Полный текст (217 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
السلام، ويعتقدون أن كل ما فيه هو من عند الله مثل القانون المكتوب، وواجب التسليم والقبول مثله.
وقد كتب علماء اليهود شرحين على كتاب المشنا، أحدهما في القرن الثالث (وقيل الخامس) الميلادي في أورشليم القدس، والثاني في بداية القرن السادس الميلادي في بابل، ويسمى الشرح (كمرا) أي الكمال؛ لأنهم يعتقدون أن التوضيح التام لمتن المشنا حصل في هذين الشرحين، فإذا جُمع المتن والشرح (مشنا + كمرا) يقال لهذا المجموع (التلمود) ، ويقال للتمييز: تلمود وأورشليم، وتلمود بابل، وهذا الشرح (كمرا) مملوء بالحكايات الواهية، لكنه معظم عند اليهود، ويدرسونه ويرجعون إليه في كل مُشْكِل، مذعنين بأنه مرشد لهم.
فمذهب اليهود الآن وعقيدتهم تؤخذ من هذين التلمودين البعيدين عن التوراة وعن سائر كتب الأنبياء، ويقدمون تلمود بابل على تلمود أورشليم.
فإذا كان اليهود قد تناقلوا الروايات اللسانية الشفوية سبعة عشر قرنا ويقدمونها على التوراة، علما أنهم تعرضوا خلال هذه المدة لآفات عظيمة ودواهٍ جسيمة أضاعت كتبهم المكتوبة ففقدت إسنادها وتواترها، ومع ذلك يعدون الروايات اللسانية هي مبنى إيمانهم وأصل عقائدهم، فكيف يجوز الطعن في الأحاديث الشريفة المكتوبة بعد رسول الله ﷺ بقرن أو قرنين.
موقف جمهور قدماء النصارى من الروايات الشفوية: ذكر يوسي بيس في تاريخه أن كليمنس عندما بيّن حال يعقوب الحواريّ نقل حكايات عن الروايات اللسانية التي وصلت إليه من الآباء والأجداد، ونقل في حق يوحنا الحواريّ حكايات أخذها من المحفوظ في الصدور، وهو
стр. 177
(أي كليمنس) اعترف أنه كان ينقل الروايات اللسانية من عدة شيوخ، أحدهم سُرياني في اليونان، وثانيهم آشوري في المشرق، وثالثهم عبراني في فلسطين، ولكن الشيخ الذي نقل عنه الروايات اللسانية وكان أفضل من المشايخ كلهم ولم يطلب شيخا آخر بعده هو الشيخ الذي كان مختفيا في مصر.
وذكر يوسي بيس أيضا أن أرينيوس كتب ما وصل إليه بالرواية اللسانية من بوليكارب، وكانت الكنيسة تبلغ عن بوليكارب بالرواية اللسانية، وكان أرينيوس يفتخر أنه لا يكتب في القرطاس، وإنما تعوّد من قديم الأيام أن يحتفظ بالأحاديث في صدره. وذكر أن أكناثيوس عندما مر في آسيا الصغرى قوّى الكنائس المختلفة وأوصاهم باللصوق بالروايات اللسانية لصوقا قويا. وأن بيبيس كتب جميع الأشياء التي وصلت إليه من المشايخ وأتباعهم؛ لأن الفائدة التي حصلت له من ألسنة الأحياء لم تحصل له من الكتب. وأن المؤرخ المشهور هجيسي بوس كتب مسائل الحواريين التي وصلت إليه بالرواية اللسانية بعبارة سهلة في خمسة كتب. وأن أساقفة كثيرين قبلوا روايات لسانية كثيرة في باب عيد الفصح قدمها لهم بعض الأشخاص، فكتبها الأساقفة في كتاب وأرسلوا نقوله إلى الكنائس لإلزام الناس بها. وأن كليمنس اسكندر يانوس الذي كان من أتباع تابعي الحواريين ألف كتابا في بيان عيد الفصح استجابة لرغبة الأحباء الذين طلبوا منه تدوين الروايات اللسانية التي سمعها من الأساقفة.
وذكر جان ملنر الكاثوليكي في رسالته العاشرة التي كتبها إلى جيمس برون أن مبنى إيمان الكاثوليك ليس كلام الله المكتوب فقط، بل أعم من ذلك مكتوبا أو غير مكتوب، أي الكتب المقدسة والروايات اللسانية على ما
стр. 178
تشرح به كنيسة الكاثوليك، فإن أرينيوس بيّن أن أسهل أمر لطالبي الحق هو أن يتفحصوا الروايات اللسانية؛ لأنه وإن كانت ألسنة الأقوام مختلفة، لكن حقيقة الرواية اللسانية متحدة، والروايات اللسانية المنقولة عن الحواريين جيلا بعد جيل كلها محفوظة في كنيسة الروم الكاثوليك؛ لأن الحواريين سلموها للناس، والناس سلموها للكنيسة الكاثوليكية.
وذكر ملنر في نفس الرسالة أن ترتولين قال بأن عادة أهل البدعة أنهم يتمسكون بالكتب المقدسة ويرفضون الروايات اللسانية ليلقوا الضعفاء في شباكهم، وليوقعوا المتوسطين في الشك، ولذلك لا نسمح لهؤلاء أن يستدلوا في مناظراتهم بالكتب المقدسة؛ لأن المباحثة المستندة إلى الكتب المقدسة لا يحصل منها فائدة سوى وجع الدماغ والبطن، ولو حصل شيء يكون ناقصا؛ لأن جميع أحكام الدين المسيحي وعقائده التي صرنا بسببها مسيحيين منقولة بالروايات اللسانية.
وذكر ملنر عن أوريجن قوله: لا يليق بنا تصديق الناس الذين ينقلون عن الكتب المقدسة ونترك الروايات اللسانية التي تبلغها لنا كنيسة الله.
وذكر عن باسيليوس أن المسائل الكثيرة المحفوظة في الكنيسة للوعظ بها أخذت بعضها من الكتب المقدسة وبعضها من الروايات اللسانية، وقوتهما في الدين متساوية.
وذكر عن ابيفانس في رده على المبتدعين أنه حض على استعمال الروايات اللسانية؛ لأن جميع الأشياء لا توجد في الكتب المقدسة.
وذكر عن كريزاستم أن الحواريين لم يبلغوا كل شيء بواسطة الكتابة، بل
стр. 179
بلغوا أشياء كثيرة بالروايات اللسانية، وكلتاهما متساويتان في الاعتبار؛ فإن الروايات اللسانية هي منشأ الإيمان، وإذا ثبت شيء بالرواية اللسانية لا نطلب دليلا آخر.
وذكر عن أكستاين أن بعض المسائل ليس لها سند تحريري، وإنما تؤخذ من الرواية اللسانية؛ لأن الأشياء الكثيرة تسلمها الكنيسة العامة وهي ليست بمكتوبة.
وقد أورد الربي موسى قدسي شواهد كثيرة على أن الكتاب المقدس لا يُفهم بدون الرواية اللسانية.
وكذلك عقائد النصارى كلها لم يثبت شيء منها بالإنجيل، بل يقبلونها بالرواية اللسانية مثل: أن الابن مساوٍ للآب في الجوهر، وأن الروح القدس منبثق من الآب والابن، وأن المسيح ذو طبيعتين وأقنوم واحد، وأنه ذو إرادتين إلهية وإنسانية، وأنه بعدما مات نزل الجحيم، وهكذا غيرها الكثير.
وذكر الدكتور بريت أن الأشياء التي لها دخل في النجاة ليست كلها مكتوبة؛ لأن الحواريين بلّغوا أحاديث كتابة، وبلّغوا أحاديث أخرى بالرواية اللسانية، والويل للذين لا يأخذون بهما؛ لأن الأحاديث اللسانية في أمر الإيمان سند كالمكتوب.
وذكر أسقف مونيك أن التقرير اللساني درجته أزيد من المكتوب.
وذكر جلنك ورتهه أن النزاع فيما هو قانوني يزول بالرواية اللسانية التي هي قاعدة الإنصاف لكل نزاع.
وشهد أسقف ماني سيك بأن ستمائة أمر مقررة في الدين، وتأمر الكنيسة
стр. 180
بها، ولم يبيّنها الكتاب المقدس في موضع من المواضع، وإنما تقبل من الرواية اللسانية.
وقال وليم ميور بأن قدماء المسيحية ما كان عندهم عقيدة مكتوبة من عقائد الإيمان التي اعتقادها ضروري للنجاة، وكانت تعلَّم للأطفال وللذين يدخلون في الملة المسيحية تعليما لسانيا.
وبعد أن عرفنا حال اليهود والنصارى معا في اعتبارهم الرواية اللسانية أكثر من المكتوب، فلماذا الطعن في الأحاديث النبوية وقد قال ﷺ : «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب على معتمدا فليتبوأ مقعده من النار» . وهذا الحديث متواتر رواه اثنان وستون صحابيا.
