ووجه القرآن الكريم إلى حسن معاملتهم والتعامل معهم، بل برهم والقسط إليهم، يقول المولى : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] [الممتحنة: ٨] ، وأعطى لهم المولى حق الاستجارة بالمسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] [التوبة: ٦] ، ليس لأن تمن عليه أو تستغل ضعفه لأي شيء آخر، إنما لقصد سماعه كلام الله، وقال ﷺ في ذلك: «ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» [سنن أبي داود] ، وقال ﵊: «من آذى ذميا فأنا خصيمه، ومن كنت خصيمه خصمته يوم القيامة» . وحرم الله قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فحرمة الأنفس على إطلاقها مكفولة في الشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] ، وقال ﷺ : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» . [صحيح البخاري] .
٦ - الدعوة إلى الوسطية والاعتدال وعدم الغلو في الدين: الغلو في الدين هو الطريق إلى التطرف الفكري والاعتقادي. والفهم الخاطئ للدين قد يدفع الإنسان إلى محاولة فرض ما يعتقده ويؤمن به بالقوة، وهذا ما أثبته الواقع المشاهد.
وقد نهت الشريعة الإسلامية عن الغلو في الدين، وحذرت المسلمين منه حتى لا ينجرفوا وينحرفوا، فجعل الله هذه الأمة وسطا؛ لأن دينهم كذلك، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] [البقرة: ١٤٣] ، ومثل هذا التوجيه جاء صريحا لأهل الكتاب؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] [المائدة: ٧٧] . فالغلو خلاف الوسطية، فإذ كانت الوسطية تعني الاعتدال والتوازن في الأمور كلها، فإن الغلو يعني الشقة والتضييق على النفس باتباع طريق
стр. 37
واحد بعيدا عن الوسط، ووسطية الإسلام توازن بين الأحكام، فلا غلو وتشدد، ولا تفلت ولا تسيب، فلا إفراط ولا تفريط في الإسلام، وقد ضرب لنا رسول الله ﷺ المثل العملي في ذلك مع بعض الصحابة الذين شددوا على أنفسهم بحثا عن المزيد من الطاعة، فقال أحدهم: أصوم الدهر كله ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم الليل كله ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ علمنا درسا عميقا في الوسطية والاعتدال، حيث قال ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» [صحيح البخاري] ، حيث إن ذلك بعيد عن روح الإسلام ومبادئه التي بنيت على التيسير وعدم التنفير (١) وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه إثم أو قطيعة رحم، وقد قال : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] [المائدة: ٦] ، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] [الحج: ٧٨] ، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] [البقرة: ١٨٥] . ووسطية الإسلام تحصين للمجتمع من الإفرازات التي يمكن أن توجد بسبب التضييق من المتطرفين الذي يعتمدون على نظرة ضيقة للكون وللحياة، وينطلقون منها إلى تخطئة كل رأي مخالف لهم باسم الدين، ويدينون كل فكر مخالف لفكرهم باسم الدين، الأمر الذي ينتهي بهم إلى تكفير الناس، بل والنيل من أعراض العلماء، ووصمهم بصفات غير لائقة، فالغلو في الدين باب إلى التطرف الذي يقود إلى العنف والسعي إلى إلزام المخالف رأيه بالقوة.
٧ - علو مكانة النفس في الإسلام: إن الإسلام قد كرم ابن آدم وأنزله منزلة رفيعة بما حباه الله من طاقات عقلية ونفسية، وبما أعطاه من قوام جميل وصورة حسنة لا يماثله فيها أحد من خلق الله على وجه الأرض.
إن الإنسان هو الكائن المفضل الذي كتب الله له أن يتبوأ الصدارة والمكانة الرفيعة بين الخليقة والكائنات جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] [الإسراء: ٧٠] .
стр. 38
يقول الفخر الرازي في تعليقه على الآية: "فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي " (١) .
٨ - تحريم قتل النفس: حرم الإسلام قتل النفس وسفك الدم المعصوم، وجعل ذلك من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] [الإسراء: ٣٣] ، " والقتل ظلما أكبر الكبائر بعد الكفر، وموجب لاستحقاق العقوبة في الدنيا والآخرة " (٢) .
وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] [النساء: ٩٣] ، وجعل من صفات المؤمن عدم القتل؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] [الفرقان: ٦٨] ، ويقول الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: "دلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا" (٣) .
ومن السنة ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. . .» (٤) .
وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» ، وقال ابن عمر ﵁: "إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله " (٥) ولو اشترك أهل السماء والأرض في قتل رجل واحد، لكان ذلك موجبا لدخولهم النار جميعا، روى الإمام الترمذي: «لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» (٦) .
стр. 39
٩ - تكوين روح التكافل بين أفراد المجتمع: من العوامل التي قد تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجريمة: الفقر، وعدم وجود عدل في الأمور الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات بعضها مع بعض، وقد جاء الربط بين الفقر وارتكاب جريمة القتل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] [الأنعام: ١٥١] ، وفي تفسيرها يقول الإمام الطبري: "ولا تئدوا أولادكم فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم، فإن الله هو رازقكم وإياهم، ليس عليكم رزقهم، فتخافون بحياتهم على أنفسكم العجز على أرزاقهم وأقواتهم ".
وما استعاذ النبي ﷺ من شيء أكثر من استعاذته من الفقر، الذي جاء في بعض الآثار ما يفيد أن الفقر من أسباب الكفر.
ومعالجة لهذا العامل فقد جاء في التشريع الإسلامي كثير من التوجيهات والوصايا لمعالجة مشكلة الفقر، فشرعت الزكاة والوقف والصدقات والكفارات وغيرها من الواجبات في أموال الناس عامة وتصرف على الفقراء حسب أحكامها وشروطها. كما أوجب على الدولة السعي إلى رزق الفقراء والمحتاجين، وتنظيم معيشتهم، وتدبير سكنهم وتعليمهم وعلاجهم، وغير ذلك من الواجبات الاجتماعية على الدولة.
١٠ - صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء: يحتل بناء الروابط الاجتماعية في الإسلام مكانة مهمة. ولهذا سعى إلى العمل على صيانتها ومعاجلة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، مما يعرض الأمن العام للخطر.
ومن أهم العوامل التي تؤثر سلبا في العلاقات الاجتماعية الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد مباشرة، أو بشكل غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجا خاصا لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تزعزع الأمن والاستقرار، وتحدث الفوضى من الهرج والمرج في المجتمع، بل قد تكون سببا في حدوث كوارث ونكبات
стр. 40
في المجتمع بين أفراده وغيرهم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] [الحجرات: ٦] .
ومنها أيضا الغضب الذي قد يدفع الإنسان إلى ارتكاب جريمة الاعتداء. ولهذا وجه الإسلام إلى عدم الغضب والبعد عن أسبابه لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض ونفرة قد تكون سببا في حدوث اعتداء بين أفراد المجتمع، فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] [الأعراف: ١٩٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] [فصلت: ٣٤، ٣٥] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] [آل عمران: ١٣٤] ، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] [الشورى: ٣٧] . وروى الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «إن رجلا قال للنبي ﷺ أوصني. قال: " لا تغضب "، فكرر السؤال مرارا، وفي كل مرة يقول له النبي ﷺ : " لا تغضب» (١) .
١١ - تحريم ترويع الآمنين: حرم الإسلام ترويع الآمنين المباشر وغير المباشر، ووجه إلى سد كل المنافذ وأبواب الذرائع التي قد تكون وسيلة للترويع، أو تعكير الجو الآمن، وجاءت الأحكام الشرعية مانعة لبعض الأفعال التي قد تسبب ترويع الآمنين وإخافتهم مثل تحريم الإسلام للإشارة بالسلاح، إذ شدد الإسلام في النهي عن هذا الفعل. وجاء في الحديث عن المصطفى أن الإشارة بالسلاح من موجبات الاستحقاق لعذاب الله الأليم في جهنم، فقد روى الإمام النسائي عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أشار المسلم على أخيه المسلم بالسلاح، فهما على جرف جهنم، فإذا قتله خرا جميعا فيها» (٢) .
[الاتجاه العلاجي]
ب: الاتجاه العلاجي: تقدمت الإشارة إلى أن منهج الإسلام في علاج الإرهاب قد سار في خطين متوازيين يسيران معا في آن واحد، الخط الأول: ما تقدم ذكره، وهو الاتجاه الوقائي،
стр. 41
أما الخط الثاني فهو ما شرع من العقوبات والأحكام التأديبية، وتهدف إلى ردع الحالات الخارجة عن السلوك السوي واجتثاثها، أي التي لم يجد معها الأسلوب الأول، فشذت عن السلوك الإسلامي القويم ومنهج الوسطية والاعتدال، فمارست الإرهاب، وتعدت على الآمنين.
