← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومبرإ من كل غبر حيضةٍ ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل فقام النبي ﷺ وقبل بين عيني، وقال: " جزاك الله يا عائشة عني خيراً، ما سررت بشيء كسروري منك وفي رواية ما سررت بشيء كسروري بكلامك. " وعن عائشة ﵂ قالت: " استعرت من حفصة بنت رواحة إبرةً، كنت أخيط بها ثوب رسول الله ﷺ فسقطت عني الإبرة، فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله ﷺ فتبينت الإبرة بشعاع نور وجهه، فضحكت فقال: يا حميراء لم ضحكت؟ قلت: كان كيت وكيت، فنادى بأعلى صوته، يا عائشة الويل ثم الويل، ثلاثاً، لمن حرم النظر إلى هذا الوجه. ما من مؤمن ولا كافر إلا ويشتهي أن ينظر إلى وجهي. وعن أم هانئ ﵂ قالت: ما رأيت بطن رسول الله صلى الله ﷺ إلا ذكرت القراطيس المثني بعضها على بعض. وعن أبي معبد الخزاعي: أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁ وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخراعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة وتطعم وتسقي فسألوها لحماً أو تمراً، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون فقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر خيمتها. فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: " هل بها من لبن " فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: " أتأذنين أن أحلبها؟ " قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله وقال: " اللهم بارك لها في شاتها " فتفاجت

стр. 352

ودرت واجترت، فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيها ثجاً حتى علته النهال فسقاها فشربت حتى رويت، ثم حلب وسقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل حتى أراضوا ثم حلب فيها ثانياً عوداً على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً هزلاً مخهن قليل لا نقي بهن، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاء عارقة؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب، صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صقلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل، في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، فصل لا نزر ولا هذر، أزهر اللون يعني أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود مشحود، لا عابس ولا مقبح. قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولو كنت وافقته لالتمست أن أصحبه ولأفعلنه إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. وأصبح صوتٌ بمكة بين السماء والأرض يسمعونه ولا يدرون من يقوله وهو يقول: من الطويل

стр. 353

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلاً خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت ... له بصريحٍ ضرة الشاة مزبد فغادره رهناً لديها لحالبٍ ... لجرتها في مصدرٍ ثم مورد فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم ﷺ فأخذوا على خيمتي أم معبد لحقوا النبي ﷺ فأجابه حسان فقال: من الطويل لقد خاب قومٌ زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنورٍ مجدد وهل يستوي ضلال قومٍ تسفهوا ... عمىً وهداةٌ يهتدون بمهتد نبي يرى مالا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد وإن قال في قومٍ مقالة غائبٍ ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد ليهن أبا بكرٍ سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد ليهن بني كعبٍ مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد أسلمت وهاجرت. وعن علي بن الحسين قال: قال الحسن بن علي ﵈: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حيلة رسول الله ﷺ ، وكان وصافاً، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئاً أتعلق به، قال: كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعرة، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا

стр. 354

تجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك سواء البطن والصدر، فسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سابل الأطراف، سبط القصب، خصمان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفياً ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه ويبداً من لقي بالسلام. قلت: صف لي منطقه قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لايذم منها شيئاً، لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه. ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. فكتمتها الحسين بن علي زماناً ثم حدثته بها، فوجدته قد سبقني إليه وسأل أباه عن ترحل رسول الله ﷺ ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئاً.

стр. 355

قال الحسين: سألت أبي ﵇ عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزأ لله ، وجزأً لنفسه، وجزأً لأهله. ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئاً، فكان سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم من مسألته عنهم، ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة. لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون رواداً عن ذواق، يخرجون أدلة يعني فقهاء قلت: أخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا مما يعينهم ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوز إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. فسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه؟ قال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق متقاربين

стр. 356

يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب. فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم نصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق. ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. قلت: فكيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقرير، والتفكر. فأما تقريره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى. وجمع له الحلم ﷺ في الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه. وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه للقبيح ليتنهى عنه، واجتهاد الرأي فيما يصلح أمته، والقيام لهم فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة. وعن سعيد بن المسيب قال: قال أنس ﵁: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا يومئذٍ ابن ثماني سنين فذهبت بي أمي إليه فقالت: يا رسول الله، إن رجال الأنصار ونساءهم قد أتحفوك، غيري، وإني لم أجد ما أتحفك به إلا ابني هذا، فتقبله مني يخدمك ما بدا لك. قال: فخدمت رسول الله ﷺ عشر سنين لم يضربني مرة قط، ولم يسبني، ولم يعبس في وجهي وفي حديث أنس بن مالك قال: لم

стр. 357

يكن رسول الله ﷺ سباباً ولا لعاناً ولا فحاشاً كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له ترب جبينه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: صحبت رسول الله ﷺ في عشر سنين، وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهة رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده ناولها إياه فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحداً من أصحابه فتناول أذنه ناولها فلم ينوعها حتى يكون هو الذي ينزعها عنه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وعليه ثوب نجراني غليظ الضفة فأتاه أعرابي من خلفه فأخذ بجانب ردائه حتى أثرت الضفة في صفح عنق رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أعطنا من مال الله الذي عندك، فالتفت رسول الله ﷺ يعني فتبسم وأمر له. وعن خارجة بن زيد: دخل نفر على زيد بن ثابت ﵁ فقالوا: حدثنا أحاديث رسول الله ﷺ قال: ماذا أحدثكم؟ كنت جاره فكان إذا نزل عليه الوحي أرسل إلي فكتبت له، وكان إذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وكل هذا أحدثكم عنه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد بالغدوات، فإذا قام إلى بيته لم نزل قياماً حتى يدخل بيته، فقام يوماً، فلما بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي فقال: يا محمد، احمل لي بعيري هذين، فإنك لا تحمل من مالك ولا من مال أبيك، وجبذه بردائه حتى أدركه فحمر رقبته، فقال رسول الله ﷺ : " لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى

стр. 358

تقيدني، قالها ثلاث مرات، ثم دعا رجلاً فقال: احمل له على بعيريه: على بعير شعير وعلى بعير تمر. " وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضرب خادماً له ولا امرأة له قط، ولا ضرب بيده شيئاً إلا أن يجاهد في سبيل الله ، ولا نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يكون لله، فإن كان لله انتقم، ولا عرض عليه أمران إلا أخذ الذي هو أيسر. حتى يكون إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. وعنها ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصراً عن ظلامة ظلمها قط إلا أن ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك. ما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما. وعن سعد بن هاشم قال: قلت لعائشة ﵂: ما كان خلق النبي ﷺ ؟ فقالت: قال الله تعالى: " إنك لعلى خلقٍ عظيم " فخلقه القرآن. وفي حديث أبي الرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: خلقه القرآن، يرضى الناس لرضاه ويسخط لسخطه. وعن عطية: في قوله تعالى: " وإنك لعلى خلقٍ عظيم " قال: أدب القرآن. وعن عمرة قالت: سألت عائشة ﵂: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه. قالت:

стр. 359

كان كالرجل من رجالكم إلا أنه كان أكرم الناس وأحسن الناس خلقاً، كان ضحاكاً بساماً. وروى الزهري عن بعض آل عمر بن الخطاب ﵃: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان ابن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام. قال عمر ﵁: قد أمكن الله منهم أعرفهم بما صنعوا حتى قام رسول الله ﷺ : مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ". قال عمر ﵁: فانتضحت حياءً من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون بدر مني، فقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال. وعن صفية بنت حيي ﵂ قالت: أردفني رسول الله ﷺ على عجز ناقته ليلاً قالت: فجعلت أنفس فيمسني رسول الله ﷺ بيده فيقول: " يا هذه يا بني حيي، وجعل يقول: يا صفية، إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك إنهم قالوا لي كذا، إنهم قالوا لي كذا ".

стр. 360

باب تطهير قلبه من الغل وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، وأخذه فصرعه وشق عن قلبه فاستخرج القلب، فشق القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره قالوا إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه فرأوه منتقع اللون. قال أنس ﵁: فقد كنت أرى أثر المخيط في صدره ﷺ . وعن أنس ﵁: أن الصلاة فرضت بمكة وأن ملكين أتيا رسول الله ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، فأخرجا حشوته في طست من ذهب، فغسلاه بماء زمزم، ثم كبسا جوفه حكمة وعلماً. وعن أبي العجفاء قال: حدثني شداد بن أوس قال: أقبل رجل من بني عامر شيخٌ كبير يتوكأ على عصاه حتى مثل بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنك تفوه بأمر عظيم، تزعم أنك رسول الله، أرسلت إلى الناس كما أرسل موسى بن عمران وعيسى بن مريم والنبيون، وإنما أنت رجل من العريب ممن يعبد هذه الحجارة والتماثيل فما لك والنبوة؟ وإنما النبوة من بيتين، من بيت خلافة وبيت نبوة، ولست من هذا ولا هذا، ولكن لكل قول حقيقة ولكل بدو شأن، فحدثني بحقيقة قولك وبدو شأنك. قال: وكان رسول الله ﷺ حليماً لا يجهل، فقال له: " يا أخا بني عامر، إن للأمر الذي سألتني عنه قصصاً ونبأ، فاجلس حتى أنبئك بحقيقة قولي وبدء شأني "، قال فجلس العامري، وتهافت العرب حذواً بين يدي رسول الله ﷺ فقال