ولذلك كان اهتمام المسلمين في حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية منذ القرن الأول أشد من اهتمام النصارى في حفظ كتبهم المقدسة، لكن الصحابة لم يدونوا الأحاديث في عهدهم لبعض الأعذار، منها الاحتياط التام لأجل أن لا يختلط كلام الرسول ﷺ بكلام الله تعالى، ولكن أتباع الصحابة شرعوا في تدوينها بدون ترتيب على أبواب الفقه، ولما كان هذا الترتيب حسنا ضبطها تابعو التابعين على هذا الترتيب، وكان اجتهادهم في أمر الأحاديث والتحري اجتهادا عظيما، حتى إنه صنف فن عظيم الشأن في أسماء الرجال لمعرفة حال كل راو من رواة الأحاديث من حيث الديانة والحفظ، وروى كل من أصحاب الصحاح الأحاديث بالإسناد منهم إلى رسول الله ﷺ ، وبعض الأحاديث ثلاثية، أي تصل إلى الرسول ﷺ بثلاث وسائط، وقسمت الأحاديث إلى ثلاثة أقسام: متواتر ومشهور وآحاد.
стр. 181
وقول الطاعن: (جمعوها وأسقطوا مقدار نصفها لعدم الاعتبار) غلط؛ لأن رواة الأحاديث ما أسقطوا إلا الأحاديث الضعيفة التي لم تكن أسانيدها كاملة، وتركها لا يضر، وأهل الإسلام جميعا يقبلون الأحاديث الصحيحة المروية في كتب الحديث المعتبرة، أما الأحاديث المروية في كتب غير معتبرة، فلا يقبلها أهل الإسلام، ولا تعارض الصحيحة.
وبهذا ثبت أنه لا مجال لأحد أن يطعن على أهل الإسلام في قبولهم أحاديث نبيهم ﷺ .
ويناسب لبيان حال النصارى في هذا المقام ذكر الحكاية التي نقلها جان ملنر في كتابه المطبوع سنة ١٨٣٨م وهي: أن القديسة الفرنسية جان دارك (وتُدعى عذراء أورليان) والمولودة سنة ١٤١٢م، بدأت الشعوذة في سن السادسة عشرة وصار لها أتباع، ثم ادعت أنها هي المرأة التي ورد في حقها في سفر رؤيا يوحنا ١٢ / ١ -٢ ما يلي: (١) وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا (٢) وهي حُبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة لتلد) .
فادعت أنها حبلى من عيسى ﵇، فتبعها كثير من النصارى، وفرحوا فرحا شديدا بهذا الحمل، وصنعوا أطباق الذهب والفضة لاستقبال المولود الإلهي.
قال الشيخ رحمت الله معلقا على هذه القصة: هل حصلت رتبة الألوهية لهذا الولد السعيد مثل أبيه أم لا؟! وفي صورة الحصول: هل بدل اعتقاد التثليث بالتربيع أم لا؟! وكذا هل بدل لقب الله الآب بالجد أم لا؟!
فانظروا إلى أبناء صنف القسيسين كيف يُتلاعب بعقولهم؟! ومن كان هذه حاله وعقله فليس له أن يطعن على دين الإسلام وكتابه ونبيه ﷺ .
اللهم وفقنا للإيمان والهدى، وجنبنا الضلالة والردى.
стр. 182
[الباب الرابع إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ ]
[المسلك الأول ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﵇]
[النوع الأول بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة]
الباب الرابع
إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ وفيه: - ستة مسالك، وأربع بشارات.
المسلك الأول - ظهور المعجزات الكثيرة على يده ﷺ ، وهي نوعان: أما النوع الأول: ففي بيان إخباره عن المغيبات الماضية والمستقبلة.
أما المغيبات الماضية فكثيرة جدا، كقصص الأنبياء، وقصص الأمم البالية، من غير أن يسمعها من أحد ولا تلقنها من كتاب، وإلى هذا المعنى وردت الإشارة في قوله تعالى في سورة هود آية ٤٩:
: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩] والمخالفة الحاصلة بين القرآن الكريم وبين كتب أهل الكتاب في بيان بعض القصص هي مخالفة قصدية؛ لبيان أن هذه الكتب محرفة، وأن القرآن الكريم أتى بالحق كما قال تعالى في سورة النمل آية ٧٦: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]
وأما المغيبات المستقبلة فكثيرة جدا أيضا وردت في الأحاديث، مثل:
أن الرسول ﷺ أخبر الصحابة بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وأن الأمن يظهر حتى ترحل المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن خيبر تفتح على يد علي ﵁ في غد يومه، وأنهم يقسمون كنوز فارس والروم، وأن بنات فارس تخدمهم، وأن فارس ستزول ولا فارس بعدها، وأما الروم فذات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن آخر، والمراد بالروم الفرنج وسائر النصارى، وهذه الأمور كلها وقعت في زمن الصحابة ﵃ كما أخبر ﷺ .
وأخبر أن الفتن لا تظهر مادام عمر حيا، وكان كما أخبر، وكان عمر ﵁ سد باب الفتنة.
стр. 183
وأخبر ﷺ أن عثمان يقتل وهو يقرأ في المصحف، وأن أشقى الآخرين الذي يقتل عليا، وأن عمارا تقتله الفئة الباغية، فاستشهد الثلاثة ﵃ كما أخبر ﷺ .
وأخبر ﷺ أنه يظهر في قبيلة ثقيف كذاب (متنبىء) ومبير (مهلك) ، فظهرا كما أخبر ﷺ ، فقد ادعى النبوة المختار الثقفي، فقاتله أمير البصرة (مصعب بن الزبير) فقتله في الكوفة سنة ٦٧هـ / ٦٨٧ م، والمهلك هو الحجاج الثقفي المتوفى سنة ٩٥هـ / ٧١٤ م.
وأخبر ﷺ أن الوباء يكون بعد فتح بيت القدس، فكان كما أخبر ﷺ ، فقد ظهر هذا الوباء بعد فتح القدس بثلاث سنوات في خلافة عمر ﵁ في قرية عمواس البعيدة عن القدس حوالي ٢٠كم، وبها كان اجتماع العسكر، وكان هو أول طاعون وقع في الإسلام، مات به سبعون ألفا.
وأخبر ﷺ أم حرام بنت ملحان النجارية الأنصارية، أنها وناسا من أمته يركبون البحر غزاة في سبيل الله، فركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت ﵄ لفتح جزيرة قبرص بقيادة أمير الشام معاوية ﵁ في خلافة عثمان ﵁، فلما خرجت من البحر وقربت إليها دابتها لتركبها فصرعتها فماتت ودفنت في موضعها سنة ٢٧هـ / ٦٤٧ م، وكانت أول امرأة ماتت في غزو المسلمين للبحر.
وأخبر ﷺ أن ابنته فاطمة أول أهله لحوقا به، فتوفيت ﵂ في رمضان سنة ١١هـ / ٦٣٢ م بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ .
وأخبر ﷺ أن الحسن بن علي ﵄ سيد، وسيصلح الله به
стр. 184
بين فئتين عظيمتين، ووقع كما أخبر ﷺ ؛ لأنه بويع بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة ٤٠هـ، ودامت خلافته سبعة أشهر، ثم كره اقتتال المسلمين، فتنازل عن الخلافة في جمادى الأولى سنة ٤١هـ لمعاوية ﵁، فأصلح الله به بين أهل العراق وأهل الشام، وسمي هذا العام عام الجماعة.
٩ - وأخبر ﷺ أن الحسين بن علي ﵄ يقتل بالطف (مكان في ناحية الكوفة على شط نهر الفرات ويعرف الآن بكربلاء) ، فكان كما أخبر ﷺ .
- وأخبر ﷺ سراقة بن جعشم أنه يلبس سواري كسرى، فلما أتى بهما عمر ﵁ في خلافته ألبسهما إياه تنفيذا لوعد النبي ﷺ ، وقال عمر ﵁: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة.
- وأخبر ﷺ خالد بن الوليد ﵁ حين وجهه لأكيدر بن عبد الملك الكندي - صاحب دومة الجندل - أنه يجده يصيد البقر، فكان كما أخبر ﷺ .
- وأخبر ﷺ أن نارا ستخرج من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل في بصرى، فخرجت هذه النار العظيمة قرب المدينة المنورة في جمادى الآخرة سنة ٦٥٤ هـ، واشتدت حتى اضطربت الأرض بمن عليها، وارتفعت الأصوات لخالقها، وأيقن أهل المدينة بالهلاك، وبقي الناس في زلزال شديد حتى انطفأت في ٢٧ رجب، وأخبار هذه النار مدونة في كتب التواريخ، وفيها كتب مستقلة، وذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما قبل ظهورها بمقدار أربعمائة سنة.
