← Фатава

Фатава · id 30944

مجموعة رسائل وفتاوى في مسائل مهمة تمس إليها حاجة العصر

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (49 стр.). Показаны 36–49 · переход к 41.

стр. 36

كل منهم يستبد برأيه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر في العسر واليسر والمنشط والمكره حتى قال ﷺ «اسمع وأطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» فتحرم معصيته والاعتراض عليه في ولايته وفي معاملته وفي معاقدته ومعاهدته لأنه نائب المسلمين والناظر في مصالحهم، ونظره لهم خير من نظرهم لأنفسهم، لأن بولايته يستقيم نظام الدين، وتتفق كلمة المسلمين، لا سيما وقد منّ الله عليكم بإمام ولايته ولاية دينية، وقد بذل النصح لعامة رعيته من المسلمين خصوصاً المتدينين بالإحسان إليهم ونفعهم وبناء مساجدهم وبث الدعاة فيهم والِإغضاء عن زلاتهم وجهالاتهم، ووجود هذا في آخر هذا الزمان من أعظم ما أنعم الله به على أهل هذه الجزيرة فيجب عليهم شكر هذه النعمة ومراعاتها والقيام بنصرته والنصح له باطنا وظاهرا، فلا يجوز لأحد الافتيات

стр. 37

عليهِ ولا المضي في شيء من الأمور إلا بإذنه (١) ومن افتات عليه فقد سعى في شق عصا المسلمين وفارق جماعتهم، وقد قال النبي ﷺ «من عصى الأمير فقد عصاني ومن عصاني فقد عصا الله» والمراد بالأمير في هذا الحديث من ولاه الله أمر المسلمين وهو الِإمام الأعظم (٢) وقال ابن رجب - رحمه الله تعالى - في شرح الأربعين له: وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: إن الناس

стр. 38

لا يصلحهم إلا إمام برّ أو فاجرٌ. إن كان فاجراً عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله. وقال الحسن في الأمراء: يلون من أمورنا خمساً: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن طاعتهم والله لغيظ، وإن فرقتهم لكفر. وخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال: «أمر رسول الله ﷺ أصحابه حين صلوا العشاء (أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة) فلما فرغوا من صلاة الصبح قال: (هل حشدتم كما أمرتم؟) قالوا: نعم، قال (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، هل عقلتم هذه؟) ثلاثا، قلنا: نعم، قال (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟) ثلاثا، قلنا: نعم، قال (اسمعوا وأطيعوا، هل عقلتم هذه؟) ثلاثا، قلنا: نعم

стр. 39

قال: فكنا نرى أن رسول الله ﷺ سيتكلم كلاماً طويلًا ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع الأمر كله» ، انتهى. ومن الأمور التي أدخلها الشيطان في المسلمين لينال بها مقصوده من إغوائهم واختلاف كلمتهم وتفرفهم ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك. بل بمجرد الرأي المخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهذا ينافي ما عقده الله بين المسلمين من الإخوة الإسلامية التي توجب التواصل والتواد والتراحم والتعاطف كما قال النبي ﷺ «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد (١) الواحد» وقال النبي ﷺ

стр. 40

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١) وقال الله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]- إلى قوله - ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] الآية، وقال ﷺ «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم» الحديث. وقد تقدم أن هجر أهل المعاصي يشرع إذا كانت المصلحة بذلك راجحة على مفسدته، فإذا لم تكن فيه مصلحة راجحة لم يشرع لما يترتب على ذلك من المفاسد كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - والهجر إنما شرع تأديباً وتعزيراً بترك السلام عليه وعدم تكليمه حتى ينزجر عن معصيته وأما

стр. 41

ضربه وتعنيفه فلا أصل له في الشرع، ومن نسب إلى الشيخ الإمام عبد اللطيف - رحمه الله تعالى - أنه يضرب كل من سافر إلى بلاد المشركين فقد افترى والناقل لذلك يطالب بصحة ما نقل عنه وإن صح من ذلك شيء فهو محمول على بعض المنتسبين الذين يقتدي بهم ويغتر بهم الجهال. والله المسئول المرجو الإجابة أن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال ذلك وأملاه الراجيان لعفو الله ومغفرته محمد ابن عبد اللطيف بن عبد الرحمن وعبد الله بن عبد العزيز العنقري - سامحهما الله تعالى -.

