (٢). لأنه سبحانه النصير فنعم المولى ونعم النصير. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] (٣). ولهذا كان النبي، ﷺ يدعو ربه في معاركه ويستغيث به، فينصره ويمده بجنوده، ومن ذلك أنه نظر ﷺ يوم بدر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل ﷺ القبلة ورفع يديه واستغاث بالله، وما زال يطلب المدد من الله وحده مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: (يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك)، فأنزل الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (٤) فأمده الله بالملائكة. وهكذا كان ﷺ يدعو الله في جميع معاركه، ومن ذلك قوله: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب [مجري السحاب] [هازم الأحزاب]، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم، وانصرنا عليهم» (٥). وكان يقول عند لقاء العدو: "اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل" (٦). وكان إذا خاف

стр. 508

قوما قال: «اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم» (١). وقال ابن عباس ﵄: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قال له الناس: "إن الناس قد جمعوا لكم» (٢). وهكذا ينبغي أن يكون المجاهدون في سبيل الله- تعالى- لأن الدعاء يدفع الله به من البلاء ما الله به عليم. ولهذا قال ﷺ . «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (٣). المسلك الثامن: طاعة الله ورسوله ﷺ : طاعة الله ورسوله من أقوى دعائم وعوامل النصر، فيجب على كل مجاهد في سبيل الله - تعالى- بل على كل مسلم أن لا يعصي الله طرفة عين، فما أمر الله- تعالى- به وجب الائتمار به، وما نهى عنه تعالى وجب الابتعاد عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] (٥). ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٦). وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٧).

стр. 509

وقال ﷺ : ". . . «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (١). المسلك التاسع: الاجتماع وعدم النزاع: يجب على المجاهدين أن يحققوا عوامل النصر ولا سيما الاعتصام بالله والتكاتف، وعدم النزاع والافتراق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٢). وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٣). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٤). المسلك العاشر: الصبر والمصابرة: لا بد من الصبر في الأمور كلها ولا سيما الصبر على قتال أعداء الله ورسوله. والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله التي هي من عوامل النصر، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (٥). ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٦). وجاء عنه ﷺ «واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر

стр. 510

يسرا» (١). وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] (٢). المسلك الحادي عشر: الإخلاص لله تعالى: لا يكون المقاتل والغازي مجاهدا في سبيل الله إلا بالإخلاص، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] (٣) الآية. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٤). «وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر (٥). والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٦) وقد ثبت عنه ﷺ أن أول من يقضى عليه يوم القيامة ثلاثة، وذكر منهم من قاتل ليقال: هو جرئ- أي شجاع (٧).

стр. 511

المسلك الثاني عشر: الرغبة فيما عند الله تعالى: مما يعين على النصر على الأعداء هو الطمع في فضل الله وسعادة الدنيا والآخرة، ولهذا نصر الله نبيه ﷺ وأصحابه من بعده، ومما يدل على الرغبة فيما عند الله تعالى ما يأتي: (أ) ما فعل عمير بن الحمام في بدر حينما قال ﷺ : «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". فقال يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ (١) فقال ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ " قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قرنه (٢) فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل» (٣). (ب) ما فعل أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - يوم أحد. تأخر ﵁ عن معركة بدر، فشق عليه ذلك وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، وإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليراني الله ما أصنع (٤). فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو واها لريح الجنة (٥) أجده دون أحد فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فما عرفته أخته- الربيع بنت النضر - إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]

стр. 512

فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه (١). والمسلم المجاهد في سبيل الله - تعالى- إذا رغب فيما عند الله، فإنه لا تبالي بما أصابه رغبة في الفوز العظيم. فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي المسلك الثالث عشر: إسناد القيادة لأهل الإيمان: من أسباب النصر تولية قيادة الجيوش، والسرايا، والأفواج والجبهات لمن عرفوا بالإيمان الكامل والعمل الصالح والشجاعة الحكيمة، ثم الأمثل فالأمثل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (٢). والله يحب أهل التقوى، ومحبته- سبحانه- للعبد من أعظم الأسباب في توفيق عبده وتسديده ونصره على أعدائه قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] (٣). المسلك الرابع عشر: التحصن بالدعائم المنجيات: إن العباد لهم منجيات، ودعائم تنجيهم من المهالك والهزائم إذا حلت بهم، وهذه الأمور هي من أعظم العلاج لمن أصيب بالمهلكات أو الحروب والأوبئة، وهي كذلك وقاية من حلول المصائب قبل نزولها، وتتلخص في اتباع الدعائم المنجيات الآتية:

стр. 513

(أ) التوبة والاستغفار من جميع المعاصي والذنوب كبيرها وصغيرها، ولا تقبل التوبة إلا بشروط: ١ - الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها. ٢ - العزيمة على عدم العودة إليها. ٣ - الندم على فعلها. فإن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق. ولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها. ولا شك أن التوبة النصوح والاستغفار من أعظم وسائل النصر ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (١) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٢). (ب) تقوى الله تعالى وهي أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك. وهي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. (ج) أداء جميع الفرائض وإتباعها بالنوافل؛ لأن محبة الله لعبده تحصل بذلك. (د) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» (٣). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٤).

стр. 514

(هـ) الاقتداء بالنبي ﷺ في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال. (و) الدعاء والضراعة إلى الله تعالى.

стр. 515

المبحث الثاني حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين المطلب الأول: أسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين. المطلب الثاني: الكلمة القوية والفعل الحكيم. المطلب الثالث: التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة. المطلب الرابع: حكمة القوة بالعقوبات الشرعية.

стр. 516

المطلب الأول أسباب استخدام القوة مع عصاة المسلمين كما أن من الحكمة في الدعوة إلى الله استخدام القوة مع الكفار عند الحاجة إليها, فكذلك تستخدم مع من يحتاجها من المسلمين الذين لم ينتفعوا بالمواعظ من الترغيب والترهيب, ولم يستفيدوا من حكمة القول التصويرية: من ضرب الأمثال, ولفت الأنظار إلى الصور المعنوية كصفات المؤمنين وآثارها، ولفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة، كالأمر بالسير في الأرض, والنظر فيما حل بالمكذبين من الدمار والهلاك. فإذا لم يؤثر ما تقدم في عصاة المؤمنين فإن استخدام القوة حينئذ من الحكمة؛ لأن القوة كالعملية الجراحية للمريض إذا لم ينفع في علاج مرضه غيرها, فتستخدم عند الحاجة إليها بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية. واستخدام القوة في هذه المرحلة يتنوع ويختلف باختلاف الداعية والمدعو, والأحوال والأزمان والأماكن, وإمكانية استخدام القوة مع أمن الوقوع في المفاسد؛ فإن النبي ﷺ شرع لأمته الدعوة إلى الله - تعالى -, وإيجاب إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكاره المنكر يستلزم ما هو أنكر منه, وأبغض إلى الله ورسوله؛ فإنه لا يسوغ إنكاره, وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله, وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر, وقد «استأذن الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: "لا ما

стр. 517

أقاموا الصلاة» (١) وقال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر [ولا ينزعن يدا من طاعة]» (٢) ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من- إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه وأنكر؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يترك بعض الأمور المختارة، ويصبر على بعض المفاسد خوفا من أن يترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولهذا لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على نقض بناء البيت ورده على قواعد إبراهيم، ولكن منعه من ذلك -مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه، من عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في قتل عبد الله بن أبي، ولم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب على ذلك من وقوع ما هو أعظم منه (٣).

стр. 518

المطلب الثاني الكلمة القوية والفعل الحكيم ١ - عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده "! فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله ﷺ » (١). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» (٢). ٣ - «وعن عائشة ﵂ أنها اشترت نمرقة (٣) فيها تصاوير فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: " ما هذه النمرقة؟ " قلت: لتجلس عليها وتوسدها قال: " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم! وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة» (٤). ٤ - وعنها- ﵂: «قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام لي (٥) على سهوة (٦) فيها تماثيل (٧) فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه، وقال:

стр. 519

"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين» (١). ٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «بينما النبي ﷺ يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده، فتغيظ ثم قال: "إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة» (٢). فهذه كلمات حكيمة قوية مؤثرة تصحبها الحكمة الفعلية، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أسوة الدعاة إلى الله، فقد قال ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٣). ٦ - وعن عائشة ﵂ قالت: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها» (٤).