стр. 185
[النوع الثاني الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة]
وأما النوع الثاني: ففي الأفعال التي ظهرت منه ﷺ على خلاف العادة وقد أحصاها العلماء فزادت على ألف، مثل:
١ - الإسراء والمعراج: قال الله تعالى في سورة الإسراء آية ١: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]
ولا شك أن الإسراء والمعراج كان في اليقظة بالروح والجسد؛ لأن لفظ العبد يطلق عليهما معا، ولذلك استبعد الكفار هذا الأمر وأنكروه، ولو لم يكن بالجسد وفي اليقظة ما كان سببا للاستبعاد والإنكار؛ لأن مثل هذا في المنامات لا يستبعد ولا ينكر، ألا ترى لو أن شخصا ادعى أنه طار في نومه في الشرق وفي الغرب وهو لم يتحول عن مكانه ولم تتبدل حاله الأولى لم ينكر أحد عليه.
فالإسراء والمعراج الحاصل لمحمد ﷺ بالجسد والروح معا وفي اليقظة لا استحالة فيه عقلا ولا نقلا.
أما عقلا: فلأن الله تعالى خالق العالم، وهو على كل شيء قدير، وحصول الحركة البالغة السرعة في جسد محمد ﷺ أمر يسير على الله تعالى، وغاية ما فيه أنه خلاف العادة، وهكذا المعجزات كلها تكون خلاف العادة.
وأما نقلا: فلأن صعود الجسم إلى السماوات ليس بممتنع عند أهل الكتاب لما يلي:
ا - ورد في سفر التكوين ٥: (وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه) ، فهذا نص على أن النبي أخنوخ (إدريس ﵇ رفع إلى السماء حيا، ودخل بجسده ملكوت السماء.
стр. 186
ب - ورد في سفر الملوك الثاني ٢ / ١ و١١: (١) وكان عند إصعاد الرب إيليا في العاصفة على السماء أن إيليا وأليشع ذهبا من الجلجال (١١) وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء) . وهذا نص على أن النبي إيليا رفع إلى السماء بجسده حيا.
وهذان النصان مسلمان عند القسيسين، وهم يعتقدون أن المسيح ﵇ بعدما مات ودفن في القبر قام حيا وصعد بجسده إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، فلا مجال لهم أن يعترضوا على معراج محمد ﷺ لا عقلا ولا نقلا.
٢ - انشقاق القمر: قال الله تعالى في سورة القمر آية ١-٢: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]
وقد دلت الأحاديث الصحيحة على وقوع حادثة انشقاق القمر لمحمد ﷺ ، فهي حادثة متواترة منصوص عليها في القرآن الكريم ومروية في الصحيحين وغيرهما، وأقوى شبه القسيسين عندهم أن هذه الحادثة لو وقعت لم تخف على أهل الأرض كلهم، ولنقلها مؤرخو العالم، وهي عندنا شبهة ضعيفة جدا لما يلي:
ا - أن حادثة طوفان نوح ﵇ حادثة عظيمة جدا وكانت على الأرض كلها، ومذكورة في الإصحاحين السابع والثامن من سفر التكوين، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس والكلدانيين وأهل الصين ينكرون هذه الحادثة إنكارا بليغا، وأما ملاحدة نصارى الغرب فيستهزئون بها
стр. 187
وينكرونها، ويتجاوزون الحد في إساءة الأدب على الله تعالى وعلى نبيه نوح ﵇، فهل يرضى القسيسيون بإنكار الأمم المشرقية لحادثة الطوفان وباستهزاء الملاحدة من قومهم؟!
ب - أن حادثة وقوف الشمس يوما كاملا ليوشع (يشوع بن نون) مذكورة في سفر يشوع ١٠ / ١٢ -١٣، وذكر مؤرخو أهل الكتاب ومفسروهم بأنها دامت إلى أربع وعشرين ساعة، فهذه الحادثة العظيمة التي وقعت سنة ١٤٥٠ق. م يجب أن يراها سكان الأرض كلهم؛ لأن السحاب الغليظ لا يمنع العلم بها في المناطق التي كان عليها النهار، وأما سكان المناطق التي كان عليها الليل فلابد أن يعلموا بهذه الحادثة لامتداد ليلهم بمقدار أربع وعشرين ساعة، ومع ذلك فإن مشركي الهند والفرس وأهل الصين ينكرونها ولم تذكر في تواريخهم، وملاحدة أوروبا يستهزئون بها ويوردون عليها اعتراضات، فهل يقبل القسيسون بإنكار الأمم المشرقية لهذه الحادثة وباعتراضات أبنائهم الملاحدة؟!
ج - أن متى روي في إنجيله ٢٧ / ٥١ -٥٣ عدة حوادث عظيمة وقعت بعد حادثة الصلب مباشرة، وهي: انشقاق حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وتزلزل الأرض، وتشقق الصخور، وتفتح القبور، وقيام كثير من أجساد القديسين الموتى، وخروجهم من القبور، ودخولهم القدس، وظهورهم لكثيرين، وهذه الحوادث كاذبة يقينا لكن نقول: إن هذه الحوادث العظيمة غير مذكورة في كتب الرومان ولا في كتب اليهود، بل لم يذكرها إنجيل يوحنا، وإما إنجيل مرقس وإنجيل لوقا فذكرا انشقاق حجاب
стр. 188
الهيكل فقط ولم يذكرا باقي الأمور العظيمة، علما أن ذكرها أولى من ذكر صراخ المصلوب وأمور أخرى لا قيمة لها اتفقا على ذكرها، وعلما أن بعض الأمور يبقى أثرها بعد الوقوع كتشقق الصخور وتفتح القبور، والعجب من متى أنه لم يذكر أن هؤلاء القديسين بعد خروجهم من قبورهم أحياء أين ذهبوا؟! هل بقوا على قيد الحياة أم رجعوا إلى قبورهم؟! ولذلك استهزأ بعضهم بهذه المبالغات الشنيعة فقال: لعل متى رآها في المنام. ويفهم من عبارة إنجيل لوقا أن انشقاق حجاب الهيكل كان قبل وفاة المصلوب، بينما يفهم من عبارتي متى ومرقس أنه بعد وفاة المصلوب. فكيف يعالج القسيسون هذه المعضلات؟! د- أنه ورد في إنجيل متى ٣ / ١٦ -١٧ وإنجيل مرقس ١ / ١٠ -١١ وإنجيل لوقا ٣ / ٢١ -٢٢ أن يحيى عمد عيسى ﵉ في نهر الأردن، وفي وقت صعود عيسى من الماء، انشقت السماوات وانفتحت ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسيمة في شكل حمامة، وقال صوت من السماوات: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.
فانشقاق السماوات لم كان في النهار فلابد أن يراه أكثر أهل العالم، وكذا رؤية الحمامة المجسمة وسماع الصوت لا يختص بواحد دون غيره من الحاضرين، ومع ذلك لم يكتب أحد من مؤرخي ذلك الزمان هذه الحادثة غير الإنجيليين الثلاثة، ولذلك صارت سببا لاستهزاء ملاحدة أوروبا فقالوا: لماذا أبقانا متى محرومين من معرفة الأبواب التي انفتحت في السماوات هل هي أبوابها الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟! وفي أي جانب منها كانت هذه الأبواب؟!
стр. 189
وقسوسنا يضربون رؤوسهم متحيرين في تعيين ذلك. ولماذا لم يخبرنا متى عن الحمامة هل أخذها أحد وحبسها في القفص أم رأوها راجعة إلى السماوات؟!
وإذا رجعت إلى السماوات فهل بقيت أبوابها مفتوحة كل هذه المدة؟! وهل رأوا باطن السماوات بوجه حسن؟! فماذا يقول القسيسون في هذه التساؤلات؟! إذن فالاعتراض على معجزة انشقاق القمر لمحمد ﷺ اعتراض باطل ولا قيمة له.
٣ - معجزة تكثير الماء القليل: وهذه المعجزات صدرت منه ﷺ في مواطن متعددة، فقد «روى أنس بن مالك ﵁ أنه كان بالزوراء عند سوق المدينة وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الماء ليتوضؤوا فلم يجدوه، فوضع رسول الله ﷺ يده في إناء به ماء قليل، فجعل الماء يفور من بين أصابعه حتى توضأ الناس عن آخرهم.»
«وروي جابر بن عبد الله ﵁ أن الناس عطشوا يوم الحديبية، ولم يكن عندهم ماء، وكان بين يدي الرسول ﷺ إناء صغير به ماء قليل، فوضع ﷺ يده في الإناء فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون، وكان الناس ألفا وأربعمائة.»
«وروي جابر أن الناس لم يجدوا الماء في غزوة بواط، فجاء جابر بجفنة فوضع النبي ﷺ يده فيها وصب عليه جابر قليلا من الماء، فدارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بأن يتوضؤوا ويسقوا حتى لم يبق لأحد منهم حاجة بالماء، ورفع الرسول ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.»