стр. 42

[الرسالة الرابعة البر والعدل إلى المشركين مقتبس من الرسالة ٣٣ من رسائل الشيخ عبد اللطيف] البر والعدل إلى المشركين وكونه لا يدخل في النهي عن موالاة المعادين منهم والمحاربين (مقتبس من الرسالة ٣٣ من رسائل الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ حسن ابن الشيخ محمد عبد الوهاب ﵏ أجمعين -) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المحب عيسى بن إبراهيم سلك الله بي وبه صراطه المستقيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل فسرني نبؤه عن سلامة تلك الأحوال والذوات، لا زالت سالمة من الآفات، وما أشرت إليه قد علم، وجواب مسألتك ها هو ذا

стр. 43

قد رسم، نسأل الله التوفيق والإصابة، وحسن القصد والإثابة، فأما قوله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، فالذي يظهر أن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل إذا لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعاً، ولذا علل هذا الحكم بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وأما قوله ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] فقد قال بعض المعربين أنه بدل من الموصول بدل اشتمال وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر والتقدير لا ينهاكم الله عن بر من لم يقاتل في الدين. ولو قال هذا البعض أنه بدل بداء (١) لكان

стр. 44

أظهر إذ لا يظهر الاشتمال بأنواعه هنا وإلا ظهر عندي أن لا بدل مطلقاً وأن الموصول معمول للمصدر المتأخر المأخوذ من أن وما دخلت عليه، فالموصول إذاً في محل نصب بالمصدر المسبوك وتأخر العامل لا يضر - وأما على البدلية فهو في محل جر. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] أكد الجملة هنا لمناسبة مقتضى الحال إذ المقام مظنة لغلط الأكثر ولتوهم خلاف المراد فاقتضى التأكيد والتوفية بالأداة كما يعلم من فنّ المعاني. وقوله ﴿فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الفاء سببية في قوله «دخلت النار امرأة في هرة» الحديث. وسبب النزول ما رواه الِإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عَن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أي بكر ﵂ قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت

стр. 45

وهي راغبة أفأصلها؟ قال «نعم صلي أمك» وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم. وفي بعض الطرق أنها جاءت لابنتها بهدية ضباب وأقط وسمن فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخل البيت حتى سألت رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية. وأما قول ابن زيد وقتادة إنها منسوخة فلا يظهر لوجوه منها أن الجمع بينها وبين آية القتال ممكن غير متعذر ودعوى النسخ يصار إليها عند التعذر وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل (ومنها) أن السنة متظاهرة بطلب الإحسان والعدل مطلقاً ولا قائل بالنسخ، لكن قد يجاب عن ابن زيد وقتادة بأن النسخ في كلامهما بمعنى التخصيص وهو متجه على اصطلاح بعض السلف ولا شك أن القتال بالسيف وتوابعه من العقوبات والغلظة في محلها مخصوص من هذا العموم.

стр. 46

ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآي أنه لما ذكر تعالى نهيه عباده المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله ومن آمن معه في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة خيف أن يتوهم أحد أو يظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى عنه من الموالاة وأمر به من البراءة فناسب أن يدفع هذا بقوله تعالى ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية. * * * *

стр. 47

(فتوى في مسألة السلام على الكافر) (من الرسالة ١٨ من رسائل العلامة الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ - رحمهم الله تعالى -) وأما البداءة بالسلام فلا ينبغي أن يبدأ الكافر بالسلام بل هو تحية أهل الِإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة وفوات مصلحة كذلك فلا بأس بالبداءة لا سيما من ينتسب إلى الِإسلام ولكن يخفى عليه شيء من أصوله وحقوقه، وقد كان ﷺ يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام الموسم ويدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة ما سواه، وأن يقولوا لا إله إلا الله ويتلو عليهم القرآن ويبلغهم ما أمر بتبليغه مع ما هم عليه من الشرك والكفر والرد القبيح، لما في ذلك من المصلحة الراجحة على مصلحة الهجر والتباعد. والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع

стр. 48

المبطل فإذا انتفى ذلك وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع. ومن تأمل السيرة النبوية، والآثار السلفية، يعرف ذلك ويتحقق. وقد أمر الله بالدعوة إليه على بصيرة قال تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) قال تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والجهاد بالحجة والبيان يقدم على الجهاد بالسيف والسنان. وقد مر ﷺ على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين واليهود وفيه عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فسلم ﷺ ونزل عن دابته ودعاه إلى الإسلام وذلك حين ذهب إلى سعد بن عبادة يعوده في منزله والقصة مشهورة.

стр. 49

وكثير من العلماء يبتلى بخلطة هذا الضرب من الناس لكنه يكون مباركا أينما كان داعياً إلى الله مذكراً به هادياً إليه، كما قال عن المسيحِ ﵇ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] أي داعيا إلى الله مذكراَ به معلماً بحقوقه. فهذه هي البركة المشار إليها ومن عدمها محقت بركة عمره وساعاته وخلطته ومجالسته. ونسأل الله العظيم لنا ولكم علماً نافعاً، ويكون لنا لديه يوم القيامة شافعاً، أسأل الله العظيم أن يغفر زلتي، ويقبل توبتي، ويقيل عثرتي، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.