стр. 520

المطلب الثالث التهديد الحكيم والوعيد بالعقوبة قال ﷺ : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (١). وفي هذا الحديث التخويف بتقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، والسر في ذلك- والله أعلم- أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة (٢) وهذا من حكمته ﷺ فقد خوف وزجر عن التخلف عن صلاة الجماعة بهذا الوعيد والهم بالتعذيب، فللداعية الحكيم القادر أن يستخدم التخويف بالعقوبة الجائزة شرعا، أما التعذيب بالنار فقد نسخ (٣). ولا بد في التهديد والوعيد بالعقوبة من مراعاة الشروط والضوابط الشرعية، والأصول التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وهذه الشروط والضوابط والأصول تجعل الداعية في سلامة من الزلل، فلا ينكر منكرا ويقع ما هو أنكر منه، ولا يسعى في جلب مصلحة ويفوت ما هو أعظم منها؛ فإن من أعظم الحكم في الدعوة إلى الله دفع المفاسد وجلب المصالح، فإن تعارضت المصالح والمفاسد دفعت أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما وجلبت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٤).

стр. 521

المطلب الرابع حكمة القوة بالعقوبات الشرعية توطئة: قرر الإسلام العقوبات الشرعية على ارتكاب الجرائم؛ ليستوفي المجرم جزاءه، ويطهر من هذه الجريمة، ويرتدع أمثاله من ناحية أخرى، وهذا من أبلغ الحكم، ومن أعدل الأحكام، ومن أعظم وسائل حفظ الأمن والاستقرار، وبهذا حفظ الإسلام لأهله: الدين، والنفس، والنسب، والعرض، والعقل، والمال (١). والدعوة إلى الله - تعالى- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم ذلك كله إلا بتطبيق وتنفيذ العقوبات الشرعية، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وذلك واجب على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبات على ترك الواجبات وفعل المحرمات، ولا يجوز لهم التهاون في تنفيذها؛ لأنها من شرع الله، وتعطيلها يؤدي إلى سخط الله كما يؤدي إلى فساد المجتمع، فإذا أقيمت الحدود ظهرت طاعة الله، ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر والتمكين (٢) وتطبيق هذه العقوبات كما أمر الله من حكمة القوة في الدعوة إلى الله ونصر دينه. وسأذكر معظم هذه العقوبات الشرعية الحكيمة في عشرة مسالك بإيجاز كالتالي: المسلك الأول: عقوبة الهجر الحكيم: من حكمة القوة في الدعوة إلى الله هجر من يظهر المنكرات على وجه التأديب حتى يتوب، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم.

стр. 522

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشر كان مشروعا، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك ولا يرتدع به غيره، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين (١) وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله وبين الهجر لحق النفس، فالهجر لحق الله- تعالى- مأمور به والثاني منهي عنه. ولا شك أن الهجر لحق الله من العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله (٢) وهذا يفعل؛ لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله. وهذا يدل على أن حكمة القوة لها الأثر الكبير عند وضعها في موضعها. ولهذا يجب على ولي أمر المسلمين- وهو الذي ينبغي أن ينصر الدعوة بعد النبي ﷺ أن يعلم بأن إقامة الحدود والعقوبات الشرعية رحمة من الله بعباده، وأن يكون قويا في إقامة الحد لا تأخذه في الله لومة لائم، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، ويكون بمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، فيدخل المريض على نفسه المشقة ويشرب الدواء لينال به الراحة والشفاء (٣).

стр. 523

المسلك الثاني: عقوبة التعزير: التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها (١) وقد اتفق العلماء ﵏ على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد. والمعصية نوعان: ترك واجب أو فعل محرم (٢) كما يستتاب المرتد حتى يسلم، فإن تاب وإلا قتل، وكما يعاقب تارك الزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها (٣). والتعزير أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب؛ فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة، أو ترك أداء الحقوق الواجبة مثل: ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب ويفرق عليه الضرب يوما بعد يوم، وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالا من الله له فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد. أما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال وأعدلها أنه لا يتقدر بحد، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا واللواط لا يبلغ به الحد (٤). أما حديث «لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» (٥) فقد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق

стр. 524

الله، ومراد الحديث أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز وكتأديب الأب ولده الصغير فلا يزيد على عشر جلدات في التأديبات (١) ثم من لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل: المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين (٢). المسلك الثالث: القصاص: أوجب الله - تعالى - القصاص في جريمة قتل العمد والاعتداء على الأطراف، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٥). المسلك الرابع: حد الزنا واللواط: (أ) الزاني إن كان محصنا؛ فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت كما رجم النبي ﷺ ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديين ورجم غير هؤلاء، ورجم المسلمون بعده (٦).