هنا تبرز أهمية وسائل الإسلام العلاجية الرادعة لكل من تسول له نفسه أن يخرج ويشذ عن تعاليم الإسلام ومبادئه، وأن يمارس الإرهاب من خلال السعي في الأرض فسادا، أومن خلال الإفزاع والترويع والقتل والتدمير. وتتمثل وسائل الإسلام العلاجية في الردع لكل هؤلاء من خلال تشريع الحدود والعقوبات، التي تساعد على اجتثاث الإرهاب من المجتمعات، وتردع كل من تسول له نفسه ارتكاب أي عمل يخل بالأمن، فضلا عن أن هذه العقوبات لها دلالة أخرى في كونها تؤكد رفض الإسلام للإرهاب بكل صوره وأشكاله، واجتثاثه ومعالجة أسبابه، من خلال النهي عن كل عناصره التي يتكون منها ولا يقوم إلا بها؛ من إفزاع وترويع وتدمير وقتل وإكراه وسعي في الأرض فسادا وغيرها، فقد حرم الإسلام كل ذلك، وجرم فاعله، ونهى عنه، وشرع العقوبات الرادعة لكل من يرتكبها، منها العقوبات الأخروية التي تردع من يخاف الله ويخشاه، ومنها العقوبات الدنيوية الجسدية التي تردع من يتجرأ على حدود الله وتزجر آخرين، ومن أبرز تلك العقوبات:
١ - حد الحرابة: الحرابة: مشتقة من الحرب والمحاربة وقد جاء تبيينها في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] .
وقد عرفت الحرابة بوصفين عامين؛ هما: محاربة الله ورسوله، والفساد في الأرض، وهذان الوصفان يقتضيان تحديد العمل الإجرامي بالخروج على أحكام الشرع؛ لأن محاربة الله ورسوله ﷺ الواردة في الآية السابقة ليست على ظاهر النص، إنما يقصد بها العمل على ارتكاب الأعمال المخالفة لأحكام الله والخروج على منهاج رسوله ﷺ .
стр. 42
وقد قسم العلماء أحوال المحاربين أربعة أقسام: أخذ المال والقتل، والقتل فقط، وأخذ المال دون القتل، والإخافة دون قتل أو أخذ مال.
وتجتمع في هذه الصور الأربع مظاهر هي: حمل السلاح، وإخافة الناس، والخروج على طاعة الحاكم ومخالفة أمره. وهذه فيها محاربة لله ورسوله؛ لأن فيها مخالفة لشرعه وتعديا على حدود الله. ولكل واحدة من هذه الحالات العقوبة الشرعية التي تناسبها، وتراوح بين ثلاثة أحكام: القتل مع الصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، والنفي من الأرض.
والحرابة تتفق مع ما اصطلح على تسميته بالإرهاب في العصر الحديث؛ ذلك أن في الإرهاب حملا للسلاح، وإخافة للناس، وخروجا على القانون. وهذا التقارب في الصفة الظاهرة يقتضي التشابه في كيفية العقاب بعد توافر الشروط اللازمة للحكم على مرتكب الجريمة، وتطبيق مثل هذه العقوبة هو الذي سيستأصل هذا المرض ويقطع دابره.
٢ - حد القصاص: للنفس البشرية حرمتها ومكانتها في الإسلام، من أجل هذه المكانة ولكي يستتب الأمن عد الإسلام قتل واحد من الناس كقتل الجميع؛ لما يسببه قتل النفس من بث للخوف والرعب لدى عموم الناس، كما أن إحياءها كذلك إحياء لعموم الناس، لما في عدم التعرض لها من إحياء لها وعمل بالتشريع والأحكام التي تضمن تثبيت الأمن بين الناس، الذي هو وسيلة الحياة لكل الناس.
قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] ، وفي هذا توجيه إلى كل الناس لمحاربة ما فيه ضررهم وإيقاع القتل فيهم. فالواجب عليهم أن يقفوا صفا واحدا في وجه هذا الفعل الشنيع المخالف لما شرعه الله، وأن يطبقوا على فاعله أقسى عقوبة حتى يكون ذلك رادعا لمن تسول له نفسه الإقدام على هذه الجريمة النكراء، وهذا فيه حياة
стр. 43
لآخرين، كما جاء في آية القصاص أنه حياة للناس لما يحققه حكم القصاص من ردع وزجر من ارتكاب هذه الجريمة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] [البقرة: ١٧٩] ، يعني: "ولكم يا أولي العقول فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس والجراح والشجاج ما يمنع به بعضكم من قتل بعض، ودفع بعضكم عن بعض فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة " (١) .
٣ - حد البغي: البغي حالة من الخروج على إمام تمت بيعته شرعا؛ مما يعني الخروج على نظام الحكم بحمل السلاح، بتفسير أو رأي يسوغ للخارجين- حسب رأيهم- الخروج على من بيده سدة الحكم. وهذا الحال من إشهار السلاح والعصيان والتمرد على القيادة يوجب على ولي الأمر الوقوف في وجه هذه الفتنة، وقد حارب الإسلام هذا النوع من الفساد والتمرد على الولاية، وسن لذلك منهجا في المعالجة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] [الحجرات: ٩] ، ويقول النبي ﷺ : «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق في جماعتكم فاقتلوه» (٢) .
فالإسلام في تشريع قمع البغاة إنما قصد سد باب الذرائع التي قد يلوذ بها بعض أصحاب الهوى أو المخدوعون في القيام بأعمال إجرامية سعيا لنشر رأيهم وإجبار الناس على الأخذ به.
هذه أمثلة لبعض الأحكام التي شرعها الإسلام صيانة وحفظا للمجتمعات وأفرادها، وحفظا لأموالهم وأنفسهم وأعراضهم ودينهم وعقولهم وأمنهم. وهناك أحكام لا يتسع المجال لذكرها جميعا، وهي موجهة إلى تحقيق الأمن، وكبح الإرهاب، وصيانة المجتمع من التصرفات الشاذة والدخيلة.
مما سبق يتضح أن الإسلام يحارب كل أشكال إشاعة الفوضى، والانحراف الفكري والعملي، ويحارب كل عمل يقوض الأمن ويروع الآمنين، سواء أكان ذلك يسمى إرهابا أم حرابة أم بغيا، فجميعها صور تشيع الرعب والخوف في المجتمع، وترهب
стр. 44
الآمنين فيه، وتحول بينهم وبين الحياة المطمئنة، التي هي وسيلة حسن خلافتهم في الأرض بعمارتها في جو من الأمن والأمان، والسلام والاطمئنان، والتعارف والتعاون بين الناس جميعا، وعبادة الله وفقا لما شرع.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الإرهاب الذي حاربه الإسلام؟ فأقول: بعد هذا الاستعراض السريع لموقف الإسلام من الإرهاب بشتى صوره وأشكاله، ومن خلال الاطلاع على أساليب المعالجة التي سنتها الشريعة الإسلامية لمكافحة كافة أشكال الإرهاب ومعالجتها، فيمكن أن نقول: إن مصطلح الإرهاب المستخدم حاليا هو:
"كل فعل أو قول خارج عن شرع الله مخالف لما عليه العمل، ويلحق ضررا بالفرد أو بالجماعة أو بالمصالح العامة وبالممتلكات، ويشيع الخوف بين الناس ".
وبهذا نعلم أن ما اصطلح على وصفه بالإرهاب في العصر الحديث ليس المقصود به ما يدل عليه المصطلح في مفهومه اللغوي، إنما اصطلاح على وصف تلك الأعمال وتسميتها بهذا المصطلح وفقا لما يقصد به، وليس استخداما للدلالة اللفظية لهذا المصطلح في مفهومها الذي ذكرناه سابقا.
стр. 45
[الفصل الرابع الموقف الدولي من الإرهاب]
[القوانين والاتفاقات الدولية في مواجهة الإرهاب]
الفصل الرابع
الموقف الدولي من الإرهاب القوانين والاتفاقات الدولية في مواجهة الإرهاب: في ظل ما تقدمت الإشارة إليه من عدم اتفاق دولي على تحديد تعريف ومفهوم محدد للإرهاب، فإن من الصعب الحديث عن اتفاقية دولية واحدة ذات طابع عالمي تضع الإطار المناسب لمكافحة الإرهاب، وتكبح جماح مرتكبيه، وقد أدى ذلك إلى حال من الفوضى الدولية في مسألة تحديد مصطلح الإرهاب وتعريفه ومن الإرهابي.
ولهذا فإن معظم مشروعات الاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب تواجه عقبات كثيرة لأسباب متعددة؛ منها: -
أ- عدم تعاون بعض الحكومات أو ترددها في التعاون الدولي من أجل تعريف الإرهاب وتحديده، ووضع اتفاقية دولية لمواجهته، وذلك لمصالح مادية أو معنوية تكسبها، أو سياسية تتعلق بتأييدها لقضية معينة أو عدم تأييدها. بل ربما كان ذلك لأسباب أمنية حيث تخشى أن تصبح الدولة نفسها أو مصالحها هدفا للإرهاب.
ب- اختلاف الدول في تحديد مفهوم الإرهاب وتعريفه منح البعض فرصة للتذرع بمسألة مراعاة حقوق الإنسان عند إيوائهم لبعض الإرهابيين، أو منح حق اللجوء السياسي لبعض أفراد الجماعات الإرهابية، أو تحقيقا لمبدأ الحرية الذي تدعيه تلك الدولة، أو انطلاقا من مبدأ الحرية القانونية والقضائية فيها، وقد تجعلها بعض هذه الدول ورقة تلوح بها في وجه دولة أخرى كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وكم عانت كثير من دول العالم ويلات من حروب وتفجيرات وقتل واختطاف بسبب ما يجده الإرهابيون فكرا أو حسا من دعم من قبل دولة من دول العالم لهم، وقد تكون تلك الدولة الداعمة من الدول الكبرى؛ لأنها تناوئ تلك الحكومة، أو تريد وضعها ضمن منظومة الدول التي تدور في فلكها وتأتمر بأمرها، لتحقيق مكاسب مادية أو سياسية عن طريق الضغط عليها من خلال وجود تلك الخلايا الإرهابية أو منظريها على أرض
стр. 46
الدولة الأخرى.
ولهذا جاءت معالجة العالم للإرهاب معالجة جزئية، تعالج أنواعا من الإرهاب، ولا تعالجه بصفة عامة، ورغم أن تلك الاتفاقيات سواء أكانت ثنائية أم دولية تعد معالجات جزئية لبعض الجرائم، فإنها تحمل بعض الإيجابيات التي يمكن أن تحسب لها؛ ومنها:
أ- نبذ تلك الممارسات وتجريمها بصورة تتيح الملاحقة القانونية لمرتكبيها.
ب- أن تجريم الممارسات الإرهابية في قوانين الدول إلزام لها بمحاكمة مرتكبيها وفقا للإجراءات القانونية.
ج- الاعتراف بالمسئولية القانونية والأدبية تجاه محاسبة المجرمين وتسليمهم لجهات المحاسبة القانونية لتطبيق القانون بحقهم.
د- أخلاقيات التعاون الدولي والالتزام الأدبي بين المؤسسات القانونية في العالم يفرض سن تشريعات إدارية وأمنية وقانونية لبناء أسس التعاون في مكافحة الجريمة.
[موقف العالم من الإرهاب]
موقف العالم من الإرهاب: جاءت ولادة هيئة الأمم المتحدة على خلفية وقوف الدول العظمى في العالم في وجه حركة تمرد على القانون الدولي تزعمها هتلر، أو بمعنى آخر حركة إرهابية على مستوى دولة ضد دول العالم. وقد كلف إخماد نار تلك الحركة العالم الكثير من الأرواح والممتلكات والعتاد والمال.
وحتى لا يحصل للعالم مثلما حصل، فقد بادرت الدول التي خرجت من تلك الحرب إلى إنشاء هيئة دولية تعنى بوضع ميثاق دولي يكبح جماح من يريد الإضرار بالعالم أو بعض دوله، فأنشأت هيئة الأمم المتحدة، التي بادرت إلى تضمين قانون نشأتها وميثاق الانتساب إليها مواد لكيفية معالجة الإرهاب المتعارف عليه آنذاك، وجعلت ذلك مهمة من مهماتها، وعدته الأنموذج الأمثل لسد أي باب من أبواب الإرهاب والتمرد؛ لأن هدف هذه المنظمة المحافظة على الأمن والسلام الدوليين، من
стр. 47
خلال مؤسساتها الرسمية، كالجمعية العامة، ومجلس الأمن الدولي.
ولكن - ويا للأسف الشديد - لم تختف من نظام المنظمة الدولية، التي أنشئت للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، صورة تسلط القوي وهيمنته على الضعيف، وذلك بتشريع حق النقض (الفيتو) لأي من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وقد أثبت التاريخ أن هذه العصا كانت وراء كثير من مشكلات العالم، واستمرار المعاناة لكثير من دول العالم وشعوبه، والأدلة ماثلة أمام أعيننا ليل نهار، وقضية فلسطين مثال يتجدد كل يوم للتعبير عن فساد ذلك (الحق) وضرره، وهذا القانون المنتزع بالقوة سوغ لآخرين الخروج على القانون الدولي، تعبيرا عن عدم الموافقة على ما تتخذه بعض الدول ذات الأحقية- المنتزعة- بحق النقض من ممارسات أضرت بمصالح بعض شعوب العالم.
[جهود الدول في مكافحة الإرهاب]
جهود الدول في مكافحة الإرهاب: إن كل من ينظر في القوانين الداخلية للدول، يجد أنها لم تغفل عن معالجة قضايا الإرهاب داخل أراضيها بكافة أشكاله وصوره، سواء بشكل مجمل أم مفصل، ولكن الملحوظ على تلك القوانين ما يأتي:
أ- النظرة المحلية، أو ما يسمى بالهاجس الأمني الداخلي؛ إذ سنت كثير من تلك القوانين لمعالجة قضايا داخلية في الدول.
٢ - حداثة المواد والقوانين الخاصة بالإرهاب والتعديلات التي طرأت عليها.
٣ - أن تلك الأنظمة التي سنتها بعض دول العالم إنما جاءت لمحاربة منظمات وحركات هي في منظور تلك الدول حركات إرهابية، ففي بريطانيا مثلا صدر قانون مكافحة الإرهاب عام ١٩٧٦ م، وجرت عليه تعديلات بعد ذلك، والباعث على إصدار ذلك القانون كان لمواجهة منظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي والخلايا الإيرلندية الأخرى التي تسعى إلى تحرير إيرلندا الشمالية وفصلها عن بريطانيا. وفي إيطاليا في عام ١٩٨٠ م نظم في القانون مواد لمكافحة الإرهاب الذي يمارسه بعض الإرهابيين في اليمين واليسار المسيحيين المتطرفين، وكذا جماعة الألوية الحمراء. أما في ألمانيا فقد جاء
стр. 48
قانون مكافحة الإرهاب لمكافحة نشاط بعض الحركات الإرهابية النشطة في ألمانيا ضد حلف الناتو وبقايا الحركة النازية. وفي إسبانيا وفرنسا كذلك شرعت أنظمة وقوانين حديثة بسبب حوادث العنف والاعتداء التي وقعت فيها من بعض المنظمات المناوئة لها، أو التي تطالب بفصل جزء من تلك الدول تحت مسميات تراها حقا لها.
أما في أمريكا، فإن أنظمة مكافحة الإرهاب في قوانينها ونظمها الداخلية تعتمد على أسس من أهمها:
١ - أن الإرهاب ظاهرة محلية تواجهها كل دولة بمفردها.
٢ - وضع قواعد قانونية أمريكية لتصنيف من يرعى الإرهاب الدولي حسب المفهوم الأمريكي، وهو ما يضر بالمصالح الأمريكية أو يعرضها للخطر، وصنفت بعض دول العالم بالنظرة الأمريكية إلى دول ترعى الإرهاب وأخرى تسانده.
٣ - أجاز القانون الأمريكي استخدام المعونات الاقتصادية سلاحا ضد الدول التي ترعى الإرهاب حسب التصنيف والمفهوم الأمريكي، وذلك بقطع المعونات الاقتصادية بأية طريقة من الطرق، خاصة للدول المحتاجة، أو بالمقاطعة الاقتصادية.
٤ - يجوز للحكومة الأمريكية مساعدة أية جماعة أو حركة أو منظمة خارجة على دولتها إذا كانت المصلحة الأمريكية تقتضي ذلك.
أما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ م، فقد تغيرت النظرة الدولية لظاهرة الجريمة المنظمة، أو ما اصطلح على تسميته بالإرهاب، وخاصة الحكومة الأمريكية، التي عدت نفسها المتضرر الوحيد من تلك الجريمة، وقد تلخصت التغييرات القانونية العملية في عدة نقاط من أهمها:
١ - العمل على تدويل ظاهرة الإرهاب، وتصنيفه ضمن الظواهر العالمية التي يجب على دول العالم التعاون لمواجهتها.
٢ - استخدام هيئة الأمم المتحدة لسن تشريعات وإصدار قرارات تجيز لدولة أو أكثر من دول العالم شن حرب على بلد آخر بحجة ضلوع جماعات فيها في عمليات
стр. 49
إرهابية، واعتبار من يقف في وجه تلك الحرب مجرم حرب يعاقب بموجب قانون مجرمي الحرب، حتى وإن كان يدافع عن بلده وأرضه وحكومته حسبما يراه، ويتفق مع قانون بلده.
٣ - العمل على إيجاد صيغة دولية لتجفيف مصادر التمويل التي يخشى أن يساء استخدامها في عمليات إرهابية.
ومع وجاهة كل إجراء يتخذ في سبيل مكافحة الإرهاب، فإن مما يجب الإشارة إليه في هذا المجال ما يأتي:
١ - أن منهجية المكافحة الجماعية للإرهاب واحتواء كل سبله كانت وما زالت مطلبا ملحا لكثير من الدول التي عانت ولا تزال تعاني من بعض الجماعات والحركات الإرهابية فكرا أو خروجا على قانون تلك الدول.
٢ - أن احتضان بعض دول العالم لأشخاص أو جماعات تدخل ضمن التصنيف القانوني للإرهاب، مما يمكنهم من بث أفكارهم وسمومهم الإرهابية التي تخلق خلايا إرهابية في الدول الأخرى، خطأ يجب معالجته.
٣ - استخدام بعض الدول مبدأ حقوق الإنسان، أو الحرية الفردية، أو استغلال القانون والقضاء الداخلي فيها، لتسويغ عدم التعاون مع دول أخرى تسعى لمكافحة أي ظاهرة يمكن أن تقود إلى تطرف أو فكر يدفع بمعتنقيه إلى ممارسة أي نوع من أنواع الاعتداءات التي تدخل ضمن قائمة الممارسات الإرهابية، يعد إجهاضا لجهود الدول الجادة في مكافحة الإرهاب.
هذه إلماحة عن الموقف الدولي بصفة عامة. وأما المواقف الخاصة بالدول، فقد تقدمت الإشارة إلى نماذج من المواقف التي تتخذها بعض الدول دون تسمية لها.
[موقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب]
وبعد استعراض الموقف الدولي من الإرهاب، رأيت الحديث عن موقف المملكة العربية السعودية بصفة خاصة للحيثيات الآتية:
١ - أن الدول التي تم التنويه عن شيء من جهودها في مجال المكافحة القانونية
стр. 50
للإرهاب لا تعتمد في تأسيس قوانينها لمكافحة الإرهاب على المعتقد الديني، وإنما على الفكر والنظرة المدنية القانونية، ومن المهم استعراض الجهود القانونية لمكافحة الإرهاب لدولة تعتمد الدين منهج حياة وقانونا وتشريعا.
٢ - أن النظام الإسلامي، الذي هو نظام المملكة العربية السعودية، وما حواه من منهجية وقائية وتنظيمات علاجية عقابية لمكافحة الإرهاب يعد أقدم نظام ديني يتضمن أنظمة وقوانين لمواجهة جميع أشكال الإرهاب والجرائم المنظمة.
٣ - أن المملكة العربية السعودية تعد أنموذجا لشريحة كبيرة من العالم؛ حيث إنها تمثل العالم العربي والعالم الإسلامي، وهي الدولة التي ينظر إليها المسلمون على أنها الأنموذج الأمثل في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
٤ - أن المملكة العربية السعودية تعد من الدول التي تضررت كثيرا من الممارسات الإرهابية المنظمة سواء أكانت على هيئة عمليات إجرامية أم بث أفكار متطرفة تتولد عنها ممارسات إرهابية متنوعة من قبل أشخاص تحتضنهم دول أخرى.
٥ - ما توجهه بعض وسائل الإعلام الغربية من نقد مفترى لموقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب والإرهابيين.
موقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب: موقف المملكة من الإرهاب موقف متميز؛ لأن قدرها أن تكون دولة عقيدة ودين ومبادئ وأسس، ولهذا تحكم مواقفها بتلك السمات التي تفخر بالقيام عليها والتمسك بها والدعوة إليها. والإرهاب في مفهومه الواسع للمملكة منه موقف واضح منذ الأزل وهذا الموقف يقوم على أسس واضحة المعالم، حددت مسار المملكة ونظرتها نحو مشكلة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، ومن هذه الأسس: -
١ - أن المملكة دولة مسلمة يقوم حكمها على القرآن الكريم وسنة محمد ﷺ ، وقد تقدم إيضاح موقف الإسلام من الإرهاب، وهو عين موقف المملكة منه، موقف شرعي أزلي، موقف ديني يقوم على أن عدم التطبيق يعد معصية دينية. ولهذا فمكافحة
стр. 51
المملكة للإرهاب ليست وليدة اليوم، أو بسبب ما يتعرض له العالم في العصر الحديث من مشكلات وعمليات إرهابية، بل إنها تعد مكافحة الإرهاب جزءا لا ينفك عن تطبيقها لبقية أحكام الإسلام.
٢ - من يمحص النظر في تاريخ تأسيس المملكة على يد الملك عبد العزيز ﵀ يدرك أنها قامت على أساس محاربة الإرهاب الحقيقي- الحرابة وقطع الطريق وغيرها من صور الإرهاب- الذي كان سائدا في الجزيرة العربية آنذاك، وكانت تعاني منه شعوبها، فهي دولة تأسست على محاربة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، ومكافحة الجريمة، ونشر الأمن، والمحافظة على الأنفس والأعراض والأموال والمنجزات والمكتسبات، حتى تحقق لها ذلك بفضل الله.
ومن يدرك ذلك يعلم قدر ما عانته المملكة من صور الإرهاب، ومن صعوبات ومشكلات في بناء كيانها، فهذا الكيان لم يأت من فراغ. ولهذا فإن المحافظة عليه أمر لا يمكن المساومة عليه. وموقف المملكة من الإرهاب الذي تتعرض له المجتمعات الأخرى يقوم على مبدأ أن ما تجرعت مرارته لا يمكن أن ترضاه لغيرها، فهو موقف يجمع بين التأسيس على المبدأ الديني الشرعي القائم على ضرورة محاربة الإرهاب، والحاجة الفعلية إلى محاربة إرهاب الممارسة للقتل والنهب والسلب والإفساد في الأرض، وإرهاب الفكر والغلو الذي يدفع المؤمنين به إلى ارتكاب جرائم الإرهاب، أو العمل على دعمه أو تسويغه.
٣ - المملكة العربية السعودية عضو في هيئة الأمم المتحدة، وفي الهيئات والمنظمات المنبثقة عنها، وبالتالي فهي دولة ملتزمة بقرارات الشرعية الدولية، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، والعمل على تحجيمه ومعالجة أسبابه، وقد صادقت على معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي لعام ١٩٩٩ م، وكذا على اتفاقية الأمم المتحدة ولائحتها التنفيذية (اتفاقية فينا لعام ١٩٨٨ م) " كما صادقت على الاتفاقية العربية لعام ١٩٩٨ م لمكافحة الإرهاب، وغيرها من المعاهدات والاتفاقات الدولية والثنائية.
стр. 52
٤ - أن الهيئات الشرعية في المملكة العربية السعودية تعد من أول الهيئات العالمية التي أعلنت موقفا واضحا وحازما من شتى صور الإرهاب.
وفيما يأتي بعض من البيانات والفتاوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية:
قرار هيئة كبار العلماء رقم ١٤٨ وتاريخ ١٢ / ١ / ١٤٠٩ هـ. الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في مدينة الطائف ابتداء من ٨ / ١ / ١٤٠٩ إلى ١٢ / ١ / ١٤٠٩هـ بناء على ما ثبت لديه من وقوع عدة حوادث تخريب ذهب ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء وتلف بسببها كثير من الأموال والممتلكات والمنشآت العامة في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها، قام بها بعض ضعاف الإيمان أو فاقديه من ذوي النفوس المريضة والحاقدة، ومن ذلك: نسف المساكن وإشعال الحرائق في الممتلكات العامة والخاصة، ونسف الجسور والأنفاق، وتفجير الطائرات أو خطفها. وحيث لوحظ كثرة وقوع مثل هذه الجرائم في عدد من البلدان القريبة والبعيدة، وبما أن المملكة العربية السعودية كغيرها من البلدان عرضة لوقوع مثل هذه الأعمال التخريبية. فقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء ضرورة النظر في تقرير عقوبة رادعة لمن يرتكب عملا تخريبيا سواء كان موجها ضد المنشآت العامة والمصالح الحكومية، أو كان موجها لغيرها بقصد الإفساد والإخلال بالأمن.
وقد اطلع المجلس على ما ذكره أهل العلم من أن الأحكام الشرعية التي تدور من حيث الجملة على وجوب حماية الضروريات الخمس، والعناية بأسباب بقائها مصونة سالمة؛ وهي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال. وقد تصور المجلس الأخطار العظيمة التي تنشأ عن جرائم الاعتداء على حرمات المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم، وما تسببه الأعمال التخريبية من الإخلال بالأمن العام في البلاد
стр. 53
ونشوء حالة من الفوضى والاضطراب، وإخافة المسلمين على أنفسهم وممتلكاتهم، والله قد حفظ للناس أديانهم وأبدانهم وأرواحهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم بما شرعه من الحدود والعقوبات التي تحقق الأمن العام والخاص. ومما يوضح ذلك قوله : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] ، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] ، وتطبيق ذلك كفيل بإشاعة الأمن والاطمئنان، وردع من تسول له نفسه الإجرام والاعتداء على المسلمين في أنفسهم وممتلكاتهم. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم المحاربة في الأمصار وغيرها على السواء لقوله سبحانه: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] ، ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره. وقال أيضا: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر. ا. هـ والله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] [الأعراف: ٥٦] ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك. ا. هـ.
وقال القرطبي: نهى سبحانه عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر فهو على العموم على الصحيح من الأقوال ا. هـ.
وبناء على ما تقدم، ولأن ما سبق أيضا حد يفوق أعمال المحاربين الذين لهم أهداف خاصة يطلبون حصولهم عليها من مال أو عرض، وهؤلاء هدفهم زعزعة الأمن وتقويض بناء الأمة، واجتثاث عقيدتها، وتحويلها عن المنهج الرباني، فإن المجلس يقرر
стр. 54
بالإجماع ما يلي:
أولا: من ثبت شرعا أنه قام بعمل من أعمال التخريب والإفساد في الأرض، التي تزعزع الأمن بالاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة؛ كنسف المساكن أو المساجد أو المدارس أو المستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة لبيت المال، كأنابيب البترول، ونسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك، فإن عقوبته القتل لدلالة الآيات المتقدمة على أن مثل هذا الإفساد في الأرض يقتضي إهدار دم المفسد، ولأن خطر هؤلاء الذين يقومون بالأعمال التخريبية وضررهم أشد من خطر وضرر الذي يقطع الطريق، فيعتدي على شخص فيقتله أو يأخذ ماله، وقد حكم الله عليه بما ذكر في آية الحرابة.
ثانيا: أنه لا بد قبل إيقاع العقوبة المشار إليها في الفقرة السابقة من استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى براءة للذمة واحتياطا للأنفس، وإشعارا بما عليه هذه البلاد من التقيد بكافة الإجراءات اللازمة شرعا لثبوت الجرائم وتقرير عقابها.
ثالثا: يرى المجلس إعلان هذه العقوبة عن طريق وسائل الإعلام.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه،
صدر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
قرار هيئة كبار العلماء عقب حادث العليا عام ١٤١٦ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، وبعد:
فإن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية علمت ما حدث من التفجير الذي وقع في حي العليا بمدينة الرياض قرب الشارع العام ضحوة يوم الاثنين ٢٠ / ٦ / ١٤١٦ هـ، وأنه قد ذهب ضحيته نفوس معصومة، وجرح بسببه آخرون، وروع آمنون، وأخيف عابرو السبيل. ولذا فإن الهيئة تقرر أن هذا اعتداء آثم وإجرام شنيع، وهو خيانة وغدر وهتك لحرمات الدين في الأنفس، والأموال، والأمن
стр. 55
والاستقرار، ولا يفعله إلا نفس فاجرة، مشبعة بالحقد، والخيانة، والحسد، والبغي والعدوان، وكراهية الحياة والخير، ولا يختلف المسلمون في تحريمه ولا في بشاعة جرمه وعظيم إثمه، والآيات والأحاديث في تحريم هذا الإجرام وأمثاله كثيرة معلومة.
وإن الهيئة إذ تقرر تحريم هذا الإجرام، تحذر من نزعات السوء، ومسالك الجنوح الفكري، والفساد العقدي والتوجه المردي، وإن النفس الأمارة بالسوء إذا أرخى لها المرء العنان ذهبت به مذاهب الردى، ووجد الحاقدون فيها مدخلا لأغراضهم وأهوائهم التي يبثونها في قوالب التحسين، والواجب على كل من علم شيئا عن هؤلاء المخربين أن يبلغ عنهم الجهة المختصة.
وقد حذر الله- سبحانه- في محكم التنزيل من دعاة السوء والمفسدين في الأرض، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ - وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦] [البقرة: ٢٥٤- ٢٠٦] ، نسأل الله- سبحانه- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يهتك ستر المعتدين على حرمات الآمنين، وأن يكف البأس عنا وعن جميع المسلمين، وأن يحمي هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين لما فيه صلاح العباد والبلاد، إنه خير مسئول.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
صدر عن مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
قرار هيئة كبار العلماء في أعقاب تفجير الخبر عام ١٤١٧ هـ: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في جلسته الاستثنائية العاشرة المنعقدة في مدينة الطائف يوم السبت ١٣ / ٢ / ١٤١٧ هـ استعرض حادث
стр. 56
التفجير الواقع في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية مساء الثلاثاء ٩ / ٢ / ١٤١٧ هـ وما حصل بسبب ذلك من قتل وتدمير وترويع، وإصابة لكثير من الناس من المسلمين وغيرهم.
وإن المجلس بعد النظر والدراسة والتأمل قرر بالإجماع ما يلي:
أولا: إن هذا التفجير عمل إجرامي محرم شرعا بإجماع المسلمين، وذلك للأسباب الآتية:
١ - في هذا التفجير هتك لحرمات الإسلام المعلومة منه بالضرورة: هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمات الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغدوهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها. وما أبشع وأعظم جريمة من تجرأ على حرمات الله وظلم عباده، وأخاف المسلمين والمقيمين بينهم، فويل له ثم ويل له من عذاب الله ونقمته، ومن دعوة تحيط به، نسأل الله أن يكشف ستره، وأن يفضح أمره.
٢ - إن النفس المعصومة في حكم شريعة الإسلام هي كل مسلم، وكل من بينه وبين المسلمين أمان كما قال الله تعالى في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] [النساء: ٩٢] ، فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمدا، فإن الجريمة تكون أعظم والإثم يكون أكبر، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة» .
فلا يجوز التعرض لمستأمن بأذى، فضلا عن قتله في مثل هذه الجريمة الكبيرة النكراء، وهذا وعيد شديد لمن قتل معاهدا، وأنه كبيرة من الكبائر المتوعد عليها بعدم دخول القاتل الجنة، نعوذ بالله من الخذلان.
٣ - إن هذا العمل الإجرامي يتضمن أنواعا من المحرمات في الإسلام بالضرورة من غدر وخيانة وبغي وعدوان وإجرام آثم وترويع للمسلمين وغيرهم. وكل هذه قبائح منكرة يأباها ويبغضها الله ورسوله والمؤمنون.
ثانيا: إن المجلس إذ يبين تحريم هذا العمل الإجرامي في الشرع المطهر، إنه يعلن للعالم أن الإسلام بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة،
стр. 57
فهو يحمل أثمه وجرمه، فلا يحتسب عمله على الإسلام، ولا على المسلمين المهتدين بهدى الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المستمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة، ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه، محذرة من مصاحبة أهله قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ - وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ - وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦] [البقرة: ٢٠٤- ٢٠٦] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] [المائدة: ٣٣] .
ونسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكشف ستر هؤلاء الفعلة المعتدين، وأن يمكن منهم لينفذ فيهم حكم شرعه المطهر، وأن يكف البأس عن هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين، وأن يوفق خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وحكومته وجميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد وقمع الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، وأن يصلح أحوال المسلمين جميعا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
صدر عن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.
قرار هيئة كبار العلماء حول تفجيرات الرياض عام ١٤٢٤ هـ: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه. أما بعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في جلسته الاستثنائية المنعقدة في مدينة الرياض يوم الأربعاء ١٣ / ٣ / ١٤٢٤ هـ استعراض حوادث التفجيرات التي وقعت في مدينة الرياض مساء يوم الاثنين ١١ / ٣ / ١٤٢٤ هـ وما حصل بسبب ذلك من قتل وتدمير وترويع وإصابات لكثير من الناس من المسلمين وغيرهم.
ومن المعلوم أن شريعة الإسلام قد جاءت بحفظ الضروريات الخمس وحرمت
стр. 58
الاعتداء عليها وهي: الدين والنفس والمال والعرض والعقل.
ولا يختلف المسلمون في تحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة في دين الإسلام؛ إما أن تكون مسلمة، فلا يجوز بحال الاعتداء على النفس المسلمة وقتلها بغير حق، ومن فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب العظام، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] [النساء: ٩٣] ، ويقول سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] [المائدة: ٣٢] ، قال مجاهد ﵀ في الإثم: وهذا يدل على عظم قتل النفس بغير حق. ويقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة» . متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
ويقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» . متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄.
وفي سنن النسائي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» .
ونظر ابن عمر ﵄ يوما إلى البيت أو إلى الكعبة، فقال: "ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ".
كل هذه الأدلة- وغيرها كثير- تدل على عظم حرمة دم المرء المسلم وتحريم قتله لأي سبب من الأسباب إلا ما دلت عليه النصوص الشرعية، فلا يحل لأحد أن يعتدي على مسلم بغير حق، يقول أسامة بن زيد ﵄: «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة، فصبحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا
стр. 59
بلغ النبي ﷺ فقال: " يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذا. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» . متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
وهذا يدل أعظم الدلالة على حرمة الدماء، فهذا رجل مشرك وهم مجاهدون في ساحة القتال، لما ظفر به وتمكنوا منه نطق بالتوحيد، فتأول أسامة ﵁ قتله على أنه ما قالها إلا ليكفا عن قتله، ولم يقبل النبي ﷺ عذره وتأويله. وهذا من أعظم ما يدل على حرمة دماء المسلمين وعظيم جرم من يتعرض لها.
كما أن دماء المسلمين محرمة، فإن أموالهم محرمة محترمة بقول النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» ، أخرجه مسلم، وهذا الكلام قاله النبي ﷺ في خطبة يوم عرفة. وأخرج البخاري ومسلم نحوه في خطبة يوم النحر.
ومما سبق يتبين تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق.
ومن الأنفس المعصومة في الإسلام أنفس المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» . أخرجه البخاري.
ومن أدخله ولي الأمر المسلم بعقد أمان وعهد، فإن نفسه وماله معصومان لا يجوز التعرض له، ومن قتله، فإنه كما قال النبي ﷺ : «لم يرح رائحة الجنة» . وهذا وعيد شديد لمن تعرض للمعاهدين، ومعلوم أن أهل الإسلام ذمتهم واحدة، يقول النبي ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» .
ولما أجارت أم هانئ ﵂ رجلا مشركا عام الفتح، وأراد علي بن أبي طالب ﵁ أن يقتله ذهبت للنبي ﷺ فأخبرته، فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» أخرجه البخاري ومسلم.
والمقصود أن من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الأمر لمصلحة رآها، فلا يجوز التعرض له ولا الاعتداء لا على نفسه ولا ماله.
стр. 60
إذا تبين هذا، فإن ما وقع في مدينة الرياض من حوادث التفجير أمر محرم لا يقره دين الإسلام، وتحريمه جاء من وجوه:
١ - أن هذا العمل اعتداء على حرمة بلاد المسلمين وترويع للآمنين فيها.
٢ - أن هذا من الإفساد في الأرض.
٣ - أن فيه إتلافا للأموال المعصومة.
وإن مجلس هيئة كبار العلماء إذ يبين حكم هذا الأمر، ليحذر المسلمين من الوقوع في المحرمات المهلكات، ويحذرهم من مكائد الشيطان، فإنه لا يزال بالعبد حتى يوقعه في المهالك؛ إما بالغلو بالدين، وإما بالجفاء عنه ومحاربته والعياذ بالله. والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر من العبد؛ لأن كلا طريقي الغلو والجفاء من سبل الشيطان التي توقع صاحبها في غضب الرحمن وعذابه.
وما قام به من نفذوا هذه العمليات من قتل أنفسهم بتفجيرها، فهو داخل في عموم قول النبي ﷺ : «من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة» . أخرجه أبو عوانة في مستخرجه من حديث ثابت بن الضحاك ﵁.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن شرب سما فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا» . وهو في البخاري بنحوه.
ثم ليعلم الجميع أن الأمة الإسلامية اليوم تعاني من تسلط الأعداء عليها من كل جانب، وهم يفرحون بالذرائع التي تبرر لهم التسلط على أهل الإسلام وإذلالهم واستغلال خيراتهم. فمن أعانهم في مقصدهم، وفتح على المسلمين وبلاد الإسلام ثغرا لهم فقد أعان على انتقاص المسلمين والتسلط على بلادهم وهذا من أعظم الجرم.
كما أنه يجب العناية بالعلم الشرعي المؤصل من الكتاب والسنة وفق فهم سلف الأمة، وذلك في المدارس والجامعات، وفي المساجد ووسائل الإعلام. كما أنه تجب
стр. 61
العناية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي على الحق؛ فإن الحاجة- بل الضرورة- داعية إليه الآن أكثر من أي وقت مضى، وعلى شباب المسلمين إحسان الظن بعلمائهم والتلقي عنهم، وليعلموا أن مما يسعى إليه أعداء الدين الوقيعة بين شباب الأمة وعلمائها، وبينهم وبين حكامهم حتى تضعف شوكتهم، وتسهل السيطرة عليهم، فالواجب التنبه لهذا.
وقى الله الجميع كيد الأعداء. . وعلى المسلمين تقوى الله في السر والعلن والتوبة الصادقة الناصحة من جميع الذنوب، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة. نسأل الله أن يصلح حال المسلمين، ويجنب بلاد المسلمين كل سوء ومكروه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
قرار هيئة كبار العلماء حول الأحداث الأخيرة ١٤٢٤ هـ. صدر عن هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية البيان التالي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. . أما بعد:
فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والخمسين التي انعقدت في مدينة الطائف ابتداء من تاريخ ١١ / ٦ / ١٤٢٤ هـ قد استعرض ما جرى مؤخرا في المملكة العربية السعودية من تفجيرات استهدفت تخريبا وقتل أناس معصومين، وأحدثت فزعا وإزعاجا.
كما استعرض ما اكتشف من مخازن للأسلحة ومتفجرات خطيرة معدة للقيام بأعمال تخريب ودمار في هذه البلاد التي هي حصن الإسلام وفيها حرم الله وقبلة المسلمين ومسجد رسول الله ﷺ . ولأن مثل هذه الاستعدادات الخطيرة المهيأة لارتكاب الإجرام من أعمال التخريب والإفساد في الأرض مما يزعزع الأمن، ويحدث قتل الأنفس، وتدمير الممتلكات الخاصة والعامة، ويعرض مصالح الأمة لأعظم الأخطار، ونظرا لما يجب على علماء البلاد من البيان تجاه هذه الأخطار من وجوب التعاون بين أفراد الأمة كافة لكشفها، ودفع شرها، والتحذير منها، وتحريم السكوت
стр. 62
عن الإبلاغ عن كل خطر يبيت ضد هذا الأمن، رأى المجلس وجوب البيان لأمور تدعو الضرورة إلى بيانها في هذا الوقت براءة للذمة، ونصحا للأمة، وإشفاقا على أبناء المسلمين من أن يكونوا أداة فساد وتخريب وأتباعا لدعاة الضلالة والفتنة والفرقة، وقد أخذ الله تعالى على أهل العلم الميثاق أن يبينوا للناس، قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] [آل عمران: ١٨٧] .
لذلك كله، وتذكيرا للناس، وتحذيرا من التهاون في أمر الحفاظ على سلامة البلاد من الأخطار فإن المجلس يرى بيان ما يلي:
أولا: أن القيام بأعمال التخريب والإفساد من تفجير وقتل وتدمير للممتلكات عمل إجرامي خطير، وعدوان على الأنفس المعصومة، وإتلاف للأموال المحترمة؛ فهو مقتض للعقوبات الشرعية الزاجرة الرادعة عملا بنصوص الشريعة ومقتضيات حفظ سلطانها وتحريم الخروج على من تولى أمر الأمة فيها، يقول النبي ﷺ : «من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتلك تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه» . أخرجه مسلم.
ومن زعم أن هذه التخريبات وما يراد من تفجير وقتل من الجهاد، فذلك جاهل ضال، فليس من الجهاد في سبيل الله في شيء.
ومما سبق، فإنه قد ظهر وعلم أن ما قام به أولئك ومن وراءهم إنما هو من الإفساد والتخريب والضلال المبين، وعليهم تقوى الله ، والرجوع إليه، والتوبة والتبصر في الأمور، وعدم الانسياق وراء عبارات وشعارات فاسدة ترفع لتفريق الأمة وحملها على الفساد، وليس في حقيقتها من الدين، وإنما هي من تلبيس الجاهلين والمغرضين، وقد تضمنت نصوص الشريعة عقوبة من يقوم بهذه الأعمال ووجوه ردعه والزجر عن ارتكاب مثل عمله، ومرد الحكم بذلك إلى القضاء.
стр. 63
ثانيا: وإذ تبين ما سبق، فإن مجلس هيئة كبار العلماء يؤيد ما تقوم به الدولة- أعزها الله بالإسلام- من تتبع لتلك الفئة والكشف عنهم لوقاية البلاد والعباد شرهم، ولدرء الفتنة عن ديار المسلمين وحماية بيضتهم، ويجب على الجميع أن يتعاونوا في القضاء على هذا الأمر الخطير؛ لأن ذلك من التعاون على البر والتقوى الذي أمرنا الله به في قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] [المائدة: ٢] .
ويحذر المجلس من التستر على هؤلاء أو إيوائهم؛ فإن هذا من كبائر الذنوب، وهو داخل في عموم قول النبي ﷺ : «لعن الله من آوى محدثا» . متفق عليه. وقد فسر العلماء "المحدث " في هذا الحديث بأنه من يأتي بفساد في الأرض.
فإذا كان هذا الوعيد الشديد فيمن آواهم، فكيف من أعانهم أو أيد فعلهم؟
ثالثا: يهيب المجلس بأهل العلم أن يقوموا بواجبهم، ويكثفوا إرشاد الناس في هذا الشأن الخطير ليتبين بذلك الحق.
رابعا: يستنكر المجلس ما يصدر من فتاوى وآراء تسوغ هذا الإجرام أو تشجع عليه؛ لكونه من أخطر الأمور وأشنعها. وقد عظم الله شأن الفتوى بغير علم، وحذر عباده منها، وبين أنها من أمر الشيطان؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] [البقرة: ١٦٨] ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] [النحل: ١١٦] ، ويقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] [الإسراء: ٣٦] . وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص من آثامهم شيء» . متفق عليه.
ومن صدر منه مثل هذه الفتاوى أو الآراء التي تسوغ هذا الإجرام، فإن على ولي الأمر إحالته إلى القضاء ليجري نحوه ما يقتضيه الشرع نصحا للأمة وإبراء للذمة وحماية للدين، وعلى من آتاه الله العلم التحذير من الأقاويل الباطلة وبيان فسادها
стр. 64
وكشف زورها. ولا يخفى أن هذا من أهم الواجبات، وهو من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. ويعظم خطر تلك الفتاوى إذا كان المقصود بها زعزعة الأمن وزرع الفتن والقلاقل، ومن القول في دين الله بالجهل والهوى؛ لأن ذلك استهداف للأغرار من الشباب ومن لا علم عنده بحقيقة هذه الفتاوى والتدليس عليهم بحججها الواهية، والتمويه على عقولهم بمقاصدها الباطلة، وكل هذا شنيع وعظيم في دين الإسلام، ولا يرتضيه أحد من المسلمين ممن عرف حدود الشريعة، وعقل أهدافها السامية ومقاصدها الكريمة، وعمل هؤلاء المتقولين على العلم من أعظم أسباب تفريق الأمة ونشر العداوات بينها.
خامسا: على ولي الأمر منع الذين يتجرأون على الدين والعلماء، ويزينون للناس التساهل في أمور الدين والجرأة عليه وعلى أهله، ويربطون بين ما وقع وبين التدين والمؤسسات الدينية.
وإن المجلس ليستنكر ما يتفوه به بعض الكتاب من ربط هذه الأعمال التخريبية بالمناهج التعليمية، كما يستنكر استغلال هذه الأحداث للنيل من ثوابت هذه الدولة المباركة القائمة على عقيدة السلف الصالح، والنيل من الدعوة الإصلاحية التي قام بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀.
سادسا: إن دين الإسلام جاء بالأمر بالاجتماع، وأوجب الله ذلك في كتابه، وحرم التفرق والتحزب، يقول الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] [آل عمران: ١٠٣] ، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] [الأنعام: ١٥٩] ، فبرأ الله رسوله ﷺ من الذين فرقوا دينهم وحزبوه، وكانوا شيعا. وهذا يدل على تحريم التفرق، وأنه من كبائر الذنوب.
وقد علم من الدين بالضرورة وجوب لزوم الجماعة، وطاعة من تولى إمامة المسلمين في طاعة الله بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] [النساء: ٥٩] ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك. .» . أخرجه مسلم.
стр. 65
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفق عليه. وقد سار على هذا سلف الأمة من الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم في وجوب السمع والطاعة.
لكل ما تقدم ذكره، فإن المجلس يحذر من دعاة الضلالة والفتنة والفرقة، الذين ظهروا في هذه الأزمان، قلبوا على المسلمين أمرهم، وحرضوهم على معصية ولاة أمرهم والخروج عليهم، وذلك من أعظم المحرمات، يقول النبي ﷺ : «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنا من كان» . أخرجه مسلم.
وفي هذا تحذير لدعاة الضلالة والفتنة والفرقة، وتحذير لمن سار في ركابهم عن التمادي في الغي المعرض لعذاب الدنيا والآخرة. والواجب التمسك بهذا الدين القويم، والسير فيه على الصراط المستقيم المبني على الكتاب والسنة وفق فهم الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان، ووجوب تربية النشء والشباب على هذا المنهاج القويم والصراط المستقيم، حتى يسلموا- بتوفيق من الله- من التيارات الفاسدة ومن تأثير دعاة الضلالة والفتنة والفرقة، وحتى ينفع الله بهم أمة الإسلام، ويكونوا حملة علم وورثة للأنبياء، وأهل خير وصلاح وهدى، ويكرر التأكيد على وجوب الالتفاف حول قيادة هذه البلاد وعلمائها، ويزداد الأمر تأكدا في مثل هذه الأوقات، أوقات الفتن، كما يحذر الجميع حكاما ومحكومين من المعاصي والتساهل في أمر الله، فشأن المعاصي خطير، وليحذروا من ذنوبهم، وليستقيموا على أمر الله، ويقيموا شعائر دينهم، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
وقى الله بلادنا وجميع بلاد المسلمين كل سوء، وجمع الله كلمة المسلمين على الحق والهدى، وكبت الله أعداءه أعداء الدين، ورد كيدهم في نحورهم، إنه سبحانه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
стр. 66
٥ - وفي الوقت الذي كان لهيئة كبار العلماء هذا الموقف الشرعي الواضح، فإن لقيادة المملكة وكبار المسئولين فيها مواقف جلية واضحة، اعتمدت الموقف الشرعي الذي أعلنته هيئة كبار العلماء، وكذا الموقف الأزلي للمملكة، وهو الوقوف في وجه كل من تسول له نفسه العبث بأمن هذا الوطن ومقدراته ومكتسباته ومنجزاته خاصة والعالم عامة؛ لأن ذلك من الإفساد في الأرض والإخلال بالأمن والقتل للأنفس المعصومة والتضييع للمال.
وقد كان لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود الموقف الواضح والصريح المعلن أن المملكة العربية السعودية تدين كل اعتداء يستهدف الإخلال بأمن المجتمع الدولي ويعرض سكان العالم وممتلكاتهم للخطر، وأن المملكة لن تتوانى في مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، وأنها تدعو العالم بأسره إلى الوقوف بحزم وقوة في معالجة أسباب الإرهاب الدولي، والعمل على استتباب الأمن والاستقرار الدولي، خاصة في ظل الاتفاق الدولي على أن الإرهاب لا دين له ولا وطن.
ومما قاله في هذا الصدد: "إن شعبنا السعودي النبيل من منطلق إيمانه بثوابته الإسلامية وقيمه العربية يرفض الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، ولن يسمح لفئة من الإرهابيين المنحرفين أن يمسوا الوطن وسلامة أبنائه والمقيمين فيه، ولن يسمح إن شاء الله بوجود فكر يشجع الإرهاب ويغذيه حتى عندما يحاول هذا الفكر الضال التظاهر بالتدين، والدين الحنيف من الإرهاب وفكر الإرهاب براء".
أما الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، فقد أوضح أن المملكة العربية السعودية تقف صفا واحدا في مواجهة الإرهاب ومكافحته، فقال: " الشعب السعودي بأكمله- بشيوخه وأطفاله ونسائه ورجاله- يقف صفا واحدا متماسكا يدين هذا العمل الشائن، ويتبرأ من فاعليه، ويدافع بالنفس والنفيس عن هذا الوطن ". ثم يقول: "لا مكان للإرهاب، بل الردع الحاسم له، ولكل فكر يغذيه، ولكل رأي يتعاطف معه ".
كما كان للأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء
стр. 67
ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام كلماته المعبرة عن موقف ثابت وصريح من الإرهاب، وأن بناء القوات المسلحة في المملكة العربية السعودية بكافة قطاعاتها إنما هو للوقوف بحزم في وجه الإرهاب أيا كان مصدره أو موطنه أو طريقته، وأنه لا مكان للإرهاب على تراب المملكة العربية السعودية، ولا تراجع عن المواقف الحازمة والصريحة من كل ما يلحق ضررا بالمصالح العامة والخاصة ويعرض البشرية للخطر.
وأما الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود وزير الداخلية، فقد أبان في أكثر من مناسبة أن كل مواطن على أرض هذا الوطن يعد رجل أمن يذود عنه بدمه وماله، وأن الجميع يد واحدة في وجه الإرهاب ومواجهة الإرهابيين وكشف عوارهم، وأن هذا الموقف نابع من عقيدتنا الإسلامية السامية التي فيها كل الخير للبشرية. كما أكد أن المملكة ما كانت- ولن تكون إن شاء الله- يوما من الأيام متأخرة في مكافحة الإرهاب ونبذ فكر الانحراف والغلو والتطرف وتفنيده، والتحذير منه، انطلاقا من عقيدتها ودينها ومبادئها الثابتة.
٦ - وأما في جانب التوجيه والتوعية، فإن المملكة العربية السعودية لا تتوانى في استخدام كل منبر متاح وكل مناسبة لإيضاح الموقف الإسلامي من الإرهاب وموقفها الأزلي منه، وهذه هي الرسالة التي حملها أئمة المساجد والخطباء والدعاة من خلال كلماتهم ودروسهم وخطبهم ومحاضراتهم. كما أسهمت وسائل الإعلام ورجاله بنصيب وافر من التوعية وفضح عوار الإرهاب والفكر الإرهابي، حتى يكون معلوما لعموم المواطنين والمقيمين وكذا نقل ذلك إلى المسلمين خارج المملكة العربية السعودية.
وانطلاقا من تلك الأسس، فقد قامت المملكة بجهود كثيرة ومتنوعة بعضها معلن معروف للعامة، والكثير غير معلن، ومما قامت به المملكة حتى الآن من جهود معلنة لمكافحة الإرهاب بشتى صوره وأشكاله ما يأتي: -
- إعلانها المستمر للانضمام إلى أي جهود دولية تحت مظلة الأمم المتحدة لتعريف ظاهرة الإرهاب بمختلف أشكاله دون تفريق بين أنواعه المختلفة.
- الإعلان عن تجريم ظاهرة الإرهاب ومعاقبة مرتكبيها.
стр. 68
- قيام كثير من الأئمة والدعاة وخطباء المساجد والعلماء بتوعية الناس بالموقف الشرعي من الإرهاب، وقتل الأنفس المعصومة، والغلو والتطرف في المواقف، وعدم الوسطية والاعتدال في المنهج، وما يسببه ذلك للمسلمين من مشكلات، وما يجره عليهم من مصائب، فضلا عن مخالفته لأحكام الشرع المطهر.
- بالإضافة إلى تدريس العلوم الشرعية التي تفند الإرهاب، وتحدد الأحكام الشرعية على مرتكبيه، فإن المملكة تدرس مادة خاصة بمكافحة الإرهاب في بعض المناهج العلمية في المؤسسات التعليمية.
- إنشاء لجان متخصصة بمكافحة الإرهاب على المستوى الداخلي والدولي، والتعاون مع الدول والهيئات الدولية في مجال مكافحة الإرهاب.
- تجاوبها مع اللجنة الخاصة بمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن، المنشأة بالقرار ذي الرقم ١٣٧٦ لعام ٢٠٠١ م حيث قدمت المملكة تقريرا إليها عما قامت به من جهود في مكافحة الإرهاب.
- إنشاء وحدات مختصة بمتابعة الأموال التي يمكن أن يساء استخدامها لتمويل الإرهاب. وصدر في المملكة نظام مكافحة غسل الأموال واعتبارها جريمة يعاقب عليها وفق قانون الجنايات.
- وضع تشريعات وتنظيمات للقطاع المصرفي للتأكد من سلامة الإجراءات وتحديث المعلومات.
- اتخاذ إجراءات وتنظيمات في مجال ضبط وتنظيم العمل الخيري الذي تقوم به المؤسسات الخيرية الأهلية، وقد أغلقت بعض المكاتب التي وجد عليها ملحوظات، أو مخالفة لتلك الإجراءات والتعليمات.
وهذه أمثلة فقط على جهود المملكة في مجال مكافحة الإرهاب، وحصر هذه الجهود يطول، بل يحتاج إلى بحث متخصص في هذا الموضوع.
стр. 69
[الخاتمة]
الخاتمة لعله، ومن خلال استعراض موضوع تعريف الإرهاب ومفهومه، وعرض شيء من أسبابه وخصائصه، وإلماحة سريعة إلى الموقف منه، يتبين أننا أمام موضوع يحتاج إلى مزيد من الدراسات والمناقشات من خلال تنظيم مؤتمرات أو ندوات عالمية متخصصة يتجلى من خلالها ما يجب أن يقوم به أفراد هذا العالم، رؤساء ومرؤوسين، من خلال الدول أو المنظمات والهيئات الدولية المتخصصة.
وفي الختام، فإنه يمكن استخلاص النتائج والتوصيات التي يمكن أن ينظر من خلالها إلى مزيد مناقشة وبحث لما لم تستطع هذه المحاولة تناوله ومناقشته وبحثه، أو ما لم تتوصل فيه إلى تبني رأي معين.
ولهذا فإن من المناسب التنويه عن الأمور الآتية: -
١ - إن رجال العلم والقانون والمؤسسات الرسمية مطالبون بوضع تعريف موحد ومحدد ومقيس للإرهاب، وذلك من خلال لقاءات وندوات ومؤتمرات دولية، حتى يمكن تحديد الإرهاب ومواجهته بكافة صوره وأشكاله.
٢ - إن على المؤسسات الدينية في العالم، من خلال منابرها، مسئولية العمل على توجيه الناس وتوعيتهم بخطر الإرهاب، وضرورة الوقوف صفا واحدا في مواجهته.
٣ - تقع على المؤسسات التعليمية في العالم، ورجال التعليم، مسئولية تعليم النشء وتربيتهم وتوعيتهم بمفاسد الانحراف الفكري، وما ينتج عنه من انحراف في السلوك والتصرفات التي تضر بالمصالح العامة للناس.
٤ - مسئولية المؤسسات الإسلامية الرسمية والخيرية، والمراكز الإسلامية في العالم عن تبيين سماحة الإسلام ووسطيته وبعده عن الغلو والتطرف والاعتداء على الناس، وتنظيم ندوات ومحاضرات علمية ولقاءات عامة وخاصة لإلقاء مزيد من الضوء على سماحة الإسلام ويسره، ودعوة غير المسلمين إلى تلك المحاضرات واللقاءات.
٥ - تنظيم المزيد من المحاضرات والندوات العلمية ذات الصلة بالتوعية بأخطار
стр. 70
الإرهاب على المستوين الداخلي لكل دولة والدولي، وذلك عن طريق الهيئات والمجامع والمراكز الثقافية المحلية والعالمية، مع ترجمة بعض الكتب العلمية، التي تصدر عن المؤسسات والمجامع العلمية، والعناية بسلامة الترجمة، لما تحدثه بعض الترجمات من فهم يخالف المراد.
٦ - العمل على إنشاء مؤسسات وهيئات محلية- داخل كل دولة- وإقليمية تعنى بالتعاون فيما بينها على مكافحة الإرهاب من خلال التوعية الثقافية والميدانية.
٧ - عناية وسائل الإعلام ورجاله بالتوعية الإعلامية، وتحري الدقة في النقل، واختيار الشخصيات المسئولة للنقل عنها، والعرض والتحليل لكل ما يتم عرضه مما له علاقة بأسباب الإرهاب وحركاته في العالم.
٨ - بذل المزيد من الجهود الإعلامية والتوعوية، وعقد لقاءات فيما بين المؤسسات الإعلامية من أجل وضع استراتيجية إعلامية دولية لمعالجة الفكر المنحرف ومكافحة الإرهاب.
٩ - المسئولية الأدبية والقانونية لدول العالم عن مكافحة الإرهاب ومعالجة أسبابه تستدعي عدم إيواء الأشخاص أو المنظمات أو الحركات ذات الفكر الذي يقود إلى الإرهاب أو تكوين خلايا إرهابية في دولها.
стр. 71
المؤلف الدكتور عبد الرحمن المطرودي.
* تخرج في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
* حصل على الماجستير في علم الاجتماع من بريطانيا.
* حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من بريطانيا.
* عين أستاذا مساعدا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
* عمل وكيلا مساعدا للشؤون الإسلامية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.
* يعمل وكيلا لشؤون الأوقاف.
* البحوث والمشاركات: - المشاركة في بعض المقالات الصحفية.
- إعداد بعض البحوث التي لم تنشر بعد، منها:
- الشائعات وأثرها في حياة الناس.
- خواطر حول مفهوم الإرهاب والموقف منه.
- جهود المملكة العربية السعودية في مجال الأوقاف: في عهد الملك عبد العزيز ﵀، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين.
- النشاط المدرسي غير الصيفي- وجهة نظر تربوية إسلامية- غير منشور. - الدعوة في منطقة الرياض (منشور ضمن بحوث الأمانة العامة للاحتفاء بمرور مائة عام على تأسيس المملكة) .
- شارك في الإشراف على بعض الرسائل العلمية ومناقشة خططها.