وكان ﷺ يسأل أصحابه وهو يعلمهم ليشحذ أذهانهم، فتتهيأ للإصغاء لما يقول لهم، ويضرب لهم الأمثال ليقرب لهم المعاني التي يريد أن يفهمهوها، كما روى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا حدثنا يا رسول الله، قال: هي النخلة» (١) .
وكان الرجل يأتيه من البادية، وهو ﵊ جالس في المسجد يعلم أصحابه فيسأله عن بعض أحكام الإسلام فيعلمه، وينصرف كما في قصة ضمام بن ثعلبه التي وردت في صحيح الإمام البخاري ﵀ (٢) .
وكان ﷺ يجلس لأصحابه في المسجد فيسألونه ويجيبهم، ولم يكن الأمر مقصورا على التعليم والفتوى، ولكن كان مسجده مكانا للصلح بين المتخاصمين، ولتطبيق حدود الله، وللفصل في القضايا، ولقضاء حوائج الناس ومتابعة الفقراء وإطعامهم (٣) .
стр. 37
وعندما يقوم العالم الإمام برسالته، ويؤدي دوره القيادي في المجتمع، وفق هدي المصطفى ﷺ نجد أثر ذلك واضحا في الناس، إذ المساجد جامعات عظمى يتخرج فيها العلماء العاملون، والرجال الصالحون، الذي يسيرون في الناس سيرا حسنا، وينهجون نهجا عظيما؛ لأن تعليم المساجد يختلف عن تعليم المدارس، ولقد أجاد سماحة الإمام العلامة عبد الله بن حميد ﵀ وهو أحد الذين تخرجوا في المساجد حينما فرق بين تعليم المسجد وتعليم المدارس من وجوه فقال: الوجه الأول - أن التعليم في المسجد يكتنفه جو عبادي، يشعر المعلم فيه والمتعلم، والسامع أنهم في بيت من بيوت الله فيكونون أقرب إلى الإخلاص، والتجرد، والنية الحسنة، لا يقصدون في الغالب من التعلم والتعليم إلا وجه الله، وأهدافهم هي التفقه في الدين، وأداء العمل على وجهه الصحيح والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لا يرجون من وراء ذلك مغنما ولا جاها، ولا منصبا، ولذلك تجد غزارة العلم وحفظه، وإتقانه عند كثير من علماء المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف طلاب المدارس فإنهم - في الغالب - لا يصلون إلى مرتبة علماء المساجد في ذلك، والواقع التاريخي يشهد بذلك، فهل خرجت المدارس، والمعاهد؛ والجامعات كالأئمة والمحدثين والفقهاء والنحويين ومن شابههم؟
стр. 38
الفرق الثاني - أن التعليم في المساجد أشمل حيث يدخل المسجد من شاء من العلماء المؤهلين ليعلم الناس، كما أنه يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير، العالم، والمتعلم، والمستمع على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت بخلاف المدارس فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا يؤذن لمن يريد أن يتفقه في الدين بالتردد عليها.
ولذلك اضطرت الدول في العصر الحديث إلى إيجاد مدارس لمحو الأمية، وهي شبيهة بالمدارس الأخرى، لا تفي بحاجة الناس كالمساجد، فالمساجد جامعات شعبية صالحة للمتعلمين على جميع المستويات.
الفرق الثالث - أن علماء المساجد وطلابها أقرب إلى عامة الشعوب من طلاب المدارس والجامعات، حيث تجد عامة الناس يقبلون إلى عالم المسجد وطلابه ويستفيدون منهم، كما تجد عالم المسجد وطلابه يهتمون بعامة الناس في التعليم والدعوة أكثر من غيرهم، ولا شك أن الارتباط بين طلاب العلم وجمهور الشعب له مزاياه الكثيرة في التعليم والدعوة والتوجيه (١) .
стр. 39
ومن هذه الفروق نعلم مدى أهمية رسالة الإمام العالم، وعظم مسئوليته، وحاجة الناس إليه على مختلف فئاتهم والله أعلم.
[ثالثا مسئولية إمام الجامع]
[مسئوليته تجاه المصلين]
ثالثا: مسئولية إمام الجامع أ - مسئوليته تجاه المصلين، ودوره التعليمي والتربوي والاجتماعي. لا يخلو الأمر في أئمة الجوامع من أحد ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون الإمام من طلاب العلم المتخصصين في علوم الشريعة.
الثاني: أن يكون الإمام من المهتمين بطلب العلم، وليس متخصصا.
الثالث: ألا يكون متخصصا ولا مهتما بطلب العلم.