стр. 525

(ب) وإن كان الزاني غير محصن؛ فإنه يجلد مائة جلدة بكتاب الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] (١) ويغرب عاما بسنة رسول الله ﷺ (٢). (ج) وأما اللواط فالصحيح الذي اتفق عليه الصحابة أنه يقتل الاثنان: الأعلى والأسفل. فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٣) ولم يختلف الصحابة في قتله ولكن تنوعوا فيه (٤). المسلك الخامس: حد القذف: حفظ الإسلام الأعراض من الاعتداء عليها، وجعل عقوبة القاذف ثمانين جلدة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥] (٥). وهذا الحد جاء به الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون؛ فإذا قذف

стр. 526

المحصن بالزنا أو اللواط وجب الحد على قاذفه، والمحصن هنا هو الحر العفيف، وفي باب حد الزنا هو الذي وطئ وطئا كاملا في نكاح تام (١). المسلك السادس: حد شرب الخمر: وحد الشرب ثابت بسنة رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر ﵁ في خلافته أربعين، وضرب عمر ﵁ في خلافته ثمانين، وكان علي ﵁ يضرب مرة أربعين ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب أربعون والزيادة يفعلها الإمام عند الحاجة إذا أدمن الناس الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢). المسلك السابع: حد السرقة: السرقة اعتداء على مال معصوم لا شبهة له فيه يأخذه خفية بشروط معينة منها: أن يكون المال محرزا، ولا تقل قيمته عن ربع دينار، وحينئذ يجب عليه حد السرقة بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨ - ٣٩] (٣). ولا يجوز بعد اكتمال شروط القطع وثبوت الحد عليه بالبينة أو بالإقرار

стр. 527

تأخيره لا بحبس ولا مال يفتدى به ولا غيره بل تقطع يده اليمنى في الأوقات المعظمة وغيرها (١). المسلك الثامن: حد المحاربين قطاع الطريق: قطاع الطريق هم المحاربون الذين يتعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والطرقات؛ ليغصبوهم المال مجاهرة بالقوة والقهر وسواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة فإنه يسمى بالمحارب (٢). والأصل في عقوبتهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤] (٣). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: «إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض» (٤) وهذا قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد، أما من كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتل حدا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول بخلاف ما لو قتل رجل رجلا لعداوة بينهما.

стр. 528

أما غير القاتل فمنهم من قال للإمام أن يجتهد فيهم فيقتل من رأى في قتله مصلحة، والقول الأول قول الأكثر (١). المسلك التاسع: عقوبة المرتد: المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل، أو قول، أو اعتقاد، أو شك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] (٢) وقال ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٣) وقال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٤) فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا استتيب ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل بالسيف (٥). المسلك العاشر: قتال أهل البغي: جريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الإمام يريدون خلعه بالقوة والعنف، فعلى الإمام أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، فإن رجعوا وإلا قاتلهم وعلى المسلمين القتال مع إمامهم والأصل في هذه الجريمة (٦) وعقوبتها قوله

стр. 529

تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] (١). وقال، ﷺ : ". . «. ستكون هنات وهنات (٢) فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» (٣). وقال: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (٤).

стр. 530

الخاتمة الحمد لله الذي أعانني على إتمام هذه الرسالة على هذه الصورة، فالفضل والمنة له أولا وآخرا، و ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١] (٢). بعد هذه الرحلة المباركة -إن شاء الله تعالى- التي طفت من خلالها بمفهوم الحكمة الصحيح في الدعوة إلى الله -تعالى- وأنواعها، ودرجاتها، وأركانها التي تقوم عليها، ومعاول هدمها، وطرق ومسالك اكتسابها، ومواقف الحكمة في الدعوة إلى الله - تعالى-، التي أعز الله بها الإسلام وأهله، وأذل بها الكفر والعصيان والنفاق وأعوانها، وحكمة القول مع أصناف المدعوين على اختلاف عقائدهم وعقولهم وإدراكاتهم ومنازلهم، وحكمة القوة الفعلية مع المدعوين: الكفار، ثم عصاة المسلمين، أقول: هذا ما من الله به، ثم ما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصل إليه الفهم المتواضع، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان، فالكمال لله وحده، والنقص والقصور واختلاف وجهات النظر من صفات الجنس البشري، ولا أدعي الكمال، وحسبي أني قد حاولت التسديد والمقاربة، وبذلت الجهد ما استطعت
следующие страницы →