وروي معاذ بن جبل ﵁ «أن الناس في غزوة تبوك لما وردوا العين وجدوها مثل الشراك، أي ضعيفة مثل سير النعل، فغسل الرسول ﷺ وجهه
стр. 190
ويديه في العين، فجرت بماء كثير له حس كحس الصواعق، فاستقى الناس، ثم قال ﷺ : " يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا ".»
«وروي عمر ﵁ أن الناس أصابهم العطش في جيش العسرة حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ في الدعاء، فرفع ﷺ يديه فلم يرجعهما حتى انسكبت السماء، وملئوا آنيتهم، ولم تجاوز العسكر.
» وروي عمران بن حصين ﵁ أنه «أصاب النبي ﷺ وأصحابه عطش في بعض أسفارهم، فوجه رجلين إلى مكان كذا، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة معها بعير عليه مزادتان (المزادة تشبه القرية) فذهبا فأتيا بها، فدعا الرسول ﷺ ربه، ثم أمر الناس فملؤوا آنيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملؤوه، والمزادتان لم تنقصا، ثم جمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها وقال لها: اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقانا.»
٤ - معجزة تكثير الطعام القليل: وهذه أيضا وقعت عدة مرات، فقد روي جابر ﵁ «أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأعطاه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ : لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم.»
«وعن جابر ﵁ أنه عجن صاعا من شعير وطبخ عناقا (أنثى المعز دون السنة) يوم الخندق، فبصق النبي ﷺ في العجين والقدر وبارك،
стр. 191
فأطعم من الصاع والعناق ألف رجل في ذلك اليوم.»
«وعن جابر ﵁ أن والده مات وعليه دين، فجاء غرماء أبيه ولم يكن الثمر يكفي لسداد ديونهم، فبذل لهم جابر أصل ماله فلم يقبلوه، فأخبر النبي ﷺ فأمره بقطف الثمار وجعلها بيادر (أي أكوام) ، فمشي فيها النبي ﷺ ودعا، فأوفى جابر دين غرماء أبيه، وزاد منها مثل ما كانوا يقطفون كل سنة.»
«وعن أنس بن مالك ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ بأقراص شعير تحت إبطه، فأطعم النبي ﷺ منها ثمانين رجلا.
» «وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ حين تزوج بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم، حتى امتلأ البيت والحجرة، فقدم لهم إناء صغيرا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا، فوضعه وغمس فيه ثلاث أصابعه، وجعل القوم يتغدون ويخرجون، وبقي الإناء نحوا مما كان.
» «وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه صنع للرسول ﷺ ولأبي بكر ﵁ طعاما يكفيهما فقط، فأمره النبي ﷺ أن يدعو ثلاثين من أشراف الأنصار، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، ثم أمره أن يدعو ستين، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، ثم أمره أن يدعو سبعين، فدعاهم فأكلوا وخرجوا، قال أبو أيوب ﵁: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا.
» وعن سمرة بن جندب ﵁ «أن النبي ﷺ أتي بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون.»
«وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أنهم كانوا عند النبي ﷺ مائة
стр. 192
وثلاثين رجلا، فعجن صاع من طعام، وصنعت شاة، فشوي سواد بطنها (الكبد وقيل: حشو البطن كله) ، فلم يبق أحد من المائة والثلاثين إلا أخذ قطعة لحم، وجعل الباقي في قصعتين حتى أكل الجميع، وحمل عبد الرحمن ما فضل على البعير.
» وعن سلمة بن الأكوع وأبي هريرة وعمر بن الخطاب ﵃ «أن مخمصة أصابت الناس مع رسول الله ﷺ في بعض الغزوات (وفي بعض الروايات أنها غزوة تبوك) ، فدعا ببقية الأزواد، فجاؤوا بما معهم من الطعام، وأعلاهم الذي يأتي بالصاع من التمر، فجمع على بساط كربضة العنز (أي كقدر العنزة وهي رابضة) ، فدعا الرسول ﷺ الناس أن يملؤوا أوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه، وبقي منه.»
٥ - كلام الشجر والحجر وشهادتهما له بالنبوة: عن ابن عمر ﵄ «أن الرسول ﷺ دعا أعرابيا إلى الإيمان برسالته، فقال الأعرابي: من يشهد لك على ما تقول؟ فقال ﷺ : هذه الشجرة السمرة، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تشق الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها.»
وعن جابر ﵁ «أن رسول ﷺ ذهب ليقضي حاجته، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده (أي البعير الذي جعل في أنفه حلقة فيها الخطام ليكون أسرع لانقياده) ، وفعل بالشجرة الأخرى مثل ذلك،
стр. 193
حتى إذا كان بينهما قال: التئما على بإذن الله، فالتأمتا، فلما قضى حاجته افترقتا وعادت كل واحدة منهما إلى منبتها، وقامت على ساق.
» وعن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ قال لأعرابي: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فجعل العذق ينقز (أي يثب صعدا) حتى أتاه، فقال رسول الله ﷺ : ارجع، فرجع على مكانه.»
وعن بريدة بن الحصيب «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ آية على نبوته، فقال للأعرابي: قل لتلك الشجرة: رسول الله يدعوك، فقال، فمالت الشجرة عن يمينها وعن شمالها، فتقطعت عروقها، وجاءت تشق الأرض حتى وقفت بين يديه ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت، فقال الأعرابي: ائذن لي أسجد لك، فقال ﷺ : لا ينبغي السجود إلا لله تعالى، فقال: ائذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن له.»
وروي بضعة عشر من الصحابة ﵃ «أن المسجد النبوي كان سقوفا على جذوع من نخل، وكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه، سمعوا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار من الإبل، حتى انشق الجذع، وارتج المسجد لشدة خواره، وكثر بكاء الناس، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليه فسكت، وقال: إن هذا بكى لما فقد من ذكر الله تعالى، والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة، ثم أمر به النبي ﷺ فدفن تحت المنبر.» وهذا الخبر بأنين الجذع وحنينه باعتبار مبناه مشهور عند السلف
стр. 194
والخلف، وباعتبار معناه متواتر يفيد العلم القطعي.
وروي ابن مسعود ﵁ قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام مع رسول الله ﷺ وهو يأكل.» ٦ - سقوط الأصنام: عن ابن عباس ﵄ أنه «كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما مثبتة في الحجارة بالرصاص، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد عام الفتح، جعل يشير إليها بقضيب كان في يده ويقول ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فما أشار لوجه صنم إلا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها.»
٧ - شفاء العلل بريقه وكفه المباركة ﷺ : عن سعد بن أبي وقاص ﵁ «أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ ، فكانت أحسن عينيه.»
وعن عثمان بن حنيف ﵁ «أن أعمى جاء إلى النبي ﷺ فقال له: ادع الله أن يكشف لي عن بصري، فعلمه الرسول ﷺ دعوات يدعو بها، فرجع وقد كشف الله عن بصره.»
«ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء فبعث رجلا إلى النبي ﷺ ، فأخذ بيده حثوة من الأرض، فتفل عليها وأعطاها للرجل، فأتاه بها وهو مشرف على الموت، فشربها فشفاه الله تعالى» .
«وعن حبيب بن فديك ﵁ أن أباه ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فكان يدخل الخيط في
стр. 195
الإبرة وهو ابن ثمانين سنة.
» «وتفل ﷺ يوم خيبر في عيني على ابن أبي طالب ﵁ وكان رمدا، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع.»
«ونفث ﷺ يوم خيبر على ضربة بساق سلمة بن الأكوع ﵁ فبرأت» .
«وجاءت إلى النبي ﷺ امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم، فأتي بماء فمضمض فاه وغسل يديه، ثم أعطاها الماء فسقته للصبي ومسته به، فبرأ وعقل عقلا يفضل عقول الناس» .
وعن ابن عباس ﵄ «أن امرأة جاءت بابن لها به جنون، فمسح النبي ﷺ صدره، فقاء فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود وشفي.
» «وانكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل، فمسح عليها النبي ﷺ وتفل فيها، فبرأت لحينها.»
«وكانت غدة في كف شرحبيل الجعفي، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها للنبي ﷺ ، فمازال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر.
» ٨ - إجابة دعائه ﷺ : «عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا له فقال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة.»
«ولما مزق كسرى كتاب النبي ﷺ دعا عليه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية، ولا بقيت لفارس رئاسة في سائر أقطار الدنيا.»
стр. 196
وأنشد النابغة الجعدي أبياتا عند رسول الله ﷺ ، فقال له: «لا يفضض الله فاك» ، فما سقطت له سن، وكان من أحسن الناس ثغرا، وعاش مائة وعشرين سنة، وقيل: كان إذا سقطت له سن نبت في مكانها سن أخرى.