فأما الأول والثاني، فلا شك أنهما من القادرين على القيام بهذه الأمانة، وتحمل المسئولية إذا خلصت النية، وعظمت الهمة؛ لأن تحمل هذه الرسالة، وأداءها على الوجه المطلوب مطلب عظيم يتوقف حصوله على همة عالية، ونية حسنة، فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه، وفاته من خير هذا العمل شيء كثير.
وبنظرة سريعة نجد في هذين الصنفين أمرين عظيمين وهما: العلم والإيمان، يقول ابن القيم ﵀ في شأنهما: أفضل ما اكتسبته
стр. 40
النفوس، وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] (١) ٠ ٠ ٠ وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (٢) . الآية، وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية (٣) أهـ. وهؤلاء أئمة أكفاء، يحقق الله على أيديهم خيرا كثيرا، أما الصنف الثالث فليس في درجة السابقين في تحمل المسئولية، والقيام بالعمل على وجهه المراد؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهو بحاجة إلى نظرة فاحصة، ومتابعة مستمرة، يتم من خلالها النهوض به إلى مستوى التحمل لهذه الأمانة، أو إسناد الأمر إلى من هو أهل له إذا بقى على حاله، إذ لا ينبغي أن يوسد الأمر إلى غير أهله.
ومسئولية إمام الجامع سواء كان في المدينة أو القرية تجاه المصلين ذات جوانب عديدة، وهي بحسب دوره التعليمي، والتربوي، والاجتماعي، وهذه الجوانب الثلاثة مأخوذة من طبيعة رسالة المسجد الذي يستمد مكانته الربانية من كونه مضافا إلى الله تعالى
стр. 41
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وهو أشرف البقاع وأحبها إلى الله ففيه يذكر اسم الله، ويسبح له، وتقام الصلاة، ويؤتى الزكاة، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ - رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] (١) .
ولما كان المسجد بهذه المكانة بدأ به النبي ﷺ قبل أن يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء حيث بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة، وأول مسجد بنى لعموم الناس، كما ذكر الإمام ابن كثير ﵀ (٢) . ثم لما واصل سيره إلى قلب المدينة (المسماة آنذاك بيثرب) كان أول ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده ثم الشروع في بنائه، وقد كان هذا هو الأساس الأول لبناء الدولة المسلمة حيث قامت على ثلاثة أسس: الثاني منها هو المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والثالث هو تلك المعاهدة التاريخية التي كانت نتيجتها أن تكون القيادة للرسول ﷺ على المسلمين والمشركين واليهود (٣) .
стр. 42
يقول الدكتور عبد الله قادري: إن الكاتب مهما تحدث عن مكانة المسجد، ومهما أورد من النصوص في ذلك، فإن وظائف المسجد أكثر إظهارا لمكانته في الإسلام، فعلى سمائه ترتفع الدعوة إلى الإيمان والعمل الصالح، وفي صحنه يؤخذ الإيمان، ويؤدى العمل الصالح، ومن على منبره يعلم الإيمان والعمل الصالح، وفيه يدعى إلى الجهاد في سبيل الله، وفيه تنظم كتائب الجهاد في سبيل الله، ومنه تنطلق جحافل الإيمان تحت راية الجهاد في سبيل الله (١) . ويقول الدكتور على عبد الحليم محمود: في المسجد تتعلم الأجيال الصاعدة كيف تهدأ وتسكن، وترعى حرمة المساجد، فلا صياح ولا صخب، ولا حديث بأصوات مرتفعة، ولا بيع ولا شراء، ولا نشدان ضالة ونحو ذلك، في المسجد تتعلم الأجيال النظام والدقة. . وفي المسجد يتعلم الناس التواضع والمساواة والعطف، والبر والالتزام بكل واجب، والطاعة والامتثال، وفي المسجد يتعلم الناس صغارا وكبارا يتعلمون العلم ويتفقهون في أمور دينهم، ويعلمون من أحوال إخوانهم المسلمين في البلاد النائية ما لا بد أن يعلموا عنهم حتى يمدوا لهم يد العون إن كانوا في حاجة إلى عون، والرأي والمشورة إن كانوا محتاجين إلى رأي ومشورة.
стр. 43
وفي المسجد يحدث التعارف بين المسلمين، وينمو التآلف والتواد. . وفي المسجد تصقل الشخصية المسلمة ويزول عنها ما يحتمل أن يكون قد علق بها من عيوب اجتماعية كالانعزالية والتواكلية والأنانية، حيث يهيئ المسجد لرواده مجال الانطلاق في المجتمع والتعرف على الناس، والتآخي معهم ومناصرتهم ماداموا على الحق (١) .