стр. 361

رسول الله ﷺ : " إن والدي لما بنى بأمي حملت، رأت فيما يرى النائم أن نوراً خرج من جوفها، فجعلت تتبعه بصرها حتى ملأ ما بين السماوات والأرض نوراً، فقصت ذلك على حكيمة من أهلها، فقالت لها: والله لئن صدقت رؤياك ليخرجن من بطنك غلام يعلو ذكره بين السموات والأرض، وكان هذا الحي من بني سعد بن هوزان ينتابون نساء أهل مكة فيحضنون أولادهم، وينتفعون بخيرهم، وإن أمي ولدتني في العام الذي قدموا فيه، وهلك والدي فكنت يتيماً في حجر عمي أبي طالب، فأقبل النسوان يتدافعنني ويقلن: ضرع صغير لا أب له، فما عسانا أن ننتفع به من خير؟ وكانت فيهن امرأة يقال لها أم كبشة بنت الحارث، فقالت: والله لا أنصرف، عامي هذا، خائبة أبداً، فأخذتني وألقتني على صدرها، فدر لبنها فحضنتني، فلما بلغ ذلك عكي أبا طالب أقطعها إبلاً ومقطعات من الثياب ولم يبق عم من عمومتي إلا أقطعها وكساها، فلما بلغ ذلك النسوان أقبلن إليها فقلن: والله يا أم كبشة لو علمنا بركة هذا الغلام تكون هكذا ما سبقتنا إليه. قال: ثم ترعرعت وكبرت، وقد بغضت إلى أصنام قريش والعرب، فلا أقربها ولا آتيها، حتى إذا كان بعد زمين خرجت بين أتراب لي من العرب نتقاذف بالأجلة يعني البعر، فإذا بثلاثة نفر مقبلين، معهم طست من ذهب مملوء ثلجاً، فقبضوا علي من بين الغلمان، فلما رأى ذلك الغلمان انطلقوا هراباً، ثم رجعوا فقالوا: يا معشر النفر، إن هذا الغلام ليس منا ولا من العرب. وإنه لابن سيد قريش وبيضة المجد، وما من حي من أحياء العرب إلا لآبائه في رقابهم نعمة مجللة، فلا تصنعوا بقتل هذا الغلام شيئاً، فإن كنتم لا بد قاتليه فخذوا أحدنا فاقتلوه مكانه. قال: فأبوا أن يأخذوا مني فدية، فانطلقوا وأسلموني في أيديهم فأخذني أحدهم فأضجعني إضجاعاً رقيقاً فشق ما بين صدري إلى عانتي، ثم استخرج قلبي فصدعه، فاستخرج منه مضغة سوداء منتنة فقذفها ثم غسله في تلك الطست بذلك الثلج ثم رده، ثم أقبل الثاني فوضع يده على صدري إلى عانتي فالتأم ذلك كله، ثم أقبل الثالث وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفي ويدي، فقد لبثت زماناً من دهري وأنا أجد برد ذلك الخاتم، ثم انطلقوا وأقبل الحي بحذافيرهم وأقبلت معهم أمي التي

стр. 362

أرضعتني. فلما رأت ما بي التزمتني، قالت: يا محمد: قتلت لوحدتك وليتمك، وأقبل الحي يقبلون ما بين عيني إلى مفرق رأسي ويقولون: قتلت لوحدتك وليتمك، احملوه إلى أهله لا يموت عندنا، فحملت إلى أهلي. فلما رآني عمي أبو طالب قال: والذي نفسي بيده لا يموت ابن أخي حتى تسود به قريش جميع العرب، احملوه إلى الكاهن، فحملت إليه، فلما رآني قال: يا محمد حدثني ما رأيت، وما صنع بك فأنشأت أقص عليه القصص. فلما سمعه وثب علي فالتزمني وقال: يا للعرب اقتلوه، فو الذي نفسي بيده لئن بقي حتى يبلغ مبالغ الرجال ليشتمن موتاكم، وليسفهن رأيكم، وليأتينكم بدين ما سمعتم بمثله قط. قال: فوثبت عليه أمي التي أرضعتني فقالت: إن كانت نفسك قد غمتك فالتمس لها من يقتلها، فإنا غير قاتلي هذا الغلام، فهذا بدو شأني، وحقيقة قولي ". قال: فقال العامري: فما تأمرني يا محمد؟ قال: " آمرك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الخمس بوقتهن، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، وتؤدي زكاة مالك ". قال: فما لي إن فعلت ذلك؟ قال: " جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، وذلك جزاء من تزكى ". قال: يا محمد، فأي المستمعات أسمع؟ قال: " جوف الليل الدامس، إذا هدأت العيون، فإن الله حي قيوم يقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له ذنبه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ " قال: فوثب العامري فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

стр. 363

باب عصمة الله بالرسالة عما كان يرتكبه أهل الجهالة عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ماهممت بقبيحٍ مما يهم أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله منهما: قلت ليلةً لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهلها يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت. فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناءً وصوت دفوفٍ ومزامير فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بدلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك، فخرجت فسمعت مثل ذلك فقيل لي مثل ما قيل لي فسمعت كما سمعت حتى غلبتني عيني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئاً. قال رسول الله ﷺ : فو الله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته ". وفي حديث آخر: فكان رسول الله ﷺ يقول: " ما من نبي إلا ورعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا ". وعن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: ألا تقوم خلف رسول الله ﷺ ؟ قال: فلم يعد أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. وعن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنماً، تحضره قريش، تعظمه، تنسك له النسائك، ويحلقون رؤوسهم

стр. 364

عنده، ويعكفون عنده يوماً إلى الليل، وذلك يوم في السنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه، فيأبى رسول الله ﷺ ذلك حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب فجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تضع من أحساب آلهتنا، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً. قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوباً فزعاً، فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أم يكون بي لمم، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيته؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح: وراءك يا محمد لا تمسه، قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ. وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا، قالوا: هل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب وما الإيمان؟ وكذلك أنزل في القرآن: " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ". قال ابن عباس: كان محمد ﷺ يقوم مع بني عمته عند الصنم الذي عند زمزم واسم الصنم إساف. قال: فرفع رأسه يوماً إلى ظهر الكعبة ثم ولى ذاهباً. قال: فقال له بنو عمته: ما لك يا محمد؟ قال: إني نهيت أن أقوم عند هذا الصنم. وعن بريدة قال: دخل جبريل ﵇ مسجد الحرام فطفق يتقلب فبصر بالنبي ﷺ نائماً في ظل الكعبة. فأيقظه فقام ينفض رأسه ولحيته من التراب. فانطلق به نحو باب بني شيبة، فلقيهما ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ما يمنعك أن تصافح النبي ﷺ ؟ قال: أجد من يده ريح النحاس، فكأن جبريل أنكر ذلك، قال: أوقد فعلت؟ وكان النبي ﷺ نسي ثم ذكر فقال: صدق أخي، مررت أول أمس على إساف ونائلة فوضعت يدي على أحدهما