وعن أنس ﵁ «أن أعرابيا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فشكا القحط، فدعا الله فسقوا، ولم يروا الشمس إلى الجمعة الأخرى، حتى دخل الأعرابي عليه ﷺ وهو يخطب، فشكا كثرة المطر، فدعا الله فانكشف السحاب.»
«وكان عتبة بن أبي لهب يسب النبي ﷺ ويؤذيه كثيرا، فدعا الله أن يسلط عليه كلبا من كلابه، فخرج عتبة في قافلة إلى الشام، فنزل منزلا فقال: إني أخاف دعوة محمد، فجعلوا متاعهم حوله وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد وأخذه من وسط أصحابه فذهب به.» ودعا ﷺ على محلم بن جثامة فأصبح ميتا، فدفنوه فلفظته الأرض، فدفنوه مرارا فلفظته الأرض، فتركوه.
وقال ﷺ لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك، فقال الرجل: لا أستطيع، ما منعه إلا الكبر، فقال له النبي ﷺ : لا استطعت. فما رفعها إلى فيه» .
وأكتفي بما ذكر؛ لأن مثل هذه المعجزات التي جرت على يديه ﷺ كثيرة تزيد على ألف، وهذه المعجزات وإن لم تتواتر كل واحدة منها، لكن القدر المشترك بينها متواتر بلا شبهة، كشجاعة علي وسخاوة حاتم، وهذا القدر المشترك المتواتر يكفي لإثبات ظهور المعجزات المتنوعة على يديه ﷺ وللرد على من ينكر ذلك.
стр. 197
[المسلك الثاني وجود المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته مما يجزم العقل بأنها لا تجتمع في غير نبي]
المسلك الثاني أنه ﷺ قد اجتمع فيه من الأخلاق العظيمة والأوصاف الجليلة والكمالات العملية والعلمية والمحاسن الراجعة إلى النفس والبدن والنسب والوطن ما يجزم العقل بأنه لا يجتمع في غير نبي، فإن كل واحد منها وإن كان يوجد في غير النبي أيضا، لكن مجموعها مما لا يحصل إلا للأنبياء، فاجتماعها في ذاته ﷺ من دلائل النبوة، وقد أقر المخالفون أيضا بوجود هذه المحاسن والأخلاق العظيمة في ذاته ﷺ .
[المسلك الثالث الكمال والشمول في شريعته ﵇ يدل على أن المبعوث بها نبي مرسل من الله تعالى]
المسلك الثالث أن شريعته ﷺ اشتملت على الاعتقادات والعبادات والمعاملات والسياسات والآداب والحكم بأكمل وجه، ومن نظر إلى هذا الكمال والشمول في شريعته ﷺ علم يقينا أنها من الوضع الإلهي والوحي السماوي، وأن المبعوث بها نبي مرسل من الله تعالى، ولا منشأ للاعتراض عليها إلا حب العناد الصرف والاعتساف.
[المسلك الرابع القرآن الكريم وانتصار النبي على الكافرين لا يكون إلا بعون إلهي]
المسلك الرابع أنه ﷺ ظهر بين قوم لا كتاب لهم ولا حكمة فيهم، فجاءهم بالكتاب المنير والحكمة الباهرة، وحثهم على الإيمان والعمل الصالح، وقام مع ضعفه وفقره وقلة أعوانه مخالفا لجميع أهل الأرض آحادهم وأوساطهم وسلاطينهم وجبابرتهم، فضلل آراءهم، وسفه أحلامهم، وأبطل مللهم، وهدم دولهم، وظهر دينه على سائر الأديان في مدة قليلة شرقا وغربا، وزاد ظهورهم على مر الأزمان، وأعداؤه مع تنوعهم وكثرة عددهم وشدة شوكتهم وشكيمتهم وفرط تعصبهم وحميتهم وبذل غاية جهدهم، لم يقدروا على إطفاء نور دينه، ولا على طمس آثار مذهبه، فهل يكون ذلك إلا بعون إلهي وتأييد سماوي؟!
стр. 198
وكتب أهل الكتاب نفسها تشهد بصدق محمد ﷺ ، ففي سفر المزامير ١ / ٦: (لأن الرب يعلم طريق الأبرار. أما طريق الأشرار فتهلك) .
وفي المزمور ٥ / ٦: (تهلك المتكلمين بالكذب. رجل الدماء والغش يكرهه الرب) .
وفي المزمور ٣٤ / ١٦: (وجه الرب ضد عاملي الشر ليقطع من الأرض ذكرهم) .
وفي المزمور ٣٧ / ١٧ و٢٠: (١٧) لأن سواعد الأشرار تنكسر وعاضد الصديقين الرب (٢٠) لأن الأشرار يهلكون وأعداء الرب كبهاء المراعي. فنوا. كالدخان فنوا) .
وفي سفر أعمال الرسل ٥ / ٣٥ -٣٩ كلام غمالائيل كما يلي: (٣٥) ثم قال لهم: أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس في ما أنتم مزمعون أن تفعلوا (٣٦) لأنه قبل هذه الأيام قام ثوادس قائلا عن نفسه إنه شيء. الذي التصق به عدد من الرجال نحو أربعمائة. الذي قتل وجميع الذين انقادوا إليه تبددوا وصاروا لا شيء (٣٧) بعد هذا قام يهوذا الجليلي في أيام الاكتتاب وأزاغ وراءه شعبا غفيرا. فذاك أيضا هلك وجميع الذين انقادوا إليه تشتتوا (٣٨) والآن أقول لكم تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم. لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض (٣٩) وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه. لئلا توجدوا محاربين لله أيضا) .
فعلى حسب نص هذه الفقرات لو كان محمد ﷺ متكلما بالكذب على الله ولم يكن نبيا صادقا لأهلكه الرب، ولقطع من الأرض ذكره، ولكسر
стр. 199
سواعده، ولأفناه كالدخان، ولبدده وأتباعه وشتتهم، ولنقض قوله وعمله، ولكن الله تعالى لم يفعل شيئا من ذلك، بل مد في الأرض ذكره، وعضده ونصره، وصدق قوله وعمله، فثبت بما لا يدع مجالا للشك صدق محمد ﷺ ونبوته ورسالته، وثبت أن اليهود والنصارى المكذبين له محاربون لله ورسوله، وقد قال الله تعالى في سورة الشعراء آية ٢٢٧ ٣٠: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وقال الله تعالى في سورة الصف آية ٨: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]
[المسلك الخامس حاجة العالم في هذا التوقيت لبعثة النبي ليزيل ظلمة الشرك ولتشرق شموس التوحيد على الأرض]
المسلك الخامس أنه ﷺ ظهر في وقت كان الناس كلهم محتاجين إلى من يهديهم إلى الطريق المستقيم، ويدعوهم إلى الدين القويم، فالعرب كانوا على عبادة الأوثان، والفرس على الاعتقاد بإلهين، والهند على عبادة البقر والشجر، واليهود على التشبيه والجحود وترويج الأكاذيب المفتريات على الله وعلى أنبيائه، والنصارى على التثليث وعبادة القديسين، وهكذا سائر أنحاء العالم في أودية الضلال، فمن حكمة الله العليم الحكيم أن يرسل في هذا الوقت أحدا يكون رحمة للعالمين، ولم يظهر أحد يصلح لهذا الشأن العظيم، ويؤسس هذا البنيان القويم غير محمد بن عبد الله ﷺ ، فأزال ظلمة الشرك والتثليث والثنوية والتشبيه، وأشرقت شموس التوحيد على الأرض، وإليه أشار الله تعالى بقوله في سورة المائدة آية ١٩: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]
стр. 200
[المسلك السادس البشارات المحمدية في الكتب السماوية السابقة]
[التنبيه إلى بعض الأمور]
المسلك السادس إخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته ﷺ ، (أي البشارات المحمدية في الكتب السماوية السابقة) .
وقبل ذكر بعض هذه البشارات فيما يلي التنبيه إلى بعض الأمور:
١ - أن أنبياء بني إسرائيل أخبروا عن الحوادث الآتية، كحادثة بخت نصر وقورش وإسكندر وخلفائه، وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل، فيبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد ﷺ الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول، ثم صار شجرة عظيمة تتآوى طيور السماء في أغصانها، فكسر الجبابرة والأكاسرة، وشاع دينه شيوعا تاما في الأوطان الأصلية لأنبياء بني إسرائيل، وبلغ شرقا وغربا في مدة وجيزة، وغلب كل الأديان، وامتد من ذلك الوقت وإلى الآن هو في توسع، فهذه الحادثة أعظم من كل الحوادث التي أخبر عنها أنبياء بني إسرائيل، فكيف يجوز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة، وتركوا الإخبار عن هذه الحادثة العظيمة جدا؟!
٢ - أن النبي المتقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط أن يخبر عنه بالتفصيل التام، بل غالبا ما يكون هذا الإخبار مجملا، فيكون خفيا عند العوام، أما عند العلماء فيكون جليا بواسطة القرائن، وقد يكون خفيا أيضا عند العلماء، فإذا ظهر النبي وصدقت نبوته بالمعجزات وعلامات النبوة، صار عندهم جليا بلا ريب، ولذلك عاتب المسيح ﵇ علماء اليهود بقوله المذكور في إنجيل لوقا ١١ / ٥٢: (ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة. ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم) .
وقد قال علماء الإسلام: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي محمد
стр. 201
صلى الله عليه وسلم، لكن بإشارات، ولو كان منجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد غموضا بنقله من لسان إلى لسان.
٣ - أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون نبيا آخر غير المسيح، ففي إنجيل يوحنا ١ / ١٩ -٢٥ أن علماء اليهود سألوا يحيى ﵇: أأنت المسيح؟ ولما أنكر سألوه: أأنت إيليا؟ ولما أنكر سألوه: أأنت النبي؟ أي النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى ﵇، فعلم أن النبي محمد ﷺ كان منتظرا مثل المسيح، وكان مشهورا عندهم بحيث ما كان محتاجا إلى ذكر الاسم، بل الإشارة إليه كانت كافية، ولذلك قابلوه بالمسيح، ففي إنجيل يوحنا ٧ / ٤٠ -٤١: (٤٠) فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي (٤١) آخرون قالوا هذا هو المسيح) .
ولما لم يثبت مجيء هذا النبي المعهود قبل المسيح، فثبت قطعا أنه يكون بعد المسيح، وأنه هو محمد ﷺ .
وأما قول المسيح ﵇ في إنجيل متى ٧ / ١٥: (احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة) . فالتمسك بهذا النص لنفي نبوة محمد ﷺ باطل قطعا؛ لأن المسيح ﵇ لم يأمر بالاحتراز من النبي الصادق، ولا أمر بالاحتراز من كل نبي يأتي بعده مطلقا، وإنما أمر بالاحتراز من الأنبياء الكذبة فقط، وقد ثبت في كتبهم ظهور أنبياء كذبة كثيرين في الطبقة الأولى بعد رفع المسيح ﵇ في عهد الحواريين، فمقصود المسيح ﵇ التحذير من هؤلاء الأنبياء الكاذبين لا من النبي الصادق الذي له علامات تدل على صدقه، ولذلك قال
стр. 202
بعد ذلك القول مباشرة في إنجيل متى ٧ / ١٦ و١٧ و٢٠: (١٦) من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا (١٧) هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة. وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية (٢٠) فإذا من ثمارهم تعرفونهم) .
ولا شك أن محمد ﷺ من الأنبياء الصادقين كما تدل عليه ثماره وثمار دعوته، ولا قيمة لطعن المنكرين له؛ لأن اليهود أنكروا نبوة عيسى ﵇ وكفروه، وليس عندهم رجل أشر منه من ابتداء العالم إلى زمان خروجه، وكذا ملاحدة أوروبا أنكروا وجود عيسى واستهزءوا به، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، وانتشرت كتبهم في أنحاء العالم، ويزيد أتباعهم كل يوم في ديار أوروبا، فكما أن إنكار اليهود وملاحدة أوروبا لعيسى غير مقبول عند النصارى وعندنا أيضا، فكذلك إنكار أهل التثليث لمحمد ﷺ غير مقبول عندنا.
٤ - أن أهل الكتاب سلفا وخلفا عادتهم جارية في تراجمهم بأنهم غالبا يترجمون الأسماء ويوردون بدلها معانيها، ويزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في متن الكلام الذي هو بزعمهم كلام الله، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم، ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة، فلو بدلوا في نصوص البشارات المحمدية اسما من أسماء النبي ﷺ أو زادو شيئا غامضا فلا استبعاد منهم؛ لأن هذا الأمر يصدر عنهم بحسب عادتهم، ولذلك لا يرجى منهم المحافظة في كتبهم على اسم محمد أو أحمد أو لقب من ألقابه ﷺ ؛ لأن عادتهم الجبلية التغيير والتبديل في كتبهم تغييرا بحيث يخل بالاستدلال حسب الظاهر؛ لتأييد مسألة مقبولة عندهم أو لدفع الاعتراض الوارد
стр. 203
ضدهم، وفرقهم لم يقصروا في هذا الأمر في هذا الأمر في مقابلة بعضهم بعضا، ولا شك أن اهتمامهم بمثل هذا الأمر في مقابلة المسلمين أشد وأقوى، ولذلك نجد أن نصوص البشارات المحمدية التي نقلها القدماء من علماء المسلمين في كتبهم غير موافقة في كثير من الألفاظ للتراجم المشهورة الآن، والسبب أنهم نقلوا من كتب أهل الكتاب المشهورة في زمانهم، ثم وقع التغيير في الألفاظ بعدهم، وقد يكون اختلاف التراجم أيضا سببا في ذلك، لكن الأول هو الراجح، لأننا نرى أن هذه العادة في التغيير جارية في تراجمهم وكتبهم إلى هذا الحين. وفيما يلي نقل بعض البشارات المحمدية من كتب أهل الكتاب:
стр. 204
[البشارة الأولى في سفر التثنية أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك]
البشارة الأولى: ورد في سفر التثنية ١٨ / ١٧ -٢٢: (١٧) قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا (١٨) أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به (١٩) ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه (٢٠) وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسمه آلهة أخرى فيموت ذلك النبي (٢١) وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب (٢٢) فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه) .
فالنبي المقصود بهذه البشارة هو محمد ﷺ ، وليس هو يوشع بن نون كما زعم اليهود، ولا هو عيسى ﵇ كما زعم النصارى؛ لما يلي:
١ - أن اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ كانوا ينتظرون نبيا آخر مبشرا به، فهذا الانتظار دليل قطعي على أن المبشر به غير يوشع الذي كان معاصرا لموسى ﵇، وأيضا هو غير عيسى الذي كان حاضرا معهم.
٢ - أنه وقع في نص هذه البشارة لفظ (مثلك) ، ويوشع وعيسى ليسا مثل موسى ﵇؛ لأنهما من بني إسرائيل، وعلى حسب نص فقرة سفر التثنية ٣٤ / ١٠ لم يقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى الذي كلمه الله وأرسله بكتاب مستقل وشريعة جديدة مشتملة على الأوامر والنواهي والحدود وأحكام الحلال والحرام والغسل والطهارات وغيرها، بينما كان يوشع وعيسى تابعين لشريعته، وكان موسى ﵇ رئيسا مطاعا في قومه منفذا للحدود ومسلطا عليهم، وليس كذلك عيسى ﵇؛ لأن كتابه الإنجيل خال
стр. 205
عن الأحكام والتشريعات، ولم يكن مطاعا في قومه، بل هو بزعم النصارى قتل مصلوبا بأيدي اليهود بعدما كفروه وأهانوه، فلا توجد المماثلة التامة بينه وبين موسى ﵉.
٣ - أنه وقع في هذه البشارة لفظ (من وسط إخوتهم) وفي بعض الروايات (من بين إخوتهم) ، ولا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى ﵇، فلو كان النبي المبشر به من بني إسرائيل لقال: (منهم) أو (من بينهم) أو (من أنفسهم) أو (من خلفهم) ، وبما أن يوشع وعيسى يرجع نسبهما إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، فهما من بني إسرائيل ولا تصدق فيهما هذه البشارة، والصواب أن المراد بالإخوة هنا هم بنو إسماعيل بن إبراهيم ﵉، فقد ورد في التوراة إطلاق لفظ الإخوة على نسل إسماعيل ونسل إسحاق، وورد في حق إسماعيل ﵇ في سفر التكوين ١٦ / ١٢: (وأمام جميع إخوته يسكن) .
وكذلك في سفر التكوين ٣٥ / ١٨: (أمام جميع إخوته نزل) .
وبما أن محمد ﷺ من نسل إسماعيل إخوة بني إسرائيل فتصدق فيه هذه البشارة صدقا بينا.
٤ - أن هذه البشارة وردت بصيغة الاستقبال؛ لأن لفظ (سوف أقيم) أو (أقيم) أو (يقيم) دال على مستقبل الزمان، فلا يصدق على يوشع فتى موسى الذي كان حاضرا عنده وملازما له، وداخلا في قوم بني إسرائيل.
٥ - أنه وقع في هذه البشارة لفظ: (أجعل كلامي في فمه) ، وهو إشارة
стр. 206
إلى أن النبي المبشر به ينزل عليه كتاب، ويكون أميا لا يقرأ في السطور المكتوبة، وإنما ينطق بكلام الله المنزل عليه والمحفوظ في صدره، ولا يصدق ذلك على يوشع الذي لم ينزل عليه كتاب أصلا، وكان يقرأ التوراة من السطور المكتوبة لا من حفظه.
٦ - أنه وقع في هذه البشارة: (الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه) ، وفي رواية: (ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك) . ولما كان هذا الانتقام امتيازا لهذا النبي المبشر به عن غيره من الأنبياء فلا يجوز أن يراد بالانتقام من منكر هذا النبي الانتقام الدنيوي بالمحن، ولا الانتقام الأخروي في جهنم؛ لأن هذا النوع من الانتقام الدنيوي أو الأخروي لا يختص بإنكار نبي دون نبي، بل هو يعم الجميع، والصواب أن المراد بالانتقام هنا الانتقام التشريعي بأن يكون هذا النبي المبشر به مأمورا من الله تعالى بالانتقام من المنكرين له، ومجاهدتهم بالسيف، واستحلال دمائهم وأموالهم، وسبي ذراريهم، وهذا يصدق كل الصدق على محمد ﷺ ، ولا يصدق على عيسى ﵇؛ لأنه لم يكن مأمورا بقتال منكريه، وإنجيله خال عن أحكام الحدود والقصاص والتعزير والجهاد.
٧ - أنه وقع في هذه البشارة في طبعة سنة ١٨٤٤م: (فأما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره بأنه يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل) .
وهو نص صريح في أن النبي الكاذب الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره به يقتل، وهو
стр. 207
موافق لقوله تعالى في سورة الحاقة آية ٤٤- ٤٦: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] فلو لم يكن محمد ﷺ نبيا صادقا لقتل، ومعلوم أنه ﵊ قاتل الأعداء وثبت لهم بنفسه في مواطن كثيرة، ولم يستطع أحد قتله، وعصمه الله تعالى من أعدائه، وعاش حتى التحق بالرفيق الأعلى بوفاة عادية وموت طبيعي، تصديقا لقوله تعالى في سورة المائدة آية ٦٧: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وأما عيسى ﵇ فيزعم أهل الكتاب أنه قتل مصلوبا، فلو كانت هذه البشارة في حقه للزم أن يكون متنبئا كما يزعم اليهود - والعياذ بالله.
تنبيه: بما أن محمد ﷺ مات موتا طبيعيا ولم يقتل فتصدق فيه هذه البشارة صدقا جليا، فلما تنبيه أهل الكتاب إلى ذلك قاموا بتبديل كلمة (فليقتل) الواردة في الطبعات القديمة، ووضعوا مكانها كلمة (فيموت) في طبعة سنة ١٨٦٥م وما بعددها؛ إصرارا منهم على تكذيب محمد ﷺ ، وذلك لأن الموت أعم من القتل، والنبي الصادق والكاذب كلاهما يموتان، ولكن هذا التحريف لنص البشارة لم ينفعهم في صرفها عن الدلالة على محمد ﷺ لما يلي:
٨ - لأن الفقرة (٢٢) آخر فقرات البشارة بينت أن علامة النبي الكاذب أن إخباره عن الحوادث الغيبية المستقبلية لا يكون صادقا؛ لأن الله يفضحه ويظهر كذبه، وبما أن محمدا ﷺ أخبر عن حوادث مستقبلية كثيرة وظهر فيها صدقه، فيكون نبيا صادقا حقا مرسلا من الله تعالى.
٩ - ولأن علماء اليهود المعاصرين له سلموا بأن محمدا ﷺ هو المبشر
стр. 208
به في التوراة، وبعضهم أسلم مثل: مخيريق وعبد الله بن سلام وكعب الأحبار، وبعضهم سلم بنبوته ولم يسلم مثل: عبد الله بن صوريا وحيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب، ولا غرابة في ذلك؛ لأن علماء اليهود المعاصرين لعيسى ﵇ سلموا بنبوته ومعجزاته، ثم أفتوا بكفره وقتله كما هو مصرح في إنجيل يوحنا ١١ / ٤٥ -٥٧ و١٨ / ١ -٢٤.
اعتراض أول: إخوة بني إسرائيل لا ينحصرون في بني إسماعيل فقط؛ لأن بنو عيسو بن إسحاق إخوتهم أيضا.
الجواب: لم يظهر في بنو عيسو بن إسحاق نبي تنطبق عليه الأمور المذكورة في هذه البشارة، ولم يرد وعد من الله لإبراهيم في حق عيسو بن إسحاق، لكن ورد وعد الله لإبراهيم وهاجر في حق ابنهما إسماعيل ونسله في مواضع كثيرة من التوراة.
اعتراض ثان: ورد في بعض الطبعات في هذه البشارة لفظ (الرب إلهك يقيم من بينك من بين إخوتك) . فلفظ (من بينك) صريح في أن النبي المبشر به يكون من بني إسرائيل.
الجواب: لو سلمنا بذلك لا ينافي مقصودنا؛ لأن قوله (من بين إخوتك) إما بدل اشتمال وإما بدل إضراب، وعلى كلا التقديرين يكون المبدل منه غير مقصود، ويكون المقصود الأصلي لفظ: (من بين إخوتك) ، ثم إن محمدا ﷺ لما هاجر إلى المدينة المنورة، وبها تكامل أمره، وكان بها وحولها عدد من قبائل اليهود مثل خيبر وبني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، فكأنه قام من بينهم، وهو في نفس الوقت قام من بين إخوتهم.
стр. 209
فائدة: فيما يلي بعض أوجه المماثلة بين موسى ومحمد ﷺ ، فكلاهما: (١) عبد الله ورسوله (٢) ذو والدين (٣) ذو نكاح وأولاد (٤) مأمور بالجهاد وبقتل المشركين الوثنيين (٥) مأمور بحد الزنا (٦) قادر على إجراء الحدود (٧) رئيس مطاع في قومه (٨) شريعتهما مشتملة على اشتراط طهارة الثوب والبدن للعبادة، والغسل للجنب والحائض والنفساء (٩) شريعتهما تحرم غير المذبوح وتحرم قرابين الأوثان (١٠) شريعتهما فيها تعيين القصاص والحدود والتعزيرات (١١) تحريم الربا (١٢) موتهما على الفراش ودفنهما.
وهكذا أمور أخرى تظهر منها المماثلة بالتأمل، ولذلك قال الله تعالى في سورة المزمل آية ١٥: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]
стр. 210
[البشارة الثانية في سفر التثنية وهذه هي البركة التي بارك بها موسى]
البشارة الثانية: ورد في سفر التثنية ٣٣ / ١ -٢: (١) وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته (٢) فقال: جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم) .
وفي طبعة سنة ١٨٤٤م وردت العبارة التالية: (استعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار في يمينه سنة من نار) .
فمجيء الرب من سيناء إعطاؤه التوراة لموسى ﵇، وإشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل لعيسى ﵇؛ لأن ساعير اسم لجبال فلسطين، واسم لقرية من قرى الناصرة، وأما استعلانه من جبل فاران فهو إنزاله القرآن الكريم على محمد ﷺ ؛ لأن فاران هي مكة المكرمة، والدليل على ذلك ما ورد في حق إسماعيل ﵇ في سفر التكوين ٢١: (٢٠) وكان الله مع الغلام فكبر. وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس (٢١) وسكن في برية فاران. وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر) .
وفي التوراة السامرية المطبوعة سنة ١٨٥١م تحديد فاران بأنها في الحجاز، وعبارتها كما يلي: (سكن برية فاران بالحجاز) .
ولا شك إن إسماعيل ﵇ كان مسكنه مكة المكرمة، ولم يظهر فيها نبي بعده غير حفيده محمد ﷺ ، فظهر أن المقصود باستعلان الله من جبل فاران هو نزول الوحي على محمد ﷺ في مكة المكرمة، لأنه لا يقال: جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا نزل فيه وحي من الله، وبما أن الوحي نزل بالتوراة في سيناء، ونزل الوحي بالإنجيل في ساعير (فلسطين) ، فكذا لا بد أن يكون
стр. 211
المقصود هنا نزول الوحي بالقرآن الكريم في مكة المكرمة، وأول شيء نزل من القرآن الكريم كان في غار حراء الذي هو في أعلى جبال فاران، وعبارة طبعة سنة ١٨٤٤م: (ومعه ألوف الأطهار) ؛ وعبارة بعض النسخ القديمة: (ومعه ألوف الصالحين ومعه كتاب ناري) صريحة في الدلالة على الصحابة الذين نصروا محمدا ﷺ ، وعز الدين بمتابعتهم له وجهادهم معه، فإذا فكر العاقل المنصف من هو النبي المبعوث في فاران ومعه ألوف الأطهار والصالحين ومعه كتاب ناري - الذي ما منه سورة إلا وفيها الوعيد بالنار للكافرين والمخالفين له - علم يقينا أن هذا المبشر به هو محمد ﷺ ، ولوضوح هذه البشارة في الدلالة عليه وكأنها نص فيه عمد أهل الكتاب إلى حذف عبارة: (ومعه ألوف الأطهار) وعبارة: (ومعه كتاب ناري) من الطبعات الحديثة، فهذه البشارة تدل دلالة صريحة على الأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وتدل على الكتب الثلاثة المنزلة عليهم في هذه المواضع الثلاثة المباركة، وهي موافقة لقوله تعالى في سورة التين آية ١-٣: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ - ٣] حيث أشار لمواضع بعثة الأنبياء الثلاثة؛ لأن فلسطين يكثر فيها التين والزيتون، لكن لما كان المقصود في القرآن التعظيم، تدرج من الأدنى إلى الأعلى، فرسالة موسى ﵇ أعظم من رسالة عيسى ﵇، ورسالة محمد ﷺ أعظم من رسالتيهما، وكذلك مكة أشرف وأقدس من فلسطين وسيناء، ولما كان المقصود في التوراة الخبر التاريخي فقط ذكرت هذه المواضع الثلاثة مرتبة على حسب زمان بعثة الأنبياء الثلاثة، فشبه بعثة موسى بمجيء الفجر، وشبه بعثة عيسى بشروق الشمس، وشبه بعثة محمد ﷺ بالظهور والاستعلان في كبد السماء الذي هو أوضح من سابقيه، وبه يتم النور على الخلائق ويكتمل، ولم يستعلن دين وكتاب في الأرض ماحيا من ظلمات الشرك والوثنية كالإسلام والقرآن اللذين جاء بهما محمد ﷺ .
стр. 212
[البشارة الثالثة في سفر التكوين ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا]
البشارة الثالثة: ورد في سفر التكوين ١٧ / ٢٠: (وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة) .
ونصها في طبعة سنة ١٨٤٤م كما يلي: (وعلى إسماعيل استجبت لك هو ذا أباركه وأكثره جدا فسيلد اثني عشر رئيسا وأجعله لشعب كبير) .
وورد نصها في بعض التراجم العربية القديمة كما يلي: (وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاك ها أنا قد باركت فيه وأثمره وأكبره بماد ماد) .
وقد صرح القاضي عياض في كتابه (الشفا) بأن من أسمائه ﷺ (مادماد) ، فقوله في البشارة: (وأجعله أمة كبيرة) (وأجعله لشعب كبير) ، بشارة بمحمد ﷺ ؛ لأنه لم يكن في ولد إسماعيل ﵇ من كان له شعب كبير وأمة كبيرة غير حفيده محمد ﷺ ، فهو الذي ورد في حقه دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ في قوله تعالى في سورة البقرة آية ١٢٩: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]
وقد ذكر القرطبي في كتابه (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام) بأنه يخرج من النص العبري لهذه البشارة اسم محمد ﷺ في موضعين بحساب الجمل الذي يستعمله اليهود فيما بينهم؛ لأن قوله في الترجمة العربية:
(وأكثره كثيرا جدا) وفي بعض الطبعات (جدا جدا) يقابله في اللغة العبرية (بماماد) ، وقوله (لشعب كبير) يقابله (لجوي جدول) ، ويبلغ مجموع حروف هذه الكلمات العبرية بحساب الجمل مجموع حروف كلمة (محمد) ،
стр. 213
وهو اثنان وتسعون، وصورتهما بالحساب المذكور كما يلي:
م
ح
م
د
٤٠ - + ٨ + ٤٠ + ٤ = ٩٢
ب
م
ا
د
م
ا
د
٢ - + ٤٠ + ١ + ٤ + ٤٠ + ١ + ٤ + = ٩٢
ل
ج
وي
ج
د
ول
٣٠ - + ٣ + ٦ + ١٠ + ٣ + ٤ + ٦ + ٣٠ = ٩٢
ولما أسلم الحبر عبد السلام الدفتري في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) صنف رسالة صغيرة، سماها: (الرسالة الهادية) ، وذكر فيها أن أكثر أدلة أحبار اليهود بحرف الجمل الكبير الذي هو حرف أبجد، ورد فيها على اليهود الذين نفوا أن تكون كلمة (بماماد) رمزا لاسم محمد ﷺ ، على ما تعارف عليه أحبارهم وأخفوه فيما بينهم، وضرب مثالا لكيفية استعمالهم هذا الحساب.
فوعد الله لإبراهيم وهاجر بتكثير نسلهما من إسماعيل حتى تكون أمة كبيرة وارد مورد المدح والتشريف لإسماعيل، ولا شرف له ولا مدح بكثرة النسل فقط إذا لم يكونوا على التوحيد والإيمان، ولما لم يظهر بعده نبي في مكة يدعو لذلك غير حفيده محمد ﷺ ، فكون إسماعيل أمة كبيرة لم يظهر إلا ببعثة محمد ﷺ ، ومن أنكر صدق هذه البشارة فيه وتصديق وعد الله بظهوره فليقل لنا أين هي الأمة الكبيرة التي ظهرت لإسماعيل غير الأمة المحمدية؟!
стр. 214
[البشارة الرابعة في سفر التثنية فأنا أغيرهم بما ليس شعبا بأمة غبية أغيظهم]
البشارة الرابعة: في سياق الحديث من عبادة بني إسرائيل الأوثان ورد في سفر التثنية ٣٢: (هم أغاروني بما ليس إلها. أغاظوني بأباطيلهم. فأنا أغيرهم بما ليس شعبا. بأمة غبية أغيظهم) .
ونصها في طبعة سنة ١٨٤٤ م كما لي: (هم أغاروني بغير إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة وأنا أيضا أغيرهم بغير شعب وبشعب جاهل أغضبهم) .
ويزيد هذه البشارة بيانا النص التالي من سفر إشعياء ٦٥ / ١ -٦، وما كتب بين الأقواس المعقوفة هو من طبعة سنة ١٨٤٤م: (١) أصغيت إلى الذين لم يسألوا. وجدت من الذين لم يطلبوني. قلت ها أنذا لأمة لم تسم (يدعوا) باسمي (٢) بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد (غير مؤمن) سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره (٣) شعب يغيظني بوجهي (يغضبني أمام وجهي) دائما يذبح في الجنات (البساتين) ويبخر على الآجر (ويذبحون على اللبن) (٤) يجلس في القبور ويبيت في المدافن (وفي مساجد الأوثان يرقدون) يأكل لحم الخنزير وفي آنيته مرق لحوم نجسة (٥) يقول: قف عندك (ابعد عني) لا تدن مني لأني أقدس منك (لأنك نجس) هؤلاء دخان في أنفي - رجزي) نار متقدة كل النهار (٦) ها قد كتب أمامي (قدامي) لا أسكت بل أجازي أجازي (أرد وأكافي جزاء) في حضنهم) .
فالمراد بالشعب الجاهل: العرب؛ لأنهم كانوا في غاية الضلالة والجهل، وهم المقصودون بالذين (لم يسألوا ولم يطلبوني ولم يدعوا باسمي) ؛ لأنهم كانوا غير واقفين على التوحيد الحقيقي لله، ولا عارفين لصفاته وأسمائه الحسنى، ولا عاملين بالشرائع المستقيمة، وما كانوا يعرفون سوى عبادة الأصنام،
стр. 215
فكأنهم ما كانوا سائلين عن الله، ولا طالبين له، ولا داعين باسمه، وفي أودية الضلال يهيمون، كما قال تعالى في سورة آل عمران آية ١٦٤: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] ومثلها في سورة الجمعة آية ٢ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]
وكان اليهود يحتقرون العرب لكونهم أولاد الأمة هاجر، ولجهلهم بالله وضلالتهم، ويرى اليهود أنفسهم أنهم يمتازون عن العرب بكونهم أولاد الحرة سارة، وفيهم الأنبياء والكتب والتشريع، ولكن بني إسرائيل بقتلهم الأنبياء، وانحرافهم عن التوحيد، وعبادتهم آلهة الأمم الوثنية وتقديم الذبائح لها أغضبوا الله تعالى، فشاء سبحانه أن يغيظهم بنقل النبوة منهم، وباصطفاء العرب الذين هم في نظرهم محقرون وجاهلون، فكانت بعثة النبي محمد ﷺ في هذه الأمة الأمية، وإنزال الكتاب والحكمة عليه لهدايتهم إلى الصراط المستقيم - أكبر درجات الإغاظة لبني إسرائيل.
وإننا إذا تتبعنا تاريخ اليهود وجدنا أن أكثر أمة أغاظت اليهود هي أمة العرب بعد البعثة المحمدية؛ لأنه وإن كان الفرس والروم قد دمروا مملكة اليهود في فلسطين وسبوهم أكثر من مرة، إلا أنهم لم يظهر فيهم كتاب ونبوة تقابل نبوة موسى وكتابه، تكون سببا لغيظ اليهود وحقدهم وغيرتهم، أما أمة محمد ﷺ فقد سبت اليهود وأذلتهم، وأورثها الله الكتاب والنبوة بعد انقطاعها في بني إسرائيل،
следующие страницы →