مما سبق تتضح مكانة المسجد في الإسلام، وأنه جامعة عظيمة ينطلق منها المد الإسلامي ليعم الدنيا بنوره وعدله، وأنه المحضن الأول لكل نهضة وإصلاح، وأن رسالته تعليمية، وتربوية، واجتماعية، وهذه الجوانب الثلاثة لا يمكن أن تقوم بدون قائم عليها، فهل المسجد المبني من الطوب أو الحجارة، والمشيد أحيانا على أحسن بناء هو الذي يتولى مهمة التعليم، والتربية، وغيرها؟ .
إننا نرى أحيانا مساجد قد شيد بناؤها، واتسعت أورقتها، وبدت منائرها ماثلة للعيان من مسافات بعيدة، ولكننا لا نرى أي جانب من الجوانب السابقة قد حظي فيها بالعناية والاهتمام، ونرى أحيانا مساجد بنيت بناء عاديا ليس فيه أدنى كلفة، لكنه قد تخرج فيهما رجال أفاضل، وحظيت تلك الجوانب، بأهمية كبرى وعناية فائقة.
стр. 44
ذلك أن المساجد برجالها القائمين عليها من مسئولين، وأئمة، ومن هنا فإن مسئولية إمام الجامع كبيرة جدا، وقد لا يستطيع - وهذا هو الغالب - القيام بها وحده، بل لا بد له من معاونين، إذن فمهمته تعليمية، وتربوية، واجتماعية، ومن الضروري أن يرسم المنهج بالتنسيق مع الجهة المسئولة في منطقته، ويضع برنامج هذا الجامع المتعدد الجوانب، وينفذ ما يستطيع بنفسه، ثم يكون حلقة وصل فيما يعجز عنه بنفسه بين الجامع وأهل القدرة والمسئولية لينفذ رسالته ويؤدي وظيفة المسجد المتكاملة.
أما الجانب التعليمي والتربوي فنجعله في الأمور الآتية:
أولا: إقامة الدروس العامة، التي من شأنها تفقيه المسلمين، وتعليمهم حقائق دينهم من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، مع العناية بسلامة العقيدة من الخرافات، وسلامة العبادة من البدع، وسلامة الأخلاق والآداب من الغلو والتفريط.
ثانيا: إقامة الندوات، والمحاضرات لمواجهة شبهة، أو فكر منحرف، أو حل مشكلة اجتماعية ينتدب لها المتخصصون، أو التركيز على جوانب تتعلق بمناسبة معينة، أو الحديث في موضوع من شأنه تثبيت معنى الإخوة الإسلامية، ومقاومة النزعات والعصبيات العنصرية المفرقة للأمة الواحدة.
стр. 45
ثالثا: إنشاء مكتبة تضم مجموعة من الكتب المنوعة، مع التركيز فيها على كتب السلف المعتمدة، وتحديد أوقات المطالعة فيها، وإسناد الإشراف عليها إلى شخص له خبرة بالكتب، وثقافة واسعة، وبعد نظره حتى لا تكون المكتبة وسيلة لنشر الكتاب الذي قد امتلأ بالمفاهيم المغلوطة، أو موضوعات الإثارة، أو قضايا الخلاف التي لا تفيد ويكون الإشراف والمسئولية على إمام المسجد.
رابعا: فتح حلقات تحفيظ القرآن بالتنسيق مع جماعة تحفيظ القرآن الكريم، لتكليف المعلم ويتولى الإمام، وأسرة المسح جد الإشراف والمتابعة كما هو حاصل في بعض الجوامع التي وفقت بإمام نشيط، وله اهتمامات وعناية بكتاب الله وبأبناء الحي أو القرية.
خامسا: يقوم الإمام المتخصص القادر بالتنسيق مع الجهة المعنية بفتح حلقات لتعليم الراغبين سواء كانت هذه الدروس التخصصية في فروع متعددة أو في مجال معين يحدده هو، كأن يركز على دروس العقيدة لأن له بذلك اهتماما أكثر من غيره أو على جانب الفقه، أو التفسير، أو الحديث، أو السيرة، وأما الذي لا يستطيع القياد بالدروس العامة أو التخصصية، فإن عليه بالتنسيق مع الجهة المسئولة أن يرتب درسا يكن في الأسبوع لعالم من العلماء أو في الأسبوعين، خاصة إذا لم يكن في المنطقة شيء من هذا، ولا نقصد تحويل جميع
стр. 46
المساجد الجوامع إلى دروس مستمرة ومتنوعة، لأن هذا لا يتأتى، وقد يزيد على الحاجة فيمل الناس، وإنما نقصد اختيار مسجد من المساجد، وتركيز الدروس فيه مع التنسيق بين أئمة الجوامع، هذا في الدروس الثابتة أمام إقامة محاضرة أو ندوة يدعى فيها العلماء فإن المساجد كلها بحاجة، وهذا ممكن وسهل جدا خاصة وأن الله قد مر على هذه البلاد في هذا الزمن بكثرة الدعاة طلاب العلم الغيورين الذين لديهم الاستعداد للقيام بالمحاضرات، والندوات، والدروس، في مختلف الجهات.
وأما الجانب الاجتماعي، فنعني به الأمور الآتية.
أولا: التماس الحل لمشكلة تقع بين اثنين من جماعة المسجد، والصلح بينهما، وقطع أسباب الخصومة والخلاف.
ثانيا: تلمس أحوال الفقراء والمساكين المحتاجين إلى دعم ومساعدة، وجمع المال الذي يعينهم على الخروج من المأزق الذي يقعون فيه.
ثالثا: عقد لقاءات من خلال الزيارة الشهرية (١) والتي يتم فيها التعارف والتآلف، وإزالة ما في النفوس أحيانا، والدعوة إلى مناسبة
стр. 47
تقام يجتمع فيها جماعة المسجد، واستغلال المواسم، مثل رمضان، والأعياد ليتم فيها الزيارة، ويحصل بها التواصل والمحبة والإخاء. وفي كل هذه الأمور يقع جزء كبير من المسئولية على إمام المسجد فهو القدوة والمحرك للجماعة إذا حرص على ذلك، ولا يخفى ما لهذا من الفوائد العظيمة، وهو في كل عمل يقوم به يحتاج إلى أبرز الجماعة ليعاونوه فيما يقوم به والله الموفق.
[مسئوليته تجاه خطبة الجمعة]
ب - مسئوليته تجاه خطبة الجمعة. الخطبة وسيلة من أهم وسائل الدعوة إلى الله، وتبليغ دين الله، نالت في الإسلام عناية فائقة، وأهمية بالغة في مختلف الأحوال والمناسبات، وخصت صلاة الجمعة بالخطبة التي تعد شرطا في صحتها، لا تصح صلاة الجمعة بدونها لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قال ابن قدامة ﵀ والذكر هو الخطبة، ولأن النبي ﷺ ما ترك الخطبة للجمعة في حال، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) ثم ساق لذلك أدلة كثيرة.
ولهذا تعظم مسئولية الخطيب لعظم الخطبة ومكانتها في الإسلام ولحاجة الناس إليها بين الحين والآخر " فالخطابة في الإسلام مظهر
стр. 48
الحياة المتحركة فيه، الحياة التي تجعل هذا الدين يزحف من قلب إلى قلب، ويثب من فكر إلى فكر، وهذا هو السر في أن النبي ﷺ خطب كل أسبوع، وكل عيد، ويخطب وينيب عنه أميرا يخطب في وفود الحجيج عند جبل الرحمة ودعما للحق جعل الله الخطابة من شعائر الإسلام، وجعل المسلمين يحتشدون كل أسبوع في المسجد ليسمعوا داعية إلى الله يذكر به ويعلم دينه " (١) .
[التزام هدي النبي ﷺ في الخطبة]
وإذا كان الأمر كما ذكر فإن على الخطيب تجاه الخطبة مراعاة ما يلي: أولا: التزام هدي النبي ﷺ في الخطبة جاء في زاد المعاد للإمام ابن القيم ﵀ فصل في هديه ﷺ في خطبته: «وكان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: " صبحكم ومساكم» ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين " ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى» ، ويقول: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢) . وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وأما قول كثير من الفقهاء أنه يفتتح الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيدين بالتكبير
стр. 49
فليس معهم فيه سنة عن النبي ﷺ ألبتة، وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بـ " الحمد لله "، وهو أحد الوجوه الثلاثة لأصحاب أحمد، وهو اختيار شيخنا قدس الله سره.
وكان يخطب قائما، وفي مراسيل عطاء وغيره «أنه ﷺ كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس ثم قال " السلام عليكم» . . وكان كثيرا ما يخطب بالقرآن ففي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت «ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (١) .
«وكان إذا تشهد قال: " الحمد لله نستعينه ونستغفره» (٢) الخ خطبه الحاجة المعروفة وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه.
وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة الخاطبين ومصلحتهم، ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها
стр. 50
بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم. وثبت عنه أنه قال: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» (١) .
وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر. . وكان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به، ثم رجع إلى خطبته، وكان يخطب فجاء الحسن والحسين يعثران في قميصين أحمرين فقطع كلامه، فنزل فحملهما ثم عاد إلى منبره، ثم قال: «صدق الله العظيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة (٢) رأيت هذين يعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما» (٣) .
وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب فجلس فقال له: «قم يا سليك فاركع ركعتين وتجوز فيهما ثم قال وهو على المنبر: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» (٤) .
وكان يقصر خطبته أحيانا، ويطيلها أحيانا بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة، وكان يخطب النساء على حدة في الأعياد ويحرضهن على الصدقة (٥) والله أعلم.
стр. 51
[التزام الحكمة والموعظة الحسنة]
ثانيا: التزام الحكمة والموعظة الحسنة. رائدة فبهذا قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) .
ولذلك يقول الإمام ابن تيمية ﵀: والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير المنكر " (٢) .
والله تعالى يقول مخاطبا موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (٣) .
قال القرطبي (٤) ﵀: في قوله تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] دليل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال. ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وقال ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فكيف بنا فنحن أولى بذلك، وحينئذ يحصل الآمر أو الناهي على مرغوبه، ويظفر بمطلوبه وهذا واضح، ثم فسر القول اللين بأنه الذي لا خشونة فيه، ثم قال فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون
стр. 52
قولا لينا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]
ولا يفهم من القول اللين والتزام الحكمة والموعظة الحسنة السكوت عن إنكار المنكر، ومجاراة الباطل وأهله، والمداهنة في أحكام الشرع كلا فإن على الخطيب أن ينصح لأئمة المسلمين وعامتهم ببيان الحق، ودحض الباطل، وبيان مكر الأعداء وما يدبرونه من المكائد، ويحذر من المنكرات الواقعة، وبين عاقبتها.
غير أنه ليس من الحكمة أن يقف الخطيب على المنبر ليشهر بالعصاة، أو يجرح الناس بأسمائهم، ويعلن في الناس أن فلانا فعل كذا أو كذا فهذا مخالف لهدي المصطفى ﷺ الذي لم يعرف أنه كان يشهر ويجرح، بل كان كثيرا ما يقول ما بال أقوام يفعلون كذا.
والإمام ابن رجب ﵀ يذكر عن السلف أنهم كانوا إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبيننه فهي نصيحة ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه، وقال الفضيل بن عياض ﵀: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وسئل ابن عباس ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف
стр. 53
ونهيه عن المنكر فقال: إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه (١) .
ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:
تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خلفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعه (٢)
ولا يخفى ما يؤدي إليه التجريح والتشهير من نفرة عن الحق وإصرار على الباطل، وشقاق وفرقة، ومفاسد كثيرة لا يتحقق معها مراد الناصح بل ربما حصل العكس وهو الدعاية لصاحب المنكر، فيتأثر ضعاف النفوس، ويزداد الأمر سوءا، كما لمسنا في المبالغة من التحذير عن بعض المنكرات التي أخذ الناس يتساءلون عنها، وأخذ السفهاء يتعرفون عليها، وعلى أماكنها، وأنواعها وربما وقعوا فيها بعد ذلك.
ومن مقتضيات الحكمة أن يبتعد الخطيب عن إثارة الخلاف، لأن الخطيب الناجح يجمع ولا يفرق، ويصلح بين المتخاصمين من خلال الكلمات الجميلة التي يرسلها فتهدي ثائرة الثائرين، وتجمع بين المختلفين.
стр. 54
[مراعاة أحوال المخاطبين واختلاف مداركهم وبيئاتهم]
ثالثا: مراعاة أحوال المخاطبين، واختلاف مداركهم وبيئاتهم. إن مراعاة أحوال المخاطبين أمر مهم لا يصح إغفاله، ومن لوازم اختيار الموضوع المناسب، والوقت المناسب، وعرضه بأسلوب يفهمه المخاطب، والحديث معهم على قدر عقولهم حتى لا يكون فتنة لهم فقد صح عن ابن مسعود ﵁ قوله: ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنه (١) وصح عن الإمام علي ﵁ قوله: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله (٢) .
وجاء في إحياء علوم الدين قول الغزالي " كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار " (٣) .
ومن مقتضيات مراعاة أحوال السامعين أن يدرك الخطيب الفرق بين مجتمع المدينة، ومجتمع القرية فلكل منهما ما يميزه، ولكل منهما مشاكله الخاصة به، وإن كان يحصل أحيانا اتفاق في بعض المشكلات إلا أن كلا من المجتمعين له ما يميزه، فإذا كانت مشكلة
стр. 55
الترف ظاهرة في المدينة فإنها ليست كذلك في القرية وإذا كانت القطيعة والخصومة ظاهرة في القرى فإنها ليست كذلك في المدينة، وإذا كان الربا متفشيا في المدن حيث تكثر الإغراءات، والإعلانات عن الأسهم ونحوها فإنها ليست كذلك في كثير من القرى التي ربما لم يسمع سكانها عن الشركات والأسهم، بل يعيش بعضهم عيش الكفاف.
[اعتماده على مصادر المعرفة الإسلامية الموثقة والترفع عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات]
رابعا: أن يعتمد الخطيب على مصادر المعرفة الإسلامية الموثقة وأن يترفع عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات المدسوسة والحكايات المكذوبة، والمبالغات المذمومة، وكل ما لا يسنده نقل صحيح أو عقل صريح، وأن تكون لغته هي الفصحى، ويبتعد عن العامية، والتكلف في الإلقاء، وأن يعد الخطبة إعدادا جيدا، ويوحد موضوعها، ويرتب الأفكار التي يطرحها بعيدا عن الارتجال الذي يبدأ صاحبه الحديث في قضية معينة، أو مشكلة محددة، ثم يختم الخطبة، وقد استعرض عدة قضايا أو مجموعة من المشكلات دون أن يحرر قضية، أو يحل مشكلة مما يسبب الملل للسامعين، ويضعف الثقة به.
أما إذا أعد الخطبة إعدادا جيدا، وحفظ عناصرها، وجملة ما يريد أن يقوله وكان ذا دربة ومران على الإلقاء بدون الكتابة فإنه لا بأس بذلك، ولا يعد هذا في تقديري ارتجالا.
стр. 56
ومن لوازم إعداد الخطبة أن يكون هو الكاتب لها، فلا تفرض عليه خطبة معينة يرددها ترديدا لا روح فيه، وقد تكون الخطبة الموجهة غير مناسبة للسامعين، ولا موائمة للوقت الذي تلقى فيه.
[ترتيب الأولى وتقديم الأهم من الموضوعات على المهم]
خامسا: ترتيب الأولى، وتقديم الأهم من الموضوعات على المهم. تقدير الأهم على المهم، وترتيب الأولى من الموضوعات يعني وضع الشيء في موضعه فلا يؤخر ما حقه التقديم، أو يقدم ما حقه التأخير ولا يعظم الأمر الصغير أو العكس، وإن كانت أمور هذا الدين كلها مهمة.
فإذا كان الخطيب في قرية أو مناطق نائية فليس من الفقه أن يؤخر الحديث عن أصول العقيدة، وشعائر الإسلام، ثم يبدأ بالحديث، فروع المسائل، وليس من الفقه أن يتحدث معهم في النوافل قبل الحديث عن الفرائض، ولكن الفقه يقتضي أن يبدأ بالفرض قبل النافلة، وبالواجب العيني قبل الكفائي، ويحذر مما ضرره أكبر قبل التحذير مما ضرره أخف.
وقد علم النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ هذه القاعدة حين بعثه إلى اليمن فقال: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم
стр. 57
فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعولك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بنها وبين الله حجاب» (١) .
يقول ابن حجر ﵀: " وأما قول الخطابي أن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة ولأنها إنما تجب على قوم في دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة فهو حسن، وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول أمره لم يأمن من النفرة (٢) .
[ترجيح المصلحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
سادسا: أن تكون المصلحة في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر راجحة. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل، وأنزلت الكتب (٣) .
стр. 58
ويقول في موضوع آخر: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته (١) .
ولكنه يبين ﵀ أن الميزان في اعتبار مقادير المصالح والمفاسد إنما يكون بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام (٢) .
وقد ضرب مثالا رائعا في قضية الموازنة بين المصلحة والمفسدة وهو أن النبي ﷺ ترك عبد الله بن أبي بن سلول، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان ثم قال. فإزالة المنكر بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم، وبنفور
стр. 59
الناس إذا سمعوا أن رسول الله ﷺ يقتل أصحابه٥، ولهذا لما خطب الناس في قضية الإفك بما خطبهم به، واعتذر عنه، وقال له سعد بن معاذ قوله الذي أحسن فيه حمى له سعد بن عبادة - مع حسن إيمانه وصدقه - وتعصب لكل منهم قبيلته حتى كادت تكون فتنة (١) .
وقد تبين ﵀ أن التعارض والاختلاط بين الحسنات والسيئات من أسباب الاختلاف العريض بين المسلمين، فقوم ينظرون إلى الحسنات فيرجحون تحصيلها وإن تضمنت سيئات عظيمة، وقوم ينظرون إلي السيئات فيرجحون تركها وإن تضمن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون من يقارنون بين مقدار المصلحة، ومقدار المفسدة، فينفذون ما غلب خيره وإن تضمن شرا، ويدعون ما غلب شره وإن تضمن تفويت خير قليل، وإذا التبس الأمر عليهم وقفوا حتى يتبين دون إن يلوموا غيرهم في هذه المواطن الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار النظار (٢) . وقد رأيت ضرورة التذكير بهذا لأننا نلحظ أنه عند إغفالها، أو الخطأ في تقدير الموازنة بين المصلحة والمفسدة أو بين المصلحة الراجحة والمصلحة المرجوحة، أو عند دفع أكبر المفسدتين بارتكاب أخفها
стр. 60
يحصل من جراء ذلك جدل ونزاع شديد، واختلاف يصل إلى الفرقة والمخالفة ويوقع الناس في الحيرة والاضطراب، ولا يخفى ما في هذا من المفاسد.
وعندما أسائل بعض المندفعين مع العاطفة عن جدوى كلامهم الحظ الندم عند المنصف منهم، لأنه يرى ما ترتب عليه من المفسدة التي كان بالإمكان دفعها ولو فاتت بعض المصالح، فإن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
وهذه القاعدة كثيرا ما نحتاجها في أوقات الفتن، ونزول البلاء حين تتزاحم المفاسد، وتختلط الأمور على الناس، ويفتي الراسخون من أهل العلم بارتكاب أخف الضررين، ودفع المفسدة العاجلة والله نسأل أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن والله أعلم.
[رابعا مسئولية إمام الفروض]
رابعا: مسئولية إمام الفروض من المعلوم أن إتقان العمل مطلب شرعي في جميع الأعمال، فالله تعالى يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه، وهو في الإمامة أعظم وآكد، لأنه - كما تقدم - قد بني اختيار الإمام على الأفضلية في القراءة، وفي العلم، وفي الفضل والعمل الصالح.
стр. 61
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ معقبا على حديث يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله: فأمر النبي ﷺ بتقديم الأفضل بالعلم بالكتاب. ثم بالسنة ثم الأسبق إلى العمل الصالح، ثم بفعل الله تعالى (١) .
وعلى هذا فليس من إتقان العمل أن يتقدم للإمامة من لا يجيد قراءة الفاتحة، أو سائر السور، أو يجهل أحكام الصلاة، فربما يفسدها وهو لا يعلم، ولذلك يقول الإمام ابن حجر ﵀: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو من حيث يكون عارفا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلا بذلك فلا يقدم اتفاقا، والسبب في ذلك أن أهل ذلك العصر - يقصد عصر النبي ﷺ كانوا يعرفون معاني القرآن، لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم (٢) . ويبين الإمام الخطابي ﵀ معنى السنة في الحديث فيقول: هي الفقه ومعرفة أحكام الصلاة، وما سنه رسول الله ﷺ فيها، وبينه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلا بأحكام الصلاة، وبما يعرض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، أو أخرجها، فكان العالم
стр. 62
بها والفقيه فيها مقدما على من لم يجمع علمها، ولم يعرف أحكامها، ومعرفة السنة وإن كانت مؤخرة في الذكر وكانت القراءة مبدوءا بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن يجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفا عن درجته في علم الفقه ومعرفة السنة، وإنما قدم القارئ في الذكر، لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أقرأهم أفقههم (١) . وإنما سقت هذا لأبين عظم المسئولية، وإن كان قد تقرر عند أهل العلم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وتقديم الإمام الراتب، وأنه أولى من غيره وإن كان غيره أعلم وأفضل قال في المغني: وإمام المسجد الراتب، أولى من غيره؛ لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان، وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضا له وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم، فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق؛ ولأنه داخل في قوله: «من زار قوما فلا يؤمهم» (٢) .
وإنما خصصت إمام الفروض بهذا الكلام لأنه كثيرا ما يحصل التساهل إما من قبل من يسعى للإمامة ليتعين في هذا العمل، أو من قبل الجهة المرشحة لهذا العمل.
стр. 63
وأذكر هنا بحديث المصطفى ﷺ : «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (١) .
قال في الفتح الرباني: ضامن لصلاة المأمومين لارتباط صلاتهم بصلاته فسادا وصحة، فهو الأصل وهم الفرع، ولهذا الضمان كان ثواب الأئمة أكثر ووزرهم أكثر إذا أخلوا بها (٢) .
وقد اتفق العلماء على عظيم ثواب الأئمة إذا أصابوا، وأدوا هذا العمل على الوجه الصحيح، ووقوع الوزر إذا أخلوا بها، أما فساد صلاة المأموم لفساد صلاة الإمام فهي مسألة مختلف فيها، وعندما فصل الإمام ابن تيمية ﵀ الحديث فيها وذكر الأقوال في المسألة رجح قولا ثالثا وعده أوسط الأقوال وهو أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإمام، لكن إنما يسري النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر منهما، فأما مع العذر فلا يسري النقص، فإذا كان الإمام يعتقد طهارته فهو معذور في الإمامة، والمأموم معذور في الائتمام قال ﵀ وهذا قول مالك وأحمد وغيرهما وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة (٣) والله أعلم.
стр. 64
[الخاتمة]
الخاتمة في نهاية هذا البحث الموجز أحب أن أشير إلى أهم النتائج على النحو الآتي:
أولا: الإمامة مبنية على الأفضلية، وعلى هذا فإمام القوم ينبغي أن يكون أفضلهم، ومن ثم فإن فضل الإمامة عظيم، ومنزلة الإمام عالية، وبالإمامة والإمام يحل العلم محل الجهل في الناس، والإقبال على الله محل الغفلة والإعراض، والطاعة ولزوم الاستقامة محل المعصية والانحراف والفضيلة والسعادة في المجتمع محل الرذيل والشقاء.
ثانيا: صفات القائم بالإمامة على قسمين: قسم هو الحد الأدنى، وهو أقل ما يجب عليه، وهو في غاية اليسر، والخلل في شيء منه يبطل الإمامة، وقسم هو الأولى فجدير بمن يتولى هذا العمل العظيم الذي يعد مسئولية وأمانة أن يتعاهد نفسه بشأنه، وينال منه حظ وافرا وقدرا طيبا، وكلما ازداد منه كلما كان قادرا على تحمل هذه المسئولية، ومؤديا لهذه الأمانة على الوجه المراد.
ثالثا: إمامة الفاسق في الاعتقاد أو الأعمال مكروهة باتفاق، فيكره الصلاة خلفه، ولكن الصلاة خلفه صحيحة على القول الراجح
стр. 65
من أقوال العلماء، وأما مستور الحال فلا يسأل عن معتقده، ويصلي خلفه، وهذا هو ما ذكره المحققون من أهل العلم.
رابعا: المسئولية منها: ما هو قدر مشترك يتحمله جميع الأئمة؛ لأنه أمر مقدور عليه لكل إمام، ومن المسئولية ما يعد قدرا خاصا يناط ببعض الأئمة دون الآخرين وذلك بحسب مكانتهم في الناس، وحاجة الناس إليهم، فالإمام العالم، وإمام الجامع من طلاب العلم المتخصصين في العلم الشرعي، أو المهتمين به ولو لم يكونوا في الأصل متخصصين يتحملون ما لا يتحمله غيرهم، وعلى من دونهم ألا يقتحم الإمامة فيزج بنفسه في المنزلة التي ليس من أهلها، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه.
خامسا: لأئمة الجوامع دور تعليمي، وتربوي، واجتماعي مستمر من طبيعة رسالة المسجد ذات الجوانب المتعدد، ومن الطبيعي أن يحتاج الإمام إلى من يكون عونا له من إخوانه بعد الله تعالى على أداء رسالته، والقيام بهذه المهمة المتكاملة؛ لأن المساجد جامعات تنطلق منها الأجيال وقد تعلمت، وتربت على الفضيلة وحصلت قدرا من العلم والتربية والأخوة والتكافل، فمن يعلمها، ويربيها، ويؤلف بين قلوب هذه الأجيال؟ إنه الإمام وهو المسئول الأول في
стр. 66
المسجد، ومعه صفوة من المصلين من باب ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فالمؤمن بإخوانه، وعليه أن يحسن الاختيار لهذه المهمة من الصادقين الأخيار.
سادسا: خطيب الجامع الناجح يراعي في أداء الخطبة الالتزام بهدي النبي ﷺ ، والاهتداء بهديه، ويلتزم الحكمة والموعظة الحسنة، ويعد الخطبة حتى تكون مفيدة ومؤثرة. إعدادا جيدا، ويراعي أحوال المخاطبين، والزمان، والمكان اللذين تلقى فيهما الخطبة، ويرتب الأهم على المهم بحسب حاجة السامعين، ويوازن بين المصلحة الراجحة والمرجوحة في طرح الموضوع فيقدم الراجحة، ويدفع المفسدة وهو في جميع الأحوال يبتغي وجه الله تعالى، ويرجو ثوابه، ويحرص على الالتزام بما يقول والعمل به، ويعمل جاهدا على تبصير إخوانه المسلمين، وهو بهم رءوف رحيم كما وصف الله تعالى نبيه محمدا ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] التوبة آية / ١٢٨ وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وأخذ بنواصينا للبر والتقوى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.