стр. 365

فقلت: إن قومي رضوا بكما إلهاً مع الله لقوم سوء. قال: وإساف ونائلة كانا شابين من قريش يطوفان بالكعبة فأصابا خلوة فأراد أحدهما صاحبه، فنكسهما الله نحاساً، فجاءتهما قريش فقالوا: لولا أن الله رضي أن يعبد هذان الإنسانان لما نكسهما نحاساً. قال ابن بريدة: أما إساف فرجل من وأما نائلة فامرأة من بني عبد الدار بن قصي. وعن ابن عباس قال: أول شيء رأى النبي ﷺ من النبوة أن قيل استتر، وهو غلام. قال: فما رأيت عورته منذ يومئذٍ. وعن العباس قال: كنا ننقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش، فكانت الرجال تنقل الحجارة والنساء تنقل الشيد؛ والشيد ما يجعل بين الصخر. قال العباس: كنت أنقل أنا وابن أخي محمد ﷺ ، فكنا ننقل على رقابنا، ونجعل أزرنا تحت الصخرة، فإذا غشينا الناس اتزرنا فبينا أنا ومحمد ﷺ بين يدي، إذ وقع فانبطح فجئت أسعى وألقيت الحجر فإذا هو ينظر إلى السماء فقلت له: ما شأنك؟ فقام فاتزر فقال: نهيت أن أمشي عرياناً، قال العباس: فكتمت ذلك عن الناس خيفة أن يروه جنوناً.

стр. 366

كيف كان بدء نبوته وبعثه عن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا رسول الله، كيف علمت أنك نبي أول ما علمت حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: " يا أبا ذر، أتاني ملكان وأن ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أه هو؟ قال: هو هو. فقال: زنه برجل، فوزنت برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة، فوزنوني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنوني بمئة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنوني بألفٍ، فرجحتهم، فجعلوا ينتشرون علي من كفة الميزان، فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته لرجحها، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني ثم قال أحدهما لصاحبه: أخرج قلبه، أو قال: شق قلبه، فشق قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاءة، ثم دعا بسكينة كأنها درهرهة بيضاء فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني فجعلا خاتم النبوة بين كتفي، فما هو إلا أن وليا عني، فكأنما أعاين الأمر معاينة ". عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " إن إلهي جل وعز اختارني في ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمتي، أنا سيد الثلاثة وسيد ولد آدم ولا فخر. اختارني وعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كنا رقوداً بالأبطح ليس منا إلا مسجى بثوبه، علي عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزه عند رجلي، فما نبهني من رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة وبرد ذراع علي ﵇ تحت خدي، فانتبهت من رقدتي، وجبريل في ثلاثة أملاك، فقال له بعض الأملاك الثلاثة: يا جبريل إلى أي هؤلاء الأربعة أرسلت؟ فضربني برجله

стр. 367

وقال: إلى هذا، وهو سيد ولد آدم، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: محمد بن عبد الله سيد النبيين، وهذا علي بن أبي طالب، وهذا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، وهذا جعفر له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء ". وعن عائشة ﵂ قال: أن نبي الله ﷺ كان أول شأنه يرى في المنام، فكان أول ما رئي جبريل ﵇ بأجياد، وإنه خرج لبعض حاجته فصرخ به يا محمد يا محمد فنظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً، ثم نظر فلم ير شيئاً، فرفع بصره فإذا هو يراه ثانياً، إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء، فقال: يا محمد، جبريل جبريل، فهرب محمد ﷺ حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئاً، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم ير شيئاً ثم خرج فنظر فرآه فذلك قوله ﵎: " والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ". وعن عائشة رضي الله عناه قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغارٍ يتحنث فيه وهو التعبد الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم "، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة

стр. 368

فقال: زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم قال لخديجة: أي خديجة مالي؟ وأخبرها الخبر، فقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا، أبشر والله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي: ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما أرى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى. يا ليتني فيها جذع. يا ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة بن نوفل: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني قومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي. وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ فيمل بلغنا، فغدا من أهله مراراً لكي يتردى من رؤوس شواهق الحرم، فكلما أوفى ذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه ويرجع، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى على ذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك. قال جابر بن عبد الله قال: رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالساً على كرسي بين السماء والأرض. قال رسول الله ﷺ فجئت منه فرقاً، فرجعت

стр. 369

فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فانزل الله تعالى: " يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر " وهي الأوثان. قال: ثم تتابع الوحي. قال عروة بن الزبير: وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : " أريت لخديجة بيتاً من قصب لا سخب فيه ولا نصب وهو قصب اللؤلؤ ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما أنا رحمة مهداة ". وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين ". وعن ابن عباس في قول الله تعالى: " وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين " قال: من آمن بالله ورسوله كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي من تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والخسف والقذف.

стр. 370

ذكر الوقت الذي أوحي فيه إليه ومعرفة أول ما نزل من الوحي عن ابن جعفر قال: نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، ورسول الله ﷺ يومئذٍ ابن أربعين سنة، وجبريل الذي كان ينزل عليه الوحي. وعن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث بعد بنيان الكعبة بخمس سنين ورسول الله ﷺ يومئذٍ ابن أربعين سنة كملاً. وعن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة: أي القرآن نزل أول؟ قال: " يا أيها المدثر " فقلت: " اقرأ باسم ربك "؟ قال سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل أول؟ قال: " يا أيها المدثر " قلت: " اقرأ باسم ربك " قال جابر: لا أحدثكم إلا ما حدثني رسول الله ﷺ قال: " جاورت شهراً بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحداً ثلاث مرات، ثم رفعت بصري إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء، فجئثت فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فأنزل الله " يا أيها المدثر "

стр. 371

ذكر ما قاسى رسول الله من التعذيب والتكذيب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ما بين ثلاثين من يوم وليلة مالي طعام آكله إلا شيء يواريه إبط بلال ". عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: " لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، قال: فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قولك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له ". قال عروة بن الزبير: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال: أقبل عليه ابن أبي معيط، ورسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عنقه

стр. 372

يخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبه فدفعه عن رسول الله ﷺ ثم قال: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ". وعن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ما اكثر ما رأيت قريشاً أصابت رسول الله ﷺ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، فصبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، فبينا هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى ثم مر الثالثة، فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر واقع، وحتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول حتى أنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشداً، فو الله ما أنت بجهول، فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه. فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأطاحوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك، ولقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر الصديق ﵁ يبكي دونه ويقول وهو يبكي: ويلكم " أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ". ثم انصرفوا عنه وإن ذلك أكثر ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: أكثر ما نالت قريش من رسول الله ﷺ أني رأيته يوماً، وذرفت عيناه حين ذكر ذلك، قال:

стр. 373

كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويده في يد أبي بكر الصديق ﵁، وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، فمر النبي ﷺ ، فلما حاذى بهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي ﷺ ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بيني وبين أبي بكر، وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعاً، فلما حاذاهم قال أبو جهل: والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة وأنت تنهانا أن نعبد ما كان عبد آباؤنا، فقال رسول الله ﷺ : أنا ذلك، ثم مضى عنهم، فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعت في صدره، فوقع على استه ودفع أبو بكر بن أمية بن خلف، ودفع النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله ﷺ ، وهو واقف، ثم قال لهم: أما والله لا تنتهون حتى يجل الله عقابه عاجلاً. قال عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل وهو يرتعد، فجعل رسول الله ﷺ يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم. ثم انصرف إلى بيته، وتبعناه خلفه حتى إذا انتهى إلى باب بيته وقف على السدة ثم أقبل علينا بوجهه، وقال: أبشروا، فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً. ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا. وعن أبي صخرة جامع بن شداد قال: كان فينا رجل يقال له طارق، قال: رأيت رسول الله ﷺ مرتين: أول مرة رأيته بسوق ذي المجاز وقد دميت عرقوباه، وهو على دابة يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل من خلفه يرميه يقول: لا تسمعوا منه، هذا الكذاب. قال: قلت: من هذا المقدم؟ قالوا: محمد ﷺ ، وهذا المؤخر عمه أبو لهب. ثم قدمنا بعد فنزلنا قرب المدينة، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ممن القوم؟ قلنا: من محارب، قال: من أين؟ قلنا: من الزبدة، قال: هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: نعم، هذا الجمل، قال:

стр. 374

بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقاً من تمر، قال: فأخذ برسنه ثم دخل المدينة، قلنا: أي شيء صنعنا؟ بعنا جملنا ممن لا نعرفه ومعنا ظعينة في جانب الحائط فقالت: لقد رأيت رجلاً كأن وجهه القمر لن يخيس بكم، أنا ضامنة ثمن البعير. فلما كان الغد جاءنا رجل فقال: أنا رسول الله ﷺ إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: ففعلنا ذلك. قال: ثم دخلت المدينة فرأيت رسول الله ﷺ قائماً يخطب على المنبر، وهو يقول: يا أيها الناس، اليد العلا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك. فضج ناس من الأنصار حول المنبر فقالوا: يا رسول الله هاهنا ناس من بني ثعلبة بن يربوع أصابوا منا دماً في الجاهلية، فأذن لنا بثأرنا، قال: فرأيت رسول الله ﷺ رافعاً بياض إبطيه، وهو يقول: ألا لا تجني أم على ولدها. وعن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في ظل الكعبة فقال أبو جهل وناس من قريش، وقد نحرت جزور في ناحية الكعبة، فبعثوا فجاؤوا من سلاها فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة ﵂ فطرحته عنه. فلما انصرف قال: وكان يستحب أن يدعو ثلاثاً. قال: اللهم عليك بقريش ثلاثاً، بأبي جهل بن هاشم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وبأمية ابن خلف، وعقبة بن ابي معيط. قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. قال أبو إسحاق أحد رواته: ونسيت السابع. وعن قيس بن أبي حازم أنه سمع خباباً يقول: أتيت رسول الله ﷺ وهو يومئذٍ متوسد برداً له في ظل الكعبة، وقد بلغ منه المشركون شدة ومشقة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا! قال: فجلس مغضباُ محمراً وجهه فقال: لقد من قبلكم، كان يمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم

стр. 375

أو عصب، فلا يفتنه ذلك عن دينه، وإن من كان قبلكم يوضع عليه المنشار فيشق باثنين فلا يفتنه ذلك عن دينه ولكنكم تعجلون، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله وفي رواية والذئب على غنمه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: رمي رسول الله ﷺ يوم أحد فكسرت رباعيته. وأدمي وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله : " ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ". وعن أبي حازم: أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله ﷺ قال: أنا والله، إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء. ومما روى قال: كانت فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ تغسله وعلي كرم الله وجهه يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها، فاستمسك الدم، وكسرت رباعية رسول الله ﷺ يومئذٍ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه. وكان رسول الله ﷺ بين شر جارين؛ عقبة بن أبي معيط وبين أبي لهب، فكان يصبح على بابه الأرجام والفرث، فيدفعها بسية سيفه ويقول: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه! وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعليها قالت: اجتمع مشركو قريش في الحجر فقالوا: إذا مر محمد ضربه كل رجل منا ضربة، فسمعتهم فاطمة فدخلت على أبيها فقالت: يا أبه، اجتمع مشركو قريش في الحجر فقالوا: إذا مر محمد ضربه كل رجل منا. فقال: يا بنية اسكتي، ثم خرج عليهم فدخل المسجد

стр. 376

فرفعوا رؤوسهم ثم نكسوا فأخذ من تراب فرمى بها وجوههم ثم قال: شاهت الوجوه فما أصاب رجلاً منهم إلا قتل يوم بدر. وعن ابن عباس: في قول الله : " إنا كفيناك المستهزئين " قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عطيل السهمي والعاص بن وائل، فأتاه جبريل ﵇ فشكاهم إليه رسول الله ﷺ فأراه الوليد أبا عمرو بن المغيرة فأومأ جبريل إلى أبجلة فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث الزهري فأومأ إلى رأسه قال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الحارث بن عطيل السهمي فأومأ إلى رأسه أو قال: إلى بطنه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ومر به العاص بن وائل فأومأ إلى أخمصه، قال: ما صنعت؟ قال: كفيته، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً له، فأصاب أبجله فقطعها، وأما الأسود بن المطلب فعمي، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعوا عني قد قتلت، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً وجعل يقول: يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت ها هوذا، أطعن بالشوك في عيني فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الأسود بن عبد يغوث الزهري فخرج في رأسه قروح فمات منها، وأما الحارث بن عطيل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها. وأما العاص بن وائل فبينا هو كذلك يوماً إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت فمات منها. وقيل: فركب إلى الطائف على حمار فربض به على شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته.

стр. 377

ذكر بعض ما ورد في فضله من القرآن عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ معنا إذ أغفى إغفاءة أو غمي عليه فرفع رأسه متبسماً قال: إما قالوا له، وإما قال لهم: هل تدرون مم ضحكت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر " حتى ختم السورة فلما قرأها قال: " أتدرون ما الكوثر؟ قال: فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير، لذلك النهر حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب فيختلج منهم العدد فأقول: رب إنه من أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق بعدد نجوم السماء ". وعن مجاهد قال: الكوثر خير الدنيا والآخرة. وعن عكرمة قال: الكوثر الخير الكثير: النبوة والكتاب. وعن ابن عباس قال: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفساً أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله عز وجل

стр. 378

حلف بحياة أحد غيره. قال: " لعمرك، إنهم في سكرتهم يعمهون " وقال في حديث آخر: إنه وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. وعن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: " أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول كيف رفع ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي " وعن أبي هريرة وأنس رضي اله عنهما عن النبي ﷺ عن حديث ليلة أسري به قال: " لما انتهيت إلى سدرة المنتهى خررت ساجداً فرفعت رأسي فقلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت عيسى تكليماً، وآتيت داود زبوراً، وآتيت سليمان ملكاً عظيماً، فقال: فإني قد رفعت لك ذكرك، فذكرك معي إذا ذكرت. ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك وجعلت قلوب أمتك أناجيل، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألتها من قبل قلت: يا رب، إنه كان قبلي منهم من كان يحيي الموتى، ومنهم من سخرت له الريح، قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى. قال: ألم نشرح صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا ربي ". وفي بعض الروايات زيادة: قال: فوددت أني لم أكثر مساءلته. وعن ابن عباس: في قول الله : " ورفعنا لك ذكرك " قال: لا يذكرون الله إلا ذكرت معه يعني النبي ﷺ .

стр. 379

وعن قتادة قال: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد إلا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وفي حديث آخر: ولا صاحب صلاة إلا ينادي فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. قال علي بن رباح: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذٍ على مصر، وعبد الله بن عمرو بن العاص جالس معه، فتمثل مسلمة ببيتٍ من شعر أبي طالب فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد، قد جاء بخير كثير، فقال عبد الله بن عمرو: ويومئذٍ كان سيداً كريماً قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل الله تعالى: " ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى " فقال عبد الله بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه، وأما العيلة فكل مل كان بأيدي العرب إلى القلة. قال أبو سعيد: يقول: أن العرب أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، ثم توفاه الله قبل أن يتلبس منها بشيء ومضى وتركها ومن فتنتها. قالوا: فذلك معنى قوله " عائلاً فأغنى ". وكان الربيع بن خيثم يقول: نعم المرء محمد ﷺ ، كان ضالاً فهداه الله، وعائلاً فأغناه الله، وشرح له صدره، ويسر له أمره، ثم يقول عرف وما عرف " من يطع الرسول فقد أطاع الله " فوض إليه فلا يأمر إلا بخير. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل: " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن

стр. 380

نوح " قال: كنت أولهم في الخلق وآخرهم في البعث. وعن ابن عباس قال: إن الله فضل محمداً ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء قالوا: يا بن عباس، ما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: " ومن يقل منهم إني إلهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : " إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قالوا: يا بن عباس، فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله يقول: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه " وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً " فأرسله الله تعالى إلى الإنس والجن. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أنزلت علي آية: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً " قال: شاهد على أمتك ومبشراً بالجنة ونذيراً من النار وداعياً إلى شهادة أن لا إله إلا الله ". بإذنه: بأمره، وسراجاً منيراً: بالقرآن. وعن ابن عباس: " وشاهدٍ ومشهودٍ " قال: الشاهد محمد ﷺ والمشهود يوم القيامة فذلك قوله: " فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ "

стр. 381

وعن حسين بن علي: في قوله تعالى: " ويتلوه شاهدٌ منه " قال: محمد ﷺ هو شاهد من الله . وعن ابن عمر: في قول الله ﵎: " كمشكاة " قال: المشكاة: جوف النبي محمد ﷺ ، والمصباح: النور الذي في قلبه، والزجاجة: قلبه " توقد من شجرة مباركةٍ " الشجرة: إبراهيم ﵇ " زينونة لا شرقيةٍ ولا غربيةٍ " قال: لا يهودي ولا نصراني. ثم قرأ: " ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ". وقيل في قوله : " قد جاءكم برهان من ربكم " قال: محمد ﷺ . " وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً " قال: الكتاب. قال عبد الله بن يزيد المقرئ: لم يقل هذا لنبي قبله ولا بعده. يعني قوله : " عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " فبدأ بالعفو قبل العتاب.

стр. 382

ما ورد في اصطفائه على العالمين وانتخابه من المرسلين عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " إن الله ﵎ اختار العرب واختار منهم كنانة، أبو النضر بن كنانة ثم اختار منهم قريشاً، ثم اختار منهم بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم " ﷺ . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع يوم القيامة ولا فخر. " وفي حديث آخر: " وأنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر ". وفي حديث آخر عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍ يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر. إلا وأن الدنيا خضرة حلوة، وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، ألا وأن لكل غادر لواءٍ يوم القيامة، ألا وأن لواءه عند استه، ألا وأن أعظم الغدر إمام عامةٍ ".

стр. 383

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفع ولا فخر ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فدفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة فهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. قال: فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن

стр. 384

ربي قد غضب مني اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، إنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه!؟ ألا ترى ما بلغنا!؟ فيقول لهم نوح: إن ربي قد غضب مني اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه!؟ ألا ترى ما بلغنا!؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وكلماته على الناس فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا قال: يقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، فيفتح الله لي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه بشيء لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب. فيقول أو يقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى. " وعن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام قال: كنا جلوساً عنده في المسجد يوم الجمعة فقال: إن أعظم أيام الدنيا عند الله يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه تقوم الساعة، وإن أكرم خليقة الله أبو القاسم ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه ".

стр. 385

وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر "، وفي رواية أخرى: أنا قائد المسلمين. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله أعطى موسى ﵇ الكلام، وأعطاني الرؤية، وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود ". وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي، وفي كل خيرٌ: أبو بكر وعمر وعثمان وعي، واختار أمتي على سائر الأمم، فبعثني في خير قرن ثم الثاني ثم الثالث تترى ثم الرابع فرادى ". وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لسيد الناس يوم القيامة غير فخر ولا رياء، وما من الناس من أحد إلا وهو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج، وإن بيدي للواء الحمد، فأمشي ويمشي الناس معه، حتى آتي باب الجنة فأستفتحه، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد. فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً شكراً له، فيقال: ارفع رأسك وقل تطع. واشفع تشفع. قال: فيخرج من النار من قد احترق، برحمة الله وبشفاعتي ". وعن حذيفة قال: قال أصحاب النبي ﷺ : إبراهيم خليل الله، وعيسى كلمة الله وروحه، وموسى كلمه الله تكليماً، فماذا أعطيت يا رسول الله؟ قال: " ولد آدم كلهم تحت رايتي يوم القيامة، وأنا أول من تفتح له أبواب الجنة ". وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إني لسيد الناس يوم القيامة ". وقال: " إن قذف المحصنة ليهدم عمل مئة سنة ". وعن عبيد الله قال: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمداً لسيد بني آدم يوم القيامة، ثم قرأ " عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ".

стр. 386

وعن عبد الله بن شقيق عن ابن أبي الجدعاء قال: قلت: يا رسول الله، متى جعلت نبياً؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ". وعن ابن عباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفرقتين أو قال: الفريقين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً وذلك قوله: " وأصحاب اليمين وما أصحاب اليمين " " وأصحاب الشمال " وأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. أو قال: الفريقين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسماً وذلك قوله: " وأصحاب اليمين وما أصحاب اليمين " " وأصحاب الشمال " وأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل القسمين أثلاثاً، فجعلني في خيرهم ثلثاً، فذلك قوله: " وأصحاب الميمنة " " والسابقون السابقون " فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين. ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة؛ وذلك قوله تعالى " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم " وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر. ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فذلك قوله تعالى: " يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، ويطهركم تطهيرا ". زاد البيهقي وغيره: " فأنا وأهل بيتي مهطرون من الذنوب ".

стр. 387

وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتطرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فإذا بعضهم يقول: عجباً إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أنه كلم موسى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: " قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجيه وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم ومن دونه ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك غلق الجنة ولا فخر، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر ". وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن جبريل ﵇ أتاني فقال: يا محمد، إن الله أمرني أن آتي مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها فآتيه بخير أهل الدنيا، فأتيتها فوجدت خير أهل الدنيا العرب، ثم أمرني أن آتيه بخير العرب فوجدت خير العرب مضر، يعني، ثم أمرني أن آتيه بخير مضر فوجدت خير مضر قريش، ثم أمرني أن آتيه بخير قريش، فوجدت خير قريش بني هاشم، ثم أمرني أن آتيه بخير بني هاشم فوجدت خير بني هاشم بني عبد المطلب، ثم أمرني أن آتيه بخير بني عبد المطلب، يعني فوجدتك خير بني عبد المطلب، وما كنت في صنف من الناس إلا كانوا خيار أهل الدنيا ". عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : قال جبريل ﵇: " قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أر رجلاً أفضل من محمد ﷺ ، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أبٍ أفضل من بني هاشم ". وعن عبد الله بن عمر قال: كنا جلوساً ذات يوم بفناء رسول الله ﷺ فمرت امرأة من بنات رسول الله ﷺ فقال بعض القوم: هذه بنت رسول الله ﷺ . فقال أبو سفيان: إنما مثل محمد ﷺ في بني هاشم كمثل الريحانة في وسط التين، فسمعت تلك المرأة فأبلغته رسول الله ﷺ فخرج أحسبه مغضباً

стр. 388

فقعد على منبره فقال: " ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق سماوات سبعاً فاختار العليا فسكنها، وأسكن سماواته من شاء من خلقه، وخلق أرضين سبعاً فاختار العليا فأسكنها خلقه، ثم اختار خلقه فاختار بني آدم، ثم اختار بني آدم فاختار العرب، ثم اختار العرب فاختار مضر، ثم اختار مضر فاختار قريشاً، ثم اختار قريشاً فاختار بني هاشم، ثم اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خياراً من خيار كذا. فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم ". عن ابن عباس قال: لم يزل الله تعالى يتقدم في النبي ﷺ إلى آدم فمن بعده، ولم تزل الأمم تتباشر به وتستفتح به حتى أخرجه الله خير في خير أمة وفي خير قرن وفي خير أصحاب وخير بلد، فأقام به ما شاء الله وهو حرم إبراهيم ثم أخرجه إلى طيبة وهي حرم محمد ﷺ فكان مبعثه من حرم إبراهيم ومهاجره إلى حرم محمد ﷺ . وعن أنس ﷺ أتي بالبراق ليلة أسرى به مسرجاً ملجماً. فلما أراد أن يركب استصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا، فو الله ما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض البراق عرقاً وفي رواية: وأقر. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لما خلق الله آدم خبره ببنيه، فجعل يرى فضائل بعضهم على بعض فرأى نوراً ساطعاً في أسفلهم، فقال: يا رب، من هذا؟ قال: هذا ابنك أحمد، وهو أول وهو آخر، وهو أول مشفع وفي رواية: وهو أول شافع. وعن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود ". وعن أبي كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر ".

стр. 389

وعن انس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا نصتوا، وأنا شافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا. لواء الكرم بيدي ومفاتيح الجنة بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربه ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون ". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً، واتخذني حبيباً. ثم قال: وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي ". وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إني عبد الله في أم الكتاب وخاتم النبيين وإن آدم منجدل في طينته، وسوف أنبئكم بذلك، دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ﵇، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين ". وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: سجد رسول الله يوماً فلم يرفع حتى ظننا أن نفسه قبضت فيها، فلما رفع قال: " إن ربي استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فاستشارني الثالثة فقلت لم كذلك، فقال تعالى: إني لن أخزيك في أمتك يا أحمد، فبشرني أن أول من يدخل الجنة معي من أمتي سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي: ادع تجب، وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي تعالى سؤالي؟ قال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك. وقال: أعطاني من غير فخر، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمسي حياً صحيحاً، وأنه أعطاني ألا يخزي أمتي ولا تغلب، وأنه أعطاني الكوثر نهراً في الجنة يسيل في حوض، وأنه أعطاني القوة والنصر والرعب يسعى بين يدي شهراً، وأنه أعطاني أني أول الأنبياء دخولاً الجنة، وطيب لأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيراً مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ولم أجد لي شكراً غير هذه السجدة ". وعن عمرو بن قيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله أدرك بي الأجل المرجو واختارني اختياراً، فنحن الآخرون ونحن السابقون

стр. 390

يوم القيامة. وإني قائل قولاً غير فخر: إبراهيم خليل الله، وموسى صفي الله، وأنا حبيب الله ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي، وأجارهم من ثلاث: لا يغمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدو، ولا يجمعهم على ضلالة ". عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خيار ولد آدم ﷺ خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ ، وخيرهم محمد ﷺ ".
следующие